النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
قوله تعالى : قالوا يا موسى إما أن تلقى . سورة طه .
قَالَ بَلْ أَلْقُوا
قَالُواْ يَئُمُوسَىَّ إِمََّ أَنْ تُلْقَِّ وَإِمَّ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَ
٦٥
فَإذَا حِبَاهُمْ وَعِصُِّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (﴾ فَأَوْجَسَ فِى
نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى (2) قُلْنَا لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٨﴾ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ
تَلْقَفْ مَاصَنَعُواْ إِنََّا صَنَعُواْ كَيُّدُ سَدِحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحُ حَيْثُ أَنَّى
فقال بعضهم: الأمثل: الأشبه بالحق، وقيل الأمثل الأوضح والأظهر، ثم إنه تعالى لما حكى
عنهم مبالغتهم فى التنفير عن موسى عليه السلام والترغيب فى إبطال أمره حكى عنهم أنهم
قالوا (فأجمعوا كيدكم ثم ائتواصفاً) قرأ أبو عمرو بوصل الألف وفتح الميم من أجمعوا
يعنى لا تدعوا شيئاً من كيدهم إلا جئتم به دليله قوله ( جمع كيده) وقرأ الباقون بقطع
الألف وكسر الميم وله وجهان: (أحدهما ) قال الفراء الإجماع الأحكام والعزيمة على الشىء
يقال أجمعت على الخروج مثل أزمعت ( والثانى) بمعنى الجمع وقد مضى الكلام فى هذا عند قوله
( فأجمعوا أمركم وشركاءكم) قال الزجاج ليكن عزمكم كلكم كاليد مجمعاً عليه لا تختلفوا ثم
ائتواصفاً، ذكر أبو عبيدة والزجاج وجهين: (أحدهما) أن الصف موضع الجمع والمعنى أثنوا
الموضع الذى تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، والمعنى ائتوا مصلى من المصليات أو كان الصف علماً
للمصلى بعينه فأمروا بأن يأتوه ( والثانى) أن يكون الصف مصدراً والمعنى ثم ائتوا مصطفين
مجتمعين لكى يكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم، وهذا قول عامة المفسرين، وقوله ( وقد أفلح
اليوم من استعلى ) اعتراض ، يعنى وقد فاز من غلب فكانوا يقرون بذلك أنفسهم فيما اجتمعوا
عليه من إظهار ما يظهرونه من السحر .
قوله تعالى: ﴿قالوا ياموسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى، قال بل ألقوا فإذا حبالهم
وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس فى نفسه خيفة موسى ، قلنا لا تخف إنك أنت
الأعلى، وألق مافى يمينك تلقف ماصنعوا، إنما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾
اعلم أنه لما تقدم ذكر الموعد وهو يوم الزينة وتقدم أيضاً قوله ( ثم ائتوا صفاً) صار ذلك
مغنياً عن قوله حضروا هذا الموضع وقالوا ( إما أن تلقى) لدلالة ما تقدم عليه وقوله ( إما أن تلقى
وإما أن نكون أول من ألقى ) معناه إما أن تلقى مامعك قبلنا ، وإما أن نلقى مامعنا قبلك ، وهذا
التخيير مع تقديمه فى الذ کر حسن أدب منهم وتواضع له ، فلاجرم رزقهم الله تعالى الإيمانبیر کته ،
ثم إن موسى عليه السلام قابل أدبهم بأدب فقال ( بل ألقوا) أما قوله (بل ألقوا) ففيه سؤالان:
الفخـ الـ ١اء . - - ٦٠٢٢
٨٢
قوله تعالى : قالوا يا موسى إما أن تلقى . سورة طه .
( السؤال الأول) كيف يجوز أن يقول موسى عليه السلام (بل ألقوا) فيأمرهم بما هو
سحر وكفرلأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى عليه السلام كان كفراً ( والجواب) من وجوه:
(أحدها) لا نسلم أن نفس الالقاء كفر ومعصية لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهر الفرق
بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول عليه السلام وهو موسى كان ذلك الإلقاء إيماناً وإنما
الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى وهو عليه السلام إنما أمر بالالفاء لا بالقصد إلى التكذيب
فزال السؤال (وثانيها) ذلك الأمر كان مشروطاً والتقدير ( ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين)
كما فى قوله تعالى (فأتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين) أى إن كنتم قادرين (وثالثها) أنه لما
تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزاً، وهذا كالمحق إذا علم أن فى قلب واحد شبهة
وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة فى قلبه، ويخرج بسببها
عن الدين فان للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها
ويزيل أثرها عن قلبه فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض تكون جائزة فكذا ههنا ( ورابعها) أن
لا يكون ذلك أمراً بل يكون معناه إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حساً لكى ينكشف الحق
(وخامسها) أن موسى عليه السلام لاشك أنه كان كارها لذلك ولاشك أنه نهاهم عن ذلك بقوله
( ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب) وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون قوله
أمراً لهم بذلك لأن الجمع بين كونه ناهياً وآمراً بالفعل الواحد محال ، فعلمنا أن قوله غير محمول على
ظاهره وحينئذ يزول الاشكال .
﴿ السؤال الثانى) لم قدمهم فى الالقاء على نفسه مع أن تقديم استماع الشبهة على استماع الحجة
غير جائز فكذا تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة وجب أن لا يجوز لاحتمال أنه ربما أدرك
الشبهة ثم لا يتفرغ لادراك الحجة بعده فيبقى حينئذ فى الكفر والضلال وليس لأحد أن يقول
إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو عليه السلام قابل ذلك بأن قدفهم على نفسه
لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس ، فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز
( والجواب) أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة
أخرى والقوم إنما جاؤا لمعارضته فقال عليه السلام لو أنى بدأت باظهار المعجزة أولا لكنت
كالسبب فى إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وذلك غير جائز ، ولكنى أفوض الأمر
إليهم حتى أنهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر ثم أنا أظهر المعجز الذى يبطل سحرهم فيكون على
هذا التقدير سبباً لازالة الشبهة ، وأما على التقدير الأول فانه يكون سبباً لوقوع الشبهة فكان ذلك أولى.
أما قوله (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما (ألقوا حبالهم وعصيهم) ميلا من هذا
الجانب وميلا من هذا الجانب خيل إلى موسى عليه السلام أن الأرض كلها حيات وأنها تسعى
٨٣
قوله تعالى : قالوا يا موسى إما أن تلقى .. سورة طه .
تغاف فلما قيل له ( ألق ما فى يمينك تلقف ماصنعوا) ألقى موسى عصاه فاذا هى أعظم من حياتهم
ثم أخذت تزداد عظماً حتى ملأت الوادى ثم صعدت وعلت حتى علقت ذنبها بطرف القبة ثم
هبطت فأكلت كل ما عملوا فى الميلين والناس ينظرون اليها لا يحسبون إلا أنه سحر ثم أقبلت نحو
فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا فصاح بموسى عليه السلام فأخذها فاذا هى عصى كما كانت
ونظرت السحرة فاذا هى لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئاً إلا أكلته فعرفت السحرة أنه ليس
بسحر وقالوا أين حبالنا وعصينا لولم تكن سحراً (١) لبقيت فروا سجداً وقالوا ( آمنا برب العالمين
رب موسی و هرون ).
المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى عدد السحرة قال القاسم بن سلام كانوا سبعين ألفاً مع كل
واحد عصا وحبل . وقال السدى كانوا بضعة وثلاثين ألفاً مع كل واحد عصا وحبل ، وقال وهب
كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال ابن جريج وعكرمة كانوا تسعمائة: ثلثمائة من الفرس وثلثمائة من الروم
وثلثمائة من الاسكندرية، وقال الكلى كانوا اثنين وسبعين ساحراً اثنان منهم من القبط وسبعون
من بنى اسرائيل أكرههم فرعون على ذلك، واعلم أن الاختلاف والتفاوت واقع فى عدد كثير
وظاهر القرآن لا يدل على شىء منه والأقوال إذا تعارضت تساقطت .
المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف يقال فى إذا هذه إذا المفاجأة والتحقيق فيها أنها
إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها خصت فى بعض المواضع بأن تكون
ناصباً فعلا مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لاغير فتقدير قوله تعالى (فإذا حبالهم
وعصيهم ) ففاجأ موسى وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل ، والمعنى على مفاجأته حبالهم
وعصيهم مخيلة إليه السعی اهـ
[ المسألة الرابعة ) فرى عصيهم بالضم وهو الأصل والكسر إتباع نحو دلى ودلى وقسى
وفى وقرى تخيل بالتاء المنقوطة من فوق باسناد الفعل إلى الحبال والعصى وقرى" بالضم بالياء
المنقطة من تحت يإسناد الفعل إلى الكيد والسحر وقال الفراء أى يخيل إليه سعيها .
﴿ المسألة الخامسة﴾ الهاء فى قوله ( يخيل إليه) كناية عن موسى عليه السلام والمراد أنهم
بلغوا فى سحرهم المبلغ الذى صار يخيل إلى موسى عليه السلام أنها تسعى كسعى ما يكون حياً من
الحيات لاأنها كانت حية فى الحقيقة ويقال إنهم حشوها بما إذا وقعت الشمس عليه يضطرب
ويتحرك. ولما كثرت واتصل بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى، فأما ماروى عن وهب
أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك مستدلا بقوله تعالى ( فلما ألقوا
سحروا أعين الناس ) وبقوله تعالى ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) فهذا غير جائز لأن ذلك
الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة فلو صار بحيث لا يميز الموجود عن الخيال الفاسد
(١) الضمير فى فوله (تكن) و (بقيت ) لا يعود على عصى موسى وإنما يعود على حبال السحرة وعصبهم (الصاوى)
٨٤
قوله تعالى : قالوا يا موسى إما أن تلقى . سورة طه .
لم يتمكن من إظهار المعجزة فيئذ يفسد المقصود، فإذن المراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة
لذلك الشىء لظن فيها أنها تسعى أما قوله تعالى (فأوجس فى نفسه خيفة موسى) فالإيجاس استشعار
الخوف أى وجد فى نفسه خوفاً ، فإن قيل إنه لامزيد فى إزالة الخوف على ما فعله اللّه تعالى فى حق
موسى عليه السلام فانه كلمه أولا وعرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، ثم إنه تعالى صيرها
كما كانت بعد أن كانت كأعظم ثعبان، ثم إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية وذكر ما أعطاه قبل ذلك
من المنن الثمانية ثم قال له بعد ذلك كله (إنى معكما أسمع وأرى) فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف
وقع الخوف فى قلبه والجواب عنه من وجوه (أحدها) أن ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمى
عليه من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى عليه السلام أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره وهذا
قول الحسن (وثانيها) أنه خاف أن تدخل على الناس شبهة فيما يرونه فيظنوا أنهم قد ساووا موسى
عليه السلام ويشتبه ذلك عليهم وهذا التأويل متأكد بقوله (لا تخف إنك أنت الأعلى) وهذا قول
مقاتل (وثالثها) أنه خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه
فيدوموا على اعتقاد الباطل (ورابعها) لعله عليه السلام كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحى
فلما تأخر نزول الوحى عليه فى ذلك الوقت خاف أن لا ينزل عليه الوحى فى ذلك الوقت فيبقى فى
الخجالة (وخامسها) لعله عليه السلام خاف من أنه لو أبطل سحر أولئك الحاضرين فلعل فرعون قد
أعد أقواماً آخرين فيأتيه بهم فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهكذا من غير أن يظهر له
مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود، ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بالإجمال أولا
وبالتفصيل ثانياً أما الاجمال فقوله تعالى ( فلنا لاتخف إنك أنت الأعلى) ودلالته على أن خوفه
كان الأمر يرجع إلى أن أمره لا يظهر للقوم فآمنه الله تعالى بقوله (إنك أنت الأعلى) وفيه أنواع
من المبالغة (أحدها) ذكر كلمة التأكيد وهى إن (وثانيها) تكرير الضمير ( وثالثها ) لام التعريف
(ورابعها) لفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة وأما التفصيل فقوله (وألق مافى يمينك) وفيه سؤال ، وهو
أنه لم لم يقل وألق عصاك (والجواب) جاز أن يكون تصغيراً لها أى لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم
وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذى بيمينك فانه بقدرة الله تعالى يتلقفها على وحدته وكثرتها
وصغره وعظمها وجائز أن يكون تعظيما لها أى لا تحتفل بهذه الأجرام الكثيرة فان فى يمينك شيئاً
أعظم منها كلها وهذه على كثرتها أقل شىء عندها فألقه يتلقفها باذن الله تعالى ويمحقها أما قوله
( تلقف ) أى فانك إذا ألقيتها فانها تلقف ماصنعوا قراءة العامة تلقف بالجزم والتشديد أى فألقها
تلقفها وقرأ ابن عامر تلقف بالتشديد وضم الفاء على معنى الحال أى ألقها متلقفة أو بالرفع على
الاستئناف وروى حفص عن عاصم بسكون اللام مع التخفيف أى تأخذ بفيها ابتلاعاً بسرعة
واللقف والتلقف جميعاً يرجعان إلى هذا المعنى وصنعوا ههنا بمعنى اختلقوا وزوروا والعرب تقول
فى الكذب هو كلام مصنوع وموضوع وصمة قوله (تلقف) أنه إذا ألقى ذلك وصارت حية تلقفت
قوله تعالى : فألقي السجرة سجداً قالوا آمنا . سورة طه. ٨٥
فَأَلْقَ الَّحَرَةُ حُجَّدًا قَالُواْءَ امَنَّا بِرَبِّ هَثِرُونَ وَمُوسَى (٢﴾ قَالَ ءَامَنْتُمْ لَّهُ قَبْلَ
أَنْ ءَالذَّنَ لَكِّرْ إِنَّهُ لَكَبِرُ كُمُ الَّذِى عَلََّكُ السِّخْرَ فَلَأَ قَطَّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَهُمْ
ماصنعوا وفى قوله ( فألقى السحرة سجداً) دلالة على أنه ألقى العصا وصارت حية وتلقفت ماصنعوه
وفى التلقف دلالة على أن جميع ما ألقوه تلقفته وذلك لا يكون إلا مع عظم جسدها وشدة قوتها .
وقد حكى عن السحرة أنهم عند التلقف أيقنوا بأن ماجاء به موسى عليه السلام ليس من مقدور
البشر من وجوه (أحدها) ظهور حركة العصا على وجه لا يكون مثله بالحيلة (وثانيها) زيادة عظملها
على وجه لا يتم ذلك بالحيلة (وثالثها) ظهور الأعضاء عليلها من العين والمنخرين والفم وغيرها ولا
يتم ذلك بالحيلة (ورابعها) تلقف جميع ما ألقوه على كثرته وذلك لا يتم بالحيلة (وخامسها) عوددها
خشبة صغيرة كما كانت وشىء من ذلك لا يتم بالحيلة ثم بين سبحانه وتعالى أن ماصنعوا كيد ساحر
والمعنى أن الذى معك ياموسى معجزة إلهية والذى معهم تمويهات باطلة فكيف يحصل التعارض
وقرى" كيد ساحر بالرفع والنصب فمن رفع فعلى أن ما موصولة ومن نصب فعلى أنها كافة وقرى*
كيد سمر بمعنى ذى سحر أو ذوى سحر أو هم لتوغلهم فى محرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته أو بين
الكيد لأنه يكون سحراً وغير سحر ، كما يبين المائة بدرهم ونحوه علم فقه وعلم نحو، بقى سؤالات:
﴿السؤال الأول) لم وحد الساحر ولم يجمع (الجواب) لأن القصد فى هذا الكلام إلى معنى
الجنسية لا إلى معنى العدد فلو جمع تخيل أن المقصود هو العدد ألا ترى إلى قوله (ولا يفلح الساحر
حيث أتى ) أى هذا الجنس .
﴿السؤال الثانى) لم نكر أولا ثم عرف ثانياً (الجواب) كأنه قال هذا الذى أتوا به قسم
واحد من أقسام السحر وجميع أقسام السحر لا فائدة فيه ولا شك أن هذا الكلام على هذا
الوجه أبلغ .
﴿ السؤال الثالث ) قوله ( ولا يفلح الساحر حيث أتى) يدل على أن الساحر لا يحصل له
مقصوده بالسحر خيراً كان أو شراً وذلك يقتضى نفى السحر بالكلية (الجواب) الكلام فى السحر
وحقيقته قد تقدم فى سورة البقرة فلا وجه للاعادة والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿فألقى السحرة سجوداً قالوا آمنا برب هرون وموسى، قال آمنتم له قبل أن آذن
لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر فلا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم فى جذوع
٨٦
قوله تعالى : فألقي السحرة سجداً قالوا آمنا . سورة طه .
مِّنْ غِلَفٍ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِى جُدُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيْنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَ
VI
النخل ولتعلمن أبنا أشد عذاباً وأبقى ﴾
إعلم أن فى قوله (فألقى السحرة سجداً) دلالة على أنه ألقى ما فى يمينه وصار حية تلقف ماصنعوا
وظهر الأمر خروا عند ذلك سجداً وذلك لأنهم كانوا فى الطبقة العليا من علم السحر فلما رأوا ما فعله
موسى عليه السلام خارجا عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر البتة ويقال قال رئيسهم كنا
نغالب الناس بالسحر وكانت الآلات تبقى علينا لو غلبنا فلو كان هذا سحراً فأين ما ألقيناه فاستدلوا
بتغير أحوال الأجسام على الصانع العالم القادر وبظهورها على يد موسى عليه السلام على كونه رسولا
صادقاً من عند الله تعالى، فلا جرم تابواوآمنوا وأنوا بما هو النهاية فى الخضوع وهو السجود، أما قوله
تعالى (فألقى السحرة سجداً) فليس المراد منه أنهم أجبروا على السجودوإلا لما كانوا محمودين بل التأويل
فيه ما قال الأخفش وهو أنهم من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا وقال صاحب الكشاف ما أعجب أمرهم
قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤسهم بعد ساعة للشكر والسجود. فما أعظم
الفرق بين الإلقاءين ، وروى أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها
وعن عكرمة لما خروا سجداً أراهم الله فى سجودهم منازلهم التى يصيرون إليها فى الجنة ، قال القاضى
هذا بعيد لأنه تعالى لو أراهم عياناً لصاروا ملجئين، وذلك لا يليق به قولهم ( إنا آمنا بربنا ليغفر
لنا خطايانا) (وجوابه) لما جاز لإبراهيم عليه السلام مع قطعه بكونه مغفوراً له أن يقول (والذى
أطمع أن يغفر لى خطيئنى ) فلم لا يجوز مثله فى حق السحرة ، واعلم أن هذه القصة تنبه على أسرار
عجيبة من أمور الربوبية ونفاذ القضاء الالهى وقدره فى جملة المحدثات، وذلك لأن ظهور تلك الأدلة
كانت بمرأى من الكل ومسمع فكان وجه الاستدلال فيها خلياً ظاهراً وهو أنه حدثت أمور
فلا بد لها من مؤثر والعلم بذلك ضرورى، وذلك المؤثر إما الخلق، وإما غيرهم. والأول بديهى
البطلان لأن كل عاقل يعلم بالضرورة من نفسه أنه لا يقدر على ايجاد الحيوانات وتعظيم جثتها دفعة
واحدة ثم يصغرها مرة أخرى كما كانت وهذه العلوم الجلية متى حصلت فى العقل أفادت القطع
بأنه لابد من مدير لهذا العالم فماذا يقول ألا ترى أن أولئك المنكرين جهلوا صحة هذه المقدمات
وهذا فى نهاية البعد، لأنا بينا أن كل واحد منها بحيث لا يمكن ارتياب العاقل فيه واذاً فقد عرفوا صحتها
لكنهم أصروا على الجهل وكرهوا تحصيل العلم والسعادة لأنفسهم وأحبوا تحصيل الجهل والشقاوة
لأنفسهم ما أرى أن عاقلا يرضى بذلك لنفسه قط فلم يبق إلا أن يقال العقل والدليل لا يكفى بل
لابد من مدير يخلق هذه المقدمات فى القلوب، ويخلق الشعور بكيفية ترتيبها وبكيفية استنتاجها
قوله تعالى . فألقي السحرة سجداً قالوا آمنا . سورة طه . ٨٧
للنتيجة حتى أنه متى فعل ذلك حصلت النتائج فى القلوب وذلك يدل على أن الكل بقضائه وقدره
فإنه لا اعتماد على العقول والقلوب فى مجاريها وتصرفاتها ومن طرح التعصب عن قلبه ونظر إلى
أحوال نفسه فى مجارى أفكاره وأنظاره ازداد وثوقاً بما ذكرناه أما قوله ( قالوا آمنا برب هرون
وموسى) فاعلم أن التعليمية احتجوا بهذه الآية وقالوا إنهم آمنوا بالله الذى عرفوه من قبل هرون
وموسى فدل ذلك على أن معرفة الله لا تستفاد إلا من الامام، وهذا القول ضعيف بل فى قولهم
( آمنا برب هرون وموسی) فائدتان سوى ماذكروه .
{ الفائدة الأولى) وهى أن فرعون ادعى الربوبية فى قوله (أنا ربكم الأعلى ) والإلهية فى
قوله (ما علمت لكم من إله غيرى) فلو أنهم قالوا آمنا برب العالمين لكان فرعون يقول إنهم آمنوا بى
لا بغيرى فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة ، والدليل عليه أنهم قدموا ذكر هرون على موسى
لأن فرعون كان يدعى ربوبيته لموسى بناء على أنه رباه فى قوله (ألم نربك فينا وليداً ) فالقوم لما
احترزوا عن إيهامات فرعون لاجرم قدموا ذكر هرون على موسى قطعاً لهذا الخيال .
﴿الفائدة الثانية) وهى أنهم لما شاهدوا أن الله تعالى خصهما بتلك المعجزات العظيمة والدرجات
الشريفة لاجرم قالوا رب هروذ وموسى لأجل ذلك ، ثم إن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار
خاف أن يصير ذلك سبباً لاقتداء سائر الناس بهم فى الايمان بالله تعالى وبرسوله ففى الحال ألقى شبهة
أخرى فى النبى فقال (آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه الكبير كم الذى علمكم السحر) وهذا الكلام مشتمل
على شبهتين (إحداهما) قوله ( آمنتم له قبل أن آذن لكم) وتقريره أن الاعتماد على الخاطر الأول
غير جائز بل لابد فيه من البحث والمناظرة والاستعانة بالخواطر، فلما لم تفعلوا شيئاً من ذلك بل
فى الحال (آمنتم له) دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن البصيرة بل عن سبب آخر ( وثانيها ) قوله
( إنه لكبير كم الذى علكم السحر ) يعنى أنكم تلامذته فى السحر فاصطلحتم على أن تظهروا العجز
من أنفسكم ترويجاً لأمره وتفخيما لشأنه، ثم بعد إيراد الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيراً لهم عن الإيمان
وتنفيراً لغيرهم عن الاقتداء بهم فى ذلك فقال ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) قرى.
لأقطعن ولأصلبن بالتخفيف، والقطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأن كل
واحد من العضوين خلاف الآخر فان هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال وقوله ( من
خلاف ) فى محل النصب على الحال أى (لأقطعنها) مختلفات لأنها إذا خالف بعضها بعضاً فقد
اتصفت بالاختلاف ثم قال (ولأصلبنكم فى جذوع النخل) فشبه تمكن المصلوب فى الجذع يتمكن
الشىء الموعى فى وعائه فلذلك قال فى جذوع النخل والذى يقال فى المشهور أن فى بمعنى على فضعيف
ثم قال (ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى) أراد بقوله (أينا) نفسه لعنه الله لأن قوله (أينا) يشعر بأنه أراد
نفسه وموسى عليه السلام بدليل قوله (آمنتم له) وفيه تصالف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب
الناس بأنواع العذاب واستضعاف موسى عليه السلام مع الهزء به لأن موسى عليه السلام قط لم
٨٨
قوله تعالى : قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا . سورة طه .
قَالُوْ لَن تُؤِّْكَ عَلَى مَاجَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ
إِنَّءَ امَنَّا بِرَبِنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَلْنَا وَمَآ
إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْخَزَةَ الدُّنْيَا ﴾
أَكرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ ﴾ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ يُجْرِمًا فَإِنَّ
لَهُوَجَهَنَّمَ لَ يَمُوتُ فِيهَا وَلَا تَحْيَى ﴾ وَمَن بَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ
فَأَوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (﴾ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحِْمَا الْأَنْهَُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ مَنْ تَزَكَّى
يكن من التعذيب فى شىء، فان قيل إن فرعون مع قرب عهد مشاهدة انقلاب العصاحية بتلك
العطمة التى شرحتموها وذكرتم أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون وآل الأمر إلى أن استغاث
بموسى عليه السلام من شر ذلك الثعبان فمع قرب عهده بذلك وحجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد
السحرة ويبالغ فى وعيدهم إلى هذا الحد ويستهزى يموسى عليه السلام فى قوله ( أينا أشد عذاباً
وأبقى) قلنا لم لا يجوز أن يقال إنه كان فى أشد الخوف فى قلبه إلا أنه كان يظهر تلك الجلادة
والوقاحة تمشية لناموسه وترويجاً لأمره، ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أن العاجز قد يفعل
أمثال هذه الأشياء، وما يدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذاب الله أشد من
عذاب البشر، ثم إنه أنكر ذلك، وأيضاً فقد كان عالماً بكذبه فى قوله ( إنه لكبير كم الذى عليكم
السحر ) لأنه علم أن موسى عليه السلام ما خالطهم البتة وما لقيهم وكان يعرف من سحرته أن
أستاذ كل واحد من هو وكيف حصل ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك كان يقول هذه الأشياء فثبت أن
سبيله فى كل ذلك ما ذكرناه وقال ابن عباس رضى الله عنهما ((كانوا فى أول النهار سيرة،
وفى آخره شهداء » .
قوله تعالى: ﴿ قالوا لن تؤثرك على ما جاءنا من البينات والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض،
إنما تقضى هذه الحيوة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله
خير وأبقى ، إنه من يأت ربه مجرماً فان له جهنم لا يموت فيها ولا بحي، ومن يأته مؤمناً قد عمل
الصالحلت فأولئك لهم الدرجات العلى ، جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك
جزاء من تزئى
قوله تعالى: قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا . سورة طه . ٨٩
أعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول
اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم فى أصول الدين ، فقالوا ( لن تؤثرك على ما جاءنا من البينات)
وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا ( لن
تؤثرك) جواباً لما قاله وبينوا العلة وهى أن الذى جاءهم بينات وأدلة، والذى يذكره فرعون
محض الدنيا ،ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها، أما قوله (والذى فطرنا)
فيه وجهان: (الأول) أن التقدير لن تؤثرك يافرعون على ماجاءنا من البينات وعلى الذى
فطرنا أى وعلى طاعه الذى فطرنا وعلى عبادته ( الوجه الثانى ) يجوز أن يكون خفضاً على القسم.
واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا (فاقضٍ ما أنت
قاض) لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم البتة عن إيمانهم
وعما عرفوه من الحق علماً وعملا، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا (إنما تقضى
هذه الحياة الدنيا) وقرى. ( نقضى هذه الحياة الدنيا) ووجها أن الحياة فى القراءة المشهورة
منتصبة على الظرف فاتسع فى الظرف باجرائه مجرى المفعول به كقولك فى صمت يوم الجمعة صيم
والمعنى أن قضاءك وحكمك إنما يكون فى هذه الحياة الدنيا وهى كيف كانت فانية وإنما مطلبنا
سعادة الآخرة وهى باقية، والعقل يقتضى تحمل الضرر الفانى المتوصل به إلى السعادة الباقية ثم
قالوا (إنا آمنا بربنا ليغفر لناخطايانا) ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر ، قالوا
( وما أكرهتنا عليه من السحر) وذكروا فى ذلك الإكراه وجوهاً (أحدما) أن الملوك فى ذلك
الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر فاذا شاخ بعثوا اليه أحداثاً
ليعلمهم ليكون فى كل وقت من يحسنه فقالوا هذا القول لأجل ذلك أى كنا فى التعلم أولا
والتعليم ثانياً مكرهين قاله ابن عباس ( وثانيها) أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين ، إثنان من
القبط ، والباقى من بنى اسرائيل فقالوا لفرعون أرنا موسى نائما فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه
فقالوا ما هذا بساحر ، الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه ( وثالثها) قال الحسن أن
السحرة حشروا من المدائن ليعارضوا موسى عليه السلام فأحضروا بالحشر وكانوا مكرهين فى
الحضور وربما كانوا مكرهين أيضا فى إظهار السحر (ورابعها) قال عمروبن عبيد دعوة السلطان
إكراه وهذا ضعيف لأن دعوة السلطان إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراها ، ثم
قالوا (والله خير ثواباً) لمن أطاعه (وأبقى ) عقابا لمن عصاه ، وهذا جواب لقوله :
(ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى)، قال الحسن: سبحان الله القوم كفار وهم أشد الكافرين كفراً
ثبت فى قلوبهم الإيمان فى طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا ( أقض ما أنت قاض) فى ذات
الله تعالى والله إن أحدكم اليوم ليصحب القرآن ستين عاما ثم إنه يبيع دينه بثمن حقير، ثم
ختموا هذا الكلام بشرح أحوال المؤمنين وأحوال المجرمين فى عرصة القيامة ، فقالوا فى المجرمين
٩٠
قوله تعالى : قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا سورة طه .
( إنه من بأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ الهاء فى قوله (إنه) ضمير الشأن يعنى أن الأمر والشأن كذا وكذا.
المسألة الثانية ﴾ استدلت المعتزلة بهذه الآية فى القطع على وعيد أصحاب الكبائر قالوا:
صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فان له جهنم لقوله ( إنه من يأت ربه مجرماً) وكلمة من فى
معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز استثناء كل واحد منها والإستشاء يخرج من الكلام
ما لولاه لدخل ، واعترض بعض المتكلمين من أصحابنا على هذا الكلام ، فقال لا نسلم أن صاحب
الكبيرة مجرم والدليل عليه أنه تعالى جعل المجرم فى مقابلة المؤمن فانه قال فى هذه الآية (ومن يأته
مؤمناً قد عمل الصالحات ) وقال ( إن الذين أجرمواكانوا من الذين آمنوا يضحكون) وأيضاً فانه
قال ( فان له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى) والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذب بالنار لا يكون
بهذا الوصف ، وفى الخبر الصحيح (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان)) واعلم
أن هذه الاعتراضات ضعيفة، أما قوله إن الله تعالى جعل المجرم فى مقابلة المؤمن فهذا مسلم لكن
هذا إنما ينفع لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن فهذا المعترض
كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط ، قوله ثانياً إنه لا يليق بصاحب الكبيرة
أن يقال فى حقه إن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي ، قلنا لا نسلم فان عذاب جهنم فى غاية الشدة
قال تعالى (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) وأما الحديث فيقال القرآن متواتر فلا يعارضه
خبر الواحد )) ويمكن أن يقال ثبت فى أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد وللخصم
أن يجيب فيقول ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع اليه فى العمليات ، وهذه المسألة ليست من العمليات
بل من الاعتقادات فلا يجوز المصير اليها ههنا. فان اعترض إنسان آخر، وقال أجمعنا على أن
هذه الآية مشروطة بنفى التوبة وبأن لا يكون عقابه محبطاً بثواب طاعته والقدر المشترك بين
الصورتين هو أن لا يوجدٍ ما يحبط ذلك العقاب ولكن عندنا العفو محبط للعقاب، وعندنا أن
المجرم الذى لا يوجد فى حقه العفو لابد وأن يدخل جهنم، واعلم أن هذا الاعتراض أيضاً
ضعيف أما شرط نفي التوبة فلا حاجة إليه لأنه قال ( من يأت ربه مجرماً) أى حال كونه مجرماً
والتائب لا يصدق عليه أنه أتى ربه حال كونه مجرماً. وأما صاحب الصغيرة فلأنه لا يسمى مجرماً
لأن المجرم أسم للذم فلا يجوز إطلاقه غلى صاحب الصغيرة، بل الاعتراض الصحيح أن نقول عموم
هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعدوهو قوله تعالى (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات
فأولئك لهم الدرجات العلى) وكلامنا فيمن أتى بالايمان والأعمال الصالحة ثم أتى بعد ذلك ببعض
الكبائر. فإن قيل عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة قلنا لم لا يجوز أن يقال ثواب الايمان يدفع
عقاب المعصية فإن قالوا لو كان كذلك لوجب أن لا يجوز لعنه وإقامة الحد عليه. قلنا: أما اللعن
الغير جائز عندنا. وأما إقامة الحد عليه فقد تكون على سبيل المحنة كما فى حق التائب وقد تكون
قوله تعالى : ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي . سورة طه . ٩١
وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآَ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِ الْبَحْرِ يَبَسَّالَّا
على سبيل التنكيل قالت المعتزلة قوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا
نكالا من اللّه ) فالله تعالى نص على أنه يجب عليه إقامة الحد على سبيل التنكيل، وكل من كان
كذلك استحال أن يكون مستحقاً للمدح والتعظيم، وإذا لم يبق ذلك لم يبق الثواب كما قلنا،. فدلناذلك
على أن عقاب الكبيرة أولى بازالة ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع عقاب الكبيرة الطارئة .
هذا منتهى كلامهم فى مسألة الوعيد قلنا حاصل الكلام يرجع إلى أن النص الدال على إقامة الحد
عليه على سبيل التنكيل صار معارضاً للنصوص الدالة على كونه مستحقاً للثواب ، فلم كان ترجيح
أحدهما على الآخر أولى من العكس وذلك لأن المؤمن كان ينقسم إلى السارق وغير السارق
فالسارق ينقسم إلى المؤمن وإلى غير المؤمن فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر فى العموم والخصوص
فإذا تعارضا تساقطا. ثم نقول لانسلم أن كلمة من فى إفادة العموم قطعية بل ظنية ومسألتا قطعية
فلا يجوز التعويل على ما ذكرته، وتمام الكلام فيه مذ كور فى كتاب المحصول فى الأصول .
﴿ المسألة الثالثة) تمسكت المجسمة بقوله ( إنه من يأت ربه مجرماً) فقالوا الجسم إنما يأتى
ربه لو كان الرب فى المكان (وجوابه) أن اللّه تعالى جعل إتيانهم موضع الوعد إتيانا إلى الله
مجازاً كقول ابراهيم عليه السلام ( إنى ذاهب إلى ربي سيهدين).
المسألة الرابعة﴾ الجسم الحى لا بد وأن يبقى إما حياً أو يصير ميتاً نخلوه عن الوصفين
محال ، فمعناه فى الآية أنه يكون فى جهنم بأسوإ حال لا يموت موتة مريحة ولا يحيا حياة متعة. ثم
ذكر حال المؤمنين فقال (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) وأعلم
أن قوله ( قد عمل الصالحات ) يقتضى أن يكون آتياً بكل الصالحات. وذلك بالاتفاق غير معتبر
ولا ممكن فينبغى أن يحمل ذلك على أداء الواجبات، ثم ذكر أن من أتى بالإيمان والأعمال
الصالحات كانت له الدرجات العلى، ثم فسرها فقال (جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار) وفى الآية
تنبيه على حصول العفو لأصحاب الكبائر لأنه تعالى جعل الدرجات العلى من الجنة لمن أتى ربه بالا يمان
والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التى هى غير عالية لابد وأن تكون لغيرهم ، وماهم إلا العصاة
من أهل الإيمان ، أما قوله ( وذلك جزاء من تزكى) فقال ابن عباس يريد من قال لا إله إلا الله،
وأقول لما دلت هذه الآية على أن الدرجات العالية هى جزاء من تزكى أى تطهر عن الذنوب
وجب بحكم ذلك الخطاب أن الدرجات التى لا تكون عالية أن لاتكون جزاء من تزكى فهى لغير هم
من يكون قد أتى بالمعاصى وعفا الله بفضله ورحمته عنهم، واعلم أنه ليس فى القرآن أن ذر عون فعل
بأولئك القوم المؤمنين ما أو عدهم به ولكن ثبت ذلك فى الأخبار .
قوله تعالى: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى فاضرب لهم طريقاً فى البحر يبساً
٩٢
قوله تعالى : ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي . سورة طه .
تَخَفُ دَرَكَا وَلَا تَخْشَىِ الَّ فَأَتْبَعُهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِبَهُمْ مِنَ الْيِّ مَا غَنَِهُمْ لَّ
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ, وَمَا هَدَى
لاتخاف دركا ولا تخشى ، فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم، وأضل فرعون قومه
وما هدى ﴾
واعلم أن فى قوله ( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى) دلالة على أن موسى عليه السلام
فى تلك الحالة كثر مستجيبوه. فأراد الله تعالى تميزهم من طائفة فرعون وخلاصهم فأوحى إليه أن
يسرى بهم ليلا، والسرى اسم لسير الليل والاسراء مثله، فإن قيل ما الحكمة فى أن يسرى بهم ليلا،
قلنا لوجوه: ( أحدها ) أن يكون اجتماعهم لا بمشهد من العدو فلا يمنعهم من استكمال مرادهم فى
ذلك ( وثانيها ) ليكون عائقاً عن طلب فرعون ومتبعيه (وثالثها) ليكون إذا تقارب العسكران
لايرى عسكر موسى عسكر فرعون فلا يها بوهم، أما قوله (فاضرب لهم طريقاً فى البحر يباً) ففيه
وجهان: (الأول) أى فاجعل لهم من قولهم ضرب له فى ماله سهما، وضرب اللبن عمله (والثانى)
بين لهم طريقاً فى البحر بالضرب بالعصا وهو أن يضرب البحر بالعصا حتى ينفلق ، فعدى الضرب
إلى الطريق . والحاصل أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب يبساً ثم بين تعالى أن جميع
أسباب الأمن كان حاصلا فى ذلك الطريق (أحدها ) أنه كان يباً قرى. يابساً ويبساً بفتح انيا.
وتسكين الباء فمن قال يابساً جعله بمعنى الطريق ومن قال يباً بتحريك الباء فاليبس والبابس شىء
واحد والمعنى طريقاً أيبس ، ومن قال يبساً بتسكين الباء فهو مخفف عن اليبس، والمراد أنه ما كان
فيه وحل ولا نداوة فضلا عن الماء ( وثانيها) قوله (لا تخاف دركا ولا تخشى) أى لا تخاف أن
يدركك فرعون فإنى أحول بينك وبينه بالتأخير ، قال سيبويه: قوله (تخاف) رفعه على وجهين:
(أحدهما ) على الحال كقولك غير خائف ولا خاش (والثانى) على الإبتداء أى أنت لاتخاف
وهذا قول الفراء، قال الأخفش والزجاج المعنى لاتخاف فيه كقوله (واتقوا يوماً لاتجزى نفس
عن نفس ) أى لاتجزى فيه نفس وقرأ حمزة لا تخف وفيه وجهان (أحدهما) أنه نهى (والثآنى)
قال أبو على جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لاتخف وعلى هذه القراءة ذكروا فى قوله
( ولا تخشى) ثلاثة (١) أوجه (أحدهما) أن يستأنف كأنه قيل وأنت لا تخشى أى ومن شأنك أنك
آمن لا تخشى (وثانيها) أن لا تكون الألف هى الألف المنقلبة عن الياء التى هى لام الفعل ولكن
زائدة للاطلاق من أجل الفاصلة كقوله تعالى (وأضلونا السبيلا)(وتظنون بالله الظنونا)، (وثالثها)
أن يكون مثل قوله: [وتضحك منى شيخة عبشمية (٢)] كأن لم ترى قبلى أسيراً يمانياً
(١) الصواب أربعة أوجه كما سيأتى. (٢) الشعر لمالك بن الريب وقد وضعت صدره بين معكفين لأنه ليس فى الأصول.
٩٣
قوله تعالى : ولقد أوحينا إلی موسی أن أسر بعبادي . سورة طه .
(ورابعها) قوله (ولا تخشى) والمعنى أنك لاتخاف إدراك فرعون ولا تخشى الغرق بالماء أما قوله
(فأتبعهم فرعون بجنوده) قال أبو مسلم زعم رواة اللغة أن أتبعهم وتبعهم واحد وذلك جائز ويحتمل
أن تكون الباء زائدة والمعنى أتبعهم فرعون جنوده كقوله تعالى (لاتأخذ بلحيتى ولابرأسى) أسرى
بعبده وقال الزجاج قرى" (فأتبعهم فرعون وجنوده) أى ومعه جنوده وقرى" (بجنوده) ومعناه
ألحق جنوده بهم ويجوز أن يكون بمعنى معهم أما قوله (فغشيهم) فالمعنى علاهم وسترهم وما غشيهم
تعظيم للأمر أى غشيهم مالا يعلم كنه إلا اللّه تعالى وقرى" (فغشاهم من اليم ما غشيهم) وفاعل غشاهم
إما اللهسبحانه وتعالى أو ماغشيهم أو فرعون لأنه الذى ورط جنوده وتسبب فى هلاكهم أما قوله
(وأضل فرعون قومه وما هدى) فاحتج القاضى به وقال نو كان الضلال من خلق الله تعالى لما جازأن
يقال وأضل فرعون قومه بل وجب أن يقال الله تعالى أضلهم ولأن الله تعالى ذمه بذلك فكيف
يجوز أن يكون خالفاً للكفرلأن من ذم غيره بشىء لابد وأن يكون هو غير فاعل لذلك الفعل وإلا
لاستحق ذلك الذم وقوله ( وما هدى) تهكم به فى قوله ( وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) ولنذكر
القمة وما فيها من المباحث قال ابن عباس رضى الله عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه
البحر وكان موسى عليه السلام وبنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلى والدواب لعيد
يخرجون إليه فرج بهم ليلا وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف، وثيف ليس فيهم ابن ستين ولا
عشرين وقد كان يوسف عليه السلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر فلم
يخرجوا بها فتحير القوم حتى دلتهم محجوز على موضع العظام فأخذوها فقال موسى عليه السلام للعجوز
احتكمى فقالت أكون معك فى الجنة. وذكر ابن عباس أن محمداً بَ له وأبا بكر مجموا على رجل
من العرب وامرأة ليس لهم إلا عفن فذبحوها لهما فقال عليه السلام إذا سمعت برجل قد ظهر
يثرب فأنه فلعل الله يرزقك منه خيراً، فلما سمع بظهور الرسول بَ يتم أتاه مع امرأته فقال أتعرفى
قال نعم عرفتك فقال له احتكم فقال ثمانون ضائية فأعطاه إياها وقال له ((أما إن عجوز بنى إسرائيل
خير منك)) وخرج فرعون فى طلب موسى عليه السلام وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ألف
سوى الجنبين والقلب فلما انتهى موسى إلى البحر قال ههنا أمرت ثم قال موسى عليه السلام للبحر
أنفرق فأبى، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فاتفلق فقال لهم موسى عليه السلام
أدخلوا فيه فقالوا كيف وأرضه رطبة فدعا الله فهبت عليه الصبا نجفت فقالوا نخاف الغرق فى
بعضنا نجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر فأقبل فرعون إلى
تلك الطرق فقال قومه له إن موسى قد سحر البحر فصار كما ترى وكان على فرس حصان وأقبل
جبريل عليه السلام على فرس أثى فى ثلاثة وثلاثين من الملائكة فصار جبريل عليه السلام بين
يدى فرعون وأبصر الحصان الفرس الحجر فاقتحم بفرعون على أثرها وصاحت الملائكة فى الناس
٩٤
قوله تعالى . ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي . سورة طه .
ألحقوا الملك حتى إذا دخل آخرهم وكاد أو لهم أن يخرج التقى البحر عليهم فغرقوا فسمع بنو إسرائيل
خفقة البحر عليهم . فقالوا ماهذا ياموسى ؟ قال قد أغرق اللّه فرعون وقومه فرجعوا لينظروا إليهم
فقالوا ياموسى ادع الله أن يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم فدعا فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من
سلاحهم ، وذكرابن عباس أن جبريل عليه السلام قال يا محمد لو رأيتنى وأنا أدس فرعون فى الماء
والطين مخافة أن يتوب فهذا معنى قوله ( فغشيهم من اليم ماغشيهم ) وفى القصة أبحاث .
﴿البحث الأول) روى فى الأخبار أن موسى عليه السلام لما ضرب بعصاه البحر حصل
اثنا عشر طريقاً يابساً يتهيأ طروقه وبقى الماء قائماً بين الطريق والطريق كالطود العظيم وهو الجبل.
فأخذ كل سبط من بنى إسرائيل فى طريق من هذه الطرق . ومنهم من قال بل حصل طريق واحد
وحجة القول الأول الأخبار ومن القرآن قوله تعالى (فصار كل فرق كالطود العظيم) وذلك
لا يحصل إلا إذا حصل هناك طرق حتى يكون الماء القائم بين الطريقين كالطود العظيم وحجة
القول الثانى ظاهر قوله ( فاضرب لهم طريقاً فى البحر يبساً ) وذلك يتناول الطريق الواحد وإن
أمكن حمله على الطرق نظراً إلى الجنس .
﴿ البحث الثانى﴾ روى أن بنى إسرائيل بعد أن أظهر موسى عليه السلام لهم الطريق وبينها
لهم تعنتوا وقالوا نريد أن يرى بعضنا بعضاً وهذا كالبعيد وذلك أن القوم لما أبصروا مجىء فرعون
صاروا فى نهاية الخوف والخائف إذا وجد طريق الفرار والخلاص كيف يتفرغ للتعنت البارد.
( البحث الثالث ) أن فرعون كان عاقلا بل كان فى نهاية الدهاء فكيف اختار إلقاء نفسه إلى
التهلكة فإنه كان يعلم من نفسه أن انغلاق البحر ليس بأمره فعند هذا ذكروا وجهين ( أحدهما)
أن جبريل عليه السلام كان على الرمكة فتبعه فرس فرعون ، ولقائل أن يقول هذا بعيد لأنه يبعد
أن يكون خوض الملك فى أمثال هذه المواضع مقدماً على خوض جميع العسكر وما ذكروه إنما
يتم إذا كان الامر كذلك وأيضاً فلو كان الأمر على ما قالوه لكان فرعون فى ذلك الدخول
كالمجبور وذلك مما يزيده خوفاً ويحمله على الامساك فى أن لا يدخل وأيضاً فأى حاجة لجبريل
عليه السلام إلى هذه الحيلة وقد كان يمكنه أن يأخذه مع قومه ويرميه فى الماء ابتداء، بل الأولى أن
يقال إنه أمر مقدمة عسكره بالدخول فدخلوا وما غرقوا فغلب على ظنه السلامة فلما دخل الكل
أغرقهم الله تعالى.
﴿ البحث الرابع) أن الذى نقل عن جبريل عليه السلام أنه كان يدسه فى الماء والطين
خوفاً من أن يؤمن فبعيد لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء عليهم السلام.
﴿ البحث الخامس) الذى روى أن موسى عليه السلام كلم البحر قال له انفلق لى لأعبر
عليك فقال البحر لا يمر على رجل عاص . فهو غير ممتنع على أصولنا لأن عندنا البنية ليست شرطاً
للحياة وعند المعتزلة أن ذلك على لسان الحال لا على لسان المقال. والله أعلم.
قوله تعالى : يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم . سورة طه . ٩٥
يَنِيّ إِسْرَءِيَلَ قَدْ أَجَيْنَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَدْنَكُمْ جَانِبَ الُطُورِ الْأَيْمَنَ
وَنَّلْنَا عَلَيْكُ اَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨ كُوْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ
فَيَعَلَّ عَيْكُمْ غَضَبٍ وَمَنْ يَحْلِلْ عَيْهِ غَضَبٍ فَقَدْ هَوَى (﴾ وَ إِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ
وَءَامَنَ وَمِلَ صَالِمًا ثُمَ أَهْتَدَى
٨٢
قوله تعالى: ﴿يابنى إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا
عليكم المن والسلوى ، كلوا من طيبات مارزقنا كم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه
غضبى فقد هوى ، وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾
أعلم أنه تعالى لما أنعم على قوم موسى عليه السلام بأنواع النعم ذكرهم إياها ولا شك أن
إزالة المضرة يجب أن تكون متقدمة على إيصال المنفعة ولا شك أن إيصال المنفعة الدينية أعظم
فى كونه نعمة من إيصال المنفعة الدنيوية فظهذا بدأ الله تعالى بقوله (أنجيناكم من عدوكم) وهو إشارة
إلى إزالة الضرر فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيراً من القتل والإذلال والإخراج
والإتغاب فى الأعمال، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية وهى قوله (وواعدنا كم جانب الطور الأيمن)
ووجه المنفعة فيه أنه أنزل فى ذلك الوقت عليهم كتاباً فيه بيان دينهم وشرح شريعتهم ثم ثلث
بذكر المنفعة الدنيوية وهى قوله (ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات مارزقنا كم ) ثم
زجرهم عن العصيان بقوله ( ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ) ثم بين أن من عصى ثم تاب كان
مقبولا عند الله بقوله ( وإنى لغفار لمن تاب ) وهذا بيان المقصود من الآية ثم ههنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾، قرأ حمزة والكسائفى قد أنجيتكم ووعدتكم إلى قوله (من طيبات مارزقنا كم)
كلها بالتاء إلا قوله ( ونزلنا عليكم المن والسلوى ) فانها بالنون وقرأ الباقون كلها بالنون وقرأ نافع
وعاصم وواعدنا كم وقرأ حمزة والكسائی وواعدتكم.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الكلى لما جاوز موسى عليه السلام ببنى إسرائيل البحر قالوا له
أليس وعدتنا أن تاتينا من ربنا بكتاب فيه الفرائض والأحكام. قال بلى، ثم تعجل موسى إلى ربه
ليأتيهم بالكتاب ووعدهم أن يأتيهم إلى أربعين ليلة من يوم انطلق ؛ وإنما قال (وواعدنا كم) لأنه
إنما وإعد موسى أن يؤتيه التوراة لأجلهم وقال مقاتل إنما قال واعدنا كم لأن الخطاب له
وللسبعين المختارة والله أعلم.
المسألة الثالثة﴾ قال المفسرون ليس للجبل يمين ولا يسار بل المراد أن طور سيناء عن
٩٦
قوله تعالى : يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم . سورة طه .
يمين من انطلق من مصر إلى الشام وقرىء الأيمن بالجر على الجوار نحو جحر ضب خرب وانتفاع
القوم بذلك إما لأن الله تعالى أنزل التوراة عليهم وفيها شرح دينهم، وإما لأن الله تعالى لما كلم
موسى على الطور حصل للقوم بسبب ذلك شرف عظيم.
﴿ المسألة الرابعة) قوله ( كلوا ) ليس أمر إيجاب بل أمر إباحة كقوله ( وإذا حللتم
فاصطأدوا) ..
المسألة الخامسة﴾ فى الطيبات قولان (أحدهما) اللذائذ لأن المن والسلوى من لذائذ
الأطعمة (والثانى) وهو قول الكلى ومقاتل الحلال لأنه شىء أنزله الله تعالى إليهم ولم تمسه يد
الآدميين ويجوز الجمع بين الوجهين لأن بين المعنيين معنى مشتركا. وتمام القول فى هذه القصة
تقدم فى سورة البقرة .
﴿ المسألة السادسة﴾ فى قوله تعالى (ولا تطغوا) فيه وجوه (أحدها ) قال ابن عباس رضى
الله عنهما لا تطغوا أى لا يظلم بعضكم بعضاً فيأخذه من صاحبه ( وثانيها) قال مقاتل والضحاك
لا تظلموا فيه أنفسكم بأن تتجاوزوا حد الإباحة (وثالثها) قال الكلبى لا تكفروا النعمة أى
لا تستعينوا بنعمتى على مخالفتى ولا تعرضوا عن الشكر ولا تعدلوا عن الجلال إلى الحرام.
﴿ المسألة السابعة﴾ قرأ الأعمش والكسائى فيحل ومن يحلل كلاهما بالضم وروى الأعمش
عن أصحاب عبد الله فيحل بالكسر ومن يحلل بالرفع وقراءة العامة بالكسر فى الكلمتين أما من
كسر فمعناه الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه ومنه قوله تعالى (حتى يبلغ الهدى محله)
والمضموم فى معنى النزول وقوله (فقد هوى ) أى شقى وقيل فقد وقع فى الهاوية يقال هوى
يهوى هويا إذا سقط من علو إلى سفل .
المسألة الثامنة ﴾ اعلم أن الله تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفوراً وغفاراً ، وبأن له
غفرانا ومغفرة وعبر عنه بلفظ الماضى والمستقبل والأمر. أما إنه وصف نفسه بكونه غافراً
فقوله ( غافر الذنب ) وأما كونه غفوراً فقوله ( وربك الغفور ذو الرحمة ) وأما كونه غفاراً
فقوله ( وإنى لغفار لمن تاب) وأما الغفران فقوله ( غفرانك ربنا) وأما المغفرة فقوله (وإن ربك
لذو مغفرة للناس ) وأما صيغة الماضى فقوله ( فى حق داود عليه السلام فغفرنا له ذلك ) وأما
صيغة المستقبل فقوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقوله ( إن
الله يغفر الذنوب جميعاً) وقوله فى حق محمد بَّيتم ( ليغفر لك الله) وأما لفظ الاستغفار فقوله
( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) وفى حق نوح عليه السلام (فقلت استغفروا ربكم
إنه كان غفاراً) وفى الملائكة (ويستغفرون لمن فى الأرض) واعلم أن الأنبياء عليهم السلام كلهم
طلبوا المغفرة أما آدم عليه السلام فقال ( وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، وأما
نوح عليه السلام فقال (وإلا تغفرلى وترحمنى)، وأما إبراهيم عليه السلام فقال (والذى أطمع
قوله تعالى . يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم . سورة طه . ٩٧
(أن يغفرلى خطيننى يوم الدين) وطلبها لأبيه (سأستغفرلك ربى) وأما يوسف عليه السلام فقال فى
إخوته (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) وأما موسى عليه السلام فى قصة القبطى (رب اغفر لى
ولأخى) وأما داود عليه السلام (فاستغفر ربه) وأما سليمان عليه السلام (رب اغفر لى وهب لى
ملكا ) وأما عيسى عليه السلام ( وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) وأما محمد ورولتم فقوله
( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) وأما الأمة فقوله ( والذين جاؤا من بعدهم يقولون
ربنا اغفرلنا ولإخواننا) واعلم أن بسط الكلام ههنا أن نبين أولا حقيقة المغفرة ثم نتكلم فى كونه
تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً ثم نتكلم فى أن مغفرته عامة ثم نبين أن مغفرته فى حق الأنبياء عليهم
السلام كيف تعقل مع أنه لا ذنب لهم، ويتفرع على هذه الجملة استدلال أصحابنا فى إثبات العفو
وتقريره أن الذنب إما أن يكون صغيراً أو كبيراً بعد التوبة أو قبل التوبة والقسمان
الأولان يقبح من اللّه عذابهما ويجب عليه التجاوز عنهما وترك القبيح لا يسمى غفراناً
فتعين أن لا يتحقق الغفران إلا فى القسم الثالث وهو المطلوب، فان قيل هذا يناقض صريح الآية
لأنه أثبت الغفران فى حق من استجمع أموراً أربعة: التوبة والايمان والعمل الصالح والاهتداء،
قلنا إن من تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ثم أذنب بعد ذلك كان نائباً ومؤمناً وآتياً
بالعمل الصالح، ومهتديا ومع ذلك يكون مذنباً فينئذ يستقيم كلامنا، وههنا نكتة، وهى أن
العبد له أسماء ثلاثة ؛ الظالم والظلوم والظلام، فالظالم ( فمنهم ظالم لنفسه ) والظلوم ( إنه كان ظلوما
جهولا) والظلام إذا كثر ذلك منه، ولله فى مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم فكأنه تعالى يقول
إن كنت ظالماً فأنا غافر وإن كنت ظلوما فأنا غفور، وإن كنت ظلاماً فأنا غفار (وإني لغفار لمن
تاب وآمن ).
﴿ المسألة التاسعة﴾ كثر اختلاف المفسرين فى قوله تعالى (ثم اهتدى) وسبب ذلك أن
من تاب وآمن وعمل صالحاً فلا بد وأن يكون مهتدياً، فما معنى قوله ثم اهتدى بعد ذكر هذه
الأشياء؟ والوجوه الملخصة فيه ثلاثة (أحدها) المراد منه الاستمرار على تلك الطريقة إذ المهتدى
فى الحال لا يكفيه ذلك فى الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه فى المستقبل ويموت عليه ويؤكده
قوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وكلمة ثم للتراخى فى هذه الآية وليست لتباين
المرتبتين بل لتباين الوقتين فكانه تعالى قال الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح بما قد
يتفق لكل أحد ولا صعوبة فى ذلك إنما الصعوبة فى المداومة على ذلك والاستمرار عليه (وثانيها)
المراد من قوله (ثم اهتدى) أى علم أن ذلك بهداية الله وتوفيقه وبقى مستعيناً بالله فى إدامة
ذلك من غير تقصير، عن ابن عباس (وثالثها) المراد من الإيمان الاعتقاد المبنى على الدليل والعمل
الصالح إشارة إلى أعمال الجوارح بقى بعد ذلك ما يتعلق بتطهير القلب من الأخلاق الذميمة وهو
المسمى بالطريقة فى لسان الصوفية، ثم انكشاف حقائق الأشياءله وهو المسمى بالحقيقة فى
الفخر الرازى - ج ٢٢ م٧
٩٨
قوله تعالى : وما أعجلك عن قومك . سورة طه .
قَالَ هُمْ أَوْلاَءِ عَّ أَثْرِى وَغِلْتُ إِلَيْكَ
وَمَآ أُعَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى
رَبِّ لِتَرْضَى
٨٤
لسان الصوفية فهاتان المرتبتان هما المرادتان بقوله (ثم اهتدى ).
﴿ المسألة العاشرة) منهم من قال تجب التوبة عن الكفر أولا ثم الإتيان بالإيمان ثانياً
واحتج عليه بهذه الآية فانه تعالى قدم التوبة على الإيمان ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن
العمل الصالح غير داخل فى الإيمان لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الايمان والمعطوف
مغاير للمعطوف عليه .
قوله تعالى : ﴿ وما أجلك عن قومك یاموسی، قال هم أولاء على أثری و جلت إليك رب
لترضى﴾.
إعلم أن فى قوله ( وما أُعجلك عن قومك ياموسى) دلالة على أنه قد تقدم قومه فى المسير إلى
المكان ويجب أن يكون المراد مانبه عليه فى قوله تعالى ( وواعدنا كم جانب الطور الأيمن ) فى
هذه السورة، وفى سائر السور كقوله ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ) يريد الميقات عند الطور
وعلى الآية سؤالات :
﴿ السؤال الأول) قوله (وما أعجلك) استفهام وهو على اللّه محال (الجواب) أنه إنكار
فى صيغة الإستفهام ولا امتناع فيه.
﴿ السؤال الثانى) أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يقال إنه كان منوعا عن ذلك التقدم
أو لم يكن ممنوعا عنه ، فإن كان ممنوعا كان ذلك التقدم معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء،
وإن قلنا إنه ما كان منوعا كان ذلك الانكار غير جائز من اللّه تعالى ( والجواب) لعله عليه
السلام ما وجد نصاً فى ذلك إلا أنه باجتهاده تقدم فأخطأ فى ذلك الاجتهاد فاستتوجب العتاب.
﴿ السؤال الثالث﴾ قال (وعجلت) والعجلة مذمومة ( والجواب) أنها ممدوحة فى الدين
قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ) .
﴿السؤال الرابع ) قوله (لترضى) يدل على أنه عليه السلام إنما فعل ذلك لتحصيل الرضا
لله تعالى وذلك باطل من وجهين (أحدهما) أنه يلزم تجدد صفة للّه تعالى، والآخر أنه تعالى
قبل حصول ذلك الرضا وجب أن يقال إنه تعالى ما كان راضياً عن موسى لأن تحصيل الحاصل
محال، ولما لم يكن راضياً عنه وجب أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بجال الأنبياء عليهم
السلام (الجواب ) المراد تحصيل دوام الرضا كما أن قوله (ثم اهتدى) المراد دوام الاهتداء.
﴿ السؤال الخامس) قوله ( وعجلت إليك) يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذى
قوله تعالى : قال فأنا قد فتنا قومك من بعدك . سورة طه . ٩٩
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِىُّ ئَه فَرَجَعَ مُوسَّ إلَى
قَوْمِهِ غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْ كُمْ رَبْكُمْ وَعْدًا حَسَنَا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ
و
٠٠٠٤٠/٥
٤٠٠٠٤٠٤
أَمْ أَرَدَّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَبِّكُمْ فَاخْلَفْتَ مُوْعِدِى
٨
قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا
عينه الله تعالى له ، وإلا لم يكن ذلك تعجيلا ثم ظن أن مخالفة أمر الله تعالى سبب لتحصيل رضاه
وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلا عن كليم الله تعالى (والجواب) ما ذكرنا أن ذلك كان بالاجتهاد
وأخطأ فيه .
﴿ السؤال السادس) قوله (إليك) يقتضى كون اللّه فى الجهة لأن إلى لانتهاء الغاية (الجواب)
توافقنا على أن اللّه تعالى لم يكن فى الجبل فالمراد إلى مكان وعدك.
﴿ السؤال السابع﴾ ( ما أعجلك) سؤال عن سبب العجلة فكان جوابه اللائق به أن يقول
طلبت زيادة رضاك والشوق إلى كلامك، وأما قوله ( هم أولاء على أثرى ) فغير منطبق عليه كما
ترى والجواب من وجهين (الأول ) أن سؤال الله تعالى يتضمن شيئين (أحدهما) إنكار نفس
العجلة ( والثانى ) السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين عند موسى عليه السلام بالجواب
هذا الثانى فقال لم يوجد منى إلا تقدم يسير لا يحتفل به فى العادة وليس بينى وبين من سبقت، إلا
تقدم يسير يتقدم بمثله الوفد عن قومهم ثم عقبه بجواب السؤال عن العجلة فقال ( وعجلت إليك
رب لترضى). (الثانى) أنه عليه السلام لما ورد عليه من هيبة عتاب اللّه تعالى ماورد ذهل
عن الجواب المنطبق المترتب على حدود الكلام ، واعلم أن فى قوله ( وما أعجمك عن قومك
يا موسى) دلالة على أنه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين، واختلفوا فى المراد
بالقوم فقال بعضهم هم النقباء السبعون الذين قد اختارهم الله تعالى ليخرجوا معه إلى الطور فتقدمهم
موسى عليه السلام شوقاً إلىّ ربه . وقال آخرون القوم جملة بنى اسرائيل وهم الذين خلفهم موسى
مع هرون وأمره أن يقيم فيهم خليفة له إلى أن يرجع هو مع السبعين فقال (هم أولاء على أثرى)
يعنى بالقرب منى ينتظروننى، وعن أبى عمرو ويعقوب إثرى بالكسر وعن عيسى بن عمر أثرى
بالضم، وعنه أيضاً أولى بالقصر، والأثر أفصح من الأثر. وأما الأثر فمسموع فى فرند السيف.
وهو بمعنى الأثر غريب .
قوله تعالى: ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى ، فرجع موسى إلى قومه
غضان أسفاً قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ، أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم
غضب من ربكم فأخلفتم موعدى ، قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا، ولكنا حملنا أوزاراً من زينة
١٠٠
قوله تعالى : قال فانا قد فتنا قومك من بعدك . سورة طه .
مَوْعِدَكَ بِلْكًا وَلَكِنَّا ◌ُلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ قَدَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْفَ
السَّاحِىُّ الَّ فَأَنْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَ إِلَهُ
أَقَلَا يَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَحْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا
٨٨
مُوسَى فَنَسِی
٨٩
نَفْعًا
القوم فقذفاها فكذلك ألقى السامرى، فأخرج لهم لا جداً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله
موسى فنسى ، أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ﴾
إعلم أنه تعالى لما قال لموسى ( وما أجلك عن قومك) وقال موسى فى جوابه (وعجلت إليك
رب لترضى) عرفه اللّه تعالى ما حدث من القوم بعد أن فارقهم بما كان يبعد أن يحدث لو كان
معهم فقال ( فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى) وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قالت المعتزلة لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى خلق فيهم الكفر
لوجهين (الوجه الأول) الدلائل العقلية الدالة على أنه لا يجوز من الله أن يفعل ذلك (الثانى) أنه
قال (وأضلهم السامرى) ولو كان الله خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامرى فيه أثر وكان يبطن
قوله ( وأضلهم السامرى) وأيضاً فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك الفتنة قال
( أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) فلو حصل ذلك بخلق الله تعالى
لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلفه فينا لا ماذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه
السلام وأيضاً فقال ( أم أرد تم أن يحل عليكم غضب من ربكم) ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن
يغضب عليهم فيما هو الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله (فتنا) معنى آخر وذلك لأن
الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان يقال فتفت الذهب بالنار إذا امتحنته بالنار لكى يتميز الجيد من
الردىء فههنا شدد الله التكليف عليهم وذلك لأن السامرى لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا
مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أن لها إلهاً ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن
العجل لا يصلح للالهية فكان هذا التعبد تشديداً فى التكليف فكان فتنة والتشديد فى التكليف
موجود قال تعالى (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) هذا تمام كلام المعتزلة
قال الأصحاب ليس فى ظهور صوت عن مجمل متخذ من الذهب شبهة أعظم ما فى الشمس والقمر
ليل الذى ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفى كون ذلك العجل إلهآ حينئذ لا يكون
وث ذلك العجل تشديداً فى التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق الضلال