النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
مو
قوله تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا. سورة الحج.
مواضع العبادة، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين للعبادة وبناء
البيوت لها، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن كانت لغير أهل الإسلام، وذكر
المفسرون وجوها أخر (أحدها ) قال الكلى يدفع الله بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن
القاعدين عن الجهاد (وثانيها) روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضى الله عنهما قال يدفع الله
بالمحسن عن المسىء، وبالذى يصلى عن الذى لا يصلى، وبالذى يتصدق عن الذى لا يتصدق وبالذى
يحج عن الذى لا يحج، وعن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ((إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة
من أهل بيته ومن جيرانه)) ثم تلا هذه الآية (وثالثها) قال الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما
يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة ( ورابعها ) قال مجاهد يدفع عن الحقوق بالشهود وعن
النفوس بالقصاص .
﴿ السؤال الثانى) لماذا جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة
المسلمين؟ (الجواب) لأجل ما سألت عنه اختلفوا على وجوه: (أحدها ) قال الحسن المراد
بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين، وإن اختلفت العبارات عنها ( وثانيها ) قول الزجاج ولولا
دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم فى شرع كل نى المكان الذى يصلى فيه ، فلولا ذلك الدفع
لهدم فى زمن موسى الكنائس التى كانوا يصلون فيها فى شرعه، وفى زمن عيسى الصوامع، وفى
زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل
التحريف وقبل النسخ ( وثالثها) بل المراد لهدمت هذه الصوامع فى أيام الرسول صلى الله عليه
وسلم لأنها على كل حال يجرى فيها ذكر الله تعالى فليست بمنزلة عبادة الأوثان .
﴿ السؤال الثالث) ما الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؟ (الجواب) ذكروا فيها
وجوها : (أحدها ) الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابتين والمساجد للمسلمين عن
أني العالية رضى الله عنه ( وثانيها) الصوامع للنصارى وهى التى بنوها فى الصحارى والبيع لهم
أيضاً وهى التى يبنونها فى البلد والصلوات لليهود، قال الزجاج وهى بالعبرانية صلوتا (وثالثها)
الصوامع للصابتين والبيع للنصارى والصلوات لليهود عن قتادة (ورابعها) أنها بأسرها أسماء
المساجد عن الحسن، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع ، وأما البيع فأطلق هذا
الإسم على المساجد على سبيل التشبيه ، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات
ولخربت المساجد .
﴿ السؤال الرابع ) الصلوات كيف تهدم خصوصاً على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين؟
( الجواب) من وجوه: (أحدها ) المراد بهدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقوله هدم
فلان إحسان فلان إذا قابله بالكفر دون الشكر ( وثانيها) بل المراد مكان الصلوات لأنه الذى
يصح هدمه كقوله ( واسأل القرية) أى أهلها ( وثالثها) لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن

٤٢
قوله تعالى : إن الله يدافع عن الذين آمنوا. سورة الحج.
أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه، كقولهم متقلداً سيفاً ورمحاً. وإن كان الريح لا يتقلد.
﴿ السؤال الخامس) قوله (يذكر فيها اسم الله كثيراً) مختص بالمساجد أو عائد إلى الكل؟
(الجواب) قال الكلى ومتقاتل عائد إلى الكل لأن الله تعالى يذكر فى هذه المواضع كثيراً،
والأقرب أنه مختص بالمساجد تشريفاً لها بأن ذكر الله يحصل فيها كثيراً .
﴿ السؤال السادس) لم قدم الصوامع والبيع فى الذكر على المساجد؟ ( الجواب ) لأنها أقدم
فى الوجود، وقيل أخرها فى الذكركما فى قوله (ومنهم سابق بالخيرات باذن الله) ولأن أول الفكر
آخر العمل ، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الرسل وأمته خير الأمم لاجرم كانوا
آخرهم ولذلك قال عليه السلام ((نحن الآخرون السابقون))
أما قوله تعالى ( ولينصرن الله من ينصره) فقال بعضهم من ينصره بتلقى الجهاد بالقبول
نصرة لدين اللّه تعالى، وقال آخرون: بل المراد من يقوم بسائر دينه، وإنما قالوا ذلك لأن
نصرة الله على الحقيقة لا تصح، وإنما المراد من نصرة اللّه نصرة دينه كما يقال فى ولاية الله
وعداوته مثل ذلك وفى قوله ( ولينصرن الله من ينصره) وعد بالنصر لمن هذه حاله ونصر الله
تعالى للعبد أن يقويه على أعدائه حتى يكون هو الظافر ويكون قائماً بإيضاح الأدلة والبينات.
ويكون بالاعانة على المعارف والطاعات ، وفيه ترغيب فى الجهاد من حيث وعدهم النصر ، ثم بين
تعالى أنه قوى على هذه النصرة التى وعدها المؤمنين ، وأنه لا يجوز عليه المنع وهو معنى قوله
(عزيز) لأن العزيز هو الذى لا يضام ولا يمنع مما يريده. ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين
أذن لهم فى القتال فى الآية الأولى فقال ( الذين إن مكناهم فى الأرض) والمراد من هذا التمكن
السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله ( مكناهم في الأرض ) ليس إلا
هذا ، ولأنا لو حملناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك وحيئذ يبطل ترتب الأمور
الأربعة المذكورة عليه فى معرض الجزاء، لأنه ليس كل من كان قادراً على الفعل أنى بهذه الأشياء.
إذا ثبت هذا فنقول : المراد بذلك هم المهاجرون لآن قوله (الذين إن مكناهم ) صفة لمن تقدم وهو
قوله (الذين أخرجوا من ديارهم) والأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن الله
تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطنة، فانهم أتوا بالأمور الأربعة .
وهى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لكن قد ثبت أن الله تعالى مكن
الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة .
وإذا كانوا آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر وجب أن يكونوا على الحق ، فمن هذا
الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة. ولا يجوز حمل الآية على على عليه السلام وحده لأن
الآية دالة على الجمع، وفى قوله ( ولله عاقبة الأمور) دلالة على أن الذى تقدم ذكره من
سلطنتهم وملكهم كائن لامحالة . ثم إن الأمور ترجع إلى اللّه تعالى بالعاقبة فإنه سبحانه هو الذى
,

٤٣
قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم. سورة الحج.
وَإِن يُكَكَذِبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَدٌ وَتَمُودُ ﴾ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ
وَقَوْمُ لُوطِ ﴾ وَأَعَْبُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَعْلَيْتُ لِلْكَّفِ ينَ ثُمْ أَخَذْتُهُمَّ
فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٨َ فَكَأْبِ مِّنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَلِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ
◌َي ◌ُرُوِشِهَا وَبِثْرٍ مُعَطََّةٍ وَقَصٍْ مَّشِدٍ ﴿ أَفَلَمْ يَسِرُواْ فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ
قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَ اذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى
الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ ﴾
لا يزول ملكه أبداً وهو أيضاً يؤكد ما قلناه.
قوله تعالى : ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم
لوط ، وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ، فكأين من
قرية أهلكناها وهى ظالمة فهى خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ، أفلم يسيروا فى
الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى
القلوب التى فى الصدور
إعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق ، وأذن فى
مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجرى مجرى
التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فى الصبر على ماهم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب
وغيره، فقال : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله سبعة منهم . فان قيل:
ولم قال ( وكذب موسى) ولم يقل قوم موسى؟ (فالجواب) من وجهين (الأول) أن موسى عليه
السلام ما كذبه قومه بنوا اسرائيل وإنما كذبه غير قومه وهم القبط (الثانى ) كأنه قيل بعد
ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله، وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته
فماظنك بغيره .
أما قوله تعالى ( فأمليت للكافرين) يعنى أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندى ثم أخذتهم بالعقوبة
(فكيف كان نكير) استفهام تقريرإى]، أى فكيف كان إنكارى عليهم بالعذاب ، أليس كان واقعاً

٤٤
قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم. سورة الحج.
قطعاً؟ ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتاً وبالعمارة خراباً؟ ألست أعطيت الأنبياء
جميع ماوعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم فى الأرض. فينبغى أن تكون عادتك يا محمد
الصبر عليهم ، فانه تعالى إنما يمهل المصلحة فلا بد من الرضاء والتسليم ، وإن شق ذلك على القلب.
واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام، فكيف بذلك مع
منزلته ، لكنه فى كل وقت يصل إليه من جهتهم مايزيده غماً، فأجرى اللّه عادته بأن يصبره حالا
بعد حال، وقد تقدم ذكرهؤلاء المكذبين وبأى جنس من عذاب الاستئصال هلكوا .
وههنا بحث، وهو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما فعل بهم وبقومهم
إلا عذاب الاستئصال فانه لا يفعله بقوم محمد والتم وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم. قال
الحسن: السبب فى تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين (أحدهما)
أن عند الله حد[أ] من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه (والثانى) أن الله لا يعذب قوماً حتى
يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن. فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم
الله أن أحداً منهم لا يؤمن، فيئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أمهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم
بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله ( حتى إذا استيأس الرسل ) أى من إجابة القوم، وقوله
لنوح ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) وإذا عذبهم اللّه تعالى فإنه ينجى المؤمنين لقوله
(فلما جاء أمرنا) أى بالعذاب نجينا هوداً، واعلم أن الكلام فى هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة
فى الإعادة، فان قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نسكير ؟ قلنا
إذا كان رادعا لغيره وصادعا له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيراً .
أما قوله ( فكأين من قرية أهلكناها) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال بعضهم: المراد من قوله (فكأين) فكم على وجه التكثير. وقيل
أيضاً معناه، ورب قرية والأول. أولى لأنه أوكد فى الزجر، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من
المكذبين وأنه عجل إهلا كهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالا وإن لم يذكر مفصلا .
المسألة الثانية) قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة (أهلكناها) بالنون، وقرأ أبو عمرو
ويعقوب ( أهلكتها) وهو اختيار أبى عبيد لقوله فى الآية الاولى (فأمليت للكافرين ثم أخذتهم).
المسألة الثالثة ) قوله ( أهلكناها) أى أهلها ودل بقوله وهى ظالمة على ماذكرنا، ويحتمل
أن يكون المراد إهلاك نفس القرية، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل
إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب .
أما قوله وهى ( خاوية على عروشها ) ففيه سؤالان:
﴿ السؤال الأول) ما معنى هذه اللفظة؟ فقال صاحب الكشاف: كل مرتفع أظلك من
سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، والخاوى الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالى من
٤

٤٥
قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم. سورة الحج.
خوى المنزل إذا خلا من أهله ، فان فسرنا الخاوى بالساقط ، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها،
أى خرت سقوفها على الأرض. ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، وإن فسرناه بالخالى
كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ، قال ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر،
كأنه قيل هى خاوية وهى على عروشها، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت فى
قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهى مشرفة على السقوف الساقطة، وبالجملة فالآية دالة على
أنها بقيت محلا للاعتبار.
﴿ السؤال الثانى) ما محل هاتين الجملتين من الإعراب. أعنى (وهى ظالمة، فهى خاوية على
عروشها ) الجواب (الأولى) فى محل النصب على الحال (والثانية) لا محل لها لأنها معطوفة على
أهلكناها وهذا الفعل ليس له محل . قال أبو مسلم: المعنى فكأين من قرية أهل كناها وهى كانت
ظالمة وهى الآن خاوية .
أما قوله ( وبئر معطلة وقصر مشيد ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الحسن (معطلة) من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها
الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أى تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وفى المشيد قولان:
(أحدهما ) أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسعى الشيد (والثانى) أنه المرفوع المطول، والمعنى
أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بناتهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف،
وكذلك البئر التى كلفؤها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد ، والقصر الذى
أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهراً خالياً بلا ساكن، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر.
وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهى خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت
كذلك كانت أدخل فى الاعتبار وهو كقوله تعالى ( وإنكم لتمرون عليهم مصبحين) والله أعلم
بالصواب .
المسألة الثانية) روى أبو هريرة رضى الله عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة
آلاف نفريمن آمن به، ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم بحضرموت، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً
حين حضرها مات ثم، وثم بلدة عند البئراسمها حاضورا بناها قوم صالح، وأمروا عليها حاسر بن
جلاس وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنا ، وأرسل الله تعالى
اليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه فى السوق فأهلكهم الله تعالى، وعطل بثرهم وخرب قصورهم .
قال الإمام أبو القاسم الإنصارى، وهذا عجيب لأنى زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لهاعكة
فكيف يقال إنه بحضرموت .
أما قوله تعالى ( أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها)
فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم فى الاعتبار وكذلك

٤٦
قوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده. سورة الحج.
وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ إِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَّةِ
◌ِمّ تَعُدُّونَ () وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمْ أَخَذْتُهَا وَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ
قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنََّا أَنَاْلَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
٤٩
٤٨
استماع الأخبار فيه مدخل ، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم
يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع البتة ولو تفكر فيما سمع لا نتفع، فلهذا قال (فانها لا تعمى الأبصار ولكن
تعمى القلوب التى فى الصدور) كأنه قال لاعمى فى أبصارهم فانهم يرون بها لكن العمى فى قلوبهم
حيث لم ينتفعوا بما أبصروه، وههنا سؤالات :
﴿السؤال الأول) قوله (أفلم يسيروافى الأرض) هل يدل على الأمر بالسفر (الجواب) يحتمل
أنهم ما سافروا ختهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا،
ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا فجعلوا كان لم يسافرواولم يروا.
﴿السؤال الثانى﴾ ما معنى الضمير فى قوله (فانها لا تعمى الأبصار) (والجواب) هذا الضمير ضمير القصة
والشأن يجىء مؤ نثاًومذ كراًو فى قراءة ابن مسعود (فانه) ويجوز أن يكون ضمير آمبهماً يفسره الأبصار.
﴿ السؤال الثالث) أى فائدة فى ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا
فى الصدر ؟ (الجواب) أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة، فلما أريد إثباته للقلب على خلاف
المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذى بين فكيك ،
فقولك الذى بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت، لأن محل المضاء هوهو لا غير، وكأنك
قلت ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك سهواً، ولكنى تعمدته على اليقين . وعندى فيه وجه
آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى ( إن فى ذلك لذكرى لمن
كان له قلب ) وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر .
﴿ السؤال الرابع) هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟
(الجواب) نعم لأن المقصود من قوله (قلوب يعقلون بها) العلم وقوله ( يعقلون بها) كالدلالة على
أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلا للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل
لكونه متحيراً بشبه الأعمى .
قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوماً عند ربك كألف سنة
مما تعدون ، وكاين من قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير، قل يا أيها الناس إنما
أنا لكم نذير مبين ﴾.

٤٧
قوله تعالى: فالذين آمنوا وعملوا الصالحات. سورة الحج.
فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٨) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِىّ
ءَايَقِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَعْحَبُ الْجَحِيمِ(
إعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ماهم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب
فقال ( ويستعجلونك بالعذاب ) وفى ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن
استمروا على كفرهم ولأن قولهم (لو ما تأتينا بالملائكة) يدل على ذلك فقال تعالى ( ولن يخلف الله
وعده) لأن الوعد بالعذاب إذا كان فى الآخرة دون الدنيافاستعجاله يكون كالخلف ثم بين أن العاقل
لا ينبغى أن يستعجل عذاب الآخرة فقال (وإن يوماً عند ربك) يعنى فيما ينالهم من العذاب وشدته
(كألف سنة) لو بقى وعذب فى كثرة الآلام وشدتها فين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب
الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه، وهذا قول أبى مسلم وهو أولى الوجوه: (الوجه الثانى)
أن المراد طول أيام الآخرة فى المحاسبة ويرجع معناه إلى قريب مما تقدم، وذلك أن الأيام القصيرة
إذا مرت فى الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة إذا مرت فى الشدة . ثم إن
العذاب الذى يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ينبغى للعافل أن يستعجله ( والوجه الثالث ) أن
اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذى لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا
إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة .
أما قوله ( وكأى من قرية أمليت لها وهى ظالمة) فالمراد وكم من قرية أخرت إهلاكهم مع
استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن أنزلت العذاب بهم، ومع ذلك فعذابهم
مدخر إذا صاروا إلى وهو تفسير قوله ( وإلى المصير ) فان قيل فلم قال فيما قبل ( فكا ين من قرية
أهلكناها وهى ظالمة) وقال ههنا ( وكأين من قرية أمليت لها ) الأولى بالفاء وهذه بالواو؟ قلنا:
الاولى وقعت بدلا عن قوله (فكيف كان نكير) وأما هذه حكمها حكم ما تقدمها من الجملتين
المعطوفتين بالواو ، أعنى قوله ( ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ما تعدون)
أما قوله (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم
التخويف والإنذار، وأن لا يصده ما يكون منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزؤ عن
إدامة التخويف والإنذار ، وأن يقول لهم إنما بعثت للانذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعنى منه .
قوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم، والذين سعوا فى
آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم﴾
إعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف
ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم، لأن الرجل إنما يكون منذراً بذكر الوعد للمطيعين والوعيد

٤٨
قوله تعالى : فالذين آمنوا وعملوا الصالحات. سورة الحج.
العاصين . فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات تجمع بين الوصفين وهذا دليل على أن العمل
الصالح خارج عن مسمى الإيمان وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل فى الايمان كل ما يجب من الاعتقاد
بالقلب والاقرار باللسان ، ويدخل فى العمل الصالح أداء كل واجب وترك كل محظور ، ثم بين
سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم. أما المغفرة فإما أن
تكون عبارة عن غفران الصغائر ، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة . أو عن غفرانها قبل التوبة،
والأولان واجبان عند الخصم. وأداء الواجب لا يسمى غفراناً. فبقى الثالث وهو دلالته على
العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة . وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب ، وكرمه
يحتمل أن يكون الصفات السلبية، وهو أن الانسان هناك يستغنى عن المكاسب وتحمل المشاق
والذل فيها وارتكاب المآثم والدناءة بسببها، وأن يكون للصفات الثبوتية، وهو أن يكون رزقاً
كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر، مقروناً بالتعظيم والتبجيل. والأولى جعل الكريم دالا
على كل هذه الصفات ، فهذا شرح حال المؤمنين . وأما حال الكفار فقال (والذين سعوا فى آياتنا
معاجزين ) والمراد اجتهدوا فى ردها والتكذيب بها حيث سموها سحراً وشعراً وأساطير الأولين،
ويقال لمن بذل جهده فى أمر: إنه سعى فيه توسعاً من حيث بلغ فى بذل الجهد النهاية ، كما إذا بلغ
الماشى نهاية طاقته فيقال له سعى، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازاً . قال صاحب الكشاف.
يقال سعى فى أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه، أما المعاجز فيقال عاجزته ، أى طمعت فى
إعجازه، واختلفوا فى المراد ، هل معاجزين لله أو للرسول وللمؤمنين، والأقرب هو الثانى لأنهم
إن أنكروا اللّه استحال منهم أن يطمعوا فى إعجازه وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه
ويغلبونه، ويصح منهم أن يظنوا ذلك فى الرسول بالحيل والمكايد. أما الذين قالوا المراد معاجزين
لله، فقد ذكروا وجوها (أحدها) المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذا بهم وحسابهم
حيث جحدوا البعث ( وثانيها ) أنهم يتبطون غيرهم عن التصديق باللّه ويثبطونهم بسبب الترغيب
والترهيب ( وثالثها) يعجزون اللّه بإدخال الشبه فى قلوب الناس (والجواب) عن الأول أن من
جحد أصل الشىء لا يوصف بأنه مغالب لمن يفعل ذلك الشىء، ومن تأول الآية على ذلك فيجب
أن يكون مراده أنهم ظنوا مغالبة الرسول رقم فيما كان يقوله من أمر الحشر والنشر (والجواب)
عن الثانى والثالث أن المغالبة فى الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة، لا إلى اللّه تعالى.
أما قوله تعالى ( أولئك أصحاب الجحيم ) فالمراد أنهم يدومون فيها وشبهم من حيث الدوام
بالصاحب ، فان قيل إنه عليه السلام فى هذه الآية بشر المؤمنين أولا وأنذر الكافرين ثانياً ، فكان
القياس أن يقال: قل يا أيها الناس إنما أنا لكم بشير ونذير، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين ،
ويا أيها الناس نداء لهم ، وهم الذين قيل فيهم (أفلم يسيروا فى الأرض) ووصفوا بالاستعجال وإنما
ألتقى ذكر المؤمنين وثوابهم فى البين زيادة لغيظهم وإيذاتهم.

٤٩
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك. سورة الحج.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّا إِذَا تَمََّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَ أُمِنَِّتِهِ
فَيَنَخُ اللهُ مَا يُلْقِ الشَّيْطَلِنُ فُمَ يُحْكُمُاللهَُّتِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( لِيَجْعَلَ
مَايُلْقِ اٌلَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِ قُوِهِمْ فَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةٍ تُوبُهُمَّ وَإِنَّ الَِّينَ
لَفِى شِقَاقٍ بَعِدٍ ® وَلِيَعْلَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِمَ أَنَّهُالْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِفَتُخْبِتَ
لُ قُوبُهُمْ وَإِنَّاللّهَادِ الَّذِينَءَامَنُواْ إِلَى صِرَِّطٍ مُسْتَقٍِ ﴾ وَلَ يَزَلُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فِى مِنَةٍ مِنْهُ خَّى ◌َأْتِيَهُمُ السََّةُ بَغْنَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيم (
ج
الْمُلْكُ يَوْمٍَ لِِّ يَحْكُ بَهُمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِ فِى جَّتِ النَّعِيمِ
٥٦
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَا يَقِنَا فَأُوْلَِّكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
٥٧
قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته
فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم، ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى
قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفى شقاق بعيد، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من
ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، ولا يزال الذين
كفروا فى مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ، الملك يومئذ الله يحكم
بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات فى جنات النعيم، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم
عذاب مهين﴾ .
أما قوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته)
ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ من الناس من قال: الرسول هو الذى حدث وأرسل، والنبى هو الذى لم
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ٤

٥٠
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك. سورة الحج.
يرسل ولكنه ألهم أو رأى فى النوم، ومن الناس من قال: إن كل رسول نى، وليس كل نى
يكون رسولا، وهو قول الكلى والفراء. وقالت المعتزلة كل رسول فى، وكل فى رسول، ولا
فرق بينهما ، واحتجوا على فساد القول الأول بوجوه (أحدها) هذه الآية فانها دالة على أن النبى
قد يكون مرسلا ، وكذا قوله تعالى (وما أرسلنا فى قرية من نبى)، (وثانيها) أن الله تعالى خاطب
محمداً مرة بالنى ومرة بالرسول، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين، وعلى القول الأول المنافاة
حاصلة ( وثالثها) أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين (ورابعها ) أن اشتقاق لفظ النبى إما من
النبأ وهو الخبر، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع، والمعنيان لا يحصلان إلا بقبول الرسالة.
( أما القول الثانى ) فاعلم أن شيئاً من تلك الوجوه لا يبطله، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف
النبى على الرسول، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص . وقال فى موضع
آخر (وكم أرسلنا من نبى فى الأولين) وذلك يدل على أنه كان نبياً ، جعله الله مرسلاً وهو يدل
على قولنا. و(( قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كم المرسلون؟ فقال ثلثمائة وثلاثة عشرة، فقيل
وكم الأنبياء؟ فقال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الجم الغفير)) إذا ثبت هذا فنقول: ذكروا
فى الفرق بين الرسول والنبى أموراً (أحدها) أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب
المنزل عليه ، والنبى غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب ، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله
(والثانى) أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول ،
ومن لم يكن مستجمعاً لهذه الخصال فهو النبى غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحق
ويعقوب وأيوب ويونس وهرون وداود وسليمان رسلا لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ (والثالث)
أن من جاءه الملك ظاهراً وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم يكن كذلك بل رأى فى
النوم كونه رسولا ، أو أخبره أحد من الرسل بأنه رسول الله ، فهو النبى الذى لا يكون رسولا
وهذا هو الأولى.
المسألة الثانية) ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية أن الرسول في الله لما رأى
إعراض قومه عنهٍ وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى فى نفسه أن يأتيهم من
الله ما يقارب بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم جلس ذات يوم فى ناد من أندية قريش
كثير أهله وأحب يومئذ أن لا يأتيه من اللّه شىء ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة
(والنجم إذا هوى) فقرأها رسول اللّه عَّ ليل حتى بلغ قوله ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة
الأخرى ) ألقى الشيطان على لسانه ((تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى)) فلما سمعت قريش ذلك
فرحوا ومضى رسول الله مؤلتم فى قراءته فقرأ السورة كلها فسجد وسعد المسلمون لسجوده وسحمد
جميع من فى المسجد من المشركين فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن
المغيرة وأبى أحيحة سعيد بن العاصى فانهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء ورفعاها إلى

٥١
قوله تعالى : وما ارسلنا من قبلك. سورة الحج.
جبهتيهما وبجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم
ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه
جبريل عليه السلام فقال مادا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن اللّه وقلت ما لم أقل لك ؟!
تحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من اللّه خوفاً عظيما حتى نزل قوله تعالى
( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا فى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته) الآية. هذا رواية
عامة المفسرين الظاهريين . أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه
بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه: (أحدها ) قوله تعالى ( ولو تقول علينا بعض
الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين). (وثانيها ) قوله ( قل ما يكون لى أن أبدله
من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى) ( وثالثها) قوله ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى
يوحى ) فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلى لكان قد ظهر كذب الله تعالى فى الحال
وذلك لا يقوله مسلم (ورابعها) قوله تعالى ( وإن كادوا ليفتونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى
علينا غيره وإذا لا تخذوك خليلا ) وكلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع
أنه لم يحصل ( وخامسها) قوله (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئاً قليلا) وكلمة لولا
تفيد انتفاء الشىء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل (وسادسها) قوله ( كذلك
لنثبت به فؤادك). (وسابعها) قوله ( سنقرئك فلا تنسى). وأما السنة فهى ما روى عن محمد
ابن اسحق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال هذا وضع من الزنادقة وصنف فيه كتاباً. وقال
الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم فى أن
رواة هذه القصه مطعون فيهم. وأيضاً فقد روى البخارى فى صحيحه أن التى عليه السلام قرأ
سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق . وروى
هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه:
(أحدها ) أن من جوز على الرسول وسيتم تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة
أن أعظم سعيه كان فى نفى الأوثان (وثانيها) أنه عليه السلام ما كان يمكنه فى أول الأمر أن
يصلى ويقرأ القرآن عند الكعبة آمناً أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما
كان يصلى إذا لم يحضروها ليلا أو فى أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم ( وثالثها ) أن معاداتهم
للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر فكيف
أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم ( ورابعها) قوله
( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته) وذلك لأن إحكام الآيات بازالة ما يلقيه الشيطان
عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التى تبقى الشبهة معها، فإذا أراد الله إحكام الآيات لتلا
يلتبس ما ليس بقرآن قرآناً ، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا أولى (وخامسها) وهو أقوى الوجوه

٥٢
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك . سورة الحج.
أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا فى كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون
كذلك ويبطل قوله تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت
رسالته والله يعصمك من الناس ) فانه لا فرق فى العقل بين النقصان عن الوحى وبين الزيادة فيه
فيهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة أكثر ما فى الباب أن جمعاً من
المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر ، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية
المتواترة، ولنشرع الآن فى التفصيل فنقول التمنى جاء فى اللغة لأمرين (أحدهما) تمنى القلب
( والثانى) القراءة قال الله تعالى ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى) أى إلا قراءة لأن
الأمى لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه قراءة ، وقال حسان :
تمنى كتاب اللّه أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر
قيل إنما سميت القراءة أمنية لأن القارى. إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها وإذا انتهى
إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها. وقال: أبو مسلم التمنى هو التقدير وتمنى هو تفعل من منيت
والمنية وفاة الإنسان فى الوقت الذى قدره الله تعالى، ومنى اللّه لك أى قدر لك. وقال رواة اللغة
الأمنية القراءة واحتجوا بيت حسان، وذلك راجع إلى الأصل الذى ذكرناه فان التالى مقدر
للحروف ويذكرها شيئاً فشيئاً ، فالحاصل من هذا البحث أن الأمنية، إما القراءة، وإما الخاطر .
أما إذا فسرناها بالقراءة ففيه قولان: ( الأول ) أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يهو الرسول
مرّ فيه ويشتبه على القارى. دون مارووه من قوله تلك الغرانيق العلى (الثانى ) المراد منه وقوع
هذه الكلمة فى قراءته ثم اختلف القاتلون بهذا على وجوه: (الأول) أن النبى ◌ّ لم يتكلم بقوله
تلك الغرانيق العلى ولا الشيطان تكلم به ولا أحد تكلم به لكنه عليه السلام لما قرأسورة النجم اشتبه
الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه مارووه من قولهم تلك الغرانيق العلى وذلك على حسب
ماجرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال وهذا الوجه ذهب إليه جماعة وهو
ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن التوهم فى مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه وأما غير
المسموع فلا يقع ذلك فيه ( وثانيها ) أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون
البعض فان العادة مانعة من اتفاق الجم العظيم فى الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد فى
المحسوسات (وثالثها) لو كان كذلك لم يكن مضافا إلى الشيطان ( الوجه الثانى ) قالوا إن ذلك
الكلام كلام شيطان الجن وذلك بأن تلفظ بكلام من تلقاء نفسه أوقعه فى درج تلك التلاوة فى
بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول هيثم قالوا والذى يؤكده أنه
لاخلاف فى أن الجن والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتى الشيطان بصوت مثل صوت الرسول
عليه السلام فيتكلم بهذه الكلمات فى أثناء كلام الرسول عليه السلام وعند سكوته فإذا سمع
الحاضرون تلك الكامة بصوت مثل صوت الرسول وما رأوا شخصاً آخر ظن الحاضرون أنه كلام

٥٣
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك . سورة الحج.
الرسول ، ثم هذا لا يكون قادحا فى النبوة لما لم يكن فعلا له، وهذا أيضاً ضعيف فإنك إذا جوزت
أن يتكلم فى أثناء الشيطان كلام الرسول بر قم بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاما للرسول بقى هذا
الاحتمال فى كل ما يتكلم به الرسول فيفضى إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع فان قيل هذا
الاحتمال قائم فى الكل ولكنه لو وقع لوجب فى حكمة الله تعالى أن يشرح الحال فيه كما فى هذه
الواقعة إزالة للتلبيس ، قلنا لا يجب على الله إزالة الاحتمالات كما فى المتشابهات وإذا لم يجب على الله
ذلك تمكن الاحتمال من الكل ( الوجه الثالث ) أن يقال المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس وهم
الكفرة فانه عليه السلام لما انتهى فى قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد
علموا من عادته أنه يعيها فقال بعض من حضر تلك الغرانيق العلى فاشتبه الأمر على القوم لكثرة
لغط القوم وكثرة صياحهم وطلبهم تغليطه وإخفاء قراءته، ولعل ذلك كان فى صلاته لأنهم كانوا
يقربون منه فى حال صلاته ويسمعون قراءته ويلغون فيها ، وقيل إنه عليه السلام كان إذا تلا
القرآن على قريش توقف فى فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام فى تلك الوقفات
فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول بواقع ثم أضاف الله تعالى ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته يحصل
أولا ولأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم فى نفسه شيطاناً وهذا أيضاً ضعيف لوجهين (أحدهما) أنه
لو كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم إزالة الشبهة وتصريح الحق وتبكيت
ذلك القائل وإظهار أن هذه الكلمة منه صدرت (وثانيهما) لو فعل ذلك لكان ذلك أولى بالنقل ،
فان قيل إنما لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة
من دون هذه الزيادة فلم يكر ذلك مؤدياً إلى التلبيس كما يؤدى سهوه فى الصلاة بعد أن وصفها.
إلى اللبس، قلنا إن القرآن لم يكن مستقراً على حالة واحدة فى زمان حياته لأنه كان تأتيه الآيات
فيلحقها بالسور فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سبباً لزوال اللبس، وأيضا فلو كان
كذلك لما استحق العتاب من الله تعالى على ما رواه القوم (الوجه الرابع) هو أن المتكلم بهذا
هو الرسول صلى الله عليه وسلم ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه فانه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهواً
أو قسراً أو اختياراً ( أما الوجه الأول) وهو أنه عليه السلام قال هذه الكلمة سهواً فكما يروى
عن قتادة ومقاتل أنهما قالا إنه عليه السلام كان يصلى عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان
الكلمتان فلما فرغ من السورة سجد وسيجد كل من فى المسجد وفرح المشركون بما سمعوه وأتاه
جبريل عليه السلام فاستقرأه، فلما انتهى إلى الغرانيق قال لم آتك بهذا. حزن رسول اللّه صَز اله
إلى أن نزلت هذه الآية وهذا ضعيف أيضاً لوجوه (أحدها ) أنه لو جاز هذا السهو لجاز فى
سائر المواضع وحينئذ تزول الثقة عن الشرع ( وثانيها ) أن الساهى لا يجوز أن يقع منه مثل هذه
الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحداً لو أنشد قصيدة
لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر فى وزنها ومعناها وطريقتها ( وثالثها ) هب أنه تكلم

٥٤
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك . سورة الحج.
بذلك سهواً، فكيف لم ينبه لذلك حين قرأها على جبريل عليه السلام وذلك ظاهر (أما الوجه الثانى)
وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك قسراً وهو الذى قال قوم إن الشيطان أجبر النبى عَّ الي على أن
يتكلم بهذا فهذا أيضاً فاسد لوجوه ( أحدها ) أن الشيطان لو قدر على ذلك فى حق النبى عليه
السلام لكان اقتداره علينا أكثر فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين ولجاز فى أكثر
ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين ( وثانيها ) أن الشيطان لو قدر على هذا
الإجبار لارنفع الأمان عن الوحى لقيام هذا الإحتمال ( وثالثها) أنه باطل بدلالة قوله تعالى
حاكياً عن الشيطان ( وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلومونى ولوموا
أنفسكم) وقال تعالى ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على
الذين يتولونه ) وقال ( إلا عبادك منهم المخلصين) ولا شك أنه عليه السلام كان سيد المخلصين
( أما الوجه الثالث) وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك اختياراً فهنا وجهان (أحدهما) أن نقول
إن هذه الكلمة باطلة ( والثانى) أن نقول إنها ليست كلمة باطلة أما على الوجه الأول فذكروا فيه
طريقين ( الأول ) قال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية عطاء إن شيطاناً يقال له الأبيض
أتاه على صورة جبريل عليه السلام وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك
أعجبهم نجاء جبريل عليه السلام فاستعرضه فقرأها فلما بلغ إلى تلك الكلمة قال جبريل
عليه السلام أنا ما جئتك بهذه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أنانى آت على صورتك
فألقاها على لسانى ( الطريق الثانى) قال بعض الجهال إنه عليه السلام لشدة حرصه على
إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم رجع عنها، وهذان القولان لايرغب فيهما
مسلم البتة لأن الأول يقتضى أنه عليه السلام ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث
والثانى يقتضى أنه كان خائناً فى الوحى وكل واحد منهما خروج عن الدين ( أما الوجه الثانى)
وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فههنا أيضاً طرق ( الأول) أن يقال الغرانيق هم الملائكة وقد
كان ذلك قرآناً منزلا فى وصف الملائكة. فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته
(الثانى) أن يقال المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، فكأنه قال: أشفاعتهن ترتجى؟ (الثالث)
أن يقال إنه ذكر الإثبات وأراد النفى كقوله تعالى ( يبين لكم أن تضلوا) أى لا تضلوا كما قد
يذكر النفى ويريد به الإثبات كقوله تعالى (فل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به
شيئاً) والمعنى أن تشركوا ، وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على
هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر فى جملة القرآن أو فى الصلاة بناء على هذا
التأويل، ولكن الأصل فى الدين أن لا يجوز عليهم شىء من ذلك لأن الله تعالى قد نصبهم حجة
واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن فى ذلك أو ينفر ، ومثل ذلك فى التنفير أعظم من
الأمور التى حثه الله تعالى على تركها كنحو الفظاظة والكتابة وقول الشعر فهذه الوجوه المذكورة

٥٥
قوله تعالى : وما ارسلنا من قبلك . سورة الحج.
فى قوله تلك الغرانيق العلا قد ظهر على القطع كذبها، فهذا كله إذا فسرنا التمنى بالتلاوة. وأما إذا
فسرناها بالخاطر وتمنى القلب فالمعنى أن النبى صلى الله عليه وسلم متى تمنى بعض مايتمناه من الأمور
وسوس الشيطان اليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغى ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه
إلى ترك الالتفات إلى وسوسته، ثم اختلفوا فى كيفية تلك الوسوسة على وجوه (أحدها) أنه
يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا إنه عليه السلام كان يحب أن يتألفهم
وكان يردد ذلك فى نفسه فعند ما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت فى نفسه وهذا أيضاً
خروج عن الدين وبيانه ما تقدم ( وثانيها) ماقال مجاهد من أنه عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحى
عليه على سرعة دون تأخير فنسخ اللّه ذلك بأن عرفه بأن إنزال ذلك بحسب المصالح فى الحوادث
والنوازل وغيرها ( وثالثها) يحتمل أنه عليه السلام عند نزول الوحى كان يتفكر فى تأويله إن
كان محملا فيلقى الشيطان فى جملته مالم يرده، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ماأراده
اللّه تعالى بادلته وآياته ( ورابعها) معنى الآية إذا تمنى إذا أراد فعلا مقرباً إلى الله تعالى ألقى الشيطان
فى فكره ما يخالفه فيرجع إلى الله تعالى فى ذلك وهو كقوله تعالى (إن الذين اتقوا إذا مسهم
طائف من الشيطان: ذكروا فإذا هم مبصرون) وكقوله ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ
باللّه) ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمنى القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر
بيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى ( ليجعل ما يلقى الشيطان
فتة الذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم )، (والجواب) لا يبعد أنه إذا قوى التمنى اشتغل
الخاطر به محصل السهو فى الأفعال الظاهرة بـ بيه فيصير ذلك فتنة للكفار فهذا آخر القول فى هذه المسألة.
﴿ المسألة الثالثة﴾ يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين
أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ووسوسة الشيطان
بل حالهم فى جواز ذلك كمال سائر البشر فالواجب أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم فذلك هو
المحكم، وقال أبو مسلم معنى الآية أنه لم يرسل نبياً إلا إذا تمنى كانه قيل: وما أرسلنا إلى البشر ملكا
وما أرسلنا إليهم نبياً إلا منهم، وما أرسلنا نبياً خلا عند تلاوته الوحى من وسوسة الشيطان وأن
يلقى فى خاطره ما يضاد الوحى ويشغله عن حفظه فيثبت اللّه النى على الوحى وعلى حفظه ويعلمه
صواب ذلك وبطلان ما يكون من الشيطان ، قال وفيما تقدم من قوله ( قل يا أيها الناس إنما
أنا لكم نذير مبين) تقوية لهذا التأويل فكأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين أنا نذير لكم لكنى
من البشر لا من الملائكة ، ولم يرسل الله تعالى مثلى ملكا بل أرسل رجالا فقد يوسوس الشيطان
إليهم، فان قيل هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة ، قلنا إذا كانت الملائكة أعظم
درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلاؤهم بالوسوسة على الملائكة،
وأعلم أنه سبحانه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين:

٥٦
قوله تعالى : وما ارسلنا من . سورة الحج.
﴿ البحث الأول ) كيفية إزالتها وذلك هو قوله تعالى (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) فالمراد
إزالته وإزالة تأثيره فهو النسخ اللغوى لا النسخ الشرعى المستعمل فى الأحكام. أما قوله ( ثم
يحكم الله آياته) فإذا حمل التمنى على القراءة فالمراد به آيات القرآن وإلا فيحمل على أحكام الأدلة
التى لا يجوز فيها الغلط .
﴿ البحث الثانى) أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة، ثم إنه سبحانه شرمح أثرها فى حق الكفار
أولا ثم فى حق المؤمنين ثانياً، أما فى حق الكفار فهوقوله ( ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة) والمراد
به تشديد التبعيد لأن عند ما يظهر من الرسول صلى الله عليه وسلم الاشتباه فى القرآن سهراً يلزمهم
البحث عن ذلك ليميزوا السهو من العمد وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون مواباً.
أما قوله ( للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ) ففيه سؤالان:
﴿ السؤال الأول ) لم قال ( فتنة للذين فى قلوبهم مرض) ولم خصهم بذلك (الجواب)
لأنهم مع كفرهم يحتاجون إلى ذلك التدبر ، وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون
إلى التدبر .
﴿ السؤال الثانى) مامرض القلب (الجواب) أنه الشك والشبهة وهم المنافقون كما قال (فى
قلوبهم مرض) وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهراً وباطناً .
أما قوله تعالى ( وإن الظالمين لفى شقاق بعيد) يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين فأصله
وإنهم، فوضع الظاهر موضع المضمر قضاء عليهم بالظلم والشقاق والمشاقة والمعاداة والمباعدة
سواء، وأما فى حق المؤمنين فهو قوله ( وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ) وفى الكتابة
ثلاثة أوجه (أحدها ) أنها عائدة إلى نسخ ما ألقاه الشيطان ، عن الكلبى. ( وثانيها) أنه الحق أى
القرآن عن مقاتل ( وثالثها ) أن تمكن الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق ، أما على قولنا فلأنه
سبحانه وتعالى أى شىء فعل فقد تصرف فى ملكه وملكه بضم الميم وكسرها فكان حقا ، وأما على قول
المعتزلة فلأنه سبحانه حكيم فتكون كل أفعاله صواباً فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أى تخضع وتسكن
لعلمهم بأن المقضى كائن، وكل ميسر لما خلق له، (وأن الله لهادى الذين آمنوا) إلى أن يتأولوا
ما يتشابه فى الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبوا ما أشكل منه من المجمل الذى تقتضيه الأصول
المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة وقرىء لهاد الذين آمنوا بالتنوين ، ولما بين سبحانه
حال الكافرين أولا ثم حال المؤمنين ثانياً عاد إلى شرح حال الكافرين مرة أخرى فقال ( ولا يزال
الذين كفروا فى مرية منه) أى من القرآن أو من الرسول ، وذلك يدل على أن الأعصار إلى قيام
الساعة لا تخلو من هذا وصفه .
أما قوله تعالى ( حتى تأتيهم الساعة بغتة ) أى فجأة من دون أن يشعروا ثم جعل الساعة غاية
للكفرثم، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء. واختلف فى المراد باليوم العقيم

٥٧
قوله تعالى : والذين هاجروا في سبيل الله. سورة الحج.
وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الهِّمَ قُتِلُواْ أَوْ مَانُواْلَيَزُ قَهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّ
لَمُوَ خَيرُالَّزِقِينَ (٨) لَيُدَِّْهُمْ مُدْخَلَا يَرْضَوْنَهُ، وَإِنَّ اللَّهَلَعَلِيمٌّ حَلِيمٌ ﴾ ذَلِكَ
وَمَنْ تَقَبَ بِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّبُفِىَ عَلَيْهِ لَنْصُرَهُاللهُ إِنَّ اللََّلَعَفُ غَفُورٌ
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النََّارِ وَيُولِجُ النََّارَ فِ اَلَّيْلِ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ
٦٠
وفيه قولان: ( أحدهما ) أنه يوم بدر وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لوجوه أربعة: (أحدها)
أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن (وثانيها) أن المقاتلين يقال لهم أبناء
الحرب فاذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز ( وثالثها ) هو الذى لاخير فيه يقال
ريح عقيم إذا لم تنشىء مطراً ولم تلفح شجراً (ورابعها) أنه لا مثل له فى عظم أمره ، وذلك لقتال
الملائكة فيه ( القول الثانى ) أنه يوم القيامة، وإنما وصف بالعقيم لوجوه : (أحدها) أنهم لا
برون فيه خيراً ( وثانيها) أنه لاليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على تعطل الولادة (وثالثها) أن
كل ذات حمل تضع حملها فى ذلك اليوم فكيف يحصل الحمل فيه ، وهذا القول أولى لأنه لا يجوز أن
يقول الله تعالى (ولا يزال الذين كفروا) ويكون المراد يوم بدر، لأن من المعلوم أنهم فى مرية بعد
يوم بدر، فان قيل لما ذكر الساعة . فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار ؛ قلنا ليس
كذلك لأن الساعة من مقدمات القيامة واليوم العقيم هو نفس ذلك اليوم، وعلى أن الأمر لو كان
كما قاله لم يكن تكراراً لأن فى الأول ذكر الساعة، وفى الثانى ذكر عذاب ذلك اليوم، ويحتمل
أن يكون المراد بالساعة وقت موت كل أحد وبعذاب يوم عقيم القيامة .
أما قوله ( الملك يومئذ لله) فمن أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو ذلك اليوم وأراد بذلك
أنه لا مالك فى ذلك اليوم سواه فهو بخلاف أيام الدنيا التى ملك الله الأمور غيره، وبين أنه الحاكم
بينهم لا حاكم سواه وذلك زجر عن معصيته ثم بين كيف يحكم بينهم، وأنه يصير المؤمنين إلى
جنات النعيم ، والكافرين فى العذاب المهين، وقد تقدم وصف الجنة والنار فان قيل التنوين فى
يومئذ عن أى جملة ينوب؟ قلنا تقديره : الملك يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم لقوله تعالى (ولا
يزال الذين كفروا فى مرية منه حتى تأتيهم الساعة ).
قوله تعالى : ﴿والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقهم الله رزقاً حسناً وإن
اللّه لهو خير الرازقين. ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله العليم حليم، ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب
به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور، ذلك بأن الله يونج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل

٥٨
قوله تعالى : والذين هاجروا في سبيل الله. سورة الحج.
بِصِيرٌ ﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَشِطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ
الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ®
وأن اللّه سميع بصير، ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن اللّه هو
هو العلى الكبير ﴾.
إعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه
بذكر وعده الكريم للمهاجرين، وأفردهم بالذكر تفخيما لشأنهم فقال عزمن قائل (والذين هاجروا)
واختلفوا فيمن أريد بذلك، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالباً لنصرة الرسول مج ته وتقرباً
إلى الله تعالى، وقال آخرون بل المراد من جاهد نخرج مع الرسول عَظ له أو فى سراياه لنصرة
الدين ولذلك ذكر القتل بعده، ومنهم من حمله على الأمرين. واختلفوا من وجه آخر فقال قوم
المراد قوم مخصوصون ، روى مجاهد أنها نزلت فى طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة
فتبعهم المشركون فقاتلوهم، وظاهر الكلام للعموم . ثم إنه سبحانه وتعالى وصفهم برزقهم ومسكنهم،
أما الرزق فقوله تعالى ( ليرزقنهم الله رزقا حسناً، وإن الله لهو خير الرازقين) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ لاشبهة فى أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة، وقال الأصم إنه العلم والفهم
كقول شعيب عليه السلام (ورزقنى منه رزقاً حسناً) فهذا فى الدنيا وفى الآخرة الجنة، وقال الكلى
رزقا حسناً حلالا وهو الغنيمة وهذان الوجهان ضعيفان، لأنه تعالى جعله جزاء على مجرتهم فى
سبيل الله بعد القتل والموت وبعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة.
﴿ المسألة الثانية ) لابد من شرط اجتناب الكبائر فى كل وعد فى القرآن لأن هذا المهاجر
لو ارتكب كبيرة لكان حكمه فى المشيئة على قولنا ، ولخرج عن أن يكون أهلا للجنة قطعاً على قول
المعتزلة. فان قيل فما فضله على سائر المؤمنين فى الوعد إن كان كما قلتم؟ قلنا فضلهم بظهر لأن نوابهم
أعظم وقد قال تعالى ( لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) فمعلوم أن من هاجر مع
الرسول چ ل وفارق دياره وأهله لتقويته ونصرة دينه مع شدة قوة الكفار وظهور صولتهم صار
فعله كالسبب لقوة الدين ، وعلى هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم والثناء عليهم تالياً
لذكر المهاجرين لما آووه ونصروه.
المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى معنى قوله ( وإن الله لهو خير الرازقين) مع العلم بأن كل الرزق
من عنده على وجوه: (أحدها) التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق مالا يقدر
عليه غيره ( وثانيها ) أن يكون المراد أنه الأصل فى الرزق ، وغيره إنما يرزق بما تقدم من
الرزق من جهة اللّه تعالى ( وثالثها) أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل

٥٩
قوله تعالى : والذين هاجروا في سبيل الله. سورة الحج.
نفس الرزق (ورابعها) أن غيره إذا رزق فأما يرزق لاتفاعه به. إما لأجل أن يحرج عن
الواجب، وإما لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، وإما لأجل دفع الرقة الجنسية. فكان الواحد
منا إذا رزق فقد طلب العوض، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شى. كما لا
زائداً فكان الرزق الصادر منه لمحض الإحسان (وخامسها) أن غيره إما يرزق لو حصل فى قلبه
إرادة ذلك الفعل ، وتلك الإرادة من اللّه، فالرازق فى الحقيقة هو اللّه تعالى (وسادسها) أن
المرزوق يكون تحت منة الرازق ومنة الله تعالى أسهل تحملامن منة الغير. فكان هو (خير الرازقين)
(وسابعها) أن الغير إذا رزق فلولا أن الله تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس وأعطاه
السلامة والصحة والقدرة على الانتفاع بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به، ورزق الغير لابد
وأن يكون مسبوقاً برزق الله وملحوقاً به حتى يحصل الانتفاع. وأما رزق الله تعالى فإنه لا حاجة
به إلى رزق غيره، فثبت أنه سبحانه ( خير الرازقين).
﴿ المسألة الرابعة) قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة (أحدها) أن الله تعالى قادر
(وثانيها) أن غير الله يصح منه أن يرزق ويملك. ولولا كونه قادراً فاعلا لما صح ذلك (وثالثها)
أن الرزق لا يكون إلا حلالا لأن قوله (خير الرازقين) دلالة على كونهم مدوحين (والجواب)
لا نزاع فى كون العبد قادراً، فإن عندنا القدرة مع الداعى مؤثرة فى الفعل بمعنى الاستلزام. وأما
الثالث فبحث لفظى وقد سبق الكلام فيه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ لما قال تعالى ( ثم قتلوا أو ماتوا) فسوى بينهما فى الوعد، ظن قوم أن
حال المقتول فى الجهاد والميت على فراشه ــواء، وهذا إن أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه. لأن
الجمع بينهما فى الوعد لا يدل على تفضيل ولا تسوية ، كما أن الجمع بين المؤمنين. لا يدل على ذلك.
وإن أخذوه من دليل آخر فهو حق ، فانه روني أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((المقتول
فى سبيل الله تعالى، والمتوفى فى سبيل الله بغير قتل، هما فى الخير والأجر شريكان)) ولفظ
الشركة مشعر بالتسوية ، وإلا فلا يبقى لتخصيصهما بالذكر فائدة. وروى أيضاً: أن طوائف من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله
من الخير ، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنامعك. فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين
وهذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر ، فلولا التسوية لم يكن الجواب مفيداً .
أما المسكن فقوله تعالى ( ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله العليم حليم) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى) قرى مدخلا بضم الميم وهو من الإدخال. ومن قرأ بالفتح فالمراد الموضع.
﴿ المسألة الثانية) قيل فى المدخل الذى يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا
وصم لها سبعون ألف مصراع. وقال أبو القاسم القشيرى هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه
تقدم، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: إنما قال يرضونه، لأنهم يرون فى الجنة ما لا عين رأت

٦٠
قوله تعالى : والذين هاجروا في سبيل الله. سورة الحج.
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولا ، ونظيره قوله تعالى
(ومساكن ترضونها) وقوله ( فى عيشة راضية) وقوله (ارجعى إلى ربك راضية مرضية) وقوله
( ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إن قيل ما معنى (وإن الله العليم حليم) وما تعلقه بما تقدم؟ قلنا يحتمل أنه
عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك
فى الجنة ، وأما الحليم فالمراد أنه لحله لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية ، بل يمهل يقع منه
التوبة فيستحق منه الجنة .
أما قوله ( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصر نه الله إن الله لعفو غفور)
ففيه مسائل :
المسألة الأولى) قوله ( ذلك) قد مضى الكلام فيه فى هذه الآية فى هذه السورة. وقال
الزجاج أى الأمر ما قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( ذلك ومن عاقب بمثل ماعوقب به ثم بغى عليه) معناه: قاتل من
كان يقاتله ، ثم كان المقاتل مبغياً عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتدى بالفنال، قال
مقاتل : نزلت فى قوم من المشركين لقوا قوماً من المسلين لليلتين بقينا من المحرم ، فقال بعضهم
لبعض : إن أصحاب محمد يكرهون القتال فى الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن
يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر، فأبوا وقاتلوهم. فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم قصروا
عليهم ، فوقع فى أنفس المسلمين من القتال فى الشهر الحرام ماوقع، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
وعفا عنهم وغفر لهم وههنا سؤالات:
﴿ السؤال الأول) أى تعلق لهذه الآية بما قبلها؟ (الجراب) كأنه سبحانه وتعالى قال مع
إكرامى لهم فى الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم فى الدنيا على من بغى عليهم .
﴿ السؤال الثانى) هل يرجع ذلك إلى المهاجرين خاصة أو إليهم وإلى المؤمنين؟ (الجواب)
الأقرب أنه يعود إلى الفربقين فانه تقدم ذكرهما ، وبين ذلك قوله تعالى ( لينصرنه الله ) وبعد
القتل والموت لا يمكن ذلك فى الدنيا .
﴿ السؤال الثالث) ما المراد بالعقوبة المذكورة؟ (الجواب) فيه وجهان (أحدهما) المراد
ما فعله مشركو مكة مع المهاجرين بمكة من طلب آثارهم، ورد بعضهم إلى غير ذلك ، فين تعالى
أن من عاقب هؤلاء الكفار بمثل ما فعلوا فينصره عليهم، وهذه النصرة المذكورة تقوى تأويل
من تأوله على مجاهدة الكفار لا على القصاص، لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك ( والجواب
الثانى) أن هذه الآية فى القصاص والجراحات، وهى آية مدنية عن الضحاك.
( السؤال الرابع) لم سمى ابتداء فعلهم بالعقوبة؟ (الجواب) أطلق اسم العقوبة على الأول