النص المفهرس
صفحات 61-80
قوله تعالى : قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا . سورة طه . ٦١ يجوز أن لا يعلم كل ما يناله وإنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه وتعالى أنه معهما بالحفظ والعلم فى جميع ما ينالها وذلك هو النهاية فى إزالة الخوف قال القفال قوله (أسمع وأرى) يحتمل أن يكون مقابلا لقوله ( أن يفرط علينا أو أن يطغى) والمعنى ( يفرط علينا) بأن لا يسمع منا ( أو أن يطغى) بأن يقتلنا فقال الله تعالى (إننی معکما) أسمع كلامه معکما فأسخره للاستماع منکما واری أفعاله فلا أتر که حتى يفعل بكما ما تكرهانه، واعلم أن هذه الآية تدل على أن كونه تعالى سميعاً وبصيراً صفتان زائدتان على العلم لأن قوله ( إنى معكما.) دل على العلم فقوله (أسمع وأرى) لو دل على العلم لكان ذلك تكريراً وهو خلاف الأصل ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف فقال (فأتياه) لأنه سبحانه وتعالى قال فى المرة الأولى ( لنريك من آياتنا الكبرى إذهب إلى فرعون) وفى الثانية (إذهب أنت وأخوك) وفى الثالثة (قال إذهبا إلى فرعون) وفى الرابعة قال ههنا فأتياه فان قيل إنه تعالى أمرهما فى المرة الثانية بأن يقولا له (قولا ليناً) وفى هذه المرة الرابعة أمرهما (أن يقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنى اسرائيل) وفيه تغليظ من وجوه: (أحدها) أن قوله ( إنا رسولا ربك ) فيه إبحاث : ﴿ البحث الأول ) انقياده اليهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المطبوع. ﴿ البحث الثانى) قوله (فأرسل معنا بنى اسرائيل) فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجاً اليهم فيما يريده من الأعمال من بناء أو غيره . ﴿ البحث الثالث ) قوله (ولا تعذبهم). ﴿ البحث الرابع ) قوله ( قد جئناك بآية من ربك) فما الفائدة فى التليين أولا والتغليظ ثانياً ؟ قلنا لأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بد له من التغليظ فإن قيل أليس كان من الواجب أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بنى اسرائيل ولا تعذبهم، لأن ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه؟ قلنا بل هذا أولى من تأخيره عنه لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجزة ، أما قوله (قد جئناك بآية من ربك ) ففيه سؤال وهو أنه تعالى أعطاه آيتين وهما العصا واليد ثم قال ( إذهب أنت وأخوك بآياتى) وذلك يدل على ثلاث آيات وقال ههنا (جئناك بآية) وهذا يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع؟ أجاب القفال بأن معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال (قد جئناك ببيان من عند الله ) ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججاً كثيرة، وأما قوله ( والسلام على من اتبع الهدى ) فقال بعضهم هو من قول الله تعالى لهما كأنه قال: فقولا إنا رسولا ربك، وقولا له: والسلام على من اتبع الهدى ، وقال آخرون بل كلام اللّه تعالى قد تم عند قوله (قد جئناك بآية من ربك) فقوله بعد ذلك ( والسلام على من اتبع الهدى ) وعد من قبلهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة، والسلام بمعنى السلامة كما يقال رضاع ورضاعة واللام وعلى ههنا بمعنى واحد كما قال ٦٢ قوله تعالی : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . ، قَالَ رَبْنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى قَالَ فَنرَّبُمَا يموسى قَالَ لَبَالُ الْقُرُونِ الْأَوْلَّ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَابٍ لََّ يَضِلْ رَبِ وَلَا يَنْسَى الَّذِ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِهَا سُبُلًا وَأَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِن نَّبَاتٍ شَتَّى ( كُلُواْ وَأَرْعَوْا أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِأُوْلِ الثَّىِ ﴾ ◌ِهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِدُكُمْ وَمِنْهَ تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ( لهم اللعنة ولهم سوء الدار) على معنى عليهم وقال تعالى ( من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها) وفى موضع آخر ( إن أحستم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)، أما قوله ( إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى) فاعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم. وذلك لأن الألف واللام فى قوله ( العذاب ) تفيد الاستغراق أو تفيد الماهية وعلى التقديرين يقتضى انحصار هذا الجنس فيمن كذب وتولى فوجب فى غير المكذب المتولى أن لا يحصل هذا الجنس أصلا ، وظاهر هذه الآية يقتضى القطع بأنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين بترك العمل به فى بعض الأوقات فوجب أن يبقى على أصله فى نفى الدوام لأن العقاب المتناهى إذا حصل بعده السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لاعقاب فلذلك يحسن مع حصول ذلك القدر أن يقال إنه لاعقاب، وأيضا فقوله ( والسلام على من اتبع الهدى)، وقد فسرنا السلام بالسلامة فظاهره يقتضى حصول السلامة لكل من اتبع الهدى ، والعارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون صاحب السلامة : قوله تعالى: ﴿ قال فمن ربكما ياموسى. قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ، قال فما بال القرون الأولى ، قال علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى، الذى جعل لكم الأرض مهداً، وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى، كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ذلك لآيات لأولى النهى ، منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴾ . إعلم أنهما عليهما السلام لما قالا: إنا رسولا ربك قال لهما: فمن ربكما ياموسى ، فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر ثم إن موسى عليه ٦٣ قوله تعالى : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . السلام لما دعاه إلى الله تعالى لم يشتغل معه بالبطش والايذاء بل خرج معه فى المناظرة لما أنه لو شرع أولا فى الإيذاء لنسب إلى الجهل والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع أولا فى المناظرة وذلك يدل على أن السفاهة من غير الحجة شىء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعى الاسلام والعلم ثم إن فرعون لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال واشتغل باقامة الدلالة على وجود الصانع وذلك يدل على فساد التقليد ويدل أيضا على فساد قول التعليمية الذين يقولون نستفيد معرفة الإله من قول الرسول لآن موسى عليه السلام اعترف ههنا بأن معرفة الله تعالى يجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول وتدل على فساد قول الحشوية الذين يقولون نستفيد معرفة الله والدين من الكتاب والسنة . ﴿ المسألة الثانية) تدل الآية على أنه يجوز حكاية كلام المبطل لأنه تعالى حكى كلام فرعون فى إنكاره الإله وحكى شبهات منكرى النبوة وشبهات منكرى الحشر، إلا أنه يجب أنك متى أوردت السؤال فاقرنه بالجواب لئلا يبقى الشك كما فعل اللّه تعالى فى هذه المواضع. المسألة الثالثة ﴾ دلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش كما فعل موسى عليه السلام بفرعون ههنا وكما أمر الله تعالى رسوله فى قوله (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وقال ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه ). ﴿ المسألة الرابعة ﴾ اختلف الناس فى أن فرعون هل كان عارفا بالله تعالى فقيل إنه كان عارفاً إلا أنه كان يظهر الإنكار تكبراً وتجبراً وزوراً وبهتاناً، واحتجوا عليه بستة أوجه (أحدها) قوله (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض) فمتى نصبت التاء فى علمت كان ذلك خطاباً من موسى عليه السلام مع فرعون فدل ذلك على أن فرعون كان عالماً بذلك وكذا قوله تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) (وثانيها) أنه كان عاقلا وإلا لم يجز تكليفه وكل من كان عاقلا قد علم بالضرورة أنه وجد بعدالعدم وكل من كان كذلك افتقر إلى مدير وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبر ( وثالثها ) قول موسى عليه السلام ههنا (ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) وكلمة الذى تقتضى وصف المعرفة بجملة معلومة فلا بد وأن تكون هذه الجملة قد كانت معلومة له ( ورابعها ) قوله فى سورة القصص فى صفة فرعون وقومه وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بالمبدأ إلا أنهم كانوا منكرين للمعاد ( وخامسها ) أن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام ولما هرب موسى عليه السلام إلى مدين قال له شعيب ( لا تخف نجوت من القوم الظالمين ) فمع هذا كيف يعتقد أنه إله العالم؟ (وسادسها) أنه لما قال (ومارب العالمين) قال موسى عليه السلام (رب السموات والأرض وما بينهما) قال (إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون) يعنى أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوصف ٦٤ و قوله تعالى : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . فهو لم ينازع موسى فى الوجود بل طلب منه الماهية فدل هذا على اعترافه بأصل الوجود ، ومن الناس من قال إنه كان جاهلا بربه واتفقوا على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد فى نفسه أنه خالق هذه السموات والأرضين والشمس والقمر وأنه خالق نفسه لأنه يعلم بالضرورة معجزه عنها ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله فيحصل العلم الضرورى بأنه ليس موجداً لها ولا خالقاً لها ، واختلفوافى كيفية جهله باللّه تعالى فيحتمل أنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلا، ويحتمل أنه كان فلسفياً قائلا بالعمة لموجبة، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة . وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والإنقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره. ﴿ المسألة الخامسة ﴾ أنه سبحانه حكى عنه فى هذه السورة أنه قال (فمن ربكما يا موسى) وقال فى سورة الشعراء ( وما رب العالمين) فالسؤال ههنا بمن وهو عن الكيفية وفى سورة الشعراء بما وهو عن الماهية وهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدماً على سؤال ما لأنه كان يقول إنى أنا الله والرب فقال فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه فى هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى المقام الثانى وهو طلب الماهية وهذا أيضاً مما ينبه على أنه كان عالماً باللّه لأنه ترك المنازعة فى هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره وشرع فى المقام الصعب لأن العلم بماهية اللّه تعالى غير حاصل للبشر. ﴿ المسألة السادسة﴾ إنما قال (فمن ربكما) ولم يقل فمن إلهكما لأنه أثبت نفسه رباً فى قوله ( ألم تربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين) فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال له أنا ربك فلم تدعى رباً آخر وهذا الكلام شبيه بكلام نمروذ لأن إبراهيم عليه السلام لما قال ( ربى الذى يحيي ويميت) قال نمروذ له (أنا أحيي وأميت) ولم يكن الإحياء والإماته التى ذكرهما إبراهيم عليه السلام هما الذى عارضه بهما نمروذ إلا فى اللفظ فكذا ههنا لما أدعى موسى ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام ومراده أنى أنا الرب لأنى ربيتك ومعلوم أن الربوبية التى ادعاها موسى لله سبحانه وتعالى غير هذه الربوبية فى المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا فى اللفظ . المسألة السابعة ) اعلم أن موسى عليه السلام استدل على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات وهو قوله (ربنا الذى اعطى كل شىء خلقه ثم هدى) وهذه الدلالة هى التى ذكرها الله تعالى لمحمد ◌َّ له فى قوله ( سبح اسم ربك الأعلى الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى) وقال إبراهيم عليه السلام (فانهم عدو لى إلارب العالمين الذى خلقنى فهو يهدين) وإن موسى عليه السلام فى أكثر الأمور يعول على دلائل إبراهيم عليه السلام وسيأتى تقرير ذلك فى سورة الشعراء إن شاء الله تعالى واعلم أنه يشبه أن يكون الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان والهداية عبارة عن إداع القوى المدركة والمحركة فى تلك الأجسام وعلى هذا التقدير يكون الخلق مقدماً على الهداية ولذلك قال (فإذا سويته ونفخت فيه من روحى) فالتسوية راجعة إلى القالب ونفخ الروح إشارة ٦٥ قوله تعالى : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . إلى إبداع القوى وقال (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) إلى أن قال (ثم أنشأناه خلقاً آخر) فظهر أن الخلق مقدم على الهداية، والشروع فى بيان بجائب حكمة الله تعالى فى الخلق والهداية شروع فى بحر لا ساحل له . ولنذكر منه أمثلة قريبة إلى الأفهام (أحدها) أن الطبيعى يقول الثقيل هابط والخفيف صاعد وأشد الأشياء ثقلا الأرض ثم الماء وأشدها خفة النار ثم الهواء فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها، ثم إنه سبحانه قلب هذا الترتيب فى خلقة الإنسان فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر وهما أيبس ما فى البدن وهما بمنزلة الأرض ثم جعل تحته الدماغ الذى هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذى هو بمنزلة الهواء وجعل تحته الحرارة الغريزية التى فى القلب التى هى بمنزلة النار جعل مكان الأرض من البدن الأعلى وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعرف أن ذلك بتدبير القادر الحكيم الرحيم لا باقتضاء العلمة والطبيعة (وثانيها) أنك إذا نظرت إلى عجائب النحل فى تركيب البيوت المسدسة وعجائب أحوال البق والبعوض فى اهتدائها إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بالهام مدبر عالم بجميع المعلومات ( وثالثها ) أنه تعالى هو الذى أنعم على الخلائق بما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها ويستخرجون الحديد من الجبال واللآلى من البحاروير كبون الأدوية والدرياقات النافعة ويجمعون بين الأشياء المختلفة فيستخرجون لذات الأطعمة فثبت أنه سبحانه هو الذى خلق كل الأشياء ثم أعطاهم العقول التى بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها ، وهذا غير مختص بالإنسان بل عام فى جميع الحيوانات فأعطى الإنسان إنسانة والحمار حمارة والبعير ناقة ثم هداه لها ليدوم التناسل وهدى الأولاد لندى الأمهات ، بل هذا غير مختص بالحيوانات بل هو حاصل فى أعضائها فانه خلق اليد على تركيب خاص وأودع فيها قوة الأخذ وخلق الرجل على تركيب خاص وأودع فيها قوة المشى وكذا العين والأذن ، وجميع الأعضاء ثم ربط البعض بالبعض على وجوه يحصل من ارتباطها مجموع واحد، وهو الإنسان. وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع سبحانه لأن انصاف كل جسم من هذه الأجسام بتلك الصفة أعنى التركيب والقوة والهداية، إما أن يكون واجباً أو جائزاً والأول باطل لأنانشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن تلك التراكيب والقوى فدل على أن ذلك جائز ، والجائز لابد له من مرجح وليس ذلك المرجح هو الإنسان ولا أبواه لأن فعل ذلك يستدعى قدرة عليه وعلماً بما فيه من المصالح والمفاسد ، والأمران نائيان عن الإنسان لأنه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة، وبعد البحث الشديد عنن كتب التشريح لا يعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل فلا بد أن يكون المتولى لتدبيرها وترتيبها موجودا آخر وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسما لأن الأجسام متساوية فى الجسمية فاختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية لابد وأن يكون جائزاً وإن كان جائزاً افتقر إلى سبب آخر و الدور والتسلسل محالان. فلا بد من الانتهاء فى سلسلة الحاجة الفخـ الـ ٢:١ - - ٥٠٢٢ ٦٦ قولهتعالى : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . إلى موجود مؤثر ومدبر ليس بجسم ولا جسمانى ، ثم تأثير ذلك المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار، والأول محال لأن الموجب لا يميز مثلا عن مثل وهذه الأجسام متساوية فى الجسمية فلم اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتية وبعضها بالحيوانية؟ فثبت أن المؤثر والمدبر قادر والقادر لا يمكنه مثل هذه الأفعال العجيبة إلا إذا كان عالما ، ثم إن هذا المدير الذى ليس بجسم ولا جسمانى لابد وأن يكون واجب الوجود فى ذاته وفى صفاته وإلا لافتقر إلى مدير آخر ويلزم التسلسل وهو محال، وإذا كان واجب الوجود فى قادريته وعالميته والواجب لذاته لا يتخصص ببعض الممكنات دون البعض وجب [أن] يكون عالما بكل ماصح أن يكون معلوما وقادراً على كل ماصح أن يكون مقدوراً فظهر بهذه الدلالة التى تمسك بها موسى عليه السلام ونبه على تقريرها استناد العالم إلى مدبر ليس بجسم ولا جسمانى وهو واجب الوجود فى ذاته وفى صفاته عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات وذلك هو الله سبحانه وتعالى. ﴿ المسألة الثامنة﴾ أن فرعون خاطب الاثنين بقوله (فمن ربكما) ثم وجه النداء إلى أحدهما وهو موسى عليه السلام لأنه الأصل فى النبوة وهرون وزيره وتابعه، وإما لأن فرعون كان لخبئه يعلم الرتة التى فى لسان موسى عليه السلام فأراد استنطاقه دون أخيه لما عرف من فصاحته والرتة التى فى لسان موسى عليه السلام ويدل عليه قوله ( أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين ). المسألة التاسعة ) فى قوله (الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) وجهان (أحدهما) التقديم والتأخير أى أعطى خلقه كل شىء يحتاجون اليه ويرتفقون به (وثانيهما) أن يكون المراد من الخلق الشكل والصورة المطابقة للمنفعة فكأنه سبحانه قال أعطى كل شىء الشكل الذى يطابق منفعته ومصلحته، وقرىء خلقه صفة للضاف أو المضاف اليه، والمعنى أن كل شئ. خلقه الله لم يخله من إعطائه وإنعامه، وأما قوله تعالى (قال فما بال القرون الأولى) فاعلم أن فى ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوها (أحدها ) أن موسى عليه السلام لما قرر على فرعون أمر المبدأ والمعاد قال فرعون إن كان إثبات المبدأ فى هذا الحد من الظهور ( فما بال القرون الأولى) ما أثبتوه وتركوه؟ فكان موسى عليه السلام لما استدل بالدلالة القاطعة على إثبات الصانع قدح فرعون فى تلك الدلالة بقوله إن كان الأمر فى قوة هذه الدلالة على ماذكرت وجب على أهل القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها فعارض الحجة بالتقليد ( وثانيها) أن موسى عليه السلام هدد بالعذاب أولا فى قوله ( إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ) فقال فرعون (فما بال القرون الأولى ) فانها كذبت ثم إنهم ماعذبوا؟ ( وثالثها) وهو الأظهر أن فرعون لما قال (فمن ربكما ياموسى) فذكر موسى عليه السلام دليلا ظاهراً وبرهاناً باهراً على هذا المطلوب ٦٧٠ قوله تعالى : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . فقال ( ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) :فاف فرعون أن يزيد فى تقرير تلك الحجة فيظهر للناس صدقه وفساد طريق فرعون فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام وأن يشغله بالحكايات فقال ( فما بال القرون الأولى ) فلم يلتفت موسى عليه السلام إلى ذلك الحديث بل قال ( علمها عند عند ربى فى كتاب) ولا يتعلق غرضى بأحوالهم فلا أشتغل بها، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول وإيراد الدلائل الباهرة على الوحدانية فقال ( الذى خلق لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلا) وهذا الوجه هو المعتمد فى صحة هذا النظم ، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى﴾. اختلفوا فى قوله ( علمها عند ربى فى كتاب ) فان العلم الذى يكون عند الرب كيف يكون فى الكتاب؟ وتحقيقه هو أن علم اللّه تعالى صفته وصفة الشىء قائمة به، فأما أن تكون صفة الشىء حاصلة فى كتاب فذاك غير معقول فذكروا فيه وجهين (الأول) معناه أنه سبحانه أثبت تلك الأحكام فى كتاب عنده لكون ما كتبه فيه يظهر للملائكة فيكون ذلك زيادة لهم فى الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة ، ولقائل أن يقول قوله ( فى كتاب) يوهم احتياجه سبحانه وتعالى فى ذلك العلم إلى ذلك الكتاب وهذا وإن كان غير واجب لامحالة ولكنه لا أقل من أنه يوهمه فى أول الأمر لاسيما للكافر فكيف يحسن ذكره مع معاند مثل فرعون فى وقت الدعوة؟ (الوجه الثانى) أن تفسير ذلك بأن بقاء تلك المعلومات فى علمه سبحانه كبقاء المكتوب فى الكتاب فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها معلومة لله تعالى بحيث لا يزول شىء منها عن علمه، وهذا التفسير مؤكد بقوله بعد ذلك ( لا يضل ربى ولا ينسى ). المسألة الثانية) اختلفوا فى قوله ( لا يضل ربى ولا ينسى) فقال بعضهم معنى اللفظين واحد أى لا يذهب عليه شىء ولا يخفى عليه وهذا قول مجاهد والأكثرون على الفرق بينهما ، ثم ذكروا وجوها (أحدها) وهو الأحن ما قاله القفال لايضل عن الأشياء ومعرفتها وما علم من ذلك لم ينسه فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالماً بكل المعلومات واللفظ الثانى وهو قوله ولا ينسى دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد وهو إشارة إلى نفى التغير ( وثانيها ) قال مقاتل لا يخطىء ذلك الكتاب ربى ولا ينسى ما فيه ( وثالثها) قال الحسن لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه (ورابعها) قال أبو عمرو أصل الضلال الغيبوبة والمعنى لا يغيب عن شىء ولا يغيب عنه شىء (وخامسها) قال ابن جرير لا يخطىء فى التدبير فيعتقد فى غير الصواب كونه صواباً وإذا عرفه لا ينساه وهذه الوجوه متقاربة والتحقيق هو الأول. ﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه لما سأله عن الإله وقال (فمن ربكما يا موسى) وكان ذلك مما سبيله الإستدلال أجاب بما هو الصواب بأوجز عبارة وأحسن معنى، ولما سأله عن شأن القرون الأولى وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته فى ذلك خبروكله إلى عالم الغيوب، واعلم أن موسى عليه السلام ٦٨ قوله تعالى : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . لما ذكر الدلالة الأولى وهى دلالة عامة تتناول جميع المخلوقات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النبات والجمادات ذكر بعد ذلك دلائل خاصة وهى ثلاثة (أولها) قوله تعالى (الذى جعل لكم الأرض مهداً) وفيه أبحاث : ﴿ البحث الأول) قرأ أهل الكوفة ههنا وفى الزخرف (مهداً) والباقون قرؤا مهاداً فيهما قال أبو عبيدة الذى أختاره مهاداً وهو إسم والمهد إسم الفعل ، وقال غيره المهد الإسم والمهاد الجمع كالفرش والفراش أجاب ، أبو عبيدة بأن الفراش إسم والفرش فعل ، وقال المفضل هما مصدران لمهد إذا وطأ له فراشاً يقال مهد مهداً ومهاداً وفرش فرشاً وفراشاً . ﴿ البحث الثانى ) قال صاحب الكشاف (الذى جعل ) مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو لأنه صفة لربى أو منصوب على المدح وهذا من مظانه ومجازة ، واعلم أنه يجب الجزم بكونه خبراً لمبتدأ محذوف إذ لو حملناه على الوجهين الباقيين لزم كونه من كلام موسى عليه السلام ولو كان كذلك لفسد النظم بسبب قوله ( فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى) على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ﴿ البحث الثالث ) المراد من كون الأرض مهداً أنه تعالى جعلها بحيث يتصرف العباد وغيرهم عليها بالقعود والقيام والنوم والزراعة وجميع وجوه المنافع وقد ذكرناه مستقصى فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى (الذى جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ) (وثانيها) قوله تعالى( وسلك لكم فيها سبلا) قال صاحب الكشاف سلك من قوله ( ماسلككم فى سقر كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين) أى جعل لكم فيها سبلا ووسطها بين الجبال والأودية والبرارى (وثالثها) قوله (وأنزل من السماء ماء) والكلام فيه قد مر فى سورة البقرة أما قوله ( فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قوله (فأخرجنا) فيه وجوه (أحدها) أن يكون هذا من تمام كلام موسى عليه السلام كأنه يقول ربى الذى جعل لكم كذا وكذا فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة أزواجا من نبات شتى (وثانيها) أن عند قوله ( وأنزل من السماء ماء ) تم كلام موسى عليه السلام ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه متصلا بالكلام الأول بقوله (فأخرجنا به) ثم يدل على هذا الاحتمال قوله (كلوا وارعوا أنعامكم). (وثالثها) قال صاحب الكشاف انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للإيذان بأنه سبحانه وتعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره ومثله قوله تعالى ( وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء، ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ، أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) واعلم أن قوله (فأخرجنا ) إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام اللّه تعالى والأول باطل لأن قوله بعد ذلك (كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ٦٩ قوله تعالی : قال فمن ربكما يا موسى . سورة طه . ذلك لآيات لأولى النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم) لا يليق بموسى عليه السلام وأيضاً فقوله (فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى) لا يليق بموسى لأن أكثر مافى قدرة موسى عليه السلام صرف المياه إلى سقى الأراضى وأما إخراج النبات على اختلاف ألوانها وطبائعها فليس من موسى عليه السلام فثبت أن هذا كلام الله تعالى ولا يجوز أن يقال كلام الله ابتداؤه من قوله (فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى) لأن الفاء يتعلق بما قبله فلا يجوز جعل هذا كلام الله تعالى وجعل ماقبله كلام موسى عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال إن كلام موسى عليه السلام تم عند قوله ( لا يضل ربي ولا ينسى) ثم ابتدى كلام الله تعالى من قوله (الذى جعل لكم الأرض مهداً) ويكون التقدير هو الذى ( جعل لكم الأرض مهداً) فيكون الذى خبر مبتدأ محذوف ويكون الانتقال من الغيبة إلى الخطاب إلتفاتاً . المسألة الثانية﴾ ظاهر الآية يدل على أنه سبحانه إنما يخرج النبات من الأرض بواسطة إنزال الماء فيكون الماء فيه أثر وهذا بتقدير ثبوته لا يقدح فى شىء من أصول الإسلام لأنه سبحانه وتعالى هو الذى أعطاها هذه الخواص والطبائع لكن المتقدمين من المتكلمين ينكرونه ويقولون لا تأثير له فيه البتة . المسألة الثالثة ) قوله تعالى (أزواجاً) أى أصنافاً سميت بذلك لأنها مزدوجة مقرونة بعضها مع بعض (شتى) صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ويجوز أن يكون صفة للنبات والنبات مصدر سمى به النابت كما يسمى بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعنى أنها شتى مختلفة النفع والطعم والطبع بعضها يصلح الناس وبعضها يصلح للبهائم أما قوله ( كلوا وارعوا أنعامكم) فهو حال من الضمير فى أخرجنا والمعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين فى الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها. وقد تضمن قوله كلوا سائر وجوه المنافع فهو كقوله (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) وقوله (كلوا) أمر إباحة (إن فى ذلك) أى فيما ذكرت من هذه النعم (لآيات) أى لدلالات لذوى النهى أى العقول والنهية العقل قال أبو على الفارسى النهى يجوز أن يكون مصدراً كالهدى ويجوز أن يكون جمعاً أما قوله (منها خلقناكم) فاعلم أنه سبحانه لما ذكر منافع الأرض والسماء بين أنها غير مطلوبة لذاتها بل هى مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال ( منها خلقناكم) وفيه سؤالان : ﴿ السؤال الأول) مامعنى قوله (منها خلقناكم) مع أنه سبحانه وتعالى خلقنا من نطفة على ما بين ذلك فى سائر الآيات (والجواب) من وجهين (الأول) أنه لما خلق أصلنا وهو آدم عليه السلام من التراب على ما قال (كمثل آدم خلقه من تراب) لا جرم أطلق ذلك علينا (الثانى) أن تولد الانسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما يتولد ان من الأغذية، والغذاء إما حيوانى أو نباتى والحيوانى ينتهى إلى النبات والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافى كوننا مخلوقين ٧٠ قوله تعالى : ولقد أريناه آياتنا كلها . سورة طه . وَلَقَدْ أَرَيْنَهُ ءَايَتِنَا كُلُّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (3﴾ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنًا بِسِحْرِكَ يَنْمُوسَى ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا ٥٨ تُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَآ أَنْتَ مَكَانًا سُوَّى من النطفة (والثالث) ذكرنا فى قوله تعالى (هو الذى يصوركم فى الأرحام) خبر ابن مسعود أن الله يأمر ملك الأرحام أن يكتب الأجل والرزق والأرض التى يدفن فيها وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة ويذره على النطفة ثم يدخلها فى الرحم . ﴿ السؤال الثانى) ظاهر الآية يدل على أن الشىء قد يكون مخلوقاً من الشىء وظاهر قول المتكلمين يأباه ( والجواب ) إن كان المراد من خلق الشىء من الشىء إزالة صفة الشى. الأول عن الذات واحداث صفة الشىء الثانى فيه فذلك جائز لأنه لا منافاة فيه ، أما قوله تعالى ( وفيها نعيدكم) فلا شبهة فى أن المراد الاعادة إلى القبور حتى تكون الأرض مكاناً وظرفاً لكل من مات إلا من رفعه الله إلى السماء، ومن هذا حاله يحتمل أن يعاد اليها أيضاً بعد ذلك ، أما قوله تعالى ( ومنها نخرجكم تارة أخرى) ففيه وجوه: (أحدها) وهو الأقرب ( ومنها نخرجكم ) يوم الحشر والبعث (وثانيها) ومنها نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحبيكم بعد الاخراج وهذا مذ كور فى بعض الأخبار (وثالثها) المراد عذاب القبر عن البراء قال ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جنازة رجل من الأنصار فذكر عذاب القبر وما يخاطب به المؤمن والكافر وأنه ترد روحه فى جسده ويرد إلى الأرض وأنه تعالى يقول عند إعادتهم إلى الأرض إنى وعدتهم أنى منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى» واعلم أن الله تعالى عدد فى هذه الآيات منافع الأرض وهى أنه تعالى جعلها لهم فراشاً ومهاداً يتقلبون عليها وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف أرادوا وأنبت فيها أصناف النبات التى منها أقواتهم وعلف دوابهم وهى أصلهم الذى منه يتفرعون ثم هى كفأتهم إذا مانوا ، ومن ثم قال عليه السلام ((بروا بالأرض فانها بكم برة)). قوله تعالى: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى، قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى ، فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لانخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى أعلم أنه تعالى بين أنه أرى فرعون الآيات كلها ثم إنه لم يقبلها واختلفوا فى المراد بالآيات ، فقال بعضهم أراد كل الأدلة ما يتصل بالتوحيد وما يتصل بالنبوة ، أما التوحيد فما ذكر فى هذه السورة من قوله ( ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) وقوله (الذى جعل لكم الأرض مهداً) ٧١ قوله تعالى : ولقد أريناه آياتنا كلها . سورة طه . الآية، وما ذكر فى سورة الشعراء (قال فرعون وما رب العالمين؟ قال رب السموات والأرض) الآيات ، وأما النبوة فهى الآيات القسع التى خص الله بها موسى عليه السلام وهى العصا واليد وفلق البحر والحجر والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل وعلى هذا التقرير معنى أريناه عرفناه صحتها وأوضحنا له وجه الدلالة فيها، ومنهم من حمل ذلك على ما يتصل بالنبوة وهى هذه المعجزات، وإنما أضاف الآيات إلى نفسه سبحانه وتعالى مع أن المظهر لها موسى عليه السلام لأنه أجراها على يديه كما أضاف نفخ الروح إلى نفسه فقال ( فنفخنا فيها من روحنا) مع أن النفخ كان من جبريل عليه السلام، فان قيل قوله كلها يفيد العموم والله تعالى ما أراه جميع الآيات لأن من جملة الآيات ما أظهرها على الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل موسى عليه السلام والذين كانوا بعده قلنا لفظ الكل وإن كان للعموم لكن قد يستعمل فى الخصوص عند القرينة كما يقال دخلت السوق فاشتريت كل شىء أو يقال إن موسى عليه السلام أراه آياته وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء عليهم السلام فكذب فرعون بالكل أو يقال تكذيب بعض المعجزات يقتضى تكذيب الكل حكى الله تعالى ذلك على الوجه الذى يلزم ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه أنه كذب وأبى قال القاضى الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك ولأن الله تعالى ذمه بأنه كذب وبأنه أبى ولو لم يقدر على ماهو فيه لم يصح، واعلم أن هذا السؤال مر فى سورة البقرة فى قوله ( إلا إبليس أبى واستكبر ) والجواب مذ كور هناك، ثم حكى الله تعالى شبهة فرعون وهى قوله ( أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى) وتركيب هذه الشبهة عجيب وذلك لأنه ألقى فى مسامعهم ما يصيرون به مبغضين له جداً وهو قوله (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) وذلك لأن هذا مما يشق على الإنسان فى النهاية ولذلك جعله الله تعالى مساوياً للقتل فى قوله (أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) ثم لما صاروا فى نهاية البغض له أورد الشبهة الطاعنة فى نبوته عليه السلام وهى أن ما جئتنا به سحر لامعجز، ولما علم أن المعجز إنما يتميز عن السحر لكون المعجز مما يتعذر معارضته والسحر مما يمكن معارضته قال (فلنأتينك بسحر مثله) أما قوله تعالى (فاجعل بينا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت ) فاعلم أن الموعد يجوز أن يكون مصدراً ويجوز أن يكون اسما لمكان الوعد كقوله (وإن جهنم لموعدهم أجمعين ) وأن يكون اسما لزمان الوعد كقوله (إن موعدثم الصبح) والذى فى هذه الآية بمعنى المصدر أى اجعل بيننا وبينك وعداً لانخلفه لأن الوعد هو الذى يصح وصفه بالخلف ، أما الزمان والمكان فلا يصح وصفهما بذلك، ومما يؤكد ذلك أن الحسن قرأ يوم الزينة بالنصب وذلك لا يطابق المكان والزمان ، وإنما نصب مكانا لأنه هو المفعول الثانى للجعل والتقدير أجعل مكان موعد لانخلفه مكاناً سوى أما قوله (سوى) فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة وابن عامر (سوى) بضم السين والباقون بكسرها وهما لغتان مثل طوى وطوى، وقرىء أيضاً منونا وغير منون، وذكروا فى معناه وجوها: ٧٢ قوله تعالى : قال موعدكم يوم الزينة . سورة طه . قَالَ مَوْعِدُ كُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْثَرَ النَّاسُ مُحى ﴿ فَتَوَّ فِرْعَوْنُ لَّمَعَ كَيْدَهُمْ أَ ﴾ قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ فَتَنَزَعَوْا أَمرِهِم بِيَنْهِمْ وَأَسْرُواْ الْنْجُوَى ٠٫٤٠ ٠٠,١٠٤٠٠١٠ وَقَدْ خَابَ مَنِ اُفْتَرى (أحدها ) قال أبو على مكانا تستوى مسافته على الفريقين وهو المراد من قول مجاهد قال قتادة منصفاً بيننا (وثانيها) قال ابن زيد (سوى) أى مستوياً لا يحجب العين ما فيه من الارتفاع والانخفاض فسوى على التقدير الأول صفة المسافة وعلى هذا التقدير صفة المكان والمقصود أنهم طلبوا موضعاً مستوياً لا يكون فيه ارتفاع ولا إنخفاض حتى يشاهد كل الحاضرين كل ما يجرى ( وثالثها) مكانا يستوى حالنا فى الرضاء به ( ورابعها ) قال الكلى مكاناً سوى هذا المكان الذى نحن فيه الآن . قوله تعالى: ﴿ قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ، فتولى فرعون لجمع کیده ثم أتى، قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ، فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ﴾ إعلم أن فى الآية مسائل: المسألة الأولى ﴾ يحتمل أن قوله تعالى (قال موعدكم) أن يكون من قول فرعون فين الوقت ويحتمل أن يكون من قول موسى عليه السلام ، قال القاضى والأول أظهر لأنه المطالب بالاجتماع دون موسى عليه السلام، وعندى الأظهر أنه من كلام موسى عليه السلام لوجوه ( أحدها ) أنه جواب لقول فرعون فاجعل بيننا وبينك موعداً (وثانيها) وهو أن تعيين يوم الزينة يقتضى إطلاع الكل على ما سيقع فتعيينه إنما يليق بالمحق الذى يعرف أن اليد له لا المبطل الذى يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس ( وثالثها) أن قوله موعدكم خطاب للجمع فلو جعلناه من فرعون إلى موسى وهرون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق بحال فرعون معهما أو على أن أقل الجمع اثنان وهو غير جائز أما لو جعلناه من موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه استقام الكلام. ﴿ المسألة الثانية ﴾ يوم الزينة قرأ بعضهم بضم الميم وقرأ الحسن بالنصب قال الزجاج إذا رفع فعلى خبر المبتدأ والمعنى وقت موعدكم يوم الزينة ومن نصب فعلى الظرف معناه موعدكم يقع يوم الزينة وقوله ( وأن يحشر الناس ضحى) معناه موعدكم حشر الناس ضحى فموضع أن يكون رفعاً ويجوز فيه الخفض عطفاً على الزينة كأنه قال موعدكم يوم الزينة ويوم يحشر الناس ضحى فان قيل ألستم قلتم فى تفسير قوله ( اجعل بيننا وبينك موعداً) أن التقدير اجعل مكان موعد لا نخلفه مكاناً سوى فهذا كيف يطابقه الجواب بذكر الزمان؟ قلنا هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً ٧٣ قوله تعالى : قال موعدكم يوم الزينة .. سورة طه . لأنهم لابد لهم من أن يجمتعوا يوم الزينة فى مكان معين مشهود باجتماع الناس فى ذلك اليوم فيذكر الزمان علم المكان . ﴿ المسألة الثالثة) ذكر المفسرون فى يوم الزينة وجوهاً (أحدها) أنه يوم عيد لهم يتزينون فيه ( وثانيها ) قال مقاتل يوم النيروز ( وثالثها ) قال سعيد بن جبير يوم سوق لهم ( ورابعها) قال ابن عباس يوم عاشوراء، وإنما قال يحشر فانهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حاشر لهم، وقرىء وأن يحشر الناس بالياء والتاء يريد وأن تحشر الناس يا فرعون وأن يحشر اليوم ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة ، إما على العادة التى تخاطب بها الملوك أو خاطب القوم بقوله ( موعدكم) وجعل ضمير يحشر لفرعون وإنما أوعدم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله تعالى وظهور دينه وكبت الكافر وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد فى المجمع العام ليكثر المحدث بذلك الأمر العجيب فى كل بدو وحضر ويشيع فى جميع أهل الوبر والمدر ، قال القاضى إنه عين اليوم بقوله (يوم الزينة) ثم عين من اليوم وقتاً معيناً بقوله (وأن يحشر الناس ضحى) أما قوله (فتولى فرعون نجمع كيده ثم أتى) فاعلم أن التولى قد يكون إعراضاً وقد يكون إنصرافاً والظاهر ههنا أنه بمعنى الإنصراف وهو مفارقته موسى عليه السلام على الموعد الذى تواعدوا للاجتماع [فيه] ، قال مقاتل فتولى أى أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ودخل تحت قوله (لجمع كيده) السحرة وسائر من يجتمع لذلك ويدخل فيه الآلات وسائر ما أوردته السحرة (ثم أتى) دخل تحته أتى الموضع بالسحرة وبالقوم وبالآلات قال ابن عباس كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا وقيل كانوا أربعمائة وقيل أكثر من ذلك ثم ضربت لفرعون قبة جلس فيها ينظر إليهم وكان طول القبة سبعين ذراعاً ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام قدم قبل كل شىء الوعيد والتحذير مما قالوه وأقدموا عليه فقال (ويلكم لا تفتروا على الله كذباً) بأن تزعموا بأن الذى جئت به ليس بحق وأنه سحر فيمكنكم معارضتى، قال الزجاج يجوز فى انتصاب ويلكم أن يكون المعنى ألزمهم الله ويلا إن افتروا على الله كذباً ويجور على النداء كقوله ( يا ويلنا أألد وأنا جوز)، ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) وقوله (فيسحتكم بعذاب) أى يعذبكم عذاباً مهلكا مستأصلا وقرأ حمزة وعاصم والكسائى برفع الياء من الاسحات والباقون بفتحها من السحت والاسحات لغة أهل نجد وبنى تميم والسحت لغة أهل الحجاز فكأنه تعالى قال (من افترى على الله كذباً) حصل له أمران (أحدهما) عذاب الاستئصال فى الدنيا أو العذاب الشديد فى الآخرة وهو المراد من قوله ( فيسحتكم بعذاب) (والثانى) الخيبة والحرمان عن المقصود وهو المراد بقوله ( وقد خاب من افترى) ثم بين سبحانه وتعالى أنه لما قال موسى عليه السلام ذلك أعرضوا عن قوله ( وتنازعوا أمرهم بينهم) وفى تنازعوا قولان (أحدهما) تفاوضوا وتشاوروا ليستقروا على شىء واحد ( والثانى ) قال مقاتل اختلفوا فيما بينهم ثم قال بعضهم دخل فى التنازع فرعون ٧٤ مورة طه . قوله تعالى : قالوا إن هذان لساحران قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَدِحِرَِّ يرِدَانِ أَن يُخْرِجَ كُم مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِ يقَتِكُرُ الْمُنْلَى فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَنْتُواْ صَفَا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ أُسْتَعْلَى ٦٤ وقومه ومنهم من يقول بل هم السحرة وحدهم والكلام محتمل وليس فى الظاهر ما يدل على الترجيح وذكروا فى قوله (وأسروا النجوى) وجوهاً (أحدها) أنهم أسروها من فرعون وعلى هذا التقدير فيه وجوه ( الأول ) قال ابن عباس رضى الله عنهما إن نجواهم قالوا إن غلبنا موسى اتبعناه ( والثانى ) قال قتادة إن كان ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر (الثالث ) قال وهب لما قال (ويلكم) الآية قالوا ماهذا بقول ساحر (القول الثانى) أنهم أسروا النجوى من موسى وفرعون ونجواهم هو قولهم ( إن هذان لساحران يريدان أن يخرجا كم من أرضكم) وهو قول السدى ( الوجه الثالث ) أنهم أسروا النجوى من موسى وهرون ومن فرعون وقومه أيضاً وكان نجواهم أنهم كيف يجب تدبير أمر الحبال والعصى وعلى أى وجه يجب إظهارها فيكون أوقع فى فى القلوب وأظهر للعيوب وهو قول الضحاك. قوله تعالى: ﴿ قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجا كم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى، فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً وقد أفلح اليوم من استعلى﴾ وفى الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ القراءة المشهورة (إن هذان لساحران ) ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوهاً أخر (أحدها) قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر (إن هذين لساحران) قالوا هى قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن رضى الله تعالى عنه واحتج أبو عمرو وعيسى على ذلك بما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها سئلت عن قوله ( إن هذان لساحران) وعن قوله (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى) فى المائدة، وعن قوله ( لكن الراسخون فى العلم منهم - إلى قوله - والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ) فقالت يا ابن أخى هذا خطأ من الكاتب، وروى عن عثمان أنه نظر فى المصحف فقال أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها ، وعن أبى عمرو أنه قال إنى لأستحى أن أقرأ (إن هذان لساحران)، (وثانيها) قرأ ابن كثير (إن هذان) بتخفيف إن وتشديد نون هذان ( وثالثها) قرأ حفص عن عاصم إن هذان بتخفيف النونين (ورابعها) قرأ عبد الله بن مسعود (وأسروا النجوى، أن هذان ساحران) بفتح الألف وجزم نونه [و] ساحر ان بغير لام (وخامسها) عن الأخفش (إن هذان لساحر ان) خفيفة فى معنى ثقيلة وهى لغة قوم يرفعون بها ٧٥ قوله عالى : قالوا إن هذان لساحران . سورة طه . ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التی تکون فى معنى ما ( وسادسها) روى عن أبي بن كعب ( ما هذان إلا ساحران) وروى عنه أيضاً (إن هذان لساحران) وعن الخليل مثل ذلك ، وعن أبى أيضاً (إن ذان لساحران) فهذه هى القراءات الشاذة المذكورة فى هذه الآية، واعلم أن المحققين قالوا هذه القراءات لا يجوز تصحيحها لأنها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولا بالتواز إذلو جوزنا إثبات زيادة فى القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذى هو عندنا كل القرآن لأنه لما جاز فى هذه القراءات أنها مع كونها من القرآن مانقلت بالنواتر جاز فى غيرها ذلك ، فثبت أن تجويزكون هذه القراء آت من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة ولما كان ذلك باطلا فكذلك ما أدى اليه ، وأما الطعن فى القراءة المشهورة فهو أسوأ مما تقدم من وجوه: (أحدها ) أنه لما كان نقل هذه القراءة فى الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله فى جميع القرآن وذلك يفضى إلى القدح فى التواتر وإلى القدح فى كل القرآن وأنه باطل ، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة ( وثانيها) أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً فثبت فساد مانقل عن عثمان وعائشة رضى الله عنهما أن فيه لحناً وغلطاً ( وثالثها) قال ابن الأنبارى إن الصحابة هم الأئمة والقدوة فلو وجدوا فى المصحف لحناً لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم مع تحذيرهم من الإبتداع وترغيبهم فى الاتباع، حتى قال بعضهم: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم . فثبت أنه لابد من تصحيح القراءة المشهورة، واختلف النحويون فيه وذكروا وجوها: (الوجه الأول) وهو الأقوى أن هذه لغة لبعض العرب وقال بعضهم هى لغة بلحارث بن كعب ، والزجاج نسبها إلى كنانة وقطرب نسها إلى بلحارث بن كعب ومراد وخثعم وبعض بنى عذرة، ونسبها ابن جنى إلى بعض بنى ربيعة أيضاً وأنشد الفراء على هذه اللغة : فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لناباه الشجاع لضمها وأشد غيره: تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هانى التراب عقيم قال الفراء وحكى بعض بنى أسد أنه قال هذا خط يدا أخى أعرفه، وقال قطرب هؤلاء يقولون رأيت رجلان واشتريت ثوبان قال رجل من بنى ضبة جاهلى : ومنخرین أعرف منها الجيد والعينانا ظبيانا آشها وقوله ومنخرين على اللغة الفاشية وما وراء ذلك على لغة هؤلاء. وقال آخر : طاروا علاهن فطر علاها واشدد بمثنى حقب حقواها ٧٦ قوله تعالى : قالوا إن هذان لساحران - سورة طه . وقال آخر : كأن صريف ناباه إذا ما أمرهما صرير الأخطبان قال بعضهم: الأخطبان ذكر الصردان، فصيرهما واحداً فبقى الاستدلال بقوله صريف ناباه ، قال وأنشدنى يونس لبعض بنى الحرث : مراق دم لن يبرح الدهر ثاويا كأن يمينا سحبل ومصيفه وأنشدوا أيضاً : إن أباها وأبا أباها قد بلغا فى المجد غايتاها وقال ابن جنی روينا عن قطرب : هناك أن تبكى بشعشعان رحب الفؤاد طائل اليدان ثم قال الفراء وذلك وإن كان قليلا أقيس لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح ، فينبغى أن يكون ما بعده ألفاً ولو كان ما بعده ياء ينبغى أن تنقلب ألفاً لانفتاح ما قبلها وقطرب ذكر أنهم يفعلون ذلك فراراً إلى الألف التى هى أخف حروف المد هذا أقوى الوجوه فى هذه الآية ويمكن أن يقال أيضاً الألف فى هذا من جوهر الكلمة والحرف الذى يكون من جوهر الكلمة لا يجوز تغييره بسبب التثنية والجمع لأن ما بالذات لا يزول بالعرض فهذا الدليل يقتضى أن . يجوز أن يقال (إن هذين) فلما جوزناه فلا أقل من أن يجوز معه أن يقال إن هذان ( الوجه الثانى) فى الجواب أن يقال إن ههنا بمعنى نعم قال الشاعر : وبقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه أى فقلت نعم فالهاء فى إنه هاء السكت كما فى قوله تعالى (هلك عنى سلطانيه) وقال أبو ذؤيب: شيب القذال مع العذار الواصل شاب المفارق إن إن من البلى أى نعم إن من البلى فصار إن كأنه قال نعم هذان لساحران، واعترضوا عليه فقالوا اللام لا تدخل فى الخبر على الاستحسان إلا إذا كانت إن داخلة فى المبتدأ، فأما إذا لم تدخل أن على المبتدأ فمحل اللام المبتدأ إذ يقال لزيد أعلم من عمروولا يقال زيدلا علم من عمرو، وأجابوا عن هذا الاعتراض من وجهين (الأول ) لا نسلم أن اللام لا يحسن دخولها على الخبر والدليل عليه قوله : ترضى من اللحم بعظم الرقبه أم الحليس لعجوز شهربه وقال آخر : ينل العلاء ويكرم الأخوالا خالی لأنت ومن جریر خاله ألم تكن حلفت بالله العلى وأنشد قطرب : أن مطاياك لمن خير المطى وإن رويت إن بالكسر لم يبق الاستدلال إلا أن قطرباً قال سمعناه مفتوح الهمزة وأيضاً فقد ٧٧ قوله تعالى : قالوا إن هذان لساحران . سورة طه . أدخلت اللام فى خبر أمسى، قال ابن جنى أنشدنا أبو على: مروا عجالى فقالوا كيف صاحبكم فقال من سئلوا أمسى لمجهودا وقال قطرب وسمعنا بعض العرب يقول: أراك المسالى وإنى رأيته لشيخاً وزيد والله لواثق بك وقال كثير: وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها لكالهائم المقصى بكل بلاد ولكننى من حبها لعميد وقال آخر : وقال المعترض هذه الأشعار من الشواذ وإنما جاءت كذا لضرورة الشعر وجل كلام الله تعالى عن الضرورة وإنما تقرر هذا الكلام إذا بينا أن المبتدأ إذا لم يدخل عليه إن وجب إدخال اللام عليه لا على الخبر وتحقيقه أن اللام تفيد تأكيد موصوفية المبتدأ بالخبر واللام تدل على حالة من حالات المبتدأ وصفة من صفاته فوجب دخولها على المبتدأ لأن العلة الموجبة لحكم فى محل لابد وأن تكون مختصة بذلك المحل لا يقال هذا مشكل بما إذا دخلت إن على المبتدأ فإن ههنا يجب إدخال اللام على الخبر مع أن ماذكر تموه حاصل فيه لأنا نقول ذلك لأجل الضرورة وذلك لأن كلمة إن التأكيد واللام للتأكيد فلو قلنا إن لزيداً قائم لكنا قد أدخلنا حرف التأكيد على حرف التأكيد وذلك ممتنع فلما تعذر إدخالها على المبتدأ لا جرم أدخلناها على الخبر لهذه الضرورة، وأما إذا لم يدخل حرف إن على المبتدأ كانت هذه الضرورة زائلة فوجب إدخال اللام على المبتدأ لا يقال إذا جاز إدخال حرف النفى على حرف النفى فى قوله : ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم طالبنى أنيق أجرب والغرض به تأكيد النفى فلم لا يجوز إدخال حرف التأكيد على حرف التأكيد والغرض به تأكيد الإثبات لأنا نقول الفرق بين البابين أن قولك زيد قائم يدل على الحكم بموصوفية زيد بالقيام فاذا قلت إن زيداً قائم فكلمة إن تفيد تأكيد ذلك الحكم فلو ذكرت مؤكداً آخر مع كلمة إن صار عبئاً أما لو قلت رأيت فلاناً فهذا للثبوت فاذا أدخلت عليه حرف النفى أفاد حرف النفى معنى النفى ولا يفيد التأكيد لأنه مستقل بإفادة الأصل فكيف يفيد الزيادة فإذا ضممت إليه حرف نفي آخر صار الحرف الثانى مؤكداً للأول فلا يكون عبئاً فهذا هو الفرق بين البابين فهذا منتهى تقرير هذا الاعتراض وهو عندى ضعيف، لأن الكل اتفقوا على أنه إذا اجتمع النقل والقياس فالنقل أولى، ولأن هذه العلل فى نهاية الضعف فكيف يدفع بها النقل الظاهر (الوجه الثانى) فى الجواب عن قولهم اللام لايحسن دخولها على الخبر إلا إذا دخلت كلمة إن على المبتدأ كما ذكره الزجاج فقال إن وقعت موقع نعم واللام فى موقعها والتقدير نعم هذان لهما ساحران فكانت اللام داخلة على المبتدأ لاعلى الخ. قال وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلى إسماعيل بن إسحق فارتضياه وذكرا أنه أجود ماسمعناه فى هذا. قال ابن جنى هذا القول غير صحيح لوجوه (الوجه ٧٨ قوله تعالى : قالوا إن هذان لساحران . سورة طه . الأول) أن الأصل أن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً ولولا ذلك لكان فى حذفه مع الجهل به ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام لأن التأكيد إنما يحتاج إليه حيث لم يكن العلم به حاصلا (الوجه الثانى) أن الحذف من باب الاختصار والنأ کید من باب الإطنابفالجمع بينهما غير جائز ولأن ذکر المؤكد وحذف التأكيد أحسن فى العقول من العكس (الوجه الثالث) امتناع أصحابنا البصريين من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ فى نحو قولك زيد ضربت فلا يجيزون زيد ضربت نفسه على أن يجعل النفس توكيداً للهاء المؤكدة المقدرة فى ضربت أى ضربته لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق والعلم به وإذا كان كذلك فقد استغنى عن تأكيده فكذا ههنا (الوجه الرابع) أن جميع النحويين حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به. على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة ولو كان ماذهب إليه الزجاج جائزاً لما عدل عنه النحويون ولما حملوا الكلام عليه على الاضطرار إذا وجدوا له وجهاً ظاهراً ، ويمكن الجواب عن اعتراض ابن جنى بأنه إنما حسن حذف المبتدأ لأن فى اللفظ مايدل عليه وهو قوله هذان أما لو حذف التأكيد فليس فى اللفظ ما يدل عليه فلا جرم كان حذف المبتدأ أولى من حذف التأكيد، وأما امتناعهم من تأكيد الضمير فى قولهم زيد ضربت نفسه فذاك إنما كان لأن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر فاذا قال زيد ضربت نفسه كان قوله نفسه مفعولا فلا يمكن جعله تأكيداً للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع ههنا لهذه العلة لا لان تأكيد المحذوف مطلقاً ممتنع وأما قوله النحويون حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهربه . على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة فلو جاز ما قاله الزجاج لما عدل عنه النحويون فهذا اعتراض فى نهاية السقوط لأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضى كونه باطلا فما أكثر ماذهل المتقدم عنه وأدركه المتأخر فهذا تمام الكلام فى شرح هذا ( الوجه الثالث ) فى الجواب أن كلمة إن ضعيفة فى العمل لأنها تعمل بسبب مشابهة الفعل فوجب كونها ضعيفة فى العمل وإذا ضعفت جاز بقاء المبتدأ على إعرابه الأصلى وهو الرفع. ﴿ المقدمة الأولى ) أنها تشبه الفعل وهذه المشابهة حاصلة .فى اللفظ والمعنى. أما اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالافعال، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى فى الإسم وهو تأكيد موصوفيته بالخبر كما أنك إذا قلت قام زيد فقولك قام أفاد حصول معنى فى الإسم . ﴿ المقدمة الثانية ) أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبها فى العمل فذلك ظاهر بناء على الدوران . ﴿ المقدمة الثالثة) أنها لم تنصب الإسم وترفع الخبر فتقريره أن يقال إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً أو تنصبهما معاً أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والا ول ٧٩ قوله تعالى : قالوا إن هذان لساحران . سورة طه . باطل لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول إن عليهما مرفوعين فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر البتة ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لايرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك (والقسم الثانى) أيضاً باطل لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه ( والقسم الثالث) أيضاً باطل لأنه يؤدى إلى التسوية بين الأصل والفرع فان الفعل يكون عمله فى الفاعل أولا بالرفع وفى المفعول بالنصب فلو جعل النصب ههنا كذلك لحصلت النسوية بين الأصل والفرع، ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين (القسم الرابع) وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا ما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة فى العمل لا أصلية لأن تقديم المنصوب على المرفوع فى باب العمل عدول عن الأصل فذلك يدل على أن العمل بهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض . ﴿المقدمة الرابعة) لما ثبت أن تأثيرهافى نصب الإسم بسبب هذه المشابهة وجب جواز الرفع أيضاً وذلك لأن كون الاسم مبتدأ يقتضى الرفع ودخول إن على المبتدأ لايزيل عنه وصف كونه مبتدأ لأنه يفيد تأكيد ما كان لازوال ما كان إذا ثبت هذا فتقول وصف كونه مبتدأ يقتضى الرفع وحرف إن يقتضى النصب ولكن المقتضى الأول أولى بالاقتضاء من وجهين (أحدهما) أن وصف كونه مبتدأ صفة أصلية للمبتدأ ودخول إن عليه صفة عرضية والأصل راجح على العارض (والثانى) أن اقتضاء وصف المبتدأ للرفع أصلى واقتضاء حرف إن للنصب صفة عارضة بسبب مشابهتها بالفعل فيكون الأول أولى فثبت بمجموع ما قررنا أن الرفع أولى من النصب فان لم تحصل الأولوية فلا أقل من أصل الجواز ولهذا السبب إذا جئت بخبر إن ثم عطفت على الاسم إسماً آخر جاز فيه الرفع والنصب معاً (الوجه الرابع) فى الجواب قال الفراء: هذا أصله ذازيدت الها. لأن ذا كلمة منقوصة فكملت بالهاء عند التنبيه وزيدت ألفاً للتثفية فصارت هذا إن فاجتمع ساكنان من جنس واحد فاحتيج إلى حذف واحد ولا يمكن حذف ألف الأصل لأن أصل الكلمة منقوصة فلا تجعل أنقص خذف ألف التثنية لأن النون يدل عليه فلا جرم لم تعمل إن لأن عملها فى ألف التثنية، وقال آخرون: الألف الباقى إما ألف الأصل أو ألف التثنية ، فإن كان الباقى ألف الأصل لم يجز حذفها لأن العامل الخارجى لا يتصرف فى ذات الكلمة، وإن كان الباقى ألف التثنية فلا شك أنهم أنابوها مناب ألف الأصل، وعوض الأصل أصل لا محالة فهذا الألف أصل فلا يجوز حذفه ويرجع حاصل هذا إلى الجواب الأول ( الوجه الخامس ) فى الجواب حكى الزجاج عن قدماء النحويين أن الهاء ههنا مضمرة والتقدير إنه هذان لساحران ، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن، فهذا ما قيل فى هذا الموضع، فأما من خفف فقرأ إن هذان لساحران فهو حسن فان ما بعد الخفيفة رفع واللام بعدها فى الخبر لازمة واجبة وإن كانت فى إن الثقيلة جائزة ليظهر الفرق بين إن المؤكدة وإن النافية قال الشاعر : ٨٠ قوله تعالى : قالوا إن هذان لساحران . سورة طه . وإن مالك للمرتجى إن تضعضعت رحا الحرب أو دارت على خطوب وقال آخر : إن القوم والحى الذى أنا منهم لأهل مقامات وشاء وجامل الجامل جمع جمل، ثم من العرب من يعمل إن ناقصة كما يعملها تامة اعتباراً بكان فانها تعمل وإن نقصت فى قولك لم يكن لبقاء معنى التأكيد، وإن زال الشبه اللفظى بالفعل لأن العبرة للمعنى ، وهذه اللغة تدل على أن العبرة فى باب الإعمال الشبه المعنوى بالفعل وهو إثبات التوكيد دون الشبه اللفظى كما أن التعويل فى باب كان على المعنى دون اللفظ لكونه فعلا محضاً ، وأما اللغة الظاهرة وهى ترك إعمال إن الخفيفة دالة على أن الشبه اللفظى فى إن الثقيلة أحد جزأى العلة فى حق عملها وعند الخفة زال الشبه فلم تعمل بخلاف السكون فانه عامل بمعناه لكونه فعلا محضاً ولا عبرة للفظه . ﴿ المسألة الثانية) أنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه ومجموعه يدل على التنفير عن موسى عليه السلام ومتابعة دينه (فأحدها ) قولهم ( هذان لساحران) وهذا طعن منهم فى معجزات موسى عليه السلام ثم مبالغة فى التنفير عنه لما أن كل طبع سليم يقتضى النفرة عن السحر وكراهة رؤية الساحر ، ومن حيث إن الانسان يعلم أن السحر لابقاء له فاذا اعتقدوا فيه السحر قالوا كيف تتبعه فانه لا بقاء له ولا لدينه ولا لمذهبه ( وثانيها) قوله ( يريدان أن يخرجاكم من أرضكم) وهذا فى نهاية التنفير لأن المفارقة عن المنشأ، والمولد شديدة على القلوب، وهذا هو الذى حكاه اللّه تعالى عن فرعون فى قوله (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى) وكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها (وثالثها) قوله ( ويذهبا بطريقتكم المثلى) وهذا أيضاً له تأثير شديد فى القلب فان العدو إذا جاء واستولى على جميع المناصب والأشياء التى يرغب فيها فذلك يكون فى نهاية المشقة على النفس فهم ذكروا هذه الوجوه للمبالغة فى التنفير عن موسى والترغيب فى دفعه وإبطال أمره وههنا بحثان : ﴿ البحث الأول) قال الفراء: الطريقة الرجال الأشراف الذين هم قدوة لغيرهم يقال هم طريقة قومهم ، ويقال للواحد أيضا هو طريقة قومه ، وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف أى ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى، وعلى التقديرين ، فالمراد أنهم كانوا يحرضون القوم بأن موسى وهرون عليهما السلام يريدان أن يذهبابأشراف قومكم وأكابرلم وهم بنوا اسرائيل لقول موسى عليه السلام ( أرسل معنا بنى اسرائيل) وإنما سموا بنى اسرائيل بذلك لأنهم كانوا أكثر القوم يومئذ عدداً وأموالا ومن المفسرين من فسر الطريقة المثلى بالدين سموا دينهم بالطريقة المثلى ( وكل حزب بما لديهم فرحون ) ومنهم من فسرها بالجاه والمنصب والرياسة . ﴿ البحث الثانى} (المثلى) مؤنثة التأنيث الطريقة، واختلفوا فى أنه لم سمى الأفضل بالأمثل