النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى : فحملته فانتبذت به . سورة مريم .
فَحَمَلَتْهُ فَأَنَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا (﴾ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّهْلَةِ
قَالَتْ يَشِلَيْتَنِى مِتْ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّاً مَّنِيًّا
فكذا ههنا إن من لم تعرف من النساء بزوج فأغلظ أحوالها إذا أنت يولد أن تكون زانية فأفرد
ذكر البغاء بعد دخوله في الكلام الأول لأنه أعظم ما فى بابه .
المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف البغى الفاجرة التى تبغى الرجال وهو فعول عند
المبرد بغوى فأدغمت الواو فى الياء، وقال ابن جنى فى كتاب التمام هو فعيل ولو كان فعولا لقيل
بغوا كما قيل نهوا عن المنكر .
المسألة الرابعة) أن جبريل عليه السلام أجابها بقوله ( قال كذلك قال ربك هو على هين)
وهو كقوله فى آل عمران ( كذلك اللّه يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون)
لا يمتنع عليه فعل مايريد خلقه ولا يحتاج فى إنشائه إلى الآلات والمواد .
﴿ المسألة الخامسة﴾ الكناية فى (هو على هين) وفى قوله (ولنجعله آية للناس) تحتمل
وجهين: (الأول ) أن تكون راجعة الى الخلق أى أن خلقه على دين ولنجعل خلقه آية للناس
إذ ولد من غير ذكر ورحمة منا يرحم عبادنا باظهار هذه الآيات حتى تكون دلائل صدقه أبهر
فيكون قبول قوله أقرب (الثانى) أن ترجع الكنايات إلى الغلام وذلك لأنها لما تعجبت من.
كيفية وقوع هذا الأمر على خلاف العادة أعلمت أن الله تعالى جاعل ولدها آية على وقوع ذلك
الأمر الغريب، فأما قوله تعالى ( ورحمة منا ) فيحتمل أن يكون معطوفً على ( ولنجعله آية الناس )
أى فعلنا ذلك (ورحمة منا) فعلنا ذلك ويحتمل أن يكون معطوفا على الآية أى (ولنجعله آية ورحمة)
فعلنا ذلك .
﴿ المسألة السادسة﴾. قوله (وكان أمراً مقضياً) المراد منه أنه معلوم لعلم الله تعالى فيمتنع
وقوع خلافه لأنه لو لم يقع لا نقلب علم الله جهلا وهو محال والمفضى الى المحال محال خلافه محال
فوقوعه واجب وأيضا فلأن جميع الممكنات منتهية فى سلسلة القضاء والقدر الى واجب الوجود
والمنتهى الى الواجب انتها. واجباً يكون واجب الوجود واذا كان واجب الوجود فلا فائدة فى
الحزن والأسف وهذا هو سرقوله عليه السلام ((من عرف سر الله فى القدر هانت عليه المصائب))
قوله تعالى: ﴿ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتنى مت
قبل هذا وكنت نسيا منسيا ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ذكر الله تعالى أمر النفخ فى آيات فقال ( فنفخنا فيه من روحنا) أى فى
عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه السلام (ونفخت فيه من روحى) وقال فنفخنا فيها لأن عيسى
١

٢٠٢
قوله تعالى : فحملته فانتبذتَ به . سورة مريم .
عليه السلام كان فى بطنها واختلفوا فى النافخ فقال بعضهم كان النفخ من الله تعالى لقوله (فنفخنا فيه
من روحنا ) وظاهره يفيد أن النافخ هو اللّه تعالى لقوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم
خلفه من تراب) ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل ، وفى حق آدم النافخ
هو الله تعالى لقوله تعالى ( ونفخت فيه من روحى) فكذا ههنا وقال آخرون النافخ هو
جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام (لأهب لك) أنه أمر أن يكون
من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام فلا بد من إحالة النفخ اليه، ثم اختلفوا فى كيفية
ذلك النفخ على قولين (الأول) قول وهب إنه نفخ جبريل فى جيبها حتى وصلت الى الرحم
(الثانى) فى ذيلها فوصلت إلى الفرج (الثالث) قول السدى أخذ بكمها فنفخ فى جنب درعها
فدخلت النفخة صدرها فحملت بنجابتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت
أنها حبلى وذكرت مريم حالها، فقالت امرأة زكريا إنى وجدت مافى بطنى يسجد لما فى بطنك
فذلك قوله تعالى ( مصدقا بكلمة من اللّه) . (الرابع ) أن النفخة كانت فى فيها فوصلت الى بطنها
لحملت فى الحال ، إذا عرفت هذا ظهر أن فى الكلام حذفا وهو ، وكان أمراً مقضياً ، فنفخ فيها
فىملته .
﴿ المسألة الثانية﴾ قيل حملته وهى بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل بنت عشرين وقد كانت
حاضت حيضتين قبل أن تحمل . وليس فى القرآن مايدل على شىء من هذه الأحوال .
﴿ المسألة الثالثة﴾ (فانتبذت به) أى اعتزلت وهو فى بطنها كقوله ( تنبت بالدهن) أنى
قلبت والدهن فيها، واختلفوا فى علة الإنتباذ على وجوه (أحدها ) مارواه الثعلبى فى العرائس
عن وهب قال إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار
وكانا منطلقين إلى المسجد الذى عند جبل صهيون ، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد
ولا يعلم فى أهل زمانهما أحد أشد اجتهاداً ولا عبادة منهما ، وأول من عرف حمل مريم يوسف
فتحير فى أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها ، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا
أراد أن يبرثها رأى الذى ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أن قال إنه وقع فى نفسى من أمرك شىء
وقد حرصت على كتمانه فغلبنى ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدرى ، فقالت قل قولا جميلا
قال أخبرينى يامريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون.
ولد من غير ذكر؟ قالت نعم: ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر
إنما حصل من الزرع الذى أنبته من غير بذر ، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث
وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ماخلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول إن الله تعالى
لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها، فقال يوسف
لا أقول هذا ولكنى أقول إن الله قادر على مايشاء فيقول له كن فيكون ، فقالت له مريم أو لم

٢٠٣
قوله تعالى : فحملته فانتبذت به . سورة مريم .
تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب
عنها فى خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب ، فلما دنا نفاسها أوحى
الله إليها أن أخرجى من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على
حمار له، فلما بلغت تلك البلاد أدر كها النفاس فأ لجأها الى أصل نخلة ، وذلك فى زمان برد فاحتضنتها
فوضعت عندها ( وثانيها) أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا.
( وثالثها ) أنها كانت مشهورة فى بنى إسرائيل بالزهد لنذر أمها وتشاح الأنداء فى تربيتها وتكفل
زكريا بها، ولأن الرزق كان يأتيها من عند الله تعالى، فلما كانت فى نهاية الشهرة استحيت من هذه
الواقعة فذهبت الى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا ( ورابعها) أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما
بين أظهرهم. واعلم أن هذه الوجوه محتملة ، وليس قى القرآن ما يدل على شىء منها .
المسألة الرابعة) اختلفوا فى مدة حملها على وجوه: (الأول) قول ان عباس رضى الله
عنهما إنها كانت تسعة أشهر كما فى سائر النساء بدليل أن الله تعالى ذكر مداتحها فى هذا الموضع فلو
كانت عادتها فى مدة حملها بخلاف عادات النساء لكان ذلك أولى بالذكر (الثانى) أنها كانت ثمانية
أشهر، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى ابن مريم عليه السلام (الثالث) وهو قول عطاء
وأبى العالية والضحاك سبعة أشهر (الرابع) أنها كانت ستة أشهر (الخامس ) ثلاث ساعات حملته
فى ساعة وصور فى ساعة ووضعته فى ساعة ( السادس ) وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما
أيضا كانت مدة الحمل ساعة واحدة ويمكن الاستدلال عليه من وجهين (الأول) قوله تعالى
( حملته فانتبذت به، فأجاءها المخاض، فناداها من تحتها ) والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات
على أن كل واحد من هذه الاحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل وذلك يوجب كون مدة
الحمل ساعة واحدة لا يقال انتباذها مكاناً قصياً كيف نحصل فى ساعة واحدة لأنا نقول: السدى
فسرہ ہأنها ذهبت الى أقصى موضع فى جانب محرابها (الثانى ) أن الله تعالى قال فى وصفه (إن
مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فثبت أن عيسى عليه السلام
كما قال الله تعالى له (كن فيكون) وهذا ما لا يتصور فيه مدة الحمل، وإنما تعقل تلك المدة
فى حق من يتولد من النطفة .
{ المسألة الخامسة﴾ (قصياً) أى بعيداً من أهلها ، يقال مكان قاص، وقصى بمعنى واحد
مثل عاصن وعصى، ثم اختلفوا فقيل أقصى الدار، وقيل وراء الجبل ، وقيل سافرت مع ابن
عمها يوسف وقد تقدمت هذه الحكاية .
المسألة السادسة﴾ قال صاحب الكشاف (أجاء) منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير
بعد النقل إلى معنى الإلجاء فانك لا تقول جئت المكان، وأجاءنيه زيد كما تقول بلغنيه وأبلغته،
والمعنى أن طلقها ألجأها إلى جذع النخلة ثم يحتمل أنها إنما ذهبت إلى النخلة طلباً لسهولة الولادة

٢٠٤
قوله تعالى : فحملته فانتبذت به . سورة مريم .
للتشبث بها. ويحتمل للتقوية والاستناد إليها، ويحتمل للتستر بها من يخشى منه القالة إذا رآها،
ولذلك حكى الله عنها أنها تمنت الموت .
المسألة السابعة﴾ قال فى الكشاف قرأ ابن كثير فى رواية المخاض بالكسر يقال مخضت
الحامل مخاضاً ومخاضاً وهو تمخض الولد فى بطنها .
﴿ المسألةَ الثامنة﴾ قال فى الكشاف كان جذع نخلة يابسة فى الصحراء ليس لها رأس ولا
ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف
النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة مشهور عند الناس ، فإذا قيل جذع النخلة
فهم منه ذلك دون سائره وإما أن يكون تعريف الجنس أى إلى جذع هذه الشجرة خاصة كان
الله أرشدها الى النخلة ليطعمها منها الرطب الذى هو أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولأن النخلة
أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه تعالى
قال كما أن الآثى لا تلد الا مع الذكر فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إنى أظهر الرطب
من غير اللقاح ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر .
﴿ المسألة التاسعة﴾ لم قالت ( ياليتنى مت قبل هذا) مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث
جبريل إليها وخلق ولدها من نفخ جبريل عليه السلام ووعدها بأن يجعلها وابنها آية للعالمين،
والجواب من وجهين (الأول) قال وهب أنساها كربة الغربة وما سمعته من الناس [من] بشارة
الملائكة بعيسى عليه السلام ( الثانى) أن عادة الصالحين إذا وقعوا فى بلاء أن يقولوا ذلك
وروى عن أبى بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال طوبى لك ياطائر تقع على الشجر وتأكل
من الثمر! وددت أبى ثمرة ينقرها الطائر! وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض وقال ليتنى هذه النبنة
يا ليتنى لم أك شيئا ! وقال على يوم الجمل ياليتنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال ليت بلال
لم تلده أمه . فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عنداشتداد الأمر عليهم (الثالث ) لعلها قالت
ذلك لكى لا تقع المعصية من يتكلم فيها، وإلا فهى راضية بما بشرت به .
المسألة العاشرة﴾ قال صاحب الكشاف النسى مامن حقه أن يطرح وينسى كرقة الطمث
ويحوها كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح كقوله ( وفديناه بذبح عظيم ) تمنت لو كانت شيئاً تافهاً
لا يؤبه به ومن حقه أن ينسى فى العادة وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة نسياً بالفتح والباقون
نسياً بالكسر قال الفراء هما لغتان كالوتر والوتر والجسر والجسر، وقرأ محمد بن كعب القرظى
نسيئاً بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وقرأ الأعمش منسياً بالكسر على الإتباع
كالمغير والمنخر والله أعلم .

٢٠٥
قوله تعالى : فناداها من تحتها . سورة مريم .
فَنَادَنَهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّ تَحْزَِّ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٨﴾ وَهُزِىَ إِلَيْكِ
◌ِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رَُبًا جَنِيًّا (٢﴾ فَكُلِى وَاشْرَبٍ وَقَرِى عَيْنَاً فَإِمَّا تَزَيِنَّ
مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُوِّ إِ نَذَرْتُ لِلَّهَنِ صَوْمًا فَلَنْ أَكِمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا
قوله تعالى: ﴿ فاداها من تحتها أن لاتحزنى قد جعل ربك تحتك سرياً، وهزى إليك بجذع
النخلة تساقط عليك رطباً جنياً، فكلى واشربى وقرى عيناً فإما ترين من البشر أحداً فقولى إنى
نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً﴾ فى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فناداها من تحتها القراءة المشهورة فناداها وقرأ زرو علقمة خاطبها وفى
الميم فيها قراء تان فتح الميم وهو المشهور وكسره وهو قراءة نافع وحمزة والكسائى وحفص وفى
المنادى ثلاثة أوجه: (الأول) أنه عيسى عليه السلام وهو قول الحسن وسعيد بن جبير (والثانى)
أنه جبريل عليه السلام وأنه كان كالقابلة للولد (والثالث) أن المنادى على القراءة بالكسر هو الملك
وعلى القراءة بالفتح هو عيسى عليه السلام وهو مروى عن ابن عيينة وعاصم والأول أقرب لوجوه
(الاول ) أن قوله ( فناداها من تحتها) بفتح الميم إنما يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها
أحداً والذى علم كونه حاصلا تحتها هو عيسى عليه السلام فوجب حمل اللفظ عليه، وأما القراءة
بكسر الميم فهى لا تقتضى كون المنادى جبريل عليه السلام، فقد صح قولنا (الثانى) أن ذلك الموضع
موضع اللوث والنظر إلى العورة وذلك لا يليق بالملائكة (الثالث) أن قوله فناداها فعل
ولابد وأن يكون فاعله قد تقدم ذكره ولقد تقدم قبل هذه الآية ذكر جبريل وذكر عيسى عليهما
السلام إلا أن ذكر عيسى أقرب لقوله تعالى (حملته فانتبذت به) والضمير ههنا عائد إلى المسيح
وكان حمله عليه أولى (والرابع) وهو دليل الحسن بن على عليه السلام أن عيسى عليه السلام لولم
يكن كلمها لما علمت أنه ينطق فما كانت تشير إلى عيسى عليه السلام بالكلام فأما من قال المنادى
هو عيسى عليه السلام فالمعنى أنه تعالى أنطقه لها حين وضعته تطبيباً لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى
تشاهد فى أول الأمر مابشرها به جبريل عليه السلام من علو شأن ذلك الولد ومن قال المنادى
جبريل عليه السلام قال إنه أرسل إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها فى أول الأمر ليكون
ذلك تذكيراً لها بما تقدم من أصناف البشارات وأما قوله ( من تحتها ) فان حملناه على الولد
فلاسؤال وإن حملناه على الملك ففيه وجهان : (الأول) أن يكونا معا فى مكان مستو ويكون هناك
مبدأ معين كتلك النخلة ههنا فكل من كان أقرب منها كان فوق وكل من كان أبعد منها كان تحت
وفسر الكلبى قوله تعالى (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم) بذلك وعلى هذا الوجه قال بعضهم

٢٠٦
قوله تعالى : فناداها من تحتها . سورة مريم .
إنه ناداها من أقصى الوادى ( والثانى) أن يكون موضع أحدهما أعلى من موضع الآخر فيكون
صاحب العلو فوق صاحب السفل وعلى هذا الوجه روى عن عكرمة أنها كانت حين ولدت على
مثل رابية وفيه (وجه ثالث) يحكى عن عكرمة وهو أن جبريل عليه السلام ناداها من تحت النخلة
ثم على التقديرات الثلاثة يحتمل أن تكون مريم قد رأته وأنها مارأته وليس فى اللفظ مايدل على
شىء من ذلك .
﴿ المسألة الثانية) اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السرى هو النهر
والجدول سمى بذلك لأن الماء يسرى فيه وأما الحسن وابن زيد فعلا السرى عيسى والسرى هو
النبيل الجليل يقال فلان من سروات قومه أى من أشرافهم وروى أن الحسن رجع عنه وروى
عن قتادة وغيره أن الحسن تلاهذه الآية وبجنبه حميد بن عبد الرحمن الخميرى (قد جعل ربك تحتك
سرياً ) فقال إن كان لسرياً وإن كان لكريماً، فقال له حميد يا أبا سعيد إنماهو الجدول فقال له الحسن
من ثم تعجبنا مجالستك، واحتج من حمله على النهر بوجهين (أحدهما) أنه سأل النبي تَّ الّر عن
السرى فقال هو الجدول ( والثانى) أن قوله (فكلى واشربى) يدل على أنه نهر حتى ينضاف الماء
إلى الرطب فتأكل وتشرب واحتج من حمله [على] عيسى بوجهين (الأول) أن النهر لا يكون تحتها بل
إلى جانبها ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد منه أنه جعل النهر تحت أمرما يجرى بأمرها ويقف
بأمرها كما فى قوله (وهذه الأنهار تجرى من تحتى) لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على
عيسى عليه السلام لم يحتج إلى هذا المجاز (الثانى) أنه موافق لقوله تعالى ( وجعلنا ابن مريم وأمه
آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) والجواب عنه ما تقدم أن المكان المستوى إذا كان فيه
مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان أبعد منه كان تحت فرعان: ( الأول)
إن حملنا السرى على النهر ففيه وجهان (أحدهما ) أن جبريل عليه السلام ضرب برجله فظهر
ماء عذب ( والثانى) أنه كان هناك ما. جار (والأول) أقرب لأن قوله (قد جعل ربك
تحتك سرياً) مشعر بالحدوث فى ذلك الوقت ولأن الله تعالى ذكره تعظيما لشأنها وذلك لا يثبت
إلا على الوجه الذى قلناه (الثانى) اختلفوا فى أن السرى هو النهر مطلقاً وهو قول أبى عبيدة
والفراء أو النهر الصغير على ماهو قول الأخفش.
المسألة الثالثة﴾ قال القفال الجذع من النخلة هو الأسفل ومادون الرأس الذى عليه
الثمرة وقال قطرب كل خشبة فى أصل شجرة فهى جذع وأما الباء فى قوله بجذع النخلة فزائدة
والمعنى هزى إليك أى حركى جذع النخلة ، قال الفراء العرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ
بالخطام وزوجتك فلانة وبفلانة، وقال الأخفش يجوز أن يكون على معنى هزى إليك رطباً
بجذع النخلة أى على جذعها ، إذا عرفت هذا فنقول قد تقدم أن الوقت كان شتاء وأن النخلة كانت
بابة، واختلفوا في أنه هل أتمر الرطب وهو على حاله أو تغير، وهل أتمر مع الرطب غيره؟ والظاهر

٢٠٧
قوله تعالى : فناداها من تحتها . سورة مريم .
يقتضى أنه صار نخلة لقوله بجذع النخلة وأنه ما أثمر إلا الرطب.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال صاحب الكشاف تساقط فيه تسع قراءات تساقط بادغام التاء
وتتساقط باظهار التامين وتساقط بطرح الثانية ويساقط بالياء وإدغام التاء وتساقط وتسقط ويسقط
وتسقط ويسقط التاء للنخلة والياء للجذع.
المسألة الخامسة﴾ رطباً تمييز أو مفعول على حسب القراءة الجنى المأخوذ طرياً وعن طلحة
ابن سليمان جنياً بكسر الجيم للأتباع والمعنى جمعنا لك فى السرى والرطب فائدتين (إحداهما)
الأكل والشرب (والثانية) سلوة الصدر بكونهما معجزتين فإن قال قائل فتلك الأفعال الخارقة
للعادات لمن ؟ قلنا قالت المعتزلة إنها كانتمعجزة لز کریا وغيره من الأنبياء و هذاباطل لأن زكريا.
عليه السلام ما كان له علم بحالطا ومكانها فكيف بتلك المعجزات ، بل الحق أنها كانت كرامات
لمريم أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام.
المسألة السادسة ) فكلى واشربى وقرى عيناً قرىء بكسر القاف لغة نجد ونقول قدم
الأكل على الشرب لآن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة
ما سال منها من الدماء، ثم قال وقرى عيناً، وههنا سؤال، وهو أن مضرة الخوف أشد من مضرة
الجوع والعطش والدليل عليه أمران (أحدهما ) أن الخوف ألم الروح والجوع ألم البدن وأم
الروح أقوى من ألم البدن ( والثانى) ماروى أنه أجيعت شاة ثم قدم العلف اليها وربط عندها
ذئب فبقيت الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها الشديد خوفا من الذئب ثم كسرت
رجلها وقدم العلف إليها فتناولت العلف مع ألم البدن فدلت هذه الحكاية على أن ألم الخوف أشد
من ألم البدن . إذا ثبت هذا فنقول فلم قدم الله تعالى فى الحكاية دفع ضرر الجوع والعطش على دفع
ضرر الخوف ، والجواب أن هذا الخوف كان قليلالأن بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدمت
فما كانتْ تحتاج إلى التذكير مرة أخرى .
﴿ المسألة السابعة ﴾ قال صاحب الكشاف قرأ ترثن بالهمز ابن الرومى عن أبى عمرو وهذا
من لغة من يقول لبات بالحج وحلات السويق وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين فى الإبدال
(صوماً) صمتاً وفى مصحف عبد اللّه صمتاً وعن أنس بن مالك مثله وقيل صياماً إلا أنهم كانوا
لا يتكلمون فى صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم دالا على الصمت وهذا النوع من النذر كان
جائزاً فى شرعهم، وهل يجوز مثل هذا النذر فى شرعنا قال القفال لعله يجوز لأن الاحتراز عن
كلام الآدميين وتجريد الفكر لذكر الله تعالى قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق وتعذيب
النفس كنذر القيام فى الشمس، وروى أنه دخل أبو بكر على امرأة قد نذريت أنها لا تتكلم فقال
أبو بكر إن الإسلام هدم هذا فتكلمى والله أعلم .
المسألة الثامنة) أمرها الله تعالى بأن تنذر الصوم لثلا تشرع مع من اتهمها فى الكلام

٢٠٨
قوله تعالى : فأتت به قومها تحمله . سورة مريم .
فَأَتَتْ بِه قَوْمَهَا تَمِلُهُ، قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (8) يَأْتَ
هُونَ مَا كَانَ أَبُوِكِ آَمْرَأْ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٨﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ
نُكَلِمُ مَنْ كَانَ فِ الْمَهْدِ صَِيًّا(
المعنيين (أحدهما ) أن كلام عيسى عليه السلام أقوى فى إزالة التهمة من كلامها وفيه دلالة على أن
تفويض الأمر إلى الأفضل أولى ( والثانى) كراهة مجادلة السفهاء وفيه أن السكوت عن السفيه
واجب، ومن أذل الناس سفیه لم يجد مسافها .
المسألة التاسعة) اختلفوا فى أنها هل قالت معهم (إنى نذرت للرحمن صوماً) فقال قوم إنها
ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأن تأتى بهذا النذر عند رؤيتهم فإذا أتت بهذا النذر فلو
تکلمت معهم بعد ذلك لوقعت فى المناقضة ولكنها أمسكت وأومات برأسها ، وقال آخرون إنها
مانذرت فى الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم (إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم
اليوم إنسياً) وهذه الصيغة وان كانت عامة إلا أنها صارت بالقرينة مخصوصة فى حق هذا الكلام
قوله تعالى: ﴿ فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئاً فرياً. يا أخت هرون ما كان
أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً. فأشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبياً ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى أنها کیف أتت بالولد على أقوال (الأول) ماروى عن وهب
قال أنساها كرب الولادة وما سمعته من الناس ما كان من كلام الملائكة من البشارة بعيسى عليه
السلام فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته وأقبلت به إلى قومها (الثانى) ماروى عن ابن عباس
رضى الله عنهما أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوماً حتى طهرت من النفاس
ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى فى الطريق ، فقال يا أماه أبشرى فانى عبد الله ومسيحه. وهذان
الوجهان محتملان وليس فى القرآن ما يدل على التعيين .
المسألة الثانية ﴾ الفرى"، البديع وهو من فری الجلد يروى أنهم لما رأوها ومعها عيسى عليه
السلام قالوا لها (لقد جئت شيئا فريا) فيحتمل أن يكون المراد شيئاً عجيباً خارجاً عن العادة من غير
تعبير وذم ويحتمل أن يكون مرادهم شيئاً عظيما منكراً فيكون ذلك منهم على وجه الذم وهذا
أظهر لقولهم بعده (يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً) لأن هذا القول
ظاهره التوبيخ وأما هرون ففيه أربعة أقوال: (الأول) أنه رجل صالح من بنى اسرائيل ينسب
إليه كل من عرف بالصلاح، والمراد أنك كنت فى الزهد كهرون فكيف صرت هكذا،وهو قول

٢٠٩
قوله تعالى : فأتت به قومها تحمله . سورة مريم .
قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم
يسمون هرون تبركا به وباسمه (الثانى) أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبى مؤلفة إنما عنوا هرون
النبى وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أى ياواحداً منهم (والثالث) كان
رجلا معلناً بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة (الرابع) كان لها أخ يسمى هرون من
صلحاء بنى اسرائيل فعيرت به وهذا هو الأقرب لوجهين (الأول) أن الأصل فى الكلام الحقيقة
وإنما يكون ظاهر الآية محمولا على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهرون ( الثانى) أنها أضيفت
اليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لآن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة
يكون صدور الذنب عنه أخش .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ القراءة المشهورة (ما كان أبوك امرأ سو.) وقرا عمرو بن رجاء التميمى
( ما كان أباك امرؤ سوء).
﴿ المسألة الرابعة﴾ أنهم لما بالغوا فى توبيخها سكتت وأشارت اليه أى إلى عيسى عليه
السلام أى هو الذى يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدى لما أشارت اليه غضبوا غضباً شديداً وقالوا
لنخريتها بنا أشد من زناها ، روى أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه
واتكأ على يساره وأشار بسبابته، وقيل كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.
وقيل إن زكريا عليه السلام أتاها عندمناظرة اليهود إياها ، فقال لعيسى عليه السلام انطق بحجتك
إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك (إنى عبد الله) فان قيل كيف عرفت مريم من
حال عيسى عليه السلام أنه يتكلم؟ قلنا إن جبريل عليه السلام أو عيسى عليه السلام ناداها من تحتها
أن لا تحزنى وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت ، فصار ذلك كالتنبيه لها على أن المجيب هوعيسى عليه
السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحى إلى زكرياء أو لعلها عرفت بالوحى اليها على سبيل الكرامة،
بقی ههنا بحثان :
﴿البحث الأول ) قوله ( كيف نكلم من كان فى المهد صبياً) أى حصل فى (المهد) فكان
ههنا بمعنى حصل ووجد وهذا هو الأقرب فى تأويل هذا اللفظ، وإن كان الناس قد ذكروا
وجوها أخر .
﴿ البحث الثانى) اختلفوا فى المهد فقيل هو حجرها لما روى أنها أخذته فى خرقة فأتت به
قومها فلما رأوها قالوا لها ماقالوا فأشارت إليه وهو فى حجرها ولم يكن لها منزل معد حتى يعد لها
المد أو المعنى ( كيف نكلم صبياً) سبيله أن ينام فى المهد .
الفخر الرازي - ج ٢١ م ١٤

٢١٠
قوله تعالى : قال إني عبد الله . سورة مريم .
قَالَ إِنِى عَبْدُ اللهِ ءَاتَمْفِىَ الْكِتَابَ وَ وَجَعَلَى نَبِيًّا ﴾ وَجَعَلَى مُبَارَكًا أَبْنَ مَا
كُنْتُ وَأَوْصَتِى بِالصَّلَوةِ وَالَّكْوَةِ مَادُمْتُ ◌َّا الّ وَبَّأْ بِوَلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْفِ جَارًا
شَقِبًّا (﴾ وَالسَُّمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَّاللّه
قوله تعالى: ﴿ قال إنی عبد الله آ تانیالکتاب و جعلنی نبياً ، وجعلتی مباركا أينما كنت وأوصانى
بالصلوة والزكوة مادمت حياً، وبراً بوالدتى ولم يجعلنى جباراً شقياً، والسلام على يوم ولدت ويوم
أموت ويوم أبعث حياً ﴾.
اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع: (الصفة الأولى) قوله (إنى عبد الله) وفيه فوائد:
( الفائدة الأولى) أن الكلام منه فى ذلك الوقت كان سبباً للوهم الذى ذهبت اليه النصارى ،
فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال ( إنى عبد الله) وكان ذلك الكلام وإن
كان ،وهماً من حيث إنه صدر عنه فى تلك الحالة ، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه
تنصيص على العبودية ( الفائدة الثانية) أنه لما أقر بالعبودية فان كان صادقاً فى مقاله فقد حصل
الغرض وإن كان كاذباً لم تكن القوة قوة إلهية بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلهاً
(الفائدة الثالثة ) أن الذى اشتدت الحاجة اليه فى ذلك الوقت إنما هو نفى تهمة الزنا عن مريم
عليها السلام ثم إن عيسى عليه السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على إثبات عبودية نفسه كأنه
جعل إزالة النهمة عن اللّه تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم ، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها
(الفائدة الرابعة) وهى أن التكلم بازالة هذه التهمة عن اللّه تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم لأن
اللّه سبحانه لايخص الفاجرة بولد فى هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة. وأما النكلم بازالة التهمة
عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن اللّه تعالى فكان الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما فى هذا اللفظ
من الفوائد، واعلم أن مذهب النصارى متخبط جداً، وقد اتفقوا على أنه سبحانه ليس بجسم
ولا متحيز، ومع ذلك فانا نذكر تقسيما حاصرا يبطل مذهبهم على جميع الوجوه فنقول: إما أن
يعتقدوا كونه متحيزا أو لا ، فان اعتقدوا كونه متحيزاً أبطلنا قولهم باقامة الدلالة على حدوث
الأجسام ، وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه. وإن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز حينئذ يبطل ما يقوله
بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت اختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم لأن ذلك
لا يعقل إلا فى الأجسام فاذا لم یکن جسما استحال ذلك ثم نقول للناس قولان فى الانسان منهم
من قال إنه هوهذه البنية أو جسم موجود فى داخلها ومنهم من يقول إنه جوهر مجرد عن الجسمية
والحلول فى الأجسام فنقول هؤلاء النصارى، إما أن يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته اتحد بيدن

٢١١
قوله تعالى : قال إني عبد الله . سورة مريم .
المسيح أوبنفسه أو يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته حل فى بدن المسيح أو فىنفسه، أو يقولوا
لانقول بالاتحاد ولا بالحلول ولكن نقول إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة
والقدرة وكان لهذا السبب إلهاً، أو لا يقولوا بشىء من ذلك ولكن قالوا إنه على سيل التشريف
اتخذه اناً كما اتخذ ابراهيم على سبيل التشريف خليلا فهذه هى الوجوه المعقولة فى هذا الباب ، والكل
باطل ، أما القول الأول بالاتحاد فهو باطل قطعاً، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد، إما أن
يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً ، فإن كانا موجودين فهما
اثنان لا واحد فالاتحاد باطل، وان عدما وحصل ثالث فهو أيضاً لا يكون اتحاداً بل يكون قولا
بعدم ذينك الشيئين ، وحصول شىء ثالث، وإن قى أحدهما وعدم الآخرفالمعدوم يستحيل أن يتحد
بالوجود لأنه يستحيل أن يقال المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد
محال. وأما الحلول فلنا فيه مقامان: (الأول) أن التصديق مسبوق بالتصور فلابد من البحث عن
ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا يصح وذكروا للحلول تفسيرات
ثلاثة: (أحدها) كون الشىء فى غيره ككون ماء الورد فى الورد والدهن فى السمسم والنار فى
الفحم، واعلم أن هذا باطل لأن هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسما وثم وافقونا على أنه ليس
بجسم (وثانيها) حصوله فى الشىء على مثال حصول اللون فى الجسم فنقول المعقول من هذه
التبعية حصول اللون فى ذلك الحيز تبعاً لحصول محله فيه، وهذا أيضاً إنما يعقل فى حق
الأجسام لا فى حق اللّه تعالى ( وثالثها) حصوله فى الشىء على مثال حصول الصفات
الإضافية للذوات فنقول هذا أيضاً باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج فلو كان اللّه
الله تعالى فى شىء بهذا المعنى لكان محتاجا فكان ممكناً فكان مفتقراً إلى المؤثر، وذلك محال، وإذا
ثبت أنه لا يمكن تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته فى حق الله تعالى امتنع إثاته.
(المقام الثانى) احتج الأصحاب على نفى الحلول مطلقاً بأن قالوا لو حل لحل، إما مع وجوب
أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان ، فالقول بالحلول باطل، وإنما قلنا إنه لا يجوز
أن يحل مع وجوب أن يحل لأن ذلك يقتضى إما حدوث اللّه تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان،
لأنا دلنا على أن اللّه قديم. وعلى أن الجسم محدث، ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان
محتاجا إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجباً لذاته، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن
يحل مع جواز أن يحل لأنه لما كانت ذاته واجبة الوجود لذاتها وحلوله فى المحل أمر جائز،
والموصوف بالوجوب غير ما هو موصوف بالجواز فيلزم أن يكون حلوله فى المحل أمراً زائداً
على ذاته وذلك محال لوجهين (أحدهما) أن حلوله فى المحل لو كان زائداً على ذاته لكان حلول ذلك
الزائد فى محله زائداً على ذاته أولزم التسلسل وهو محال (والثانى) أن حلوله فى ذلك لما كان زائداً
على ذاته فاذا حل فى محل وجب أن يحل فيه صفة محدثة ، وذلك محال لأنه لو كان قابلا للحوادث.

٢١٢
قوله تعالى: قال إني عبد الله آتاني الكتاب . سورة مريم .
لكانت تلك القابلية من لوازم ذاته ، وكانت حاصلة أزلا ، وذلك محال لأن وجود الحوادث فى
الأزل محال ، لحصول قابليتها وجب أن يكون ممتنع الحصول فان قيل لم لا يجوز أن يحل مع وجوب
أن يحل. لأنه يلزم، إما حدوث الحال أو قدم المحل قلنا لانسلم وجوب أحد الأمرين، ولم لا يجوز
أن يقال إن ذاته تقتصى الحلول بشرط وجود المحل ففى الأزل ما وجد المحل فلم يوجد شرط هذا
الوجوب فلاجرم لم يجب الحلول، وفيما لايزال حصل هذا الشرط فلا جرم وجب سلمنا أنه يلزم،
إما حدوث الحال أو قدم المحل فلم لا يجوز. قوله إنا دلنا على حدوث الأجسام، قلنا لم لا يجوز أن
يكون محله ليس بجسم ولكنه يكون عقلا أو نفساً أو هيولى على ما يثبته بعضهم، ودليلكم على
حدوث الأجسام لا يقبل حدوث هذه الأشياء، قوله ثانياً لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجا
إلى المحل، قلنا لا نسلم وجوب أحد الأمرين بل ههنا احتمالان آخران (أخدهما) أن الغلة وإن امتنع
انفكاكها عن المعلول لكنها لا تكون محتاجة إلى المعلول فلم لا يجوز أن يقال إن ذاته غنية عن ذلك
المحل ولكن ذاته توجب حلول نفسها فى ذلك المعلول فيكون وجوب حلولها فى ذلك المحل من
مغلولات ذاته، وقد ثبت أن العلة وإن استحال انفكاكها عن المعلول لكن ذلك لا يقتضى
. احتياجها إلى المعلول ( الثانى ) أن يقال إنه فى ذاته يكون غنياً عن المحل وعن الحاول، إلا أن
المحل يوجب لذاته صفة الحلول، فالمفتقر إلى المحل صفة من صفاته وهى حلوله فى ذلك المحل
فأما ذاته فلا ولا يلزم من افتقار صفة من صفاته الإضافية الى الغير افتقار ذاته إلى الغير وذلك
لأن جميع الصفات الإضافية الحاصلة له مثل كونه أولا وآخراً ومقارناً ومؤثراً ومعلوماً ومذكوراً
بما لا يتحقق إلا عند حصول التحيز، وكيف لا والإضافات لابد فى تحققها من أمرين، سلمنا
ذلك، فلم لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل. قوله يلزم أن يكون حلوله فيه زائداً عليه، ويلزم
التسلسل ، قلنا حلوله فى المحل لما كان جائزاً كان حلوله فى المحل زائداً عليه ، أما كون ذلك الحلول
حالا فى المحل أمر واجب فلا يلزم أن يكون حلول الحلول زائداً عليه فلا يلزم التسلسل. قوله
ثانياً يلزم أن يصير محل الحوادث ، قلنا لم لا يجوز ذلك قوله يلزم أن يكون قابلا للحوادث
فى الأزل، قلنا لاشك أن تمكنه من الايجاد ثابت له إما لذاته أو لأمر ينتهى إلى ذاته، وكيف
كان فيلزم صحة كونه مؤثراً فى الأزل فكل ماذكرتموه فى المؤثرية فنحن نذكره فى القابلية،
والجواب أنا نقرر هذه الدلالة على وجه آخر بحيث تسقط عنها هذه الأسئلة ، فنقول ذاته، إما
أن تكون كافية اقتضاء هذا الحلول أو لا تكون كافية فى ذلك فان كان الأول استحال توقف
ذلك الإقتضاء على حصول شريط فيعود ماقلنا إنه يلزم إما قدم المحل أو حدوث الحال. وإن كان
الثانى كان كونه مقتضياً لذلك الحلول أمراً زائداً على ذاته حادثا فيه فعلى التقديرات كلها يلزم
من حدوث حلوله فى محل حدوث شىء فيه لكن يستحيل أن يكون قابلا للحوادث ، وإلا لزم
أن يكون فى الأزل قابلا لها وهو محال على ما بيناه، وأما المعارضة بالقدرة فغير واردة لأنه تعالى
الغانه قادر على الإيجاد فى الأزل فهو قادر على الإيجاد فيما لايزال فهنا أيضاً لو كانت ذات الة
/١

٢١٣
قوله تعالى : قال إني عبد الله . سورة مريم .
للحوادث لكانت فى الأزل قابلة لها خيفئذ يلزم المحال المذكور. هذا تمام القول فى هذه الأدلة ولنا
فى إبطال قول النصارى وجوه أخر ( أحدها) أنهم وافقونا على أن ذاته سبحانه وتعالى لم تحل
فى ناسوت عيسى عليه السلام بل قالوا الكلمة حلت فيه، والمراد من الكلمة العلم . فنقول: العلم لما
خل فى عيسى ففى تلك الحالة إما أن يقال إنه بقى فى ذات اللّه تعالى أو مابقى فيها فإن كان الأول
لزم حصول الصفة الواحدة فى محلين. وذلك غير معقول ولأنه لو جاز أن يقال العلم الحاصل
فى ذات عيسى عليه السلام هو العلم الحامل فى ذات الله تعالى بعينه، فلم لا يجوز فى حق كل
واحد ذلك حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل لذات الله تعالى، وإن كان
الثانى لزم أن يقال إن اللّه تعالى لم يبق عالماً بعد حلول علمه فى عيسى عليه السلام وذلك ما
لا يقوله عاقل ( وثانيها) مناظرة جرت بينى وبين بعض النصارى ، فقلت له هل تسلم أن عدم
الدليل لا يدل على عدم المدلول أم لا؟ فإن أنكرت لزمك أن لا يكون الله تعالى قديما لأن دليل
وجوده هو العالم فاذا لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم من عدم العالم فى الأزل عدم الصانع
فى الأزل، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فنقول إذا جوزت اتحاد كلمة
الله تعالى بعیسی أو حلولها فیه فکیف عرفت أن كلمة الله تعالى مادخلت فی زید وعمرو بل کیف
أنها ما حلت فى هذه الهرة وفى هذا الكلب ، فقال لى إن هذا السؤال لا يليق بك لأنا إنما أثبتنا ذاك
الإتحاد أو الحلول بناء على ماظهر على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمه
والأبرص ، فإذا لم نجد شيئاً من ذلك ظهر على يد غيره فكيف نثبت الاتحاد أو الحلول، فقلت
له إنى عرفت من هذا الكلام أنك ماعرفت أول الكلام لأنك سلمت لى أن عدم
الدليل لا يدل على عدم المدلول فاذا كان هذا الحلول غير ممتنع فى الجملة فأكثر مافى الباب أنه
وجد مايدل على حصوله فى حق عيسى عليه السلام ولم يوجد ذلك الدلیل فى حق زيد وعمرو
ولکن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فلا يلزم من عدم ظهور هذه الخوارق علی ید زید
وعمرو وعلى السنور والكلب عدم ذلك الحلول ، فثبت أنك مهما جوزت القول بالاتحاد والحلول
لزمك تجویز حصول ذلك الاتحاد وذلك الحلول فی حق كل واحد بل فی حق كل حيوان ونبات
ولا شك أن المذهب الذى يسوق قائله إلى مثل هذا القول الركيك يكون باطلا قطعاً، ثم قلت
له وكيف دل إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على ماقلت؟ أليس أن انقلاب العصا ثعباناً
أبعد من انقلاب الميت حياً فإذا ظهر ذلك على يد موسى عليه السلام ولم يدل على إلهيته فبأن
لا يدل هذا على آلهية عيسى أولى (وثالثها) أنا نقول دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من
دلالتها على الربوبية لأنه كان مجتهداً فى العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فانه كان فى نهاية البعدعن
الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى إن اليهود قتلوه ومن كان فى الضعف هكذا فكيف
تليق به الربوية ( ورابعها) المسيح إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقول بقدمه باطل لأنا نعلم

٢١٤
قوله تعالى : قال إني عبد الله . سورة مريم .
بالضرورة أنه ولد وكان طفلا ثم صار شاباً وكان يأكل ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر
البشر ، وإن كان محدثاً كان مخلوقا ولا معنى للعبودية إلا ذلك ، فان قيل المعنى بإلهيته أنه حلت صفة
الآلهية فيه، قلنا هب أنه كان كذلك لكن الحال هو صفة الإله والمسيح هو المحل والمحل محدث
مخلوق فما هو المسيح [إلا]عبد محدث فكيف يمكن وصفه بالإلهية (وخامسها) أن الولد لابد وأن
يكون من جنس الوالد فان كان لله ولد فلا بد وأن يكون من جنسه فاذن قد اشتركا من بعض
الوجوه، فإن لم يتميزأحدهما عن الآخر بأمر ما فكل واحد منهما هو الآخر، وإن حصل الإمتياز
فما به الإمتياز غير مابه الاشتراك، فيلزم وقوع التركيب فى ذات اللّه وكل مركب ممكن ، فالواجب
يمكن هذا خُلف محال هذا كله على الإتحاد والحلول ( أما الاحتمال الثالث) وهو أن يقال معنى
كونه إلهاً أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه بالقدرة على خلق الأجسام والتصرف فى هذا العالم
فهذا أيضاً باطل لأن النصارى حكوا عنه الضعف والعجز وأن اليهود قتاوه ولو كان قادراً على
خاق الاجسام لما قدروا على قتله بل كان هو يقتلهم ويخلق لنفسه عسكراً يذبون عنه (وأما
الاحتمال الرابع) وهو أنه اتخذه ابناً لنفسه على سبيل التشريف فهذا قد قال به قوم من النصارى يقال
لهم الأرميوسية وليس فيه كثير خطأ إلا فى اللفظ فهذا جملة الكلام على النصارى وبه ثبت
صدق ما حكاه اللّه تعالى عنه أنه قال إنى عبدالله (الصفة الثانية) قوله تعالى (آنانى الكتاب) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلف الناس فيه فالجمهور على أنه قال هذا الكلام حال صغره وقال
أبو القاسم البلخى إنه إنما قال ذلك حين كان كالمراهق الذى يفهم وإن لم يبلغ حد التكاليف أما
الأولون ولهم قولان (أحدهما) أنه كان فى ذلك الصغر نبياً (الثانى) روى عن عكرمة عن
ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال المراد بأن حكم، وقضى بأنه سيبعثى من بعد ولما تكلم بذلك
سكت وعاد إلى حال الصغر ، ولما بلغ ثلاثين سنة بعثه الله نبياً، واحتج من نص على فساد القول
الأول بأمور (أحدها ) أن النبى لا يكون إلا كاملا والصغير ناقص الخلقة بحيث يعد هذا التحدى
من الصغير. منفراً بل هو فى التنفير أعظم من أن يكون امرأة (وثانيها ) أنه لو كان نبياً فى هذا
الصغر لكان كمال عقله مقدماً على ادعائه للنبوة إذ النى لابد وأن يكون كامل العقل لكن كمال عقله
فى ذلك الوقت خارق للعادة فيكون المعجز متقدماً على التحدی وإنه غير جائز (وثالثها ) أنه لو
كان نبياً فى ذلك الوقت لوجب أن يشتغل بيان الأحكام، وتعريف الشرائع ولو وقع ذلك
لاشتهر ولنقل حيث لم يحصل ذلك علمنا أنه ما كان نبياً فى ذلك الوقت ، أجاب الأولون
عن الكلام الأول بأن كون الصبى ناقصاً ليس لذاته بل الأمر يرجع إلى صغر جسمه ونقصان
فهمه، فإذا أزال اللّه تعالى هذه الأشياء لم تحصل النفرة بل تكون الرغبة إلى استماع قوله
وهو على هذه الصفة أتم وأكمل. وعن الكلام الثانى لم لا يجوز أن يقال إكمال عقله وإن حصل
مقدما على دعواه إلا أنه معجزة لزكريا عليه السلام، أو يقال إنه إرهاص لنبوته أو كرامة لمريم

٢١٥
قوله تعالى : قال إني عبد الله . سورة مريم .
عليها السلام وعندنا الإرهاص والكرامات جائزة، وعن الكلام الثالث لم لا يجوز أن يقال مجرد
بعثته إليهم من غير بيان شىء من الشرائع والأحكام جائز ثم بعد البلوغ أخذ فى شرح تلك
الأحكام، فثبت بهذا أنه لا امتناع فى كونه نبياً فى ذلك الوقت وقوله (آتانى الكتاب ) يدل على
كونه نبياً فى ذلك الوقت فوجب إجراؤه على ظاهره بخلاف ما قاله عكرمة ، أما قول أبى القاسم
البلخى فبعيد وذلك لأن الحاجة إلى كلام عيسى عليه السلام إنما كانت عند وقوع التهمة على
مريم عليها السلام.
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى ذلك الكتاب فقال بعضهم هو التوراة لأن الألف واللام فى
الكتاب تنصرف المعهود والكتاب المعهود لهم هو التوراة، وقال أبو مسلم المراد هو الإنجيل
لأن الألف واللام ههنا للجنس أى آتانى من هذا الجنس، وقال قوم المراد هو التوراة والإنجيل
لأن الألف واللام تفيد الاستغراق .
المسألة الثالثة) ختلفوا فى أنه متى آتاه الكتاب ومتى جعله نبياً لأن قوله (T تانى الكتاب
وجعلنى تبيأ) يدل على أن ذلك كان قد حصل من قبل إما ملاصقاً لذلك الكلام أو متقدماً
عليه بأزمان، والظاهر أنه من قبل أن كلمهم آتاه الله الكتاب وجعله نبياً وأمره بالصلاة والزكاة وأن
يدعو الى الله تعالى وإلى دينه وإلى ماخص به من الشريعة فقيل هذا الوحى نزل عليه وهو فى بطن أمه
وقيل لما انفصل من الأم آتاه الله الكتاب والنبوة وأنه تكلم مع أمه وأخبرها بحاله وأخبرها بأنه يكلمهم
بما يدل على براءة حالها فلهذا أشارت إليه بالكلام (الصفة الثالثة) قوله (وجعلنى نبياً) قال بعضهم أخبر
أنه نى ولكنه ما كان رسولا لأنه فى ذلك الوقت ما جاء بالشريعة ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر على
الدرجة وهذا ضعيف لأن النبى فى عرف الشرع هو الذى خصه الله بالنبوة وبالرسالة خصوصاً إذا قرن
إليهذكر الشرع وهو قوله وأوصانى بالصلاة والزكاة (الصفة الرابعة) قوله (وجعلنى مباركا أينما كنت)
فلقائل أن يقول كيف جعله مباركا والناس كانوا قبله على الملة الصحيحة فلما جاء صار بعضهم
يهوداً وبعضهم نصارى قائلين بالتثليث ولم يبق على الحق إلا القليل ، والجواب ذكروا فى تفسير
المبارك وجوهاً (أحدها) أن البركة فى اللغة هى الثبات وأصله من بروك البعير فمعناه جعلنى ثابتاً
على دين الله مستقراً عليه ( وثانيها) أنه إنما كان مباركا لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى
طريق الحق فان ضلوا فمن قبل أنفسهم لامن قبله وروى الحسن عن النبي ◌ُ ◌ّ قال أسلمت أم عيسى
عليها السلام عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم أدفعه اليك على أن لا تضربه فقال له المعلم أكتب
فقال أى شىء أكتب ، فقال أكتب أبجد فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال هل تدرى ما أبود ؟
فعلاه بالدرة ليضربه فقال يامؤدب لا تضربنى إن كنت لا تدرى فاسألنى فأنا أعدك الألف من
آلاء اللّه والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله والدال من أداء الحق إلى اللّه ( وثالثها) البركة
الزيادة والعلو فكانه قال جعلنى فى جميع الأحوال غالباً مفلحا منجحاً لأنى مادمت أبقى فىالدنيا

٢١٦
قوله تعالى : قال إني عبد الله . سورة مريم .
أكون على الغير مستعلياً بالحجة فاذا جاء الوقت المعلوم يكر منى الله تعالى بالرفع إلى السماء (ورابعها)
مبارك على الناس بحيث يحصل بسبب دعانى إحياء الموتى وإبراء الا كمه والأبرص، عن قتادة أنه
رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرى. الا كمه والأبرص فقالت طوبى لبطن حملك وثدى أرضعت
به ، فقال عيسى عليه السلام مجيبا لهاطوبى لمن تلا كتاب الله واتبع مافيه ولم يكن جبار آشقياً . أما
قوله (أينما كنت) فهو يدل على أن حاله لم يتغير كما قيل إنه عاد إلى حال الصغر وزوال التكليف
(الصفة الخامسة) قوله (وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت حياً) فان قيل كيف أمر بالصلاة والزكاة
مع أنه كان طفلا صغيراً والقلم مرفوع عنه على ما قاله روايته (رفع القلم عن ثلاث عن الصبى حتى
يبلغ)) الحديث وجوابه من وجهين (الأول) أن قوله (وأوصانى بالصلاة والزكاة) لا يدل على أنه
تعالى أوصاه بأدائهما فى الحال بل بعد البلوغ فلعل المراد أنه تعالى أوصاه بهما وبأدائهما فى الوقت
المعين له وهو وقت البلوغ (الثانى) لعل الله تعالى لما انفصل عيسى عن أمه صيره بالغاً عاقلا تام
الأعضاء والخلقة وتحقيقه قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) فكما أنه تعالى خلق آدم
تاماً كاملا دفعة فكذا القول فى عيسى عليه السلام ، وهذا القول الثانى أقرب إلى الظاهر لقوله
(ما دمت حياً ) فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه فى جميع زمان حياته ولكن لقائل أن يقول
لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه فقد رأوه شخصاً كامل الأعضاء تام الخلقة وصدور
الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجباً فكان ينبغى أن لا يعجبوا ظعل الأولى أن يقال إنه
تعالى جعله مع صغر جثته قوى التركيب كامل العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية
دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان فى الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل مرة أخرى
(الصفة السادسة ) قوله تعالى ( وبراً بوالدتى) أى جعلنى براً بوالدنى وهذا يدل على قولنا إن
فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن الآية تدل على أن كونه براً إنما حصل بجعل الله وخلقه وحمله على
الألطاف عدول عن الظاهر ثم قوله (وبرأبو الدنى) إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذلو كانت زانية
لما كان الرسول المعصوم مأموراً بتعظيمها قال صاحب الكشاف جعل ذاته براً لفرط بره ونصبه
بفعل فى معنى أوصانى وهو كلفنى لان أوصانى بالصلاة وكلفنى بها واحد (الصفة السابعة ) قوله
(ولم يجعلنى جباراً شقياً) وهذا أيضاً يدل على قولنا لأنه لما بين أنه جعله براً وما جعله جباراً فهذا إنما
يحسن لو أن الله تعالى جعل غيره جباراً وغيربار بأمه، فان الله تعالى لو فعل ذلك بكل أحد لم يكن
لعيسى عليه السلام مزيد تخصيص بذلك، ومعلوم أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك فى معرض
التخصيص وقوله (ولم يجعلنى جباراً) أى ما جعلنى متكبراً بل أنا خاضع لأنى متواضع لها ولو
كنت جباراً لكنت عاصياً شقياً. وروى أن عيسى عليه السلام قال قلبى لين وأنا صغير فى نفسى
وعن بعض العلماء لاتجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا (وبراً بوالدقى ولم يجعلنى جباراً شقياً) ولا تجد
سى. الملكة إلا مختالا فوراً وقرأ (وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فوراً) (الصفة

٢١٧
قوله تعالى : ذلك عيسى ابن مريم . سورة مريم .
مَا كَانَ اللَّهِ أَن ◌َخْذَ مِن
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ.
وَلَدِ سُبْحَتَهُ ◌ٍ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
الثامنة) هى قوله ( والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم لام التعريف فى السلام منصرف إلى ما تقدم فى قصتى يحى
عليه السلام من قوله (وسلام عليه) أى السلام الموجه اليه فى المواطن الثلاثة موجه إلى أيضاً وقال
صاحب الكشاف الصحيح أن يكون هذا التعريف تعويضاً باللعن على من اتهم مريم بالزنا
وتحقيقه أن اللام للاستغراق فإذا قال (والسلام على) فكأنه قال وكل السلام على وعلى أتباعى فلم
يبق للأعداء إلا اللعن ونظيره قول موسى عليه السلام ( والسلام على من اتبع الهدى) بمعنى
أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام اللجاج والعناد ويليق به مثل هذا التعريض.
المسألة الثانية ) روى بعضهم عن عيسى عليه السلام أنه قال ليحيى أنت خير منى سلم الله عليك
وسلمت على نفسى وأجاب الحسن فقال إن تسليمه على نفسه بتسليم اللّه عليه.
المسألة الثالثة ؟ قال القاضى السلام عبارة عما يحصل به الأمان ومنه السلامة فى النعم وزوال
الآفات فكا نه سال ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى، ولابد فى الأنبياء من أن يكونوا
مستجابى الدعوة وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هى هذه الأحوال الثلاثة وهى يوم
الولادة ويوم الموت ويوم البعث جميع الأحوال التى يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة
من قبله تعالى طلبها ليكون مصوناً عن الآفات والمخافات فى كل الأحوال، واعلم أن اليهود والنصارى
ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلم فى زمان الطفولية واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التى
تتوافر الدواعى على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لعرفه النصارى لاسيماوهم من أشد
الناس بحثاً عن أحواله وأشد الناس غلواً فيه حتى زعموا كونه إلهاً ولاشك أن الكلام فى الطفولية
من المنافب العظيمة والفضائل التامة فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا
أنه لم يوجدولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه السلام تكلم فى زمان
الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم حيث لم يحصل شىء من
ذلك علمنا أنه ما تكلم، أما المسلمون فقد احتجوامن جهة العقل على أنه تكلم فانه لولا كلامه الذى دلهم
على براءة أمه من الزنا لما تركوا إقامة الحد على الزنا عليها فنى تركهم لذلك دلالة على أنه عليه
السلام تكلم فى المهد وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان الحاضرون عند كلامه قليلين فلذلك
لم يشتهر وعن الثانى لعل اليهود ما حضروا هناك وما سمعوا كلامه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله .
قوله تعالى: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد
سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وفيه مسائل :

٢١٨
قوله تعالى : ذلك عيسى ابن مريم . سورة مريم .
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وابن عامر (قول الحق) بالنصب وعن ابن مسعود (قال الحق)
و(قال الله) وعن الحسن (قول الحق) بضم القاف وكذلك فى الأنعام قوله (الحق) والقول والقال
والقول فى معنى واحد كالرهب والرهب والرهب ، أما ارتفاعه فعلى أنه خبر بعد خبر أو خبر
مبتدأ محذوف ، وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة
كةولك هو عند الله الحق لا الباطل والله أعلم.
﴿المسألة الثانية﴾ لاشبهة أن المراد بقوله (ذلك عيسى ابن مريم) الاشارة إلى ما تقدم
وهو قوله ( إنى عبد اللّه آتانى الكتاب) أى ذلك الموصوف بهذه الصفات هو عيسى ابن مريم
وفى قوله ( عيسى ابن مريم) إشارة إلى أنه ولد هذه المرأة وابنها لا أنه ابن الله، فأما (قوله الحق)
ففيه وجوه: (أحدها) وهو أن نفس عيسى عليه السلام هو قول الحق وذاك لأن الحق هو اسم
الله فلا فرق بين أن نقول عيسى كلمة اللّه وبين أن نقول عيسى قول الحق (وثانيها) أن يكون المراد
(ذلك عيسى ابن مريم القول الحق) إلا أنك أضفت الموصوف إلى الصفة فهو كقوله (إن هذا لهو
حق اليقين) وفائدة قولك (القول الحق) تأكيد ما ذكرت أولا من كون عيسى عليه السلام ابناً
لمريم ( وثالثها) أن يكون قول الحق خبراً لمبتدأ محذوف كأنه قيل ذلك عيسى ابن مريم ووصفنا
له هو قول الحق فكانه تعالى وصفه أولاثم ذكر أن هذا الموصوف هوعيسى ابن مريم ثم ذكرأن
هذا الوصف أجمع هو قول الحق على معنى أنه ثابت لا يجوز أن يبطل كما بطل ما يقع منهم من المرية
ويكون فى معنى إن هذا ( لهو الحق اليقين ). فأما امتراؤهم فى عيسى عليه السلام فالمذاهب التى
حكيناها من قول اليهود والنصارى وقد تقدم ذكر ذلك فى سورة آل عمران، روى أن عيسى عليه
السلام لما رفع حضر أربعة من أكابرهم وعلمائهم فقيل للأول ما تقول فى عيسى؟ فقال هو إله والله
إله وأمه إله ، فتابعه على ذلك ناس وهم الاسرائيلية، وقيل للرابع ما تقول؟ فقال هو عبد الله ورسوله
وهو المؤمن المسلم، وقال أما تعلمون أن عيسى كان يطعم وينام وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك؟
تخصمهم، أما قوله (ما كان لله أن يتخذ من ولد) فهو يحتمل أمرين: (أحدهما) أن ثبوت الولد
له محال فقولنا ( ما كان لله أن يتخذ من ولد) كقوله ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدى لأن هذا
الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمة الله تعالى وكماله فقوله (ما كان لله أن يتخذ من ولد) كقولنا
ما كان لله أن يظلم أى لا يليق ذلك بحكمته وكمال إلهيته، واحتج الجبائى بالآية بناء على هذا التفسير
أنه ليس لله أن يفعل كل شىء لأنه تعالى صرح بأنه ليس له هذا الايجاد أى ليس له هذا الاختيار
وأجاب أصحابنا عنه بأن الكذب محال على الله تعالى فلا جرم قال ( ما كان لله أن يتخذ من ولد)
أما قوله ( سبحانه إذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى لما قال سبحانه ثم قال عقيبه (إذا قضى أمراً فانما يقول له
كن فيكون) كان كالحجة على تنزيه عن الولد وبيان ذلك أن الذى يجعل ولداً لله، إما أن يكون

٢١٩
قوله تعالى : ذلك عيسى ابن مريم . سورة مريم .
قديماً أزلياً أو يكون محدثاً فإن كان أزلياً فهو محال لأنه لو كان واجباً لذاته لكان واجب الوجود
أكثر من واحد. هذا خلف. وإن كان ممكنا لذاته كان مفتقرا فى وجوده الى الواجب لذاته غنياً
لذاته فيكون الممكن محتاجا لذاته فيكون عبدا له لأنه لامعنى للعبودية إلا ذلك، وأما إن كان
الذى يجعل ولداً يكون محدثا فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم وايجاده وهو المراد من
قوله ( إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) فيكون عبداً له لا ولداً له فثبت أنه يستحيل أن
یکون لله ولد.
المسألة الثانية﴾ احتج الأعجاب بقوله ( إذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون) على
نقدم كلام اللّه تعالى قالوا لأن الآية تدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شىء قال له كن فيكون
فلو كان قوله كن محدثاً لافتقر حدوثه الى قول آخر ولزم التسلسل وهو محال، فثبت أن قول الله
قديم لامحدث، واحتج المعتزلة بالآية على حدوث كلام اللّه تعالى من وجوه: (أحدها) أنه تعالى
أُدخل عليه كلمة إذا وهذه الكلمة دالة على الاستقبال فوجب أن لا يحصل القول إلا فى الاستقبال
(وثانيها) أن حرف الفاء للتعقيب والفاء فى قوله ( فانما يقول له ) يدل على تأخر ذلك القول عن
ذلك القضاء والمتأخر عن غيره محدث ( وثالثها) الغاء فى قوله ( فيكون) يدل على حصول ذلك
الشىء عقيب ذلك القول من غير فصل فيكون قول الله متقدما على حدوث الحادث تقدما بلا
فصل والمتقدم على المحدث تقدماً بلا فصل يكون محدثاً ، فقول الله محدث. واعلم أن استدلال
الفريقين ضعيف، أما استدلال الأصحاب فلأنه يقتضى أن يكون قوله (كن) قديماً وذلك باطل
بالاتفاق، وأما استدلال المعتزلة فلأنه يقتضى أن يكون قول الله تعالى هو المركب من الحروف
والأصوات وهو محدث وذلك لا نزاع فيه إنما المدعى قدم شىء آخر .
﴿ المسألة الثالثة﴾ من الناس من أجرى الآية على ظاهرها فزعم أنه تعالى إذا أحدث
شيئاً قال له كن وهذا ضعيف لأنه، إما أن يقول له كن قبل حدوثه أوحال حدوثه . فان
كان الأول كان ذلك خطاباً مع المعدوم وهو عبث وإن كان الثانى فهو حال حدوثه قد وجد بالقدرة
والإرادة فأى تأثير لقوله كن فيه، ومن الناس من زعم أن المراد من قوله (كن) هو التخليق
والتكوين وذلك لأن القدرة على الشىء غير وتكوين الشىء غير فان الله سبحانه قادر فى الأزل
وغير مكون فى الأزل، ولأنه الآن قادر على عوالم سوى هذا العالم وغير مكون لها ، والقادرية
غير المكونية والتكوين ليس هو نفس المكون لأنا نقول المكون إنما حدث لأن الله تعالى
كونه فأوجده ، فلو كان التكوين نفس المكون لكان قولنا المكون إنما وجد بتكوين الله
تعالى نازلا منزلة قولنا المكون إنما وجد بنفسه وذلك محال ، فثبت أن التكوين غير المكون
فقوله (كن) إشارة الى الصفة المسماة بالتكوين، وقال آخرون قوله (كن) عبارة عن نفاذ
قدرة الله تعالى ومشيئته فى الممكنات . فإن وقوعها بتلك القدرة والإرادة من غير امتناع واندفاع

٢٢٠
قوله تعالى : وإن الله ربي وربكم فاعبدوه . سورة مريم.
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرٌَّ مُسْتَقِيْمْ ﴾ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ
مِنْ بَعْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن ◌َّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٦) أَسْمِعْ رِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ
يَأْتُونَنَالَكِنِ الظَّلِبُونَ الْيَوْمَ فِ ضَلٍ مُبِينٍ ﴾ وَأَنذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذّ
قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِ شَقْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّانَحْنُ زِثُ الْأَرْضَ
وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
يجرى مجرى العبد المطيع المسخر المنقاد لأوامر مولاه، فعبر اللّه تعالى عن ذلك المعنى بهذه العبارة
على سبيل الاستعارة.
قوله تعالى: ﴿وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم، فاختلف الأحزاب من
بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم. أسمع بهم وأبصر يوم بأتوننا لكن الظالمون اليوم
فى ضلال مبين. وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى الأمر وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون. إنا نحن نرث
الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ﴾
اعلم أن قوله ( وإن الله ربى وربكم فاعبدوه ) فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ثم قرأ المدنيون وأبو عمزو بفتح أن، ومعناه ولأنه ربى وربكم فاعبدوه،
وقرأ الكوفيون وأبو عبيدة بالكسر على الابتداء. وفی حرف أبی (إن الله)بالكسر من غير واو
أى بيب ذلك فاعبدوه .
﴿ المسألة الثانية ﴾ أنه لا يصح أن يقول الله ( وإن الله ربي وربكم فاعبدوه) فلا بد وأن
يكون قائل هذا غير الله تعالى، وفيه قولان (الأول ) التقدير فقل يا محمد إن الله ربي وربكم بعد
إظهار البراهين الباهرة فى أن عيسى هو عبد الله (الثانى) قال أبو مسلم الأصفهانى: الواو فى
وإن الله عطف على قول عيسى عليه السلام (إنى عبد الله آتانى الكتاب) كأنه قال إنى عبد الله
وإنه ربى وربكم فاعبدوه، وقال وهب بن منبه عهد إليهم حين أخبرهم عن بعثه ومولده ونعته
أن الله ربي وربكم أى كلنا عبيد اللّه تعالى.
المسألة الثالثة) قوله (وإن الله ربي وربكم) يدل على أن مدبر الناس ومصلح أمورهم هو الله
تعالى على خلاف قول المنجمين إن مدر الناس ومصلح أمورهم فى السعادة والشقاوة هى الكواكب
ويدل أيضاً على أن الإله واحد لأن لفظ اللّه اسم علم له سبحانه فلما قال ( إن الله ربي وربكم)