النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
قوله تعالى : وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً . سورة طه .
أعلم أن قوله (وكذلك) عطف على قوله (كذلك نقص ) أى ومثل ذلك لا نزال وعلى
نهجه أنزلنا القرآن كله ثم وصف القرآن بأمرين (أحدهما) كونه عربياً لتفهمه العرب فيقفوا على
إعجازه ونظمه وخروجه عن جنس كلام البشر ( والثانى) قوله ( وصرفنا فيه من الوعيد ) أى
كررناه وفصلناه ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد فعل يتعلق فتكريره
يقتضى بيان الأحكام فلذلك قال ( لعلهم يتقون ) والمراد اتقاء المحرمات وترك الواجبات ولفظ
لعل قد تقدم تفسيره فى سورة البقرة فى قوله (والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) أما قوله ( أو
يحدث لهم ذكراً) ففيه وجهان (الأول) أن يكون المعنى إنا إنما أنزلنا القرآن لأجل أن
يصيروا متقين أى محترزين عما لا ينبغى أو يحدث القرآن لهم ذكراً يدعوهم إلى الطاعات وفعل
ما ينبغى ، وعليه سؤالات :
﴿ السؤال الأول ) القرآن كيف يكون محدثاً للذكر (الجواب) لما حصل الذكر عند
قراءته أضيف الذكر إليه .
﴿ السؤال الثانى) لم أضيف الذكر إلى القرآن وما أضيفت التقوى إليه (الجواب) أن
التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلى فلم يجز إسناده إلى القرآن،
أما حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن جازت إضافته إلى القرآن.
﴿ السؤال الثالث) كلمة أو للمنافاة ولا منافاة بين التقوى وحدوث الذكر بل لا يصح
الإتقاء إلا مع الذكر فما معنى كلمة أو (الجواب) هذا كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين أى
لا تكن غالياً منهما فكذا ههنا ( الوجه الثانى) أن يقال إنا أنزلنا القرآن ليتقوا فان لم يحصل
ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيناً حسناً، فعلى هذين التقديرين يكون
"إنزاله تقوى ، ثم إنه تعالى لما عظم أمر القرآن ردفه بأن عظم نفسه فقال (فتعالى اللّه الملك الحق)
تنبيهاً على ما يلزم خلقه من تعظيمه وإنما وصفه بالحق لأن ملكه لايزول ولا يتغير وليس بمستفاد
من قبل الغير ولا غيره أولى به فلهذا وصف بذلك، وتعالى تفاعل من العلو وقد ثبت أن علوه
وعظمته وربوبيته بمعنى واحد وهو أقصافه بنعوت الجلال وأنه لا تكيفه الأوهام ولا تعدر.
العقول وهو منزه عن المنافع والمشار فهو تعالى إنما أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغى وليقدموا
على ما ينبغى ، وأنه تعالى منزه عن التكمل بطاعاتهم والتضرر بمعاصيهم ، فالطاعات إنما تقع بتوفيقه
وتيسيره ، والمعاصى إنما تقع عدلا منه وكل ميسر لما خلق له أما قوله (ولا تعجل بالقرآن من
قبل أن يقضى إليك وحيه ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) فى تعلقه بما قبله وجهان (الوجه الأول) قال أبو مسلم إن من قوله
.(ويسالونك عن الجبال) إلى ههنا يتم الكلام وينقطع ثم قوله ( ولا تعجل بالقرآن) خطاب
١٢٢
قوله تعالى : وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً . سورة طه .
مستأنف فكأنه قال: ويسألونك ولا تعجل بالقرآن ( الوجه الثانى) روى أنه عليه السلام
كان يخاف من أن يفوته منه شىء فيقرأ مع الملك فأمره بأن يسكت حال قراءة الملك ثم يأخذ بعد
فراغه فى القراءة فكانه تعالى شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه سبحانه متعال عن كل
مالا ينبغى وأنه موصوف بالإحسان والرحمة ومن كان كذلك و جب أن یصون رسوله عن
السهو والنسيان فى أمر الوحى ، وإذا حصل الأمان عن السهو والنسيان قال (ولا تعجل بالقرآن).
﴿ المسألة الثانية) قوله (ولا تعجل بالقرآن) ويحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته
فى نفسك ، ويحتمل أن لا تعجل فى تأديته إلى غيرك ، ويحتمل فى اعتقاد ظاهره، ويحتمل فى تعريف
الغير ما يقتضيه ظاهره، وأما قوله (من قبل أن يقضى إليك وحيه) فيحتمل أن يكون المراد من قبل
أن يقضى إليك تمامه، ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن يقضى إليك بيانه، لأن هذين الأمرين
لا يمكن تحصيلهما إلا بالوحى، ومعلوم أنه عليه السلام لا ينهى عن قراءته لكى يحفظه ويؤديه
فالمراد إذن أن لإ يبعث نفسه ولا يبعث غيره عليه حتى يتبين بالوحى تمامه أو بيانه أو هما جميعاً
لأنه يجب التوقف فى معنى الكلام ما لم يأت عليه الفراغ لما يجوز أن يحصل عقيبه من استثناء
أو شرط أو غيرهما من المخصصات فهذا هو التحقيق فى تفسير الآية. ولنذكر أقوال المفسرين:
(أحدها ) أن هذا كقوله تعالى ( لا تحرك به لسانك لتعجل به) وكان عليه السلام يحرص على
أخذ القرآن من جبريل عليه السلام فيعجل بقراءته قبل استمام جبريل مخافة النسيان فقيل له
لا تعجل إلى أن يستتم وحيه فيكون أخذك اياه عن تثبت وسكون والله تعالى يزيدك فهماً وعدماً
وهذا قول مقاتل والسدى ورواه عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما (وثانيها) ولا تعجل بالقرآن
فتقرأه على أصحابك قبل أن يوحى إليك بيان معانيه وهذا قول مجاهد وقتادة (وثالثها) قال الضحاك
إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلا ثلاثة أيام
فأبطأ الوحى عليه وفشت المقالة بأن اليهود قد غلبوا محمداً فأنزل الله تعالى هذه الآية ( ولا تعجل
بالقرآن) أى بنزوله من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومنه إلى جبريل
ومنه إليك (وقل رب زدنى علما) (ورابعها) روى الحسن أن امرأة أتت النبي ◌ُؤلتم فقالت: زوجى
لطم وجهى فقال بينكما القصاص فنزل قوله (ولا تعجل بالقرآن) فأمسك رسول اللّه بر قم عن القصاص
حتى نزل قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء ) وهذا بعيد والاعتماد على التفصيل الأول
أما قوله تعالى ( وقل رب زدنى علما ) فالمعنى أنه سبحانه وتعالى أمره بالفزع إلى الله سبحانه
فى زيادة العلم التي تظهر بتمام القرآن أو بيان ما نزل عليه .
المسألة الثالثة﴾ الاستعجال الذى نهى عنه إن كان فعله بالوحى فكيف نهى عنه (الجواب)
لعله فعله بالاجتهاد ، وكان الأولى تركه ، فلهذا نهى عنه
١٢٣
قوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل . سورة طه .
وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَّ ◌َادَمَ مِن قَبْلُ فَنِسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمَا هـ) وَإِذْقُلْنَا
لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ ◌َِّدَمَ فَسَجَدُ وَاْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ () فَقُلْنَا يَشَدَمُ إِنَّ هَـذَا عَدُوٌّ
لَّكَ وَلِزَوِْكَ فَلَا يُخْرِ جَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَ ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تُجُوعَ فِيهَا وَلَا
تَعْرَى ٨﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (
قوله تعالى: ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم تجد له عزما، وإذ قلنا لللائكة اسجدوا
لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى، فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة
فتشقى ، إن لك أن لاتجوع فيها ولا تعری، وأنك لا تظما فيها ولا تضحى
إعلم أن هذا هو المرة السادسة من قصة آدم عليه السلام فى القرآن أولها فى سورة البقرة
ثم فى الأعراف ثم فى الحجر ثم فى الإسراء ثم فى الكهف، ثم ههنا. واعلم أن فى تعاق هذه
الآية بما قبلها وجوها (أحدها ) أنه تعالى لما قال ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق)
ثم إنه عظم أمر القرآن وبالغ فيه ذكر هذه القصة انجازاً للوعد فى قوله ( كذلك نقص عليك
من أنباء ما قد سبق) (وثانيها) أنه لما قال ( وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم
ذكراً) أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنه قال إن طاعة بنى آدم للشيطان وتركهم التحفظ من
وساوسه أمر قديم فإنا قد عهدنا إلى آدم من قبل أى من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد
وبالغنا فى تنبيه حيث قلنا ( إن هذا عدو لك ولزوجك ) ثم إنه مع ذلك نسى وترك ذلك العهد
فأمر البشر فى ترك التحفط من الشيطان أمر قديم ( وثالثها) أنه لما قال محمد صلى الله عليه
وسلم ( وقل رب زدنى علماً) ذكر بعده قصة آدم عليه السلام فانه بعد ما عهد الله اليه وبالغ فى
تجديد العهد وتحذيره من العدو نسى ، فقد دل ذلك على ضعف القوة البشرية عن التحفظ فيحتاج
حينئذ إلى الاستعانة بربه فى أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان ( ورابعها) أن
محمداً صلى اللّه عليه وسلم لما قيل له ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) دل
على أنه كان فى الجد فى أمر الدن بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالافراط وصف آدم
بالتفريط فى ذلك فانه تساهل فى ذلك ولم يتحفظ حتى نسى فوصف الأول بالتفريط والآخر
بالافراط ليعلم أن البشر لا ينفك عن نوع زلة ( وخامسها) أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما قيل
له ( ولا تعجل ) ضاق قلبه وقال فى نفسه لولا أنى أقدمت على ما لا ينبغى وإلا لما نهيت عنه
فقيل له : إن كنت فعلت مانهيت عنه فانما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحى
١٢٤
قوله تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل . سورة طه .
وإن أباك أقدم على مالا ينبغى للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره، أما قوله
تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل) فلا شك أن المراد بالعهد أمر من الله تعالى أو نهى منه
كما يقال فى أوامر الملوك ووصاياهم أشار الملك اليه وعهد اليه قال المفسرون عهدنا اليه أن لا يأكل
من الشجرة ولا يقربها ، وفى قوله تعالى (من قبل) وجوه (أحدها) من قبل هؤلاء الذين صرفنا
لهم الوعيد فى القرآن (وثانيها ) قال ابن عباس من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا اليه أن لا يأكل
منها ( وثالثها) أى من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو قول الحسن، أما قوله ( فنى)
فقد تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء فى سورة البقرة، ونعيد ههنا منه شيئاً قليلا، وفى النسيان
قولان (أحدهما) المراد ما هو نقيض الذكر، وإنما عوتب على ترك التحفظ والمبالغة فى
الضبط حتى تولد منه النسيان ، وكان الحسن رحمه الله يقول والله ما عصى قط إلا بنسيان (والثانى)
أن المراد بالفسيان الترك وأنه ترك ما عهد اليه من الاحترازعن الشجرة وأكل من ثمرتها ، وقرى.
فنسى أى فنساه الشيطان، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال أقدم على المعصية من غير تأويل
وأن يقال أقدم عليها مع التأويل، والكلام فيه قد تقدم فى - ورة البقرة، وأما قوله ( ولم نجد له
عزماً ) ففيه أبحاث :
﴿ البحث الأول) الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزما وأن يكون
نقيض العدم كأنه قال وعدمنا له عزما .
﴿البحث الثانى) العزم هو التصميم والتصلب، ثم قوله (ولم نجد له عزما) يحتمل ولم
نجد له عزماً على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد
له عزماً على ترك المعصية أو لم نجد له عزما على التحفظ والاحتراز عن الغفلة ، أو لم نجد له عز!
على الاحتياط فى كيفية الاجتهاد إذا قلنا إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد . وأما قوله
( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ) فهذا يشتمل على مسائل (إحداها)
أن المأمورين كل الملائكة أو بعضهم (وثانيتها) أنه ما معنى السجود (وثالثتها ) أن إبليس هل
كان من الملائكة أم لا؟ وإن لم يكن فكيف صح الاستثناء وبأى شىء صار مأموراً بالسجود؟
(ورابعها) أن هذا يدل على أن آدم أفضل من محمد صلى الله عليه و. ثم أم لا؟ (وخامستها)
أن قوله فى صفة إبليس أنه أبى كيف لزم الكفر من ذلك الإباء وأنه هل كان كافراً ابتداء أو كفر
بسبب ذلك. واعلم أن هذه المسائل مرت على سبيل الاستقصاء فى سورة البقرة، أما قوله ( فقلنا
يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) ففيه سؤالات (الأول) ماسبب
تلك العداوة؟ (الجواب) من وجوه (أحدها) أن إبليس كان حسوداً فلما رآى آثار نعم الله تعالى
فى حق آدم عليه السلام حسده فصار عدواً له (وثانيها) أن آدم كان شاباً عالما لقوله وعلم آدم
الأسماء كلها، وإبليس كان شيخاً جاهلا لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله وذلك جهل، والشيخ الجاهل
١٢٥
قوله تعالى : فوسوس إليه الشيطان . سورة طه .
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَثَادَمُ هَلْ أَدُلْكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُدْدِ وَمُلَكِ لََّيَبْلَى
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ
١٢٠
وَعَصَّ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى (٩) ثُمَّ اجْتَهُ رَبُّهُ، فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
١٢
أبداً يكون عدواً للشاب العالم (وثالثها) أن إبليس مخلوق من النار وآدم مخلوق من الماء والتراب
فيين أصليهما عداوة فبقيت تلك العداوة .
﴿ السؤال الثانى) لم قال ( فلا يخرجنكما من الجنة) مع أن المخرج لها من الجنة هو الله
تعالى (الجواب) لما كان بوسوسته هو الذى فعل ماترتب عليه الخروج صح ذلك
﴿ السؤال الثالث) لم أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حواء مع اشتراكهما فى
الفعل (الجواب ) من وجهين ( أحدهما) أن فى ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم
كما أن فى ضمن سعادته سعادتهم فاختص الكلام باسناده إليه دونها مع المحافظة على رعاية الفاصلة
( الثانى) أريد بالشقاء التعب فى طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة، وروى أنه أهبط.
إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه أما قوله (إن لك أن لا تجوع فيها ولا
تعرى ، وأنك لا تظما فيها ولا تضحى ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى) قرى. وأنك بالفتح والكسر ووجه الفتح العطف على أن لا تجوع فيها ،
فإن قيل : أن لا تدخل على أن فلا يقال أن أن زيداً منطاق والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها فلم
أُدخلت عليها؟ قلنا الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن أن ، إنما هى نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن
حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كان لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع أن وأن
﴿ المسألة الثانية﴾ الشبح والرى والكسوة والإكتنان فى الظل هى الآنطاب التى يدور عليها
أمر الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء له فى الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب
وذكرها بلفظ النفى لأضدادها التى هى الجوع والعرى والظمأ والضحى ليصرف سمعه شيئاً من
أصناف الشقوة التى حذره منها حتى يبالغ فى الاحتراز عن السبب الذى يوقعه فيها، وهذه الأشياء
كلها كأنها تفسير الشقاء المذكور فى قوله ( فتشقى).
قوله تعالى: ﴿فوسوس إليه الشيطان فال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبى، فأكلا
منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه
ربه فتاب عليه وهدى
١٢٦
قوله تعالى : فوسوس إليه الشيطان . سورة طه .
واعلم أنه سبحانه بين أنه عظم آدم عليه السلام بأن جعله مسجوداً للملائكة وبين أنه عرفه
شدة عداوة إبليس له ولزوجه وأنه لعداوته يدعوهم إلى المعصية التى إذا وقعت زالت تلك النعم
بأسرها، ثم إنه مع ذلك اتفق منه ومن حواء الإقدام على الزلة ما اتفق ، والعجب ما روى عن
أبى أمامة الباهلى قال ((لو أن أحلام بنى آدم إلى قيام الساعة وضعت فى كفة ميزان ووضع حلم آدم
فى الأخرى لرجح حله بأحلامهم)، ولكن المكادحة مع قضاء الله تعالى ممتعة، واعلم أن واقعة آدم
عجيبة وذلك لأن الله تعالى رغبه فى دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله ( فلا يخرجنكما من الجنة
فتشقى، إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) ورغبه إبليس أيضاً فى
دوام الراحة بقوله ( هل أدلك على شجرة الخلد ) وفى انتظام المعيشة بقوله ( وملك لا يبلى ) فكان
الشىء الذى رغب اللّه آدم فيههو الذى رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الإحتراس
عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها ، ثم إن آدم عليه السلام مع كال عقله وعلمه بأن
الله تعالى مولاه وناصره ومربيه أعلمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع من السجود له وعرض
نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل فى الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه
بكمال عداوته له وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمربى. ومن تأمل فى هذا
الباب طال تعجبه وعرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله ولا مانع
منه ، وأن الدليل وإن كان فى غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله تعالى
ذلك وقدره. وأما قوله ( فوسوس إليه الشيطان ) فقد تقدم فى سورة البقرة أنه كيف وسوس،
وبماذا وسوس. فإن قيل: كيف عدى وسوس قارة باللام فى قوله ( فوسوس لهما الشيطان )
وأخرى بإلى؟ قلنا قوله (قوسوس له)، مناه لأجله وقوله (وسوس إليه) معناه أنهى إليه الوسوسة
كقوله حدث له وأسر إليه ثم بين أن تلك الوسوسة كانت بتطميعه فى أمرين (أحدهما) قوله (هل
أدلك على شجرة الخلد ) أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها صار مخلداً بزعمه
( الثانى ) قوله ( وملك لا يبلى) أى من أكل من هذه الشجرة دام ملكه، قال القاضى ليس فى
الظاهر أن آدم قبل ذلك منه بل لو وجدت هذه الوسوسة حال كون آدم عليه السلام نبياً لاستحال
أن يكون آدم عليه السلام قبل ذلك منه، لأنه لابد وأن تحصل بين حال التكليف وحال المجازاة
فترة بالموت ، وبالمعنى فآدم لما كان نبياً امتنع أن لا يعلم ذلك. قلنا: لا نسلم بأنه لابد من حصول
هذه الفترة بين حال التكليف وحال المجازاة ، ولم لا يجوز أن يقال لا حاجة إلى الفترة أصلا ، وإن
كان ولابد فيكفى حصول الفترة بغشى أونوم خفيف. ثم إن كان ولابد من حصول الفترة بالموت
فلم قلت التى لابد وأن يعلم ذلك، أليس قوم منكم يقولون إن موسى عليه السلام إنما سأل الرؤية
لأنه ما كان يعرف امتناعها على اللّه تعالى فإذا جاز ذلك الجهل فلم لا يجوز هذا الجهل، ثم ما الدليل
على أن آدم كان نبياً فى ذلك الوقت فإن مذهبنا أن واقعة الزلة إنما حصلت قبل رسالته لا بعدها،
١٢٧
قوله تعالى : فوسوس إليه الشيطان . سورة طه .
ثم إن الذى يدل على أن آدم عليه السلام قبل ذلك قوله تعالى عقيب ذكر الوسوسة فأكلا منها،
وهذا الترتيب مشعر بالعلية كقولهم ((زنى ماعزفرجم)) ((وسها رسول الله فسجد) فإن هذه الفاء تدل
على أن الرجم كالمسبب للزنا والسجود كالمسبب للسهو فكذلك ههنا يجب أن يكون الأ كل كالمعلل
باستماع قوله ( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) وإنما يحصل هذا التعليل لو قبل آدم
ذلك منه، فإنه لورد قوله لما أقدم على الأكل بناء على قوله، فثبت أن آدم عليه قبل ذلك من
إبليس ثم إنه سبحانه بين أنهما لما أكلا بدت لهما سوآتهما، قال ابن عباس عريا من النور الذى
كان اللّه ألبسهما حتى بدت فروجهما وإنما جمع فقيل سوآتهما كما قال (صغت قلوبكما ) فان قيل .
هل كان ظهور سوآتهما كالجزاء على معصيتهما، قلنا لاشك أن ذلك كالمعلق على ذلك الأكل ، لكن
يحتمل أن لا يكون عقاباً عليه، بل إنما ترتب عليه لمصلحة أخرى أما قوله (وطفقا يخصفان عليهما
من ورق الجنة ) ففيه أبحاث :
( البحث الأول ) قال صاحب الكشاف طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ وأنشأ
وحكمها حكم كاد فى وقوع الخبر فعلا مضارعا وبينها وبينه مسافة قصيرة ، وهى للشروع فى أول
الأمر ، وكاد لمقاربته والدنو منه.
{ البحث الثانى ) قرى يخصفان التكثير والتكرير من خصف الفعل، وهو أن يخرز عليها
الخصاف أى يلزقان الورقة على سوآتهما للستر وهو ورق التين، أما قوله (وعصى آدم ربه فغوى)
فمن الناس من تمسك بهذا فى صدور الكبيرة عنه من وجهين (الأول ) أن العاصى إسم للذم فلا
ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً
خالداً فيها) ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلا يعاقب عليه (والوجه الثانى ) أن الغواية
والضلالة اسمان مترادفان والغى ضد الرشد ومثل هذا الإسم لا يتناول إلا الفاسق المنهمك
فى فسقه. أجاب قوم عن الكلام الأول فقالوا المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب
والندب فانهم يقولون : أشرت عليه فى أمرولده فى كذا فعصانى، وأمرته بشرب الدواء فعصانى.
وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم لا لكونه تاركا للواجب بل لكونه
تاركا للمندوب، فأجاب المستدل عن هذا الاعتراض بأنا بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصى
مستحق للعقاب والعرف يدل على أنه اسم ذم فوجب تخصيص اسم العاصى بتارك الواجب، ولأنه
لوكان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة فى كل حال لأنهم لا ينفكون
من ترك المندوب ، فإن قيل وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد، قلنا لما سلمت
كونه بجازاً فالأصل عدمه ، أما قوله أشرت عليه فى أمر ولده فى كذا فعصانى وأمرته بشرب الدواء
فعصانى قلنا لا نسلم أن هذا الاستعمال مروى عن العرب، ولئن سلمنا ذلك ولكنهم إنما يطلقون
ذلك إذا جزموا على المستشير بأنه لابد وأن يفعل ذلك الفعل وأنه لا يجوز الاخلال بذلك الفعل
١٢٨
قوله تعالى : فوسوس إليه الشيطان . سورة طه .
وحينئذ يكون معنى الايجاب حاصلا وإن لم يكن الوجوب حاصلا ، وذلك يدل على أن لفظ العصيان
لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الايجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من اللّه تعالى يقتضى الوجوب،
فيلزم أن يكون اطلاق لفظ العصيان على آدم عليه السلام إنما كان لكونه تاركا للواجب . ومن
الناس من سلم أن الآية تدل على صدور المعصية منه لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر
لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة وهو أيضاً ضعيف، لأنا بينا أن اسم العاصى اسم للذم،
ولأن ظاهر القرآن يدل على أنه يستحق العقاب وذلك لا يليق بالصغيرة ، وأجاب أبو مسلم
الأصفهانى بأنه عصى فى مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف وكذلك القول فى غوى ، وهذا أيضاً
بعيد لأن مصالح الدنيا تكون مباحة ، ومن يفعلها لا يوصف بالعصيان الذى هو اسم للذم ولا يقال
(فدلاهما بغرور) وأما التمسك بقوله تعالى ( فغوى) فأجابوا عنه من وجوه: ( أحدها ) أنه خاب
من نعيم الجنة وذلك لأنه لما أكل من تلك الشجرة ليصير ملكه دائماً ثم لما أكل زال فلما خاب
سعيه وما نجح قيل إنه غوى ، وتحقيقه أن الغى ضد الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشىء إلى شىء
يوصل إلى المقصود فمن توصل بشىء إلى شىء حصل له ضد مقصوده كان ذلك غياً ( وثانيها ) قال
بعضهم غوى أى بشم من كثرة الأكل قال صاحب الكشاف هذا وإن صح على لغة من يقلب
الياء المكسور ما قبلها ألفاً، فيقول فى فتى وبقى فنا وبقا، وهم بنوطى. فهو تفسير خبيث، واعلم أن
الأولى عندى فى هذا الباب والأحسم للشغب أن يقال هذه الواقعة كانت قبل النبوة وقد شرحنا
ذلك فى سورة البقرة. وههنا بحث لابد منه وهو أن ظاهر القرآن وإن دل على أن آدم عصى وغوى،
لكن ليس لأحد أن يقول إن آدم كان عاصياً غاوياً، ويدل على صحة قولنا أمور: (أحدها) قال
العتبى: يقال لرجل قطع ثوبا وخاطه قد قطعه وخاطه ، ولا يقال خائط ولا خياط حتى يكون
معاوداً لذلك الفعل معروفا به ، ومعلوم أن هذه الزلة لم تصدر عن آدم عليه السلام إلا مرة واحدة
فوجب أن لا يجوز إطلاق هذا الإسم عليه ( وثانيها ) أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما
وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرفه بالرسالة والنبوة، إطلاق هذا الاسم عليه كما
لا يقال لمن أسلم بعد الكفر إنه كافر بمعنى أنه كان كافراً ، بل وبتقدير أن يقال هذه الواقعة وقعت
بعد النبوة لم يجز أيضاً أن يقال ذلك لأنه عليه السلام تاب عنها ، كما أن الرجل المسلم إذا شرب
الخمر أو زنى ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك إنه شارب خمر أو زان فكذا ههنا
( وثالثها) أن قولنا عاص وغاو يوم كونه عاصياً فى أكثر الأشياء وغاوياً عن معرفة الله تعالى
ولم ترد هاتان اللفظتان فى القرآن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التى عصى فيها فكانه قال عصى فى
كيت وكيت وذلك لا يوهم التوهم الباطل الذى ذكر ناه (ورابعها) أنه يجوز من اللّه تعالى ما لا يجوز
من غيره، كما يجوز للسيد فى عبيده وولده عند معصيته من إطلاق القول مالا يجوز لغير السيد فى
عبده وولده، أما قوله (°م اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) فالمعنى ثم اضطفاه فتاب عليه أى عاد
١٢٩
قوله تعالى : قال أهبطا منها جميعاً . سورة طه .
قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا ◌َجِعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْتِنَّكُ مِّنّ هُدِى نَنِ أَتَّبَعَ
هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْغَ (﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً
وَحْتُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿ قَالَ رَبٍّ لِمَ خَشَرْتَنِىّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا
قَالَ كَّلِكَ أَنَتْكَ ءَايَنْهُنَا فَسِيَتَهَا وَكَذَلِكَ اَلْيَوْمَ تُسَى ◌َ وَكَذَلِكَ
نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ ◌ِعَايَتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ
علیه بالعفو والمغفرة و هداه رشده حتی رجع إلى الندم والاستغفار وقبل الله منه ذلك ، روی عن
النبى مُ لّم أنه قال ((لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود كان بكاؤه أكثر، ولو جمع كل ذلك
إلی بکاء نوح لکان بکاء نوح أ کثر، وإنما سمی نوحاً لنوحه على نفسه، ولو جمع كلذلك إلىبكا.
آدم لكان بكاء آدم على خطيئته أكثر)) وقال وهب إنه لما كثر بكاؤه أوحى الله تعالى إليه وأمره
بأن يقول «لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لى إنك خير الغافرين»
فقالها آدم عليه السلام ثم قال قل ((لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسى
فار حمنى إنك أنت أرحم الراحمين» ثم قال قل (( لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً
وظلمت نفسى فتب على إنك أنت التواب الرحيم» قال ابن عباس رضى الله عنهما هذه الكلمات هى
التى تلقاها آدم عليه السلام من ربه .
قوله تعالى : ﴿ قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فأما یأتینکم منی هدی فمن اتبع هدای
فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال.
رب لم حشر تى أعمى وقد كنت بصيراً، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتهاوكذلك اليوم تنسى، وكذلك
نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأيق ﴾ .
اعلم أن على: أول هذه الآية سؤالا وهو أن قوله (اهبطا)، إما أن يكون خطاباً مع شخصين
أو أكثر فان كان خطاباً لشخصين فكيف قال بعده ( فإما يأتينكم من هدى ) وهو خطاب الجمع
وإن كان خطاباً لأكثر من شخصين فيكيف قال (اهبطا) وذكروا فى جوابه وجوهاً:(أحدها) قال
أبو مسلم الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله (إهبطا)
ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله ( فإما يأتينكم) ( ثانيها) قال صاحب
الكشاف لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما
الفخر الرازي - ج ٢٢ م ٩
١٣٠
قوله تعالى : قال أهبطا منها جميعاً . سورة طه .
البشر أنفسهم فوطبا مخاطبتهم فقال (فإما يأتينكم) على لفظ الجماعة ، أما قوله (بعضكم لبعض عدو
فقال القاضى يكفى فى توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس
أعداء لهم ، فاذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله فى الكلام ، وقوله
(. فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى) فيه دلالة على أن المراد الذرية، وقد اختلفوا فى المراد
بالهدى، فقال بعضهم الرسل وبعضهم قال الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن ، والتحقيق أن
الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك، وفى قوله ( فلا يضل ولا يشقى) دلالة على أن
المراد بالهدى الذى ضمن الله على اتباعه ذلك اتباع الأدلة، واتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل
بها وبأن يعمل بها ، ومن هذا حاله فقد ضمن اللّه تعالى له أن لا يضل ولا يشقى، وفيه ثلاثة أوجه
( أحدها ) لا يضل فى الدنيا ولا يشقى فى الآخرة (وثانيها) لا يضل ولا يشقى فى الآخرة لأنه
تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها ( وثالثها) لا يضل ولا يشقى فى الدنيا فان قيل المتبع لهدى الله
قد يلحقه الشقاء فى الدنيا ، قلنا المراد لا يضل فى الدين ولا بشقى بسبب الدين فان حصل الشقاء
بسبب آخر فلا بأس، ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض، فقال
(ومن أعرض عن ذكرى) والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم بيانه
ويحتمل أن يراد به الأدلة، وقوله ( فان له معيشة ضنكا) فالضنك أصله الضيق والشدة وهو
مصدر ثم يوصف به فيقال منزل ضنك، وعيش ضنك ، فكأنه قال معيشة ذات ضنك، واعلم
أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون فى الدنيا أو فى القبر أو فى الآخرة أو فى الدين أو فى كل
ذلك أو أكثره ( أما الأول) فقال به جمع من المفسرين وذلك لأن المسلم لتوكله على الله يعيش
فى الدنيا عيشاً طيباً كما قال (فلنحيينه حياة طيبة ) والكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً
للزيادة أبداً فعيشته ضنك وحالته مظلة ، وأيضاً فن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة
لكفره قال تعالى ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون
بآيات الله) وقال ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل اليهم من ربهم لأكلوا من
فوقهم ومن تحت أرجلهم) وقال تعالى ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات
من السماء والأرض) وقال (استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم
بأموال وبنين) وقال ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسفيناهم ماء غدقاً). (وأما الثانى) وهو
عذاب القبر، فهذا قول عبد الله بن مسعود وأبى سعيد الخدرى وعبد الله بن عباس ورفعه
أبو هريرة إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إن عذاب القبر للكافر قال والذى نفسى بيده إنه
ليسلط عليه فى قبره تسعة وتسعون تنيناً)) قال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت الآية فى الأسود
ابن عبد العزى المخزومى والمراد ضغطة القبر تختلف فيها أضلاعه ( وأما الثالث ) وهو الضيق
فى الآخرة فى جهنم ، فان طعامهم فيها الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين فلا يموتون فيها
١٣١
قوله تعالى : قال أهبطا منها جميعاً . سورة طه .
ولا يحيون وهذا قول الحسن وقتادة والكلبى ( وأما الرابع) وهو الضيق فى أحوال الدين فقال
ابن عباس رضى الله عنهما المعيشة الضنك هى أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشىء منها.
سئل الشبلى عن قوله عليه السلام ((إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية)) فقال أهل البلاء هم أهل
الغفلات عن اللّه تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله تعالى إلى أنفسهم وأى معيشة أضيق وأشد من
أن يرد الإنسان إلى نفسه، وعن عطاء قال المعيشة الضنك هى معيشة الكافر لأنه غير موقن بالثواب
والعقاب ( وأما الخامس ) وهو أن يكون المراد الضیق فی کل ذلك أو أكثره فروى عن على
عليه السلام عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((عقوبة المعصية ثلاثة ضيق المعيشة والعسر فى
الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله تعالى)) أما قوله تعالى (ونحشره يوم القيامة أعمى)
ففيه وجوه (أحدها ) هذا مثل قوله ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكما وصما )
وكما فرت الزرقة بالعمى، ثم قيل إنه يحشر بصيراً فإذا سيق إلى المحشر عمى والكلام فيه وعليه
قد تقدم فى قوله ( زرقا)، (وثانيها) قال مجاهد والضحاك ومقاتل يعنى أعمى عن الحجة، وهى
رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال القاضى هذا القول ضعيف لأن فى القيامة
لابد أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله
لا يوصف بذلك إلا مجازاً ، والمراد به أنه كان من قبل ذلك كذلك ولا يليق بهذا قوله ( وقد
كنت بصيراً ) ولم يكن كذلك فى حال الدنيا أقول ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل
ذلك العمى بما أن المكلف نسى الدلائل فى الدنيا فلو كان العمى الحاصل فى الآخرة بين ذلك
النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر، كما أنه ما كان له فى الدنيا بسبب ذلك ضرر، واعلم
أن تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر وهو أن الأرواح الجاهلة فى
الدنيا المفارقة عن أبدانها على جهالتها تبقى على تلك الجهالة فى الآخرة وأن تلك الجهالة تصير
هناك سبباً لأعظم الآلام الروحانية. وبين هذه الطريقة وبين طريقة القاضى المبنية على أصول
الاعتزال بون شديد ( وثالثها ) قال الجبائى: المراد من حشره أعمى أنه لا يهتدى يوم القيامة إلى
طريق ينال منه خيراً بل يبقى واقفاً متحيراً كالأعمى الذى لا يهتدى إلى شىء، أما قوله (قال
رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيراً، قال كذلك أتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)
ففى تقرير هذا الجواب وجهان (أحدهما ) أنه تعالى إنما أنزل به هذا العمى جزاء على تركه اتباع
الهدى والإعراض عنه ( والثانى) هو أن الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها جاهلة ضالة عن
الاتصال بالروحانيات بقيت على تلك الحالة بعد المفارقة وعظمت الآلام الروحانية ، فلهذا علل
الله تعالى حصول العمى فى الآخرة بالاعراض عن الدلائل فى الدنيا، ومن فسر المعيشة الضنك
بالضيق فى الدنيا ، قال إنه تعالى بين أن من أعرض عن ذكره فى الدنيا فله المعيشة الضنك فى
الدنيا، والممى فى الآخرة، أما قوله ( وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه) فقد
١٣٢
قوله تعالى : أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم . سورة طه .
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِمْ إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَآَيَتِ لِّأَوْلِ النَُّى ﴾ وَلَوْلَا حَكَلِمَةُ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا
وَأَجَلُ مُسَمَّى (٦) فَاصْبِرْ عَ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ مِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُوعٍ
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَآتٍ أَلَّيْلِ فَسَبِحْ وَأْرَافَ النَّارِ لَعَّكَ تَرْضَى (٣)
اختلفوا فيه فبعضهم قال أشرك وكفر، وبعضهم قال أسرف فى أن عصى الله وقد بين تعالى
المراد بذلك بقوله ( ولم يؤمن بآيات ربه ) لأن ذلك كالتفسير لقوله أسرف وبين أنه يجزى من
هذا حاله بما تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك (أن عذاب الآخرة أشد
وأبقى) أما الأشد فلعظمه ، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع.
قوله تعالى: ﴿أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم إن فى ذلك
لآيات لأولى النهى، ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى، فاصبر على ما يقولون
وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار
لعلك ترضى
إعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة أتبعه بما يعتبر[به]
المكلف من الأحوال الواقعة فى الدنيا بمن كذب الرسل فقال ( أفلم يهد لهم) والقراءة العامة أفلم
يهد بالياء المعجمة من تحت وفاءله هو قوله (كم أهلكنا) قال القفال جعل كثرة ما أهلك من
القرون مبيناً لهم ، كما جعل مثل ذلك واعظاً لهم وزاجراً، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى أفلم تهد لهم
بالنون ، قال الزجاج يعنى أفهم نبين لهم بياناً يهتدون به لو تدبروا وتفكروا، وأما قوله ( كم
أهلكنا ) فالمراد به المبالغة فى كثرة من أهلكه اللّه تعالى من القرون الماضية وأراد بقوله (يمشون
فى مساكنهم ) أن قريشاً يشاهدون تلك الآيات العظيمة الدالة على ما كانوا عليه من النعم ، وما
حل بهم من ضروب الهلاك، وللشاهدة فى ذلك من الاعتبار ماليس لغيره، وبين أن فى تلك
الآيات آيات لأولى النهى، أى لأهل العقول والأقرب أن للنهية مزية على العقل، والنهى لا يقال
إلا فيمن له عقل ينتهى به عن القبائح، كما أن لقولنا أولو العزم مرية على أولو الحزم ، فلذلك قال
بعضهم أهل الورع وأهل التقوى، ثم بين تعالي الوجه الذى لأجله لا ينزل العذاب معجلا على
الفخر الرازي - ج ٢٢ م ٩
١٣٣
قوله تعالى : أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم . سورة طه .
من كذب وكفر بمحمد عبَّ الله فقال (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى) وفيه
تقديم وتأخير، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً ، ولا شبهة فى أن
الكلمة هى إخبار اللّه تعالى ملائكته وكتبه فى اللوح المحفوظ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا
فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال ، واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة
محمد مَّ اله، قال بعضهم لأنه علم أن فيهم من يؤمن، وقال آخرون علم أن فى نسلهم من يؤمن ولو
أنزل بهم العذاب لعمهم الهلاك، وقال آخرون المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا هو، وقال أهل السنة
له بحكم المالكية أن يخض من شاء بفضله ومن شاء بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله املة لكانت
تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل،
فلهذا قال أهل التحقيق كل شىء صنيعه لا لعلة ، وأما الأجل المسمى ففيه قولان (أحدهما) ولولا
أجل مسمى فى الدنيا لذلك العذاب وهو يوم بدر (والثانى) ولولا أجل مسمى فى الآخرة لذلك
هذاب وهذا أقرب، ويكون المراد ولولا كلمة سبقت تتضمن تأخير العذاب إلى الآخرة كقوله
(بل الساعة موعدهم) لكان العقاب لازماً لهم فيما يقدمون عليه من تكذيب الرسول وأذيتهم له،
ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه بأنه لا يهلك أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر على ما يقولون ولا شبهة
فى أن المراد أن يصبر على ما يكرهه من أقوالهم ، فيحتمل أن يكون ذلك قول بعضهم إنه ساحر أو
مجنون أو شاعر إلى غير ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد تكذيبهم له فيما يدعيه من النبوة، ويحتمل
أيضاً تركهم القبول منه لأن كل ذلك مما يغمه ويؤذيه فرغبه تعالى فى الصبر وبعثه على الإدامة على
الدعاء إلى الله تعالى وإبلاغ ماحمل من الرسالة وأن لا يكون ما يقدمون عليه صارفاً له عن ذلك،
ثم قال الكلى ومقاتل هذه الآية منسوخة بآية القتال، ثم قال (فسبح بحمد ربك ) وهو نظير
قوله (واستعينوا بالصبر والصلاة ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ (بحمد ربك) فى موضع الحال أى وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح
وأعانك عليه .
المسألة الثانية﴾ إنما أمر عقيب الصبر بالتسبيح لأن ذكر الله تعالى يفيد السلوة والراحة
لا لا راحة للمؤمنين دون لقاء الله تعالى.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى التسبيح على وجهين، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة
وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه (أحدها ) أن الآية تدل على أن الصلوات الخمس لا أزيد ولا
أنقص ، فقال ابن عباس رضى الله عنهما دخلت الصلوات الخمس فيه ، فقبل طلوع الشمس هو
صلاة الفجر، وقبل غروبها هو الظهر والعصر لأنهما جميعاً قبل الغروب، ومن آناء الليل فسبح
المغرب والعشاء الأخيرة ويكون قوله ( وأطراف النهار ) كالتوكيد الصلاتين الواقعتين فى طرفى
النهار وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب كما اختصت فى قوله (والصلاة الوسطى) بالتوكيد (القول
١٣٤
قوله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به . سورة طه .
وَلَا تَمُذَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِةَ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَ ﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَبْ
الثانى ) أن الآية تدل على الصلوات الخمس وزيادة، أما دلالتها على الصلوات الخمس فلان الزمان
إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فالليل والنهار داخلان فى هاتين العبارتين ، فأوقات
الصلوات الواجبة دخلت فيهما ، بقى قوله ( ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى)
وأطراف النهار للنوافل ( القول الثالث ) أنها تدل على أقل من الخمس ، فقوله قبل طلوع الشمس
للفجر، وقبل غروبها للعصر، ومن آناء الليل للمغرب والعتمة ، فيبقى الظهر خارجا . والقول
الأول أقوى وبالاعتبار أولى. هذا كله إذا حملنا التسبيح على الصلاة، قال أبو مسلم لا يبعد حمله
على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى فى هذه الأوقات، وهذا القول أقرب إلى
الظاهر وإلى ما تقدم ذكره ، وذلك لأنه تعالى صبره أولا على ما يقولون من تكذيبه ومن إظهار
الشرك والكفر، والذى يليق بذلك أن يأمر بتغزيه تعالى عن قولهم حتى يكون دائماً مظهراً لذلك
وداعياً إليه فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ أفضل الذكر ما كان بالليل لأن الجمعية فيه أكثر، وذلك لسكون الناس
وهد. حركاتهم وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال، ولذلك قال سبحانه وتعالى (إن
ناشئة الليل هى أشد وطناً وأقوم قيلا ) وقال ( أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائما يحذر
الآخرة) ولأن الليل وقت الكون والراحة. فإذا صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق
وللبدن أتعب فكانت أدخل فى استحقاق الأجر والفضل .
المسألة الخامسة﴾ لقائل أن يقول: النهار له طرفان فكيف قال ( وأطراف النهار)
بل الأولى أن يقول كما قال (وأقم الصلاة طرفى النهار)؟ وجوابه من الناس من قال أقل الجمع
اثنان فسقط السؤال، ومنهم من قال إنما جمع لأنه يتكرر فى كل نهار ويعود، أما قوله تعالى
( لعلك ترضى ) ففيه وجوه ( أحدها ) أن هذا كما يقول الملك الكبير يا فلان اشتغل بالخدمة
فلعلك تنتفع به ويكون المراد إنى أوصلك إلى درجة عالية فى النعمة، وهو إشارة إلى قوله
( ولسوف يعطيك ربك فترضى) وقوله (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)، (وثانيها) لعلك
ترضى ماتنال من الثواب ( وثالثها ) لعلك ترضى ما تنال من الشفاعة. وقرأ الكسائى وعاصم
لعلك ترضى بضم التاء والمعنى لا يختلف لأن الله تعالى إذا أرضاه فقد رضيه وإذا رضيه فقد أرضاه.
قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى مامتعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتتهم فيه
ورزق ربك خير وأبقى، وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة
١٣٥
قوله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به . سورة طه .
وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِنَا بِعَايَةٍ
٠١٠
عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَزُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى ◌َ
مِنِ رَبِهِ أَوَلَ تَأْتِهِمْ بَيِنَّةُ مَا فِ الصَّحُفِ الْأُولَ ﴾ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَكْنَهُم بِعَذَاٍ
مِنْ قَبْلِهِ، لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَقَّبِعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَّذِلَّ
وَيَخْزَىِ ﴿ قُلْ كُلُّ مُتَرَبِّصُ فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَعْحَبُ الصِّرِطِ السَّوِيّ
وَمَنِ اهْتَدَى
للتقوى . وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى، ولو أنا أهلكناهم
بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ،
قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوى ومن اهتدى ﴾
إعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح أتبع
ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى ( ولا تمدن عينيك ) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى) فى قوله (ولا تمدن عينيك) وجهان (أحدهما) المراد منه نظر العين
وهؤلاء قالوا مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه إعجاباً به كما فعل نظارة
قارون حيث قالوا ( ياليت لنا مثل ما أوقى قارون إنه لذو حظ عظيم ) حتى واجههم أولوا العلم
والإيمان بقولهم ( ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً) وفيه أن النظر غير الممدود
معفو عنه وذلك كما إذا نظر الانسان إلى شىء مرة ثم غض ، ولما كان النظر إلى الزعارف
كالمركوز فى الطباع قيل ( ولا تمدن عينيك) أى لا تفعل ها أنت معتاد له. ولقد شدد المتقول
فى وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة فى اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم
اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها (القول
الثانى) قال أبو مسلم الذى نهى عنه بقوله (ولا تمدن عينيك) ليس هو النظر، بل هو الأسف،
أى لا تأسف على مافاتك مما نالوه من حظ الدنيا .
المسألة الثانية﴾ قال أبو رافع ((نزل ضيف بالنبى صلى الله عليه وسلم فبعثنى إلى يهودى
لبيع أو سلف، فقال والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرنى أن أذهب بدرعه إليه
فنزل قوله تعالى (ولا تمدن عينيك))) وقال عليه السلام ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى
أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم)» وقال أبو الدرداء: الدنیا دار من لادار له ومال
١٣٦
قوله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به . سورة طه .
من لامال له ولها يجمع من لاعقل له. وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا. وعن عيسى
ابن مريم عليه السلام قال لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم لها عبيداً، وعن عروة بن الزبير أنه كان
إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية ، وقال الصلاة يرحمكم الله، أما قوله عزوجل ( إلى مامتعنا
به ) [أى] ألذذنا به ، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة
ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكج، يقال أمتعه إمتاعاً ومتعه تمتيعاً والتفعيل
يقتضى التكثير، أما قوله ( أزواجا منهم) أى أشكالا وأشباها من الكفار وهى من المزاوجة
بين الأشياء وهى المشاكلة، وذلك لأنهم أشكال فى الذهاب عن الصواب ، وقال ابن عباس
رضى الله عنهما أصنافا منهم، وقال الكلبى والزجاج رجالا منهم ، أما قوله (زهرة الحياة الدنيا)
ففى أنتصابه أربعة أوجه ( أحدها ) على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا
معنى أعطينا وكونه مفعولا ثانياً له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجا
على تقدير ذوى، فان قيل ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما
جاء فى الجهرة قرى أرنا الله جهرة، وأن يكون جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء
ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف فى الثياب ، أما
قوله ( لنفتنهم فيه) فذكروا فيه وجوها ( أحدها) لتعذبهم به كقوله ( فلا تعجبك أموالههم
وأولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا)، (وثانيها) قال ابن عباس رضى الله
عنهما إضلالا منى لهم (وثالثها ) قال الكلى ومقاتل تشديداً فى التكليف عليهم لأن الإعراض
عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع
الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء، ولأن على من أوتى الدنيا
ضروباً من التكاليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصى يكون الاجتناب
عن المعاصى أشق عليه من العاجز الفقير ، فمن هذه الجهات تكون الزيادة فى الدنيا تشديداً
فى التكليف ثم قال لرسوله (ورزق ربك خير وأبقى) والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذى
تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أونوه من
من الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث
العاقبة وأبقى، فذكر الرزق فى الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رغى به وصبر عليه، ويحتمل أن
يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة، وأما قوله (وأمر أهلك بالصلاة) فمنهم من حمله
على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه، وهذا أقرب وهو كقوله (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة )
وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمربها فى أوقانها ممكن فيهم
دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فأمر أنت قومك بها ، أما قوله (واصطبر عليها)
فالمراد كما تأمر هم نحافظ عليها فعلا، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول، وكان رسول الله
قوله تعالى: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً . سورة طه . ١٣٧
مر للم بعد نزول هذه الآية يذهب الى فاطمة وعلى عليهما السلام كل صباح ويقول ((الصلاة)) وكان يفعل
ذلك أشهراً ، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله (لا نسألك رزقاً
نحن نرزقك) وفيه وجوه (أحدها) قال أبو مسلم: المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد
منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج، وهو كقوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس
إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) (وثانيها) (لا نسألك رزقاً) لنفسك
ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك ، فقدغ بالك لأمر الآخرة، وفى معناه قول الناس: من كان
فى عمل اللّه كان الله فى عمله (وثالثها) المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك.
فعبر عن هذا المعنى بقوله ( لا نسألك رزقاً ) بل نحن نرزقك فى الدنيا بوجوه النعم وفى الآخرة
بالثواب، قال عبد الله بن سلام (كان النبي صَّ اله إذا نزل بأهله ضيق أوشدة أمرهم بالصلاة وتلا
هذه الآية)) واعلم أنه ليس فى الآية رخصة فى ترك التكسب لأنه تعالى قال فى وصف المتقين
(رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)، أما قوله والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة
لأهل التقوی یعنی تقوى الله تعالى، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حکیعنهم شبهتهم ، فکا به من
تمام قوله (فاصبر على ما يقولون) وهى قولهم (لولا يأتينا بآية من ربه) أو هموا بهذا الكلام أنه
يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا فى موضع آخر (فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) وأجاب الله
تعالى عنه بقوله (أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى) وفيه وجوه: (أحدها) أن ما فى القرآن
إذا وافق ما فى كتبهم مع أن الرسول ◌َّ له لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذاً البتة كان
ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً (وثانيها) أن بينة ما فى الصحف الأولى ما فيها من البشارة
بمحمد برلت وبنبوته وبعثته (وثالثها) ذكر ابن جرير والقفال [أن] المعنى (أو لم تأتهم بينة ما فى
الصحف الأولى) من أنباء الأمم التى أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم
بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم فى سؤال الآيات كمال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان فى
القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه (بينة ما فى الصحف الأولى) واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع
إلى البينة لأنها فى معنى البرهان والدليل، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة فى التكليف، فقال
(ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) والمراد كان لهم أن يقولوا
ذلك فيكون عذراً لهم، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم ومالهم فلاحجة لهم
البتة بل الحجة عليهم. ومعنى (من قبله) يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات
فان قيل فما معنى قوله ( ولو أنا أهلكناهم لقالوا) والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان
لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال (من قبل أن نذل ونخزى) وذلك لا يليق إلا بعذاب
الآخرة، روى أن أبا سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال عليه السلام ((يحتج على الله تعالى يوم
القيامة ثلاثة : الهالك فى الفترة يقول لم يأتنى رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك. وتلا قوله (لولا
١٣٨
قوله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً . سورة طه .
أرسلت إلينا رسولا ) والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لى عقلا أنتفع به، ويقول الصبى كنت
صغيراً لا أعقل فترفع لهم نار ، ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان فى علم الله تعالى أنه شقى ويبقى
من فى علمه أنه سعيد، فيقول الله تعالى لهم: عصيتم اليوم فكيف برسلى لو أتوكم )» والقاضى
طعن فى الخبر وقال لا يحسن العقاب على من لا يعقل، واعلم أن فى هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال الجبائى هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يحب
أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن ؟
وهلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك؟ وإن كان فى المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث اليهم الرسول
لم يكن فى ذلك حجة ، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان فى المعلوم أنهم يؤمنون عنده
إذا أطاعوه .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الكعبى قوله ( لو لا أرسلت إلينا رسولا) أوضح دليل على أنه تعالى
يقبل الاحتجاج من عباده، وأنه ليس قوله ( لا يسأل عما يفعل ) كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو
جور منا يكون عدلا منه بل تأويله: أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم
يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة .
المسألة الثالثة﴾ قال أصحابنا الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق
العقاب قبل مجىء الشرع لكان العقاب حاصلا قبل مجىء الشرع.
ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال (قل كل متربص) أى كل منا ومنكم منتظر
عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت ، إما بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور
الدولة والقوة ، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظرموت صاحبه، ويحتمل
أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب ، فإنه يتميز فى الآخرة المحق من المبطل بما
يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى، وعلى المبطل من أنواع إهانته (فستعلمون) عند ذلك
( من أصحاب الصراط السوى ومن اهتدى) اليه وليس هو بمعنى الشك والترديد ، بل هو على
سبيل التهديد والزجر للكفار، والله أعلم .
١٣٩
قوله تعالى : اقترب للناس حسابهم . سورة الأنبياء .
(٢١) سُؤَدَة الأنبياءِ مِكِيَّة
وَأَنَائِهَا انْتَلِكَشَرُ وَمَّانِ بَةْ
٩-١
بِسْـ
أَقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَقْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (٣٦) مَايَأْتِمِ مِن ذِكْرِمِن
◌َّيِهِمْ تُحْدَثٍ إِلَّ أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٣) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَمَرُواْ النَّجْرَى
الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (®
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا
استمعوه وهم يلعبون ، لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذى ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون
السحر وأنتم تبصرون
اعلم أن قوله تعالى ﴿ اقترب للناس حسابهم ) فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ القرب لا يعقل إلا فى المكان والزمان، والقرب المكانى «هنا ممتنع فتعين
القرب الزمانى ، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم .
﴿ المسألة الثانية) لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب، وقد عبر بعد هذا القول «ريب
من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه: ( أحدها ) أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله
تعالى (ويستعجلونك بالعذاب ، ولن يخلف الله وعده، وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون)
(وثانيها) أن كل آت قربب وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو الذى انقرض قال الشاعر:
فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس
(وثالثها) أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فانه لا يقال اقترب الأجل أما
إذا كان الماضى أكثر من الباقى فإنه يقال اقترب الأجل ، فعلى هذا الوجه قال العلماء إن فيه دلالة
على قرب القيامة ، ولهذا الوجه قال عليه السلام ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وهذا الوجه قيل إنه
عليه السلام ختم به النبوة ، كل ذلك لأجل أن الباقى من مدة التكليف أقل من الماضى .
١٤٠
قوله تعالى : اقترب للناس حسابهم . سورة الأنبياء .
( المسألة الثالثة) إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب
إلى تلافى الذنوب والتحرر عنها خوفاً من ذلك والله أعلم.
المسألة الرابعة﴾ إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتيانه أصلح، كما أن كتمان وقت
الموت أصلح .
المسألة الخامسة) الفائدة فى تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب هو الكاشف
عن حال المره فالخوف من ذكره أعظم.
﴿ المسألة السادسة ﴾ يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل فى الحساب وهم المكلفون
دون من لا مدخل له ، ثم قال ابن عباس المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على
بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين أما قوله تعالى ( وهم فى غفلة معرضون )
فاعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين الغفلة والإعراض ، أما الغفلة فالمعنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون
لا يتفكرون فى عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لابد من جزاء المحسن والمسىء ثم إذا انتبهوا من
سنة الغفلة ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم.
أما قوله ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) ففيه مسائل: ،
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن أبى عبلة محدث بالرفع صفة للمحل .
﴿ المسألة الثانية) إنما ذكر الله تعالى ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأن الله تعالى
يحدد لهم الذكر وقتاً فوقتاً ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم
التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا لعباً واستسخاراً.
المسألة الثالثة) المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا القرآن ذكر والذكر
محدث فالقرآن محدث ، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى فى صفة القرآن (إن هو إلا ذكر للعالمين)
وقوله ( وإنه لذكر لك ولقومك) وقوله (ص والقرآن ذى الذكر) وقوله (إنا نحن نزلنا الذكر)
وقوله ( إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) وقوله ( وهذا ذكر مبارك أنزلناه) وبيان أن الذكر
محدث قوله فى هذا الموضع (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) وقوله فى سورة الشعراء (ما يأتيهم
من ذكر من الرحمن محدث) ثم قالوا فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص فى أن القرآن
محدث والجواب من وجهين (الأول) أن قوله ( إن هو إلا ذكر للعالمين) وقوله ( وهذا ذكر
بارك ) إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فاذا ضممنا إليه قوله ( ما يأتيهم من ذكر
من ربهم محدث) لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك ما لا نزاع فيه بل حدوثه
معلوم بالضرورة، وإنمنا النزاع فى قدم كلام اللّه تعالى بمعنى آخر (الثانى) أن قوله ( ما يأتيهم من
ذكر من ربهم محدث ) لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على ذكر ما محدث كما أن قول
القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يخضونه، فانه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون