النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون. سورة المؤمنون.
تعالى (تطهرهم وتزكيهم بها). ( والثانى) وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب فى الأموال
خاصة وهذا هو الأقرب. لأن هذه اللفظة قد اختصت فى الشرع بهذا المعنى، فان قيل إنه لا يقال
فى الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة، قلنا قال صاحب الكشاف: الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى ،
فالعين القدر الذى يخرجه المزكى من النصاب إلى الفقير ، والمعنى فعل المزكى الذى هو التزكية وهو
الذى أراد الله تعالى جعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن
معناه بالفعل . ويقال لمحدثه فاعل، يقال للضارب فاعل الضرب، وللقاتل فاعل القتل، وللمزكى
فاعل الزكاة، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة العين ، ويقدر مضاف محذوف وهو
الأداء فان قيل إن الله تعالى هناك لم يفصل بين الصلاة والزكاة، فلم فصل ههنا بينهما بقوله (والذين
هم عن اللغو معرضون)؟ قلنا لان الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة.
﴿ الصفة الخامسة) قوله تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أوما
ماملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) وفيه سؤالات :
﴿ السؤال الأول) لم لم يقل إلا عن أزواجهم (الجواب) قال الفراء معناه إلا من أزواجهم
وذكر صاحب الكشاف فيه ثلاثة أوجه (أحدها ) أنه فى موضع الحال أى إلا والين على
أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك كان فلان على فلانة ، ونظيره كان زياد على البصرة أى والياً
عليها، ومنه قولهم فلانة تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشاً. والمعنى أنهم لفروجهم حافظون فى
فى كافة الأحوال إلا فى حال تزوجهم أو تسريهم ( وثانيها ) أنه متعلق بمحذوف يدل عليه غير
ملومين كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أى يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم
غير ملومين عليه وهو قول الزجاج (وثالثها) أن تجعله صلة لحافظين .
﴿السؤال الثانى) هلا قيل من ملكت (الجواب) لأنه اجتمع فى السرية وصفان (أحدهما)
الأنوثة وهى مظنة نقصان العقل والآخر كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع، فلا جتماع هذين
الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء.
﴿ السؤال الثالث) هذه الآية تدل على تحريم المتعة على ما يروى عن القاسم بن محمد
(الجواب) نعم وتقريره أنها ليست زوجة له فوجب أن لاتحل له، وإنما قلنا إنها ليست زوجة له
لأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل التوارث لقوله تعالى (ولكم نصف ماترك
أزواجكم) وإذا ثبت أنها ليست بزوجة له وجب أن لا تحل له لقوله تعالى ( إلا على أزواجهم أو
ما ملكت أيمانهم) وهو أعلم.
﴿ السؤال الرابع) أليس لا يحل له فى الزوجة وملك اليمين الاستمتاع فى أحوال كمال
الحيض وحال العدة وفى الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها ، وكذا الغلام داخل فى ظاهر
قوله تعالى (أو ما ملكت أيمانهم) (والجواب) من وجهين (أحدهما) أن مذهب أبى حنيفة
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ٦
:

٨٢
قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون. سورة المؤمنون.
رحمه اللّه أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً واحتج عليه بقوله عليه السلام ((لاصلاة إلا بطهور
ولا نكاح إلا بولى)) فان ذلك لا يقتضى حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور وحصول النكاح
بمجرد حصول الولى. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله ( والذين هم
لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ) معناه أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا فى هاتين
الصورتين فانى ما ذكرت حكمهما لا بالنفى ولا بالاثبات ( الثانى) أنا إن سلمنا أن الاستثناء من
النفى إثبات ، فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة .
أما قوله تعالى ( فأولئك هم العادون ) يعنى الكاملون فى العدوان المتناهون فيه .
﴿ الصفة السادسة) قوله تعالى (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) قرأ نافع وابن كثير
(لأمانتهم) وأعلم أنه يسمى الشىء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً، ومنه قوله تعالى (إن الله
يأمر كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) وقال ( وتخونو! أماناتكم) وإنما تؤدى العيون دون المعانى
فكان المؤتمن عليه الأمانة فى نفسها والعهد، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضاً على
ما أمر الله تعالى به كقوله ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا) والراعى القائم على الشىء لحفظ
وإصلاح كراعى الغنم وراعى الرعية، ويقال من راعى هذا الشىء؟ أى متوليه. واعلم أن الأمانة
تتناول كل ما تركه يكون داخلا فى الخيانة وقد قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله
والرسول وتخونوا أماناتكم) فمن ذلك العبادات التى المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل فى
ذلك، لأنها إما أن تخفى أصلا كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفى كيفية إتيانه بها وقال
عليه السلام ((أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته)) وعن ابن مسعود رضى الله عنه ((أول ما تفقدون
من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة)) ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به
كالودائع والعقود وما يتصل بهما. ومن ذلك الأقوال التى يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن فى
ذلك ، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره ، وأما العهد فانه دخل فيه العقود
والايمان والنذور، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر فى حصول الفلاح.
﴿ الصفة السابعة) قوله ( والذين هم على صلواتهم يحافظون) وإنما أعاد تعالى ذكرها لأن
الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين، فإن الخشوع صفة للمصلى فى حال الأداء لصلاته
والمحافظة إنما تصح حال مالم يؤدها بكمالها . بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة
وغيرهما والقيام على أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه فى كل وقت، ثم لما ذكر الله
تعالى مجموع هذه الأمور قال ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)
وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول ) لم سمى ما يحدونه من الثواب والجنة بالميراث؟ مع أنه سبحانه حكم بأن
الجنة حقهم فى قوله (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) (الجواب) من

٨٣
قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون. سورة المؤمنون.
وجوه (الأول) ماروى عن الرسول ◌َ لَّه وهو أبين على ما يقال فيه وهو: أنه لا مكلف إلا أعد
الله له فى النار ما يستحقه إن عصى وفى الجنة ما يستحقه إن أطاع وجعل لذلك علامة. فإذا آمن
منهم البعض ولم يؤمن البعض صار منزل من لم ؤمن كالمنقول إلى المؤمنين وصار مصيرهم إلى
النار الذى لابد معه من حرمان الثواب كموتهم ، فسمى ذلك ميراثاً لهذا الوجه ، وقد قال الفقهاء إنه
لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك فى أنه يورث عنه كذلك قالوا فى الدية التى
تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ماملكها على التحقيق وذلك يشهد بما ذكرنا، فان قيل إنه تعالى
وصف كل الذى يستحقونه إرثا وعلى ماقلتم يدخل فى الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع. قلنا
لا يمتنع أنه تعالى جعل ماهو منزلة لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك
, كان يزيد فى المنازل فاذا آمن هذا عدل بذلك إليه ( وثانيها) أن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة
ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث (وثالثها) أن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه
السلام فإذا انتقلت إلى أولاده صار ذلك شبيهاً بالميراث.
﴿ السؤال الثانى) كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبع بالفلاح مع أنه تعالى ما تم
ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج والطهارة (والجواب) أن قوله (والذين هم لأماناتهم وعهدهم
راعمون ) يأتى على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما قدمنا والطهارات دخلت فى جملة
المحافظة على الصلوات الخمس لكونها من شرائطها .
﴿ السؤال الثالث) أفيدل قوله تعالى (أولئك هم الوارثون) على أنه لا يدخلها غيرهم ؟
(الجواب) أن قوله (هم الوارثون) يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به لأنه ثبت أن الجنة
يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور العين ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو، لقوله
تعالى ( ويغفر مادون ذلك لمن يشاء).
﴿السؤال الرابع) أفكل الجنة هو الفردوس؟ (الجواب) الفردوس هو الجنة بلسان الحبشة
وقيل بلسان الروم، وروى أبو موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((الفردوس
مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار)) وروى أبو أمامة عنه عليه السلام أنه قال ((سلوا الله
الفردوس فانها أعلى الجنان ، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش )).
﴿ السؤال الخامس) هل تدل الآية على أن هذه الصفات هى التى لها ولأجلها يكونون
مؤمنين أم لا ؟ (الجواب) أدعى القاضى أن الأمر كذلك بناء على مذهبه أن الإيمان اسم
شرعى موضوع لأداء كل الواجبات، وعندنا أن الآية لا تدل على ذلك، لأن قوله (قد أفلح
المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون ) مثل قد أفلح الناس الأذكياء العدول ، فان هذا لايدل
على أن الزكاة والعدالة داخلان فى مسمى الناس فكذا ههنا .
﴿ السؤال السادس) روى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((لما خلق الله تعالى جنة عدن قال

٨٤
قوله تعالى : ولقد خلقنا الانسان من سلالة. سورة المؤمنون.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنِ سُلَلَةٍ مِّنِطِينٍ (٥٦) ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةُ فِ قَرَارٍ
مَّكِينٍ ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةُ : ◌َلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ثَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْسَتَهُ خَلْقًا ءَانَرَ فَتَبَارَكَ الَهُ أَحْسَنُ الْخَطِقِينَ
(٣) ثُمَ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَنْتُونَ (٥) ثُمَّ إِنَّكُرْ يَوْمَ الْقِّيَامَةِ تُبْعَثُونَ
لها تكلمى فقالت: قد أفلح المؤمنون)) وقال كعب ((خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده
وغرس شجرة طوبى بيده، ثم قال لها تكلمى فقالت: قد أفلح المؤمنون))، وروى أنه عليه السلام
قال ((إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها
قالت حفظك الله كما حافظت على، وشفعت لصاحبها. وإذا أضاعها قالت أضاعك الله كما ضيعتنى
وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها ، ( الجواب ) أما كلام الجنة فالمراد به أنها
أعدت للمؤمنين فصار ذلك كالقول منها، وهو كقوله تعالى (قالتا أتينا طائعين) وأما أنه تعالى
خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها لا أنه وكله إلى غيره، وأما أن الصلاة تثنى على من قام بحقها
فهو فى الجواز أبعد من كلام الجنة ، لأن الصلاة حركات وسكنات ولا يصح عليها أن تنصور
وتتكلم فالمراد منه ضرب المثل كما يقول القائل للمنعم إن إحسانك إلى ينطق بالشكر.
﴿ السؤال السابع) هل تدل الآية على أن الفردوس مخلوقة؟ (الجواب) قال القاضى دل
قوله تعالى (أكلها دائم) على أنها غير مخلوقة فوجب تأويل هذه الآية ، كأنه تعالى قال إذا
كان يوم القيامة يخلق الله الجنة ميراثاً للمؤمنين أو وإذا خلقها تقول على مثال ما تأولنا عليه
قوله تعالى ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ) وهذا ضعيف لأنه ليس إضمار ما ذكره فى هذه
الآية أولى من أن يضمر فى قوله (أكلها دائم) ثم إن أكلها دائم، يوم القيامة، وإذا تعارض
هذان الظاهران فنحن نتمسك فى أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى ( أعدت للمتقين ).
قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين، ثم
خلقنا النطفة علقة خلقنا العلقة مضغة خلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلفاً
آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون
أعلم أنه سبحانه لما أمر بالعبادات فى الآية المتقدمة، والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد
معرفة الإله الخالق، لاجرم عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية
فذكر من الدلائل أنواعا:

قوله تعالى ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين. سورة المؤمنون. ٨٥
﴿ النوع الأول ) الاستدلال بتقلب الانسان فى أدوار الخلقة وأكوان الفطرة وهى تسعة:
( المرتبة الأولى ) قوله سبحانه وتعالى (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) والسلالة
الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر ، فعالة وهو بناء يدل على القلة كالقُلامة والقمامة، واختلف
أهل التفسير فى الإنسان فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل: المراد منه ادم عليه السلام
فآدم سل من الطين وخلقت ذريته من ماء مهين، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الانسان الذى هو
ولد آدم، والإنسان شامل لآدم عليه السلام ولولده، وقال آخرون: الإنسان ههنا ولد آدم
والطين ههنا اسم آدم عليه السلام ، والسلالة هى الأجزاء الطيفية المبثوثة فى أعضائه التى لما
اجتمعت وحصلت فى أوعية التى صارت منياً، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى ( وبدأ خلق
الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) وفيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إنما
يتولد من النطفة وهى إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية، وهى إما
حيوانية وإما نباتية، والحيوانية تنتهى إلى النباتية، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء
فالإنسان بالحقيقة يكون متولداً من سلالة من طين، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت على
أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منياً، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى التكلفات .
(المرتبة الثانية ) قوله تعالى ( ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين) ومعنى جعل الانسان نطفة
أنه خلق جوهر الإنسان أولا طيناً، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة فى أصلاب الآباء فقذفه
الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قراراً مكيناً لهذه النطفة والمراد بالقرار موضع القرار
وهو المستقر فسماه بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التى هى صفة المستقر فيها كقولك طريق
سائر أو لمكانتها فى نفسها لأنها تمكنت من حيث هى وأحرزت.
( المرتبة الثالثة ) قوله تعالى ( ثم خلقنا النطفة علقة ) أى حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات
العلقة وهى الدم الجامد .
(المرتبة الرابعة ) قوله تعالى (خلقنا العلقة مضغة ) أى جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أى
قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهى مقدار ما يغترف ، وسمى التحويل خلقاً لأنه سبحانه
يفنى بعض أعراضها ويخلق أعراضاً غيرها فسمى خلق الأعراض خلقاً لها وكانه سبحانه وتعالى
يخلق فيها أجزاء زائدة .
( المرتبة الخامسة) قوله (خلقنا المضغة عظاماً) أى صيرناها كذلك وقرأ ابن عامر عظماً
والمراد منه الجمع كقوله ( والملك صفاً صفاً)،
( المرتبة السادسة ) قوله تعالى ( فكسونا العظام لحماً) وذلك لأن اللحم يستر العظم تجعله
كالكسوة لها .
(المرتبة السابعة) قوله تعالى ( ثم أنشأناه خلقاً آخر) أى خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة

٨٦
قوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة. سورة المؤمنون.
ما أبعدها حيث جعله حيواناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصم، وبصيراً
وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة
وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين، ولا شرح الشارحين ، وروى العوفى عن ابن
عباس رضى الله عنهما قال: هو تصريف اللّه إياه بعد الولادة فى أطواره فى زمن الطفولية
وما بعدها إلى استواء الشباب، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت ، ودليل هذا القول أنه
عقبه بقوله ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ) وهذا المعنى مروى أيضاً عن ابن عباس وابن عمر ، وإنما
قال ( أنشأناه ) لأنه جعل إنشاء الروح فيه، وإتمام خلقه إنشاء له قالوا فى الآية دلالة على بطلان
قول النظام فى أن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه
الصفات ، وفيها دلالة أيضاً على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون إن الإنسان شىء لا ينقسم،
وإنه ليس بجسم .
أما قوله (فتبارك اللّه) أى فتعالى الله فان البركة يرجع معناها إلى الإمتداد والزيادة، وكل مازاد
على الشىء فقد علاه، ويجوز أن يكون المعنى، والبركات والخيرات كلها من اللّه تعالى، وقيل
أصله من البروك وهو الثبات ، فكأنه قال والبقاء والدوام. والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم
والثناء، وقوله (أحسن الخالقين) أى أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين
عليه وههنا مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قالت المعتزلة لولا أن اللّه تعالى قد يكون خالقاً لفعله إذا قدره لما جاز
القول بأنه أحسن الخالقين ، كما لو لم يكن فى عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين
وأرحم الراحمين، والخلق فى اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدراً لا على سهو وغفلة ، والعباد
قد يفعلون ذلك على هذا الوجه ، قال الكعبى هذه الآية ، وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم
الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب الدار، ولا يجوز أن يقال رب
بلا إضافة ، ولا يقول العبد لسيده هو ربى، ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه
وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين: (أحدهما)
أن ظاهر الآية يقتضى أنه سبحانه ( أحسن الخالقين) الذين هم جمع حمله على عيسى خاصة لا يصح
(الثانى) أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضاً بأنه يخلق؟
وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى (اللّه خالق كل شىء) فوجب حمل هذه
الآية على أنه (أحسن الخالقين ) فى اعتقاد كم وظنكم، كقوله تعالى (وهو أهون عليه ) أى هو
أهون عليه فى اعتقادكم وظنكم (والجواب الثانى) هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو
التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين ، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان ،
وذلك فى حق الله سبحانه محال، فتكون الآية من المتشابهات ( والجواب الثالث) أن الآية تقتضى

٨٧
قوله تعالى : ولقد خلقنا الانسان من سلالة. سورة المؤمنون.
كون العبد خالقاً بمعنى كونه مقدراً. لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجداً .
المسألة الثانية ﴾ قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا
لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقاً للكفر والمعصية
فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما؟ ( والجواب ) من الناس من حمل الحسن على الإحكام
والاتقان فى التركيب والتأليف. ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من اللّه تعالى كل الأشياء
لأنه ليس فوقه أمر ونهى حتى يكون ذلك مانعاً له عن فعل شىء.
﴿ المسألة الثالثة ) روى الكلبى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن عبد الله بن سعد بن أبى
سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول اللّه يَّامٍ فلما انتهى إلى قوله تعالى (خلفاً آخر) عجب من
ذلك فقال ( فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال رسول اللّه بؤاته ((ا كتب فهكذا نزلت)، فشك
عبد الله وقال إن كان محمد صادقاً فیما یقول فانه یوحی إلی کما یوحى إليه، وإن کان كاذباً فلا خير
فی دینه فهرب إلیمکه فقيل إنه مات علىالكفر ، وقيل إنه أُسلم يوم الفتح ، وروى سعيد بن جبير
عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال
رسول اللّه ◌ِ لتم هكذا نزلت ياعمر، وكان عمر يقول: وافقنى ربى فى أربع، فى الصلاة خلف المقام،
وفى ضرب الحجاب على النسوة، وقولى لهن .: لتفتهن أو ليبدلنه الله خيراً منكن ، فنزل قوله تعالى
(عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيراً منكن) والرابع قلت (فتبارك الله أحسن الخالقين)
فقال هكذا نزلت . قال العارفون هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر، وسبب الشقاوة لعبد الله
كما قال تعالى ( یضل به كثيراً ويهدى به كثيراً) فان قيل فعلى كل الروايات قد تكلم البشر ابتداء
بمثل نظم القرآن، وذلك يقدح فى كونه معجزاً كما ظنه عبد الله (والجواب) هذا غير مستبعد إذا
كان قدره القدر الذى لا يظهر فيه الانجاز فسقطت شبهة عبد الله .
﴿ المرتبة الثامنة) قوله (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) قرأ ابن أبى عبلة وابن محيصن (الما ئتون)
والفرق بين الميت والمائت ، أن الميت كالحى صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث تقول
زيد ميت الآن ومائت غداً، وكقولك يموت ونحز هماضيق وضائق فى قوله (وضائق به صدرك).
﴿ المرتبة التاسعة) قوله ( ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) فالله سبحانه جعل الإماتة التى هى
إعدام الحياة والبعث الذى هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين أيضاً على اقتدار عظيم بعد الانشاء
والاختراع وههنا سؤالات :
﴿السؤال الأول) ما الحكمة فى الموت، وهلا وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا فيكون
ذلك فى الانعام أبلغ؟ (والجواب) هذا كالمفسدة فى حق المكلفين لأنه متى جل للمره الثواب
فيما يتحمله من المشقة فى الطاعات صارإتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله ، يبين
ذلك أنه لو قيل لمن يصلى ويصوم إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة في الحال ، فإنه لا يأتى بذلك الفعل

٨٨
قوله تعالى : ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق. سورة المؤمنون.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآبِقَ وَمَا كَُّ عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ
إلا لطلب الجنة ، فلا جرم أخره الله تعالى وبعده بالامانة ثم الاعادة ليكون العيد عابداً لربه
بطاعته لا لطلب الانتفاع .
﴿ السؤال الثانى) هذه الآية تدل على نفى عذاب القبر لأنه قال ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون،
ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) ولم يذكر بين الأمرين الإحياء فى القبر والاماتة ( والجواب) من
وجهين : (الأول) أنه ليس فى ذكر الحياتين نفى الثالثة (والثانى) أن الغرض من ذكر هذه
الأجناس الثلاثة الانشاء والامانة والاعادة، والذى ترك ذكره فهو من جنس الاعادة .
﴿النوع الثانى) من الدلائل الاستدلال بخلقة السموات وهو قوله تعالى (ولقد خلقنا فوقكم
سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين) .
فقوله ( سبع طرائق ) أى سبع سموات وإنما قيل لها طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق
بعض يقال طارق الرجل فعليه إذا أطبق نعلا على فعل وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوباً فوق ثوب .
هذا قول الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج هو كقوله ( سبع سموات طباقا) وقال على
ابن عيسى سميت بذلك لأنها طرائق للملائكة فى العروج والهبوط والطيران ، وقال آخرون لأنها
طرائق الكواكب فيها مسيرها والوجه فى إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعاً لأرزاقنا
بانزال الماء منها ، وجعلها مقراً للملائكة ، ولأنها موضع الثواب، ولأنها مكان إرسال الأنبياء
ونزول الوحى .
أما قوله ( وماكنا عن الخلق غافلين) ففيه وجوه (أحدها ) ما كنا غافلين بل كنا للخلق
حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم وهذا قول سفيان بن عيينة، وهو كقوله
تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) (وثانيها) إنما خلقناها فوقهم لننزل عليهم
الأرزاق والبركات منها عن الحسن (وثالثها ) أنا خلقنا هذه الأشياء فدل خلقنا لها على كال قدرتنا
ثم بين كمال العلم بقوله ( وما كنا عن الخلق غافلين) يعنى عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم وذلك
يفيد نهاية الزجر ( ورابعها) وماكنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظون لئلا تخرج
عن التقدير الدى أردنا كونها عليه كقوله تعالى ( ماترى فى خلق الرحمن من تفاوت ).
واعلم أن هذه الآية دالة على كثير من المسائل: (إحداها) أنها دالة على وجود الصانع فان انقلاب هذه
الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على تلك الصفة يدل على أنه لابد
من محول ومغير ( وثانيتها ) أنها تدل على فساد القول بالطبيعة فان شيئاً من تلك الصفات لو حصل
بالطبيعة لوجب بقاؤها وعدم تغيرها ولو قلت إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة
افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجد ( وثالثتها ) تدل على أن المدير قادر عالم لأن الموجب

٨٩
قوله تعالى : وانزلنا في السماء ماء بقدر. سورة المؤمنون.
وَأَنَزَلْنَا مِنَ الَّمَآءِ مَآءٌ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَُّهُ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِء
لَقَدِرُونَ ﴿٨﴾ فَأَنْتَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّنْ تَغِلٍ وَأَعْنٍَ لَّكُمْ فِيهَا فَوَكُ
﴿ وَةٌ تَخْرُجُ مِنْ طُورٍ سَيْنَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْ
كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ
لِلْأَكِلِينَ
والجاهل لا يصدرعنه هذه الأفعال العجيبة (ورابعتها) تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل
الممكنات (وخامستها ) تدل على جواز الحشر والنشر نظراً إلى صريح الآية ونظراً إلى أن الفاعل
لما كان قادراً على كل الممكنات وعالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب
إلى تلك الأجزاء كما كانت ( وسادستها ) أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية
وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثاً .
﴿ النوع الثالث ) الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيراتها فى النبات.
قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون،
فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ، وشجرة تخرج من
طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ﴾.
أعلم أن الماء فى نفسه نعمة وأنه مع ذلك سبب لحصول النعم فلا جرم ذكره الله تعالى أولا
ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانياً.
أما قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء بقدر ) فقد اختلفوا فى السماء فقال الأكثرون من
المفسرين إنه تعالى ينزل الماء فى الحقيقة من السماء وهو الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله (وفى
السماء رزقكم وما توعدون) وقال بعضهم المراد السحاب وسماه سماء لعلوه، والمعنى أن الله تعالى
أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية
بسبب ذلك التصعيد، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكون ثم ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه،
ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها فى قعر الأرض ولا بماء البحار لملوحته ولأنه لا حيلة فى
إجراء مياه البحار على وجه الأرض لأن البحار هى الغاية فى العمق، واعلم أن هذه الوجوه إنما
يتمحلها من ينكز الفاعل المختار فأما من أقربه فلا حاجة به إلى شىء منها .
أما قوله تعالى ( بقدر ) فمعناه بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة فى الزرع
والغرس والشرب ، أو بمقدار ماعلمناه من حاجاتهم ومصالحهم.

٩٠
قوله تعانى : وانزلنا في السماء ماء بقدر. سورة المؤمنون.
أما قوله ( فأسكناه فى الأرض ) قيل معناه جعلناه ثابتاً فى الأرض ، قال ابن عباس رضى الله
عنهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، ثم يرفعها
عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضاً القرآن.
أما قوله ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) أى كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه
وإزالته، قال صاحب الكشاف وقوله (على ذهاب به ) من أوقع النكرات وأخرها للفصل .
والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه. وفيه إيذان بكال اقتدار المذهب وأنه
لا يعسر عليه شىء وهو أبلغ فى الإيعاد من قوله ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم
بماء معين) ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء
فقال (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب) وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما
فانهما يقومان مقام الطعام ومقام الأدام ومقام الفواكه رطباً وياباً وقوله ( لكم فيها فواكه
كثيرة) أى فى الجنات ، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفوا که الكثيرة وقوله ( ومنها
تأكلون) قال صاحب الكشاف يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرقة يحثرفها
ومن صنعة يعملها . يعنون أنها طعمته وجهته التى منها يحصل رزقه، كأنه قال وهذه الجنات وجوه
أ.زاقكم ومعايشكم منها تتعيشون.
أما قوله تعالى ( وشجرة تخرج من طور سيناء ) فهو عطف على جنات وقرئت مرفوعة على
الابتداء أى ومما أنشأنا لكم شجرة، قال صاحب الكشاف طور سيناء وطورسينين لا يخلو إما
أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضافى
ومضاف إليه كامرئ القيس وبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء فقدمنع الصرف للتعريف
والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء، ومن فتح لم يصرفه
لأن ألفه للتأنيث كصحراء، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة ، ومنه نودى موسى عليه
السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر.
أما قوله تعالى ( تنبت بالدهن ) فهو فى موضع الحال أى تنبت وفيها الدهن، كما يقال
ركب الأمير بخنده، أى ومعه الجند وقرى" تنبت وفيه وجهان (أحدهما) أن أنبت بمعنى نبت
قال زهير :
رأيت ذوى الحاجات حول بيوتهم قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل
( والثانى) أن مفعوله محذوف، أى تنبت زيتونها وفيه الزيت ، قال المفسرون: وإنما أضافها
اللّه تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت فى البلاد وانتشرت ولأن معظمها هناك. أما قوله:

٩١
قوله تعالى : وإن لكم في الانعام لعبرة. سورة المؤمنون.
وَإِنَّ لَكُمْ فِ اَلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ أُسْقِيَّكُمْ تِمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِهَا مَنَفِعُ
كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ (٨) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ مَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣) فَقَالَ الْمَلَؤُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا هَذَاَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
(وصبغ الآكلين) فعطف على الدهن، أى إدام الآكلين ، والصيغ والصباغ ما يصطبغ به، أى
يصبغ به الخبز، وجملة القول أنه سبحانه وتعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة، لأنها تخرج هذه الثمرة
التى يكثر بها الانتفاع وهى طرية ومدخرة، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها ويعظم وجوه الانتفاع به.
﴿ النوع الرابع ) الاستدلال بأحوال الحيوانات .
قوله تعالى: ﴿وإن لكم فى الأنعام لعبرة نسقيكم بما فى بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها
تأكلون ، وعليها وعلى الفلك تحملون ﴾
إعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن فيها عبرة بحملا ثم أردفه بالتفصيل من أربعة أوجه (أجدها)
قوله ( نسقيكم ما فى بطونها) والمراد منه جميع وجوه الانتفاع بألبانها، ووجه الاعتبار فيه أنها
تجتمع فى الضروع وتتخلص من بين الفرث والدم بإذن الله تعالى، فتستحيل إلى طهارة وإلى لون
وطعم موافق للشهوة وتصير غذاء، فمن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته . كان ذلك معدوداً فى
النعم الدينية ومن انتفع به فهو فى نعمة الدنيا، وأيضاً فهذه الألبان التى تخرج من بطونها إلى
ضروعها تجدها شراباً طيباً، وإذا ذبحتها لم تجد لها أثراً، وذلك يدل على عظيم قدرة الله تعالى. قال
صاحب الکشاف وقرئ تسقیکم بتاء مفتوحة ، أی تسقیکم الأنعام ( وثانيها) قوله ( ولكم فيها
منافع كثيرة ) وذلك بيعها والانتفاع بأثمانها وما يجرى مجرى ذلك (وثالثها) قوله (ومنها تأكلون)
يعنى كما تنتفعون بها وهى حية تنتفعون بها بعد الذيح أيضاً بالأ كل ( ورابعها) قوله (وعليها وعلى
الفلك تحملون ) لأن وجه الانتفاع بالإبل فى المحمولات على البر بمنزلة الانتفاع بالفلك فى البحر ،
ولذلك جمع بين الوجهين فى إنعامه لكى يشكر على ذلك ويستدل به ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما
بین دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو العادة فى سائر السور وهی ههنا .
القصة الأولى قصة نوح عليه السلام
قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا

٩٢
قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحاً الى قومه. سورة المؤمنون
يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَنْزَلَ مَلَبِكَةُّ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّءَابَآَيْنَا
آلْأَوَّلِينَ ﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ، حَتَّ ◌ِينٍ
٢٥
تتقون ، فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء
الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين، إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين﴾
قال قوم: إن نوحاً كان اسمه يشكر ، ثم سمى نوحاً لوجوه (أحدها) لكثرة ماناح على نفسه
حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك (وثانيها) لمراجعة ربه فى شأن ابنه
( وثالثها ) أنه مر بكلب مجزوم ، فقال له إخساً يا قبيح ، فعوتب على ذلك ، فقال الله له : أعبقنى
إذ خلقته، أم عبت الكلب. وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة فى المسمى.
أما قوله ( اعبدوا الله) فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده ، ولا
يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولا، لأن عبادة من لا يكون معلوماً غير
جائزة وإنما يجوز ويحب بعد المعرفة .
أما قوله ز مالكم من إله غيره ) فالمراد أن عبادة غير اللّه لا تجوز إذ لا إله سواه . ومن حق
العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما ، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف
يعبد مالا يضر ولا ينفع؟ وقرى" غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظة، ثم إنه لما لم ينفع فيهم
هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله ( أفلا تتقون) لأن ذلك زجر ووعيد
باتقاء العقوبة لينصرفوا عماهم عليه. ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم فى إنكار نبوة وح
عليه السلام .
﴿الشبهة الأولى) قولهم (ما هذا إلا بشر مثلكم) وهذه الشبهة تحتمل وجهين (أحدهما)
أن يقال إنه لما كان مساوياً لسائر الناس فى القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض
امتنع كونه رسولالله، لأن الرسول لابد وأن يكون عظيما عند الله تعالى وحبيباً له، والحيب
لابد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء
الرسالة (والثانى) أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم فى جميع الأمور، ولكنه أحب الرياسة
والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلا إلا بادعاء النبوة، فصار ذلك شبهة لهم فى القدح فى نبوته ، فهذا
الاحتمال منأ كد بقوله تعالى خبراً عنهم (يريد أن يتفضل عليكم ) أى يريد أن يطلب الفضل
عليكم ويرأسكم كقوله تعالى ( وتكون لكما الكبرياء فى الأرض).
( الشبهة الثانية) قولهم (ولو شاء اللّه لأنزل ملائكة) وشرحه أن الله تعالى لو شاء إرشاد
البشر لوجب أن يسلك الطريق الذى يكون أشد إفضاء إلى المقصود، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد

٩٣
قوله تعالى : ولقد أرسلنا نوحاً الى قومه. سورة المؤمنون
إفضاء إلى هذا المقصود من بعثة البشر ، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم،
فالخلق ينقادون إليهم، ولا يشكون فى رسالتهم ، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولا البتة .
﴿ الشبهة الثالثة) قولهم (ماسمعنا بهذا فى آبائنا الأولين) وقوله بهذا إشارة إلى نوح عليه
السلام، أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله تعالى، أى ماسمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل
هذا الذى يدعى وهو بشر أنه رسول الله. وشرح هذه الشبهة أنهم كانوا أقواماً لا يعولون فى شىء
من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء، فلما لم يجدوا فى نبوة نوح عليه السلام هذه
الطريقة حكموا بفسادها . قال القاضى: يحتمل أن يريدوا بذلك كونه رسولا مبعوثاً، لأنه لا يمتنع
فيما تقدم من زمان آبائهم أنه كان زمان فترة ، ويحتمل أن يريدوا بذلك دعاهم إلى عبادة الله تعالى
وحده ، لأن آباءهم كانوا على عبادة الأوثان.
﴿ الشبهة الرابعة) قولهم (إن هو إلا رجل به جنة) والجنة: الجنون أو الجن، فإن جمال
العوام يقولون فى المجنون زال عقله بعمل الجن، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام، فإنه
عليه الصلاة والسلام كان يفعل أفعالا على خلاف عاداتهم ، فأولئك الرؤساء كانوا يقولون للعوام
إنه مجنون ، ومن كان مجنوناً فكيف يجوز أن يكون رسولا .
﴿ الشبهة الخامسة) قولهم (فتربصوا به حتى حين) وهذا يحتمل أن يكون متعلقاً
بما قبله أى أنه مجنون فاصبروا إلى زمان حتى يظهر عاقبة أمره فإن أفاق وإلا قتلتموه
ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فانه إن كان نبياً حقاً
فالله ينصره ويقوى أمره فنحن حينئذ نتبعه وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره، حينئذ
نستريح منه، فهذه مجموع الشبه التى حكاها الله تعالى عنهم، واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب
عنها لركاكتها ووضوح فسادها، وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولا إلا لأنه
من جنس الملك وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات فسواء كان من جنس الملك
أو من جنس البشر فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولا ، بل جعل الرسول من جملة
البشر أولى لمامر بيانه فى السور المتقدمة وهو أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة، وأما قولهم
(يريد أن يتفضل عليكم) فإن أرادوا به إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الإنقياد لطاعته فهذا واجب
على الرسول ، وإن أرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والإنقياد فالأنبياء منزهون
عن ذلك ، وأما قولهم ماسمعنا بهذا فهو استدلال بعدم التقليد على عدم وجود الشىء وهو فى غاية
السقوط لأن وجود التقليد لا يدل على وجود الشىء فعدمه من أين يدل على عدمه، وأما قولهم
به جنة ، فقد كذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله ، وأما قولهم : فتربصوا به ،
فضعيف لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته وهى المعجزة وجب عليهم قبول قوله فى الحال، ولا
يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته لأن الدولة لاتدل على الحقية ، وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول

٩٤
قوله تعالى : قال ربي أنصرني بما كذبوني. سورة المؤمنون.
٠٠٠٠٠١٠٤
فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَن أَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا
قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِىِ بِمَا كَذَّبُونِ أَّ
فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ الَُّورُ فَاسْلُكْ فِهَا مِنْ كُلِ ذَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ
عَلَيْهِ أَلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخْطِ فِ الَّذِنَ ظَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَفُونَ (*) فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ
أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلِّ الَّذِ تَجِّنْنَا مِنَ الْقَوْمِ الطَّلِينَ (٨﴾ وَقُل
رَّبِّ أَنِى مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ وَإِن كُنَّا
لَمُبْتَلِينَ
قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر، ولما كانت هذه الأجوبة فى نهاية الظهور لا جرم تركها
الله سبحانه.
قوله تعالى : ﴿ قال رب انصرنى بما كذبون، فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا،
فاذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ،
ولا تخاطبى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون، فاذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله
الذى نجانا من القوم الظالمين، وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، إن فى
ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين
أما قوله ( رب انصرنى بما كذبون) ففيه وجوه (أحدها) أنْ فى نصره إهلاكهم فكانه
قال أهلكهم بسبب تكذيبهم إياى ( وثانيها) انصرنى بدل ما كذبونى كما تقول هذا بذاك أى
بدل ذاك ومكانه ، والمعنى أبدلنى من غم تكذيهم سلوة النصر عليهم ( وثالثها ) انصرنى بإنجاز
ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم ( إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) ولما
أجاب الله دعاءه قال ( فأوحينا إليه أن أصنع الفلك بأعيننا) أى بحفظنا وكلئنا كان معه من الله
حافظاً يكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله، ومنه قولهم: عليه من اللّه عين
كالئة، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة فى تمسكهم بقوله عليه السلام (( إن الله خلق آدم
على صورته)) لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك، واختلفوا فى أنه عليه السلام كيف صنع الفلك
فقيل إنه كان نجاراً وكان عالماً بكيفية اتخاذها، وقيل إن جبريل عليه السلام عليه عمل السفينة
ووصف له كيفية اتخاذها ، وهذا هو الأقرب لقوله ( بأعيننا ووحينا).

٩٥
قوله تعالى : قال ربي أنصرني بما كذبوني. سورة المؤمنون.
أما قوله ( فإذا جاء أمرنا) فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة فى طلب الفعل بالقول على
سبيل الاستعلاء، فكذا هو حقيقة فى الشأن العظيم، والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقى
الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور فى كتاب
المحصول فى الأصول، ومن الناس من قال: إنما سماه أمراً على سبيل التعظيم والتفخيم ، مثل
قوله ( ثم قال لها وللأرض اتتيا طوعاً أو كرهاً).
أما قوله ( وفار التنور ) فاختلفوا فى التنور ، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف.
روى أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك فى السفينة ، فلما نبع
الماء من التنور أخبرته امرأته فركب، وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح،
واختلف فى مكانه، فعن الشعبى فى مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلى باب كندة، وكان
نوح عليه السلام عمل السفينة فى وسط المسجد ، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة وقيل
بالهند ( القول الثانى) أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضى الله عنهما (الثالث) أنه أشرف
موضع فى الأرض أى أعلاه عن قتادة ( والرابع ) ( وفار التنور) أى طلع الفجر عن على عليه
السلام، وقيل إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر (والخامس) هو مثل قولهم حمى الوطيس
( والسادس) أنه الموضع المنخفض من السفينة الذى يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول
الأول هو الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز، واعلم أن الله تعالى
جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة طلباً لنجاته ونجاة من آمن
به من قومه .
أما قوله (فاسلك فيها) أى أدخل فيها يقال سلك فيه أى دخل فيه وسلك غيره وأسلكه
( من كل زوجين اثنين ) أى من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره فى الوقت اثنين الذكر
والآثى لكى لا ينقطع نسل ذلك الحيوان، وكل واحد منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج
هو الإثنان، روى أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض، وقرى" من كل بالتنوين، أى من كل أمة
زو جین ، و اثنین تأ کید وزيادة ییان .
أما قوله ( وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) أى وأدخل أهلك ولفظ على إنما يستعمل
فى المضار. قال تعالى (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين
(أحدهما) أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله، وقيل المراد بأهله من آمن
دون من يتصل به نسباً أو سبباً وهذا ضعيف. وإلا لما جاز استثناء قوله ( إلا من سبق عليه القول)
(و الثانى) أنه قال (ولا تخاطبی فی الذین ظلموا ) یعنی کنعان فإنه سبحانه لما أخبر باهلا كهم وجب
أن ينهاه عن أن يسأله فى بعضهم لأنه إن أجابه إليه، فقد صير خبره الصدق كذباً ، وإن لم يحبه
إليه كان ذلك تحقيراً لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال (إنهم مغرقون) أى الغرق نازل بهم لا محالة.

٩٦
قوله تعالى : قال ربي أنصرني بما كذبوني. سورة المؤمنون.
أما قوله ( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ) قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان فى
السفينة ثمانون إنساناً، نوح وامرأته سوى التى غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث
نسوة لهم، واثنان وسبعون إنساناً فكل الخلائق نسل من كان فى السفينة .
أما قوله ( فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ إنما قال ( فقل) ولم يقل فقولوا لأن نوحاً كان نبياً لهم وإماماً لهم،
فكان قوله قولا لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية ، وأن رتبة تلك
المخاطبة لا يترقى اليها إلا ملك أو نى .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال قتادة علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة (بسم الله مجراها ومرساها)
وعند ركوب الدابة ( سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) وعند النزول ( وقل رب
أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) قال الأنصارى : وقال لنبينا ( وقل رب أدخلنى مدخل
صدق وأخرجنى مخرج صدق) وقال (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ) كأنه سبحانه
أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الإستعاذة به فى جميع أحوالهم غافلين .
﴿ المسألة الثالثة﴾ هذه مبالغة عظيمة فى تقبيح صورتهم حيث أتبع النهى عن الدعاء لهم
الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله.
رب العالمين ) وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة تجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه
بذلك ينجيه ومن تبعه، فيصح أن يقول (نجانا) من حيث جعله آمناً بهذا الفعل ووصف قومه بأنهم
الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله ( إن الشرك لظلم عظيم ) ثم إنه سبحانه بعد أن أمره
بالحمد على إهلا كهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال ( وقل رب أنزلنی منزلا مباركا) وقرى. (منزلا)
بمعنى إنزالا أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلا يرضونه. واختلفوا فى المنزل على قولين:
(أحدهما) أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته نما جرى على قومه من الهلاك (والثانى )
أن المراد أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلا مباركا والأول أقرب لأنه أمن
بهذا الدعاء فى حال استقراره فى السفينة، فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره . ثم بين سبحانه
بقوله ( وأنت خير المنزلين ) أن الإنزال فى الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى
وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله فى سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب
ما يقتضيه الحكم والحكمة ، ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ودلالات
وعبراً فى الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فان إظهار تلك المياه العظيمة ثم الاذهاب بها
لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام
يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر.
أما قوله ( وإن كنا لمبتلين ) فيمكن أن يكون المراد ، وإن كنا لمبتلين فيما قبل، ويحتمل أن

٩٧
قوله تعالى : ثم انشأنا من بعدهم قرناً آخرين. سورة المؤمنون.
ثُمَّ أَنشَأَنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًاءَالَرِينَ (﴾ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ أَعْبُدُواْ
اللّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَاءٍ غَيْرُهُ أَفَلَا نَتَّقُونَ (﴿ وَقَالَ الْعَلَأَّمِنِ قَوِْهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
بِقَاءِ الْآخِرَةِ وَرَفْنَهُمْ فِ الحَيَزَةِ الَّنْيَ مَا هَذَآ إِلَّبَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِنَّا
تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (﴾ وَلَبِنْ أَعْتُ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا
تَسِرُونَ (# أَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَمًا أَنَّكُم مُخْرَجُونَ
مَيْهَتَ مَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣) إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَتُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
٣٥
نَحْنُ بِمَبْعُوِينَ ﴾ إِنْ هُوَإِلَّا رَجُلُ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِمَا كَذَبُنِ (﴾ قَالَ عَمَّا قَلٍِ لَّيُصِْحُنَّ نَدِمِنَ ◌ّ
ج
٣٨
يكون وإن كنا المبتلين فيما بعد، وهذا هو الأقرب لأنه كالحقيقة فى الاستقبال، وإذا حمل على ذلك
احتمل وجوهاً: (أحدها ) أن يكون المراد المكلفين فى المستقبل أى فيجب فيمن كلفناه أن
يعتبر بهذا الذى ذكرناه (وثانيها) أن يكون المراد لمعاقبين لمن سلك فى تكذيب الأنبياء مثل
طريقة قوم نوح ( وثالثها ) أن يكون المراد كما نعاقب من كذب بالغرق وغيره فقد نمتحن بالغرق
من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب، لكى لا يقدر أن كل الغرق يجرى على
وجه واحد .
القصة الثانية - قصة هود أو صالح عليهما السلام﴾
قوله تعالى: ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين، فأرسلما فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم
من إله غيره أفلا تتقون ، وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم فى
الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل ما تأكلون منه ويشرب ما تشربون، ولئن أطعتم بشراً
مثلكم إنكم إذاً لخاسرون، أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ، هيهات هيهات
لما توعدون، إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، إن هو إلا رجل افترى على
الفخر الرازى - ج ٢٣ م ٧

٩٨
قوله تعالى : ثم انشأنا من بعدهم قرناً آخرين. سورة المؤمنون.
فَأَخَلَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ ◌َعَلَهُمْ ثُتَهُ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّلِينَ (10)
الله كذباً ومانحن له بمؤمنين، قال رب انصرنى بما كذبون، قال عما قليل ليصبحن نادمين، فأخذتهم
الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعداً للقوم الظالمين.
إعلم أن هذه القصة هى قصة هود عليه السلام فى قول ابن عباس رضى الله عنهما وأكثر
المفسرين واحتجوا عليه بحكاية اللّه تعالى قول هود عليه السلام (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من
بعد قوم نوح) ومجىء قصة هود عقيب قصة نوح فى سورة الأعراف وسورة هود والشعراء.
وقال بعضهم المراد بهم صالح ونمود، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة ، أما كيفية
الدعوى فكما تقدم فى قصة نوح عليه السلام وههنا سؤالات:
﴿السؤال الأول) حق (أرسل) أن يتعدى بإلى كأخواته التى هى وجه وأنفذ وبعث فلم عدى
فى القرآن بإلى تارة وبنى أخرى كقوله تعالى (كذلك أرسلناك فى أمة، وما أرسلنا فى قرية، فأرسلنا
فيهم رسولا) أى فى عاد، وفى موضع آخر ( وإلى عاد أخاهم هوداً)؟ ( الجواب ) لم يعد بنى كما
عدى يإلى ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للارسال وعلى هذا المعنى جاء بعث فى قوله ( ولو
شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيراً).
﴿السؤال الثانى) هل يصح ما قاله بعضهم أن قوله (أفلا تتقون) غير موصول بالأول ، وإنما
قاله لهم بعد أن كذبوه، وردوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك قال لهم مخوفاً ما هم عليه
( أفلا تتقون) هذه الطريقة مخافة العذاب الذى أنذرتكم به؟ (الجواب) يجوز أن يكون موصولا
بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله
وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. ثم اعلم أن الله تعالى حكى صفات أولئك
القوم وحكى كلامهم ، أما الصفات فثلاث هى شر الصفات: ( أولها) الكفر بالخالق سبحانه وهو
المراد من قوله ( كفروا) (وثانيها) الكفر بيوم القيامة وهو المراد من قوله ( وكذبوا بلقاء
الآخرة) (وثالثها) الانغماس فى حب الدنيا وشهواتها وهو المراد من قوله (وأترفناهم فى الحياة
الدنيا ) أى نعمناهم فان قيل ذكر الله مقالة قوم هود فى جوابه فى سورة الأعراف وسورة هود
بغير واو (قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك فى سفاهة)، (قالوا ما نراك إلا بشراً مثلنا)
وههنا مع الواو فأى فرق بينهما؟ قلنا الذى بغيرواو على تقدير سؤال سائل قال فما قال قومه ؟ فقيل
له كيت وكيت، وأما الذى مع الواو فعطف لما قالوه على ماقاله ومعناه أنه اجتمع فى هذه الواقعة
هذا الكلام الحق وهذا الكلام الباطل. وأما شبهات القوم فشيئان (أولهما) قولهم (ما هذا إلا بشر

٩٩
قوله تعالى : ثم انشأنا من بعدهم قرناً آخرين. سورة المؤمنون.
مثلكم يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون)، وقد مر شرح هذه الشبهة فى القصة الأولى
وقوله ( ما تشربون) أى من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله ( ولئن أطعتم
بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون ) فجعلوا اتباع الرسول خسراناً، ولم يجعلوا عبادة الأصنام
خسراناً. أى لتن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم يازاتها منفعة فذلك هو الخسران
(وثانيهما) أنهم طعنوا فى مصحة الحشر والنشر، ثم طعنوا فى نبوته بسبب إتيانه بذلك. أما الطعن
فى صحة الحشر فهو قولهم ( أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ) معادون
أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم (هيهات
هيهات لما توعدون) ثم أكدوا الشبهة بقولهم ( إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ) ولم يريدوا
بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة
ولا حشر. فلذلك قالوا ( وما نحن بمبعوثين) ولما فرغوا من الطعن فى صحة الحشر بنوا عليه الطعن
فى نبوته، فقالوا لما أتى بهذا الباطل (فقد افترى على الله كذباً) ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة فى
نبوته قالوا ( وما نحن له بمؤمنين ) لأن القوم كالتبع لهم، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين
الشبهتين لظهور فسادهما (أما الشبهة الأولى) فقد تقدم بيان ضعفها (وأما الثانية) فلا نهم استبعدوا
الحشر، ولا يستبعد الحشر لوجهين (الأول) أنه سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات
عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر (والثانى) وهو أنه لولا الإعادة
لكان تسليط القوى على الضعيف فى الدنيا ظلماً . وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه فى
قوله ( إن الساعة آتية أ كاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) وههنا مسائل:
المسألة الأولى﴾ ثى(١): إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل مابين الأول والثانى بالظرف،
ومخرجون خبر عن الأول. وفى قراءة ابن مسعود: ( وكنتم تراباً وعظاماً مخرجون).
﴿المسألة الثانية) قرى" (هيهات) بالفتح والكسر، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على
لفظ الوقف .
المسألة الثالثة ﴾ هى فى قوله ( إن هى إلا حياتنا الدنيا) ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما
يتلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هى موضع الحياة، لأن الخبر بدل
هى النفس ما حملتها تتحمل
عليه ومنه [ قول الشاعر ]:
والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة، ولأن إن النافية دخلت على هى التى فى معنى الحياة الدالة
على الجنس فنفتها ، فوازنت لا التى تفت ما بعدها نفى الجنس .
واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع، إلى ربه وقال: ( رب
انصرنى بما. كذبون) وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل وقال (عما قليل ليصبحن نادمين).
(١) المراد بقوله ثنى كرر وليس من التثنية المقابلة للافراد والجمع.
%

١٠٠
قوله تعالى : ثم انشأنا من بعدهم قرناً آخرين. سورة المؤمنون.
◌ُّ أَنْسَنَا مِنْ بَعْدِهِمْ تُرُونَاءَحِينَ ﴾ مَاتَّسْقُ مِنْ أَمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَفْخِرُونَ
(® ◌ُمْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَثْرَأْ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةَ رَّسُوهُمَا كَذْبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا
وَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمِ لََّيُؤْمِنُونَ
٤٤
٠٤٠١٠٠٠٠٠
٠٠
والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك، فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة
على ترك القبول، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة ، وبين تعالى الهلاك
الذى أنزله عليهم بقوله (فأخذتهم الصيحة بالحق) وذكروا فى الصيحة وجوهاً (أحدها) أن
جبريل عليه السلام صاح بهم، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها (وثانيها) الصيحة هى الرجفة
عن ابن عباس رضى الله عنهما (وثالثها ) الصيحة هى نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت:
دعى فأجاب. عن الحسن ( ورابعها ) أنه العذاب المصطلم، قال الشاعر:
صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان
والأول أولى لأنه هو الحقيقة .
وأما قوله ( بالحق ) فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك، فلان يقضى بالحق إذا كان عادلا فى
قضاياه. وقال المفضل: بالحق أى بما لا يدفع، كقوله ( وجاءت سكرة الموت بالحق).
أما قوله ( جعلناهم غثاء) فالغثاء حميل السيل بما بلى واسود من الورق والعيدان، ومنه قوله
تعالى ( جعله غثاء أحوى).
وأما قوله تعالى ( فبعداً للقوم الظالمين ) ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله ( بعداً) وسحقاً ودمراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها،
وهى من جملة المصادر التى قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعداً بعدوا ، أى
هلكوا يقال بعد بعداً وبعداً بفتح العين نحو رشد رشداً ورشداً بفتح الشين والله أعلم .
المسألة الثانية) قوله ( بعداً ) بمنزلة اللعن الذى هو التبعيد من الخير، والله تعالى ذكر
ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم، وقد نزل بهم العذاب دالا بذلك على أن الذی ینزل بهم
فى الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالا ليكون ذلك عبرة لمن يجىء بعدهم.
القصة الثالثة
قوله تعالى: ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين، ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون، ثم
أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً
لقوم لايؤمنون