النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
قوله تعالى : إذ نادى ربه نداء خفياً . سورة مريم .
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءٌ خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِى وَهَنَ الْعَظُمُ مِنِّ وَأَشْتَعَلَ
الَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَبِكَ رَبِّ شَفِيًّا ﴾ وَ إِىِ خِفْتُ الْمَوَلِ مِنْ وَرَِّى وَ
كَانَتِ امْرَِى ◌َقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَُّكَ وَلِّ ◌َيْهِ يَ نْنِى وَبَرِثُ مِنْءَالِ يَعْقُوبَ
وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
يكون رحمة على نبينا محمد بالقيم وعلى أمة محمد لأن الله تعالى لما شرح لمحمد ب لتر طريقه فى
الإخلاص والابتهال فى جميع الأمور إلى اللّه تعالى صار ذلك لفظاً داعياً له ولأمته إلى تلك
الطريقة فكان زكريا. رحمة ، ويحتمل أن يكون المراد أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التى رحم بها
عبده ز کریا.
قوله تعالى ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً) راعى سنة الله فى إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء
عند الله سيان فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد عن الرياء وأدخل فى الإخلاص (وثانيها ) أخفاه
لثلا يلام على طلب الواد فى زمان الشيخوخة ( وثالثها) أسره من مواليه الذين خلفهم ( ورابعها)
خفى صوته لضعفه وهرمه كما جاء فى صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات ، فان قيل من شرط
النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفياً، والجواب من وجهين (الأول) أنه أن بأقصى
ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفا لنهاية الضعف بسبب الكبر فكان ندا.
نظراً إلى قصده وخفياً نظراً إلى الواقع (الثانى) أنه دعا فى الصلاة لأن الله تعالى أجابه فى الصلاة
لقوله تعالى ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب إن الله يبشرك بيحي) فكون الإجابة فى
الصلاة يدل على كون الدعاء فى الصلاة فوجب أن يكون النداء فيها خفياً .
قوله تعالى: ﴿قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً.
وإنى خفت الموالى من ورائى وكانت امرأتى عاقراً فهب لى من لدنك ولياً ، يرثنى ويرث من آل
يعقوب واجعله رب رضياً ﴾ القراءة فيها مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قرى ( وهن ) بالحركات الثلاث
﴿ المسألة الثانية﴾ إدغام السين فى الشين [من الرأس شيباً] عن أبى عمرو
المسألة الثالثة﴾ (وإنى خفت الموالى) بفتح الياء وعن الزهرى باسكان الياء من المؤالى وقرأ
عثمان وعلى بن الحسين ومحمد بن على وسعيد بن جبير وزيد بن ثابت وابن عباس خفت بفتح الخاء
والفاء مشددة وكسر التاء وهذا يدل على معنيين (أحدهما) أن يكون ورائى بمعنى بعدى والمعنى
۔

١٨٢
قوله تعالى : قال رب إني وهن العظم . سورة مريم .
أنهم قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعده فسأل ربه تقويتهم بولى يرزقه ( والثانى) أن يكون بمعنى
قدامى والمعنى أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق من به تقو واعتضاد.
المسألة الرابعة ﴾ القراءة المعروفة (من ورائى) بهمزة مكسورة بعدها ياءساكنة وعن حميد
( ابن مقسم كذلك لكن بفتح الياء وقرأ ابن كثير (وراى) كعصاى.
﴿ المسألة الخامسة﴾ فى يرثنى ويرث وجوه (أحدها) القراءة المعروفة بالرفع فيهما صفة (وثانيها)
وهى قراءة أبي عمرو والكسائى والزهرى والأعمشر وطلحة بالجزم فيهما جواباً للدعاء (وثالثها) عن على
ابن أبى طالب وابن عباس وجعفر بن محمد والحسن وقتادة (يرتى) جزم وارث بوزن فاعل (ورابعها)
عن ابنعباس (يرثى) وارث من آل يعقوب (وخامسها) عن الجحدرى (ويرث) تصغير وارث على وزن
أفيعل (اللغة ) الوهن ضعف القوة قال فى الكشاف شبه الشيب بشواظ النار فى بياضه وأنارته
وانتشاره فى الشعر وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ كاشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند
الاشتعال الى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب ميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم
المخاطب أنه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة ، وأما الدعاء فطلب الفعل ومقابله الإجابة كما
أن مقابل الأمر الطاعة، وأما أصل التركيب فى (ولى (١)) فيدل على معنى القرب والدنو يقال
وليته أليه ولياً أى دنوت وأوليته أدنيته منه وتباعد ما بعده وولى ومنه قول ساعدة [ابن جوية]:
وعدت عواد دون وليك تشغب
وكل ما يليك وجلست مما يليه ومنه الولى وهو المطر الذى يلى الوسمى ، والولية البرذعة لأنها تلى
ظهر الدابة وولى اليقيم والقتيل وولى البلد لأن من تولى أمراً فقد قرب منه، وقوله تعالى ( فول
وجهك شطر المسجد الحرام) من قولهم. ولاه مركنه أى جعله مما يليه، وأما ولى عنى إذا أدبر
فهو من باب تتقيل الحشو للسلب وقولهم فلان أولى من فلان أى أحق أفعل التفضيل من الوالى
أو الولى كالأدنى والأقرب من الدان والقريب وفيه معنى المقرب أيضاً لأن من كان أحق بالشى.
كان أقرب اليه والمولى اسم لموضع الولى كالمربى والمبنى اسم لموضع والمرمى والبناء، وأما العاقر
فهى التى لا تلد والعقر فى اللغة الجرح ومنه أخذ العاقر لأنه نقص أصل الخلقة وعقرت الفرس
بالسيف إذا ضربت قوائمه، وأما الآل فهم خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم اليه ثم قد يؤول أمرهم
اليه للقرابة تارة وللصحبة أخرى كال فرعون والموافقة فى الدين كآل النبى صلى الله عليه وسلم
واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أموراً ثلاثة: (أحدها) كونه ضعيفاً (وانثانى)
أن الله تعالى ما رد دعاءه البتة ( والثالث) كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفعة فى الدين ثم بعد
تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال ( أما المقام الأول ) وهو كونه ضعيفا فأثر الضعف،
(١) التثقيل هنا التشديد. والحشو هنا وسط الكلمة، والسلب هنا معناه الضد والمعنى أنه شدد اللام من ولى ليفهم القد فان
(ولى ) مكسورة اللام مخففة معناها أقبل و (ولى) مفتوحة اللام مشددة معناها أدبر والادبار ضد الاقبال، وهذا معنى تقبل
الحشو السلب والله أعلم

١٨٣
قوله تعالى : قال رب إني وهن العظم . سورة مريم .
إما أن يظهر فى الباطن أو فى الظاهر، والضعف الذى يظهر فى الباطن يكون أقوى تما ظهر فى
الظاهر فلهذا السبب ابتدأ ببيان الضعف الذى فى الباطن وهو قوله ( وهن العظم منى) وتقريره
هو أن العظام أصلب الأعضاء التى فى البدن وجعلت كذلك لمنفعتين: (إحداهما) لأن تكون
أساساً وعمداً يعتمد عليها سائر الأعضاء الآخر إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام والحامل
يجب أن يكون أقوى من المحمول ( والثانية) أنه احتيج اليها فى بعض المواضع لأن تكون جنة
يقوى بها ما سواها من الأعضاء بمنزلة قحف الرأس وعظام الصدر ، وما كان كذلك فيجب أن
يكون صلباً ليكون صبورا على ملاقاة الآفات بعيدا من القبول لها إذا ثبت هذا فنقول إذا كان
العظم أصلب الأعضاء فمتى وصل الأمر إلى ضعفها كان ضعف ماعداها مع رخاوتها أولى، ولأن
العظم إذا كان حاملا لسائر الأعضاء كان تطرق الضعف إلى الحامل موجباً لتطرقه إلى المحمول
فلهذا السبب خص العظم بالوهن من بين سائر الأعضاء وأما أثر الضعف فى الظاهر فذلك استيلاء
الشيب على الرأس فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر وذلك مما
يزيد الدعاء توكيداً لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته والتبرى عن الأسباب الظاهرة
(المقام الثانى) أنه ما كان مردود الدعاء البتة ووجه التوسل به من وجهين (أحدهما) ماروى أن
محتاجاً سأل واحداً من الأكابر وقال أنا الذى أحسنت إنى وقت كذا، فقلا، مرحباً بمن توسل بنا
إلينا ثم قضى حاجته. وذلك أنه إذا قبله أولا فلو أنه رده ثانيا لكان الرد محبطاً للأنعام الأول
والمنعم لا يسعى فى إحباط انعامه (والثانى) وهو أن مخالفة العادة شاقة على النفس فإذا تعود الإنسان
إجابة الدعاء فلو صار مردوداً بعد ذلك لكان فى غاية المشقة ولأن الجفاء بمن يتوقع منه الإنعام
يكون أشق فقال زكريا عليه السلام إنك مارددتنى فى أول الأمر مع أنى ما تعودت لطفك وكنت
قوى البدن قوى القلب فلو رددتنى الآن بعد ماعودتنى القبول مع نهاية ضعفى لكان ذلك بالغأ
إلى الغاية القصوى فى ألم القلب ، واعلم أن العرب تقول سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقى بها
إذا غاب ولم ينلها ومعنى بدعائك أى بدعائى إياك فان الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة وإلى
المفعول أخرى (المقام الثالث) بيان كون المطلوب منتفعاً به فى الدين وهو قوله ( وإنى خفت
الموالى من ورائى) وفيه أبحاث (الأول) قال ابن عباس والحسن إنى خفت الموالى أى الورثة من
بعدى وعن مجاهد العصبة وعن أبى صالح الكلالة وعن الأصم بنو العم وهم الذين يلونه فى النسب
وعن أبى مسلم المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من يقوم بميراثه مقام
الولد، والمختار أن المراد من الموالى الذين يخلفون بعده إما فى السياسة أو فى المال الذى كان له أو
فى القيام بأمر الدين فقد كانت العادة جارية أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب فأنه كان
متعيناً فى الحياة (الثانى) اختلفوا فى خوفه من الموالى فقال بعضهم خافهم على إفساد الدين ، وقال
بعضهم بل خاف أن ينتهى أمره اليهم بعد موته فى مال وغيره مع أنه عرف من سالهم قصورهم فى

١٨٤
قوله تعالى : قال رب إني وهن العظم . سورة مريم .
العلم والقدرة عن القيام بذلك المنصب، وفيه قول ثالث وهو أنه يحتمل أن يكون اللّه تعالى قد أعلمه
أنه لم يبق من أنبياء بنى إسرائيل فى له أب إلا واحد خاف أن يكون ذلك من بنى عمه إذ لم يكن
له ولد فسأل الله تعالى أن يهب له ولداً يكون هو ذلك التى، وذلك يقتضى أن يكون خائفاً من أمر
يهتم بمثله الأنبياء وإن لم يدل على تفصيل ذلك. ولا يمتنع أن زكرياء كان اليه مع النبوة السياسة من
جهة الملك وما يتصل بالإمامة خاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما . أما قوله (وإنى خفت) فهو
وإن خرج على لفظ الماضى لكنه يفيد أنه فى المستقبل أيضاً ، كذلك يقول الرجل قد خفت أن
يكون كذا وخشيت أن يكون كذا أى أنا خائف لا يريد أنه قد زال الخوف عنه وهكذا قوله
( وكانت امرأتى عاقراً) أى أنها عاقر فى الحال وذلك لأن العاقر لا تحول ولوداً فى العادة ففى
الإخبار عنه بلفظ الماضى إعلام بتقادم العهد فى ذلك وغرض زكرياء من هذا الكلام بيان استبعاد
حصول الولد فكان إيراده بلفظ الماضى أقوى وإلى هذا يرجع الأمر فى قوله وإنى خفت الموالى
من ورائى لأنه إنما قصد به الإخبار وعن تقادم الخوف ثم استغنى بدلالة الحال وما يوجب
مسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف فى الحال وأيضاً فقد يوضع الماضى
مكان المستقبل وبالعكس قال الله تعالى (وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس) والله أعلم
وأما قوله من ورائى ففيه قولان ( الأول) قال أبو عبيدة أى قدامى وبين يدى وقال آخرون أى
بعد موتى وكلاهما محتمل فان قيل كيف خافهم من بعده وكيف علم أنهم يبقون بعده فضلا من
أن يخاف شرهم ؟ قلنا إن ذلك قد يعرف بالأمارات والظن وذلك كاف فى حصول الخوف فربما
عرف ببعض الإمارات استمرارهم على عادتهم فى الفساد والشر واختلف فى تفسير قوله (فهب لى
من لدنك ولياً) فالأكثرون على أنه طلب الولد وقال آخرون بل طلب من يقوم مقامه ولداً كان
أو غيره والأقرب هو الأول لثلاثة أوجه (الأول) قوله تعالى فى سورة آل عمران حكاية عنه
( قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة) (والثانى) قوله فى هذه السورة (هب لى من لدنك ولياً
یر ٹنی ویرٹ من آل يعقوب) (والثالث) قوله تعالى فى سورة الآنیاء ( وز کریا إذ نادی ر به رب
لا تذرنى فرداً) وهذا يدل على أنه سأل الولد لأنه قد أخبر فى سورة مريم أن له موالى وأنه غير
منفرد عن الورثة وهذا وإن أمكن حمله على وارث يصلح أن يقوم مقامه لكن حمله على الولد
أظهر واختج أصحاب القول الثالث بأنه لما بشر بالولد استعظم على سبيل التعجب فقال أنى يكون
لى غلام ولو كان دعاؤه لأجل الولد لما استعظم ذلك (الجواب) أنه عليه السلام سأل عما يوهب
له أيوهب له وهو وامرأته على هيئتهما أو يوهب بأن يحولا شابين يكون لمثلهما ولد؟ وهذا يحكى
عن الحسن وقال غيره إن قول زكريا عليه السلام فى الدعاء (وكانت امر أتى عاقراً) إنما هو على
معنى مسألته ولداً من غيرها أو منها بأن يصلحها اللّه للولد فمكانه عليه السلام قال إنى أيست أن
يكون لى منها ولد فهب لى من لدنك وليا كيف شئت إما بأن تصلحها فيكون الولد منها أو بأن

١٨٥
قوله تعالى : قال رب إني وهن العظم . سورة مريم .
نهب لى من غيرها فلما بشر بالغلام سأل أيرزق منها أو من غيرها فأخبر بأنه يرزق منها واختلفوا
فى المراد بالميراث على وجوه (أحدها) أن المراد بالميراث فى الموضعين هو وراثة المال وهذا قول
ابن عباس والحسن والضحاك (وثانيها) أن المراد به فى الموضعين وراثة النبوة وهو قول أبى صالح
(وثالثها) يرثنى المال ويرث من آل يعقوب النبوة وهو قول السدى ومجاهد والشعبى وروى أيضاً
عن ابن عباس والحسن والضحاك (ورابعها) يرثنى العلم ويرث من آل يعقوب النبوة وهو مروى
عن مجاهد واعلم أن هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهى المال ومنصب الحبورة والعلم
والنبوة والسيرة الحسنة ولفظ الإرث مستعمل فى كلها أما فى المال فلقوله تعالى (أورثكم أرضهم
وديارهم وأموالهم) وأما فى العلم فلقوله تعالى (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسرائيل
الکتاب) وقال عليه السلام(( العلماء ورثةالأنبياء، وإن الأنبياء لم یور ثوا ديناراً ولا درهما وإنما
ورثوا العلم )) وقال تعالى (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير من
عباده المؤمنين وورث سليمان داود) وهذا يحتمل وراثة الملك ووراثة النبوة وقد يقال أورثنى
هذا غماً وحزناً، وقد ثبت أن اللفظ محتمل لتلك الوجوه. واحتج من حمل اللفظ على وراثة المال
بالخبر والمعقول أما الخبر فقوله عليه السلام ((رحم الله زكريا ما كان له من ير ثه » وظاهره يدل على
أن المراد إرث المال وأما المعقول فمن وجهين (الأول) أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث بل
لاتحصل إلا بالا کتساب فو جب حمله على المال ( الثانى) (أنه قال واجعله رب رضیاً) ولو كان
المراد من الإرث إرث النبوة لكان قد سأل جعل التى يتم رضياً وهو غير جائز لأن النبى
لا يكون إلا رضياً معصوما، وأما قوله عليه السلام ((إنا معشر الأنبياء لا نورث ماتركناه صدقة))
فهذالا يمنع أن يكون خاصا به واحتج من حمله على العلم أو المنصب والنبوة بما علم من حال الأنبياء
أن اهتمامهم لا يشتد بأمر المال كما يشتد بأمر الدين ، وقيل لعله أوتى من الدنيا ما كان عظيم النفع فى
الدين فلهذا كان مهتما به أما قوله النبوة كيف تورث قلنا المال إنما يقال ورثه الابن بمعنى قام فيه
متاه أبيه وحصل له من فائدة التصرف فيه ماحصل لأبيه وإلا فملك المال من قبل الله لا من قبل
المورث فكذلك إذا كان المعلوم فى الإبن أن يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين بعده جاز أن يقال
ورثه أما قوله عليه السلام ((إنا معشر الأنبياء)) فهذا وإن جاز حمله على الواحد كما فى قوله تعالى
( إنا نحن نزلنا الذكر) لكنه مجاز وحقيقته الجمع والعدول عن الحقيقة من غير موجب لا يجوز
لاسيما وقدروى قوله ((إنا معاشر الأنبياء لانورث)) والأولى أن يحمل ذلك على كل مافيه نفع وصلاح
فى الدين وذلك يتناول النبوة والعلم والسيرة الحسنة والمنصب النافع فى الدين والمال الصالح، فان
كل هذه الأمور مما يجوز توفر الدواعى على بقائها ليكون ذلك النفع دائما مستمراً (السابع) أتفق
أكثر المفسرين على أن يعقوب ههنا هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام لأن زوجة
زكريا. هى أخت مريم وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب وأما زكريا.

١٨٦
قوله تعالى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام . سورة مريم .
يَتَزَ كَرِيَّ ◌ِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَهِ أَسْمُ, يَحْيِى لَمْ تَجْعَل لَّهُ، مِن قَبْلُ سَمِيًّا يه
عليه السلام فهو من ولد هرون أخى موسى عليه السلام وهرون وموسى عليهما السلام من ولد
لاوى بن يعقوب بن إسحق وكانت النبوة فى سبط يعقوب لأنه هو إسرائيل عبد الله وقال بعض
المفسرين ليس المراد من يعقوب ههنا ولد إسحق بن ابراهيم عليه السلام بل يعقوب بن مائان
أخو عمران بن مائان وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكريا. وهذا قول الكلى ومقاتل .
وقال الكلبى كان بنو ماثان رؤوس بنى إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس الأحبار يومئذ
فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بنى مائان ملكهم ، واعلم أنهم ذكروا فى تفسير الرضى
وجوهاً (أحدها) أن المراد واجعله رضياً من الأنبياء وذلك لأن كلهم مرضيون فالرضى منهم
مفضل على جملتهم فائق لهم فى كثير من أمورهم فاستجاب الله تعالى له ذلك فوهب له سيداًوحصورا
ونبياً من الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية، وهذا غاية ما يكون به المرء رضياً (وثانيها) المراد
بالرضى أن يكون رضياً فى أمته لا يتلقى بالتكذيب ولا يواجه بالرد ( وثالثها ) المراد بالرضى أن
لا يكون متهما فى شىء ولا يوجد فيه مطعن ولا ينسب اليه شىء من المعاصى (ورابعها ) أن
ابراهيم واسماعيل عليهما السلام قالا فى الدعاء (ربنا واجعلنا مسلمين لك) وكانا فى ذلك الوقت
مسلمين، وكأن المراد هناك ثبتنا على هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا ههنا
واحتج أصحابنا فى مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضياً بفعله، فلما سأل الله تعالى
جعله رضيا دل على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى. فان قيل المراد منه أن يلطف له بضروب
الألطاف فيختار ما يصير مرضيا فينسب ذلك الى اللّه تعالى، والجواب من وجهين (الأول ) أن
جعله رضياً لو حملناه على جعل الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضيا لكان ذلك مجازاًوهو
خلاف الأصل ( والثانى ) أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما
كان واجبا لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع.
قوله تعالى : ﴿يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحي لم نجعل له من قبل سمياً﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى من المنادى بقوله يازكريا، فالأكثرون على أنه هو اللّه تعالى
وذلك لأن ماقبل هذه الآية يدل على أن زكريا عليه السلام إنما كان يخاطب اللّه تعالى ويسأله
وهو قوله (رب إنى وهن العظم منى) وقوله ( ولم أكن بدعائك رب شقياً) وقوله (فهب لى)
وما بعدها يدل على أنه كان يخاطب اللّه تعالى وهو يقول (رب أنى يكون لى غلام) وإذا كان
ما قبل هذه الآية وما بعدها خطابا مع الله تعالى وجب أن يكون النداء من الله تعالى وإلا لفسد
النظم، ومنهم من قال هذا نداء الملك واحتج عليه بوجهين (الأول ) قوله تعالى فى سورة آل عمران
(فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن اللّه يبشرك بيحى)، (الثانى) أن زكريا

١٨٧
قوله تعالى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام . سورة مريم .
عليه السلام لما قال ( أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً، قال
كذلك قال ربك هو على هين) وهذا لا يجوز أن يكون كلام اللّه فوجب أن يكون كلام الملك
( والجواب) عن الأول أنه يحتمل أن يقال حصل النداء ان نداء الله ونداء الملائكة (وعن الثانى)
أنا نبين إن شاء الله تعالى أن قوله (قال كذلك قال ربك هوعلى هين ) يمكن أن يكون كلام الله .
المسألة الثانية ) فإن قيل إن كان الدعاء باذن فما معنى البشارة، وإن كان بغير إذن فلماذا أقدم
عليه؟ والجواب هذا أمريخصه فيجوزأن يسأل بغير إذن، ويحتمل أنه أذن له فيه ولم يعلم وقته فبشربه .
المسألة الثالثة﴾ إختلف المفسرون فى قوله ( لم يجعل له من قبل سمياً ) على وجهين ؛
(أحدهما) وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة أنه لم يسم أحد قبله بهذا
الإسم (الثانى) أن المراد بالسمى النظير كما فى قوله ( هل تعلم له سمياً) واختلفوا فى ذلك على
وجوه (أحدها) أنه سيد وحصور لم يعص ولم يهم بمعصية كأنه جواب لقوله ( واجعله رب
رضياً ) فقيل له إنا نبشرك بغلام لم نجعل له من قبل شبيها فى الدين، ومن كان هكذا فهو فى
غاية الرضا. وهذا الوجه ضعيف لأنه يقتضى تفضيله على الأنبياء الذين كانوا قبله كآدم ونوح
وإبراهيم وموسى وذلك باطل بالاتفاق (وثانيها) أن كل الناس إنما يسميهم آبائهم وأمهاتهم
بعد دخولهم فى الوجود، وأما يحي عليه السلام فان الله تعالى هو الذى سماه قبل دخوله فى
الوجود فكان ذلك من خواصه فلم يكن له مثل وشبيه فى هذه الخاصية ( وثالثها ) أنه ولد بين شيخ
فان وعجوز عاقر، واعلم أن الوجه الأول أولى وذلك لأن حمل السمى على النظير وإن كان يفيد
المدح والتعظيم ولكنه عدول عن الحقيقة من غير ضرورة وإنه لا يجوز ، وأما قول الله تعالى
( هل تعلم له سمياً) فهناك إنما عدلنا عن الظاهر لأنه قال (فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له
سمياً) ومعلوم أن مجرد كونه تعالى مسمى بذلك الإسم لا يقتضى وجوب عبادته، فلهذه العلة عدلنا
عن الظاهر، أما ههنا لاضرورة فى العدول عن الظاهر فوجب اجراؤه عليه ولأن فى تفرده
بذلك الإسم ضرباً من التعظيم لأنانشاهد أن الملك إذا كان له لقب مشهور فان حاشيته لا يتلقبون
به بل يتركونه تعظيما له فكذلك ههنا .
المسألة الرابعة ) فى أنه عليه السلام سمى بيحيى روى الثعلى فيه وجوها (أحدها ) عن
ابن عباس رضى الله عنهما أن الله تعالى أحيا به عقر أمه (وثانبها) عن قتادة أن الله تعالى أحيا
قلبه بالإيمان والطاعة واللّه تعالى سمى المطيع حياً والعاصى ميتاً بقوله تعالى ( أو من كان ميتاً
فأحييناه) وقال (إذا دعاكم لما يحييكم) (وثالثها) إحياؤه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية لما
روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما من أحد
إلا وقد عصى أو هم إلا يحيى بن زكريا فانه لم يهم ولم يعملها)) (ورابعها) عن أبى القاسم بن حبيب
أنه استشهد وأن الشهداء أحياء عندربهم لقوله تعالى (من أحياء عند ربهم). (وخامسها) ما قاله

١٨٨
قوله تعالى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام . سورة مريم .
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ تُلَمْ وَكَانَتِ امْرَأْتِى تَقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبْرِ
٤
عِبَّا
٨
عمرو بن عبد الله المقدسى: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن قل ليسارة، وكان اسمها
كذلك، بأنى مخرج منها عبداً لايهم بمعصية اسمه حي. فقال هى له من اسمك حرفا فوهبته حرفا من
اسمها فصار يحمي وكان اسمها يسارة فصار اسمها سارة (وسادسها) أن يحيى عليه السلام أول من
آمن بعيسى فصار قلبه حياً بذلك الإيمان وذلك أن أم يحمي كانت حاملا به فاستقبلتها مريم وقد
حملت بعيسى فقالت لها أم يحيى يامريم أحامل أنت ؟ فقالت لماذا تقولين؟ فقالت إنى أرى ما فى بطنى
يسجد لما فى بطنك ( وسابعها) أن الدين يحيا به لأنه إنما سأله زكريا لأجل الدين، وأعلم أن
هذه الوجوه ضعيفة لأن أسماء الألقاب لا يطلب فيها وجه الإشتقاق، ولهذا قال أهل التحقيق
أسماء الألقاب قائمة مقام الاشارات وهى لا تفيد فى المسمى صفة البتة .
قوله تعالى: ﴿ قال رب أنى يكون لى غلام وكانت امر أتى عافراً وقد بلغت من الكبر عتياً ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائى عتياً وصلياً وجثياً وبكياً بكسر العين والصاد والجيم
والباء، وقرأ حفص عن عاصم بكيا بالضم والباقى بالكسر والباقون جميعاً بالضم ، وقرأ ابن مسعود
بفتح العين والصاد من عتياً وصلياً. وقرأ أبى بن كعب وابن عباس عسياً بالسين غير المعجمة
والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ فى الألفاظ وهى ثلاثة ( الأول) الغلام الانسان الذكر فى ابتداء شهوته
للجماع ومنه اغتلم إذا اشتدت شهوته للجماع ثم يستعمل فى التلميذ يقال غلام ثعلب ( الثانى) العنى
والعسى واحد تقول عنا يعتو عتواً وعتيباً فهو عات وعنا يعسو عسواً وعسياً فهو عام والعاسى
هو الذى غيره طول الزمان إلى حال اليؤس وليل عات طويل وقيل شديد الظلمة (الثالث ) لم يقل
عاقرة لأن ما كان على فاعل من صفة المؤنث بما لم يكن للمذكر فإنه لا تدخل فيه الها. نحو امرأة
عاقر وحائض قال الخليل هذه صفات مذكرة وصف بها المؤنث كما وصفوا المذكر بالمؤنث حين
قالوا رجل ملحة وربعة وغلام نفعة .
المسألة الثالثة) فى هذه الآية سؤالان (الأول) أن زكريا عليه السلام لم تعجب بقوله (أنى
يكون لى غلام) مع أنه هو الذى طلب الغلام؟ (السؤال الثانى) أن قوله أنى يكون لى غلام لم يكن
هذا مذكوراً بين أمته لأنه كان يخفى هذه الأمور عن أمته فدل على أنه ذكره فى نفسه، وهذا التعجب
يدل على كونه شاكا فى قدرة الله تعالى على ذلك وذلك كفر وهو غير جائز على الأنبياء عليهم

قوله تعالى : قال كذلك قال ربك هو على هين . سورة مريم . ١٨٩
قَلَ كَذَلِكَ قَلَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيْنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا
السلام (والجواب ) عن السؤال الأول أماعلى قول من قال أنه لم يطلب خصوص الولد فالسؤال
زائل : وأما على قول من قال إنه طلب الولد فالجواب عنه أن المقصود من قوله (أنى يكون لى غلام)
هو التعجب من أنه تعالى يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد مع
الشيخوخة بطريق الاستعلام لا بطريق التعجب ، والدليل عليه قوله تعالى (وزكريا إذ نادى ربه
رب لا تذرنى فرداً وأنت خير الوارثين ، فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه) وما هذا
الاصلاح إلا أنه أعاد قوة الولادة وقد تقدم تقرير هذا الكلام ، وذ کر السدی فی الجواب وجهاً
آخر فقال: إنه لما سمع النداء بالبشارة جاءه الشيطان فقال إن هذا الصوت ليس من اللّه تعالى بل
هو من الشيطان يسخر منك، فلما شك زكريا قال (أنى يكون لى غلام) واعلم أن غرض السدى من
هذا أن زكريا عليه السلام لو علم أن المبشر بذلك هو الله تعالى لما جازله أن يقول ذلك فارتكب
هذا ، وقال بعض المتكلمين هذا باطل قطعاً إذ لوجوز الأنبياء فى بعض مايرد عن الله تعالى أنه من
الشيطان لجوزوا فى سائره ولزالت الثقة عنهم فى الوحى وعنا فيما يوردونه إلينا ويمكن أن يجاب
عنه بأن هذا الاحتمال قائم فى أول الأمر وإنما يزول بالمعجزة فلعل المعجزة لم تكن حاصلة فى
هذه الصورة حصل الشك فيها دون ماعداها والله أعلم، والجواب عن السؤال الثانى من وجوه
(الأول) أن قوله (إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى) ليس نصاً فى كون ذلك الغلام ولداً له بل يحتمل
ان زكريا عليه السلام راعى الأدب ولم يقل هذا الكلام هل يكون لى ولد أم لا، بل ذكر أسباب
تعذر حصول الولد فى العادة حتى أن تلك البشارة إن كانت بالولد فالله تعالى يزيل الابهام ويجعل
الكلام صريحاً فلما ذکر ذلك صرح الله تعالی بکون ذلك الولد منه فکان الغرض من كلام زكريا
هذا لا أنه كان شاكا فى قدرة الله تعالى عليه ( الثانى) أنه ماذكر ذلك المشك لكن على وجه
التعظيم لقدرته وهذا كالرجل الذى يرى صاحبه قدوهب الكثير الخطير فيقول أنى سمحت نفسك
باخراج مثل هذاٍ من ملكك! تعظيما وتعجباً (الثالث) أن من شأن من بشر بما يتمناه أن يتولد
له فرط السرور به عند أول مايرد عليه استثبات ذلك الكلام إما لأن شدة فرحه به توجب ذهوله
عن مقتضيات العقل والفكر وهذا كما أن امرأة ابراهيم عليه السلام بعد أن بشرت باسحتى قالت
(أآلد وأنا معجوز وهذا بعلى شيخاً إن هذا لشىء عجيب) فأزيل تعجبها بقوله (أتعجبين من أمر الله)
وإما طلباً للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى، وإما مبالغة فى تأكيد التفسير.
قوله تعالى: ﴿قال كذلك قال ربك هو على مين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً﴾ وفيه مسائل
المسألة الأولى ﴾ فى قوله ( قال ربك هو مين ) وجوه (أحدها ) أن الكاف رفع أى
الأمر كذلك تصديقاً له ثم ابتدأ قال ربك ( وثانيها) نصب يقال وذلك إشارة إلى مبهم تفسيره

١٩٠
قوله تعالى : قال رب اجعل لي آية . سورة مريم .
قَالَ رَبِّ أَجْعَل لَّ ءَايَةً قَالَ ءَ ايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ اَلنَّاسَ ثَثَ لَيَالٍ سَوِيًّاً
١٠
هو على هين وهو كقوله تعالى (وقضينا إليه ذلك الأمرأن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) (وثالثها)
أن المراد لا تعجب فإنه كذلك قال ربك لا خلف فى قوله ولا غلط ثم قال بعده هو على هين بدليل
خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ( ورابعها) أنا ذكرنا أن قوله أبى يكون لى غلام معناه تعطينى
الغلام بأن تجعلنى وزوجتى شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة ومع ذلك تعطينا الولد ، وقوله
(كذلك قال ربك ) أى نهب الولد مع بقائك وبقاء زوجتك على الحاصلة فى الحال.
المسألة الثانية﴾ قرأ الحسن وهو على هين وهذا لايخرج إلا على الوجه الأول أى الأمر
كما قلت ولكن قال ربك هو مع ذلك على هين.
﴿ المسألة الثالثة﴾ إطلاق لفظ الحين فى حق الله تعالى مجاز لأن ذلك إنما يجوز فى حق من
يجوز أن يصعب عليه شىء ولكن المراد أنه إذا أراد شيئاً كان.
﴿ المسألة الرابعة) فى وجه الاستدلال بقوله تعالى (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) فنقول
إنه لما خلقه من العدم الصرف والنفى المحض كان قادراً على خلق الذوات والصفات والآثار وأما
الآن يخلق الولد من الشيخ والشيخة لا يحتاج فيه إلا إلى تبديل الصفات والقادر على خلق الذوات
والصفات والآثار معاً أولى أن يكون قادراً على تبديل الصفات وإذا أوجده عن عدم فكذا
يرزقه الولد بأن يعيد إليه وإلى صاحبته القوة التى عنها يتولد الماءان اللذان من اجتماعهما يخلق
الولد ولذلك قال ( فاستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه) فهذا وجه الاستدلال.
﴿ المسألة الخامسة﴾ الجمهور على أن قوله قال كذلك قال ربك يقتضى أن القائل لذلك ملك
مع الاعتراف بأن قوله (يازكريا إنا نبشرك) قول الله تعالى وقوله ( هو على هين) قول الله تعالى
وهذا بعيد لأنه إذا كان ما قبل هذا الكلام وما بعده قول الله تعالى فكيف يصح إدراج هذه الألفاظ
فيما بين هذين القولين، والأولى أن يقال قائل هذا القول أيضاً هو الله تعالى كما أن الملك العظيم
إذا وعد عبده شيئاً عظيما فيقول العبد من أين يحصل لى هذا فيقول إن سلطانك ضمن لك ذلك
كأنه ينبه بذلك على أن كونه سلطاناً مما يوجب عليه الوفاء بالوعد فكذا ههنا.
قوله تعالى: ﴿قال رب اجعل لى آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا﴾
وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم طلب الآية لتحقيق البشارة وهذا بعيد لأن بقول الله تعالى قد
تحققت البشارة فلا يكون إظهار الآية أقوى فى ذلك من صريح القول وقال آخرون البشارة بالولد
وقعت مطلقة فلا يعرف وقتها بمجرد البشارة فطلب الآية ليعرف بها وقت الوقوع وهذا هو الحق.

قوله تعالى : فخرج على قومه من المحراب . سورة مريم . ١٩١
تَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِحُواْ بُكَرَّةً وَعَنِيًّا
المسألة الثانية﴾ اتفقوا على أن تلك الآية هى تعذر الكلام عليه فإن مجرد السكوت مع
القدرة على الكلام لا يكون معجزة ثم اختلفوا على قولين: (أحدهما) أنه اعتقل لسانه أصــلا
( والثانى) أنه امتنع عليه الكلام مع القوم على وجه المخاطبة مع أنه كان متمكناً من ذكر الله ومن
قراءة التوراة وهذا القول عندى أصح لأن اعتقال اللسان مطلقاً قد يكون لمرض وقد يكون من
فعل الله فلا يعرف زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتقال معجزاً إلا إذا عرف أنه ليس لمرض بل
لمحض فعل الله تعالى مع سلامة الآلات وهذا مما لا يعرف إلا بدليل آخر فتفتقر تلك الدلالة
إلى دلالة أخرى ، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام مع القوم مع اقتداره على التكلم بذكر الله تعالى
وقراءة التوراة علم بالضرورة أن ذلك الاعتقال ليس لعلة ومرض بل هو لحض فعل الله فيتحقق
کونه آية ومعجزة ومما يقوى ذلك قوله تعالى ( آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً) خص
ذلك بالتكلم مع الناس وهذا يدل بطريق المفهوم أنه كان قادراً على التكلم مع غير الناس .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى معنى ( سوياً) فقال بعضهم هو صفة ليالى الثلاث وقال أكثر
المفسرين هو صفة لزكريا والمعنى: آيتك أن لا تكلم الناس فى هذه المدة مع كونك سوياً لم
يحدث بك مرض .
قوله تعالى: ﴿ فرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى) قوله تعالى (يفرج على قومه من المحراب) قيل كان له موضع ينفرد فيه
بالصلاة والعباد ثم ينتقل إلى قومه فعند ذلك أوحى اليهم، وقيل كان موضعاً يصلى فيه هو وغيره
إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه وأنهم اجتمعوا ينتظرون خروجه للاذن فرج اليهم
وهو لا يتكلم فأوحى اليهم .
المسألة الثانية) لا يجوز أن يكون المراد من قوله أوحى اليهم الكلام لأن الكلام كان
متعاً عليه فكان المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك إما بالاشارة أو برمز مخصوص أو بكتابة
لأن كل ذلك يفهم منه المراد فعلموا أنه قد كان ما بشر به فكما حصل السرور له حصل لهم فظهر
لهم إكرام الله تعالى له بالاجابة، واعلم أن الأشبه بالآية هو الاشارة لقوله تعالى فى سورة
آل عمران ( ثلاثة أيام إلا رمزاً) والرمز لا يكون كناية للكلام.
﴿ المسألة الثالثة) اتفق المفسرون على أنه أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز فى اللغة يقال
سبحة الضحى أى صلاة الضحى وعن عائشة رضى الله عنها فى صلاة الضحى ((إنى لأسبحها) أى
لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روى عن أبى العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشى صلاة العصر

١٩٢
قوله تعالى : يا يحيى خذ الكتاب بقوة . سورة مريم .
يَحْيِ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْرَ صَبِّ ◌َهِ وَحَنَانًا مِّنْ لَّدُنَّا
وَزَكَوَةً وَكَانَ تَقِيًّا (﴾ وَبَّأْ بِوَ لِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَارًا عَصِيّا ﴾ وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ
وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حيّا(
١٥
ويحتمل أن يكون إنما كانوا يصلون معه فى محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم
بلسانه، فلما اعتقل لانه خرج اليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاة وكان تقياً،
وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيا، وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً }
اعلم أنه تعالى وصف ( يحيى) فى هذه الآية بصفات تسع: ( الصفة الأولى ) كونه مخاطباً
من الله تعالى بقوله ( يايجي خذ الكتاب بقوة ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أن قوله (يا يحيى خذ الكتاب) يدل على أن الله تعالى بلغ بيحى المبلغ
الذى يجوز أن يخاطبه بذلك فذف ذكره لدلالة الكلام عليه .
﴿ المسألة الثانية﴾ الكتاب المذكور يحتمل أن يكون هو التوراة التى هى نعمة الله على
بنى إسرائيل لقوله تعالى (ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة) ويحتمل أن يكون
كتاباً خص الله به يحى كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك والأول أولى لأن حمل الكلام
ههنا على المعهود السابق أولى ولا معهود ههنا إلا التوراة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (بقوة) ليس المراد منه القدرة على الآخذ لأن ذلك معلوم لكل
أحد فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على القيام بأمر النبوة وحاصلها يرجع الى
حصول ملكة تقتضى سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه ( الصفة الثانية )
قوله تعالى ( وآتيناه الحكم صبياً) اعلم أن فى الحكم أقوالا (الأول) أنه الحكمة ومنه قول الشاعر:
وأحكم كمكم فتّاة الحى إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
وهو الفهم فى التوراة والفقه فى الدين و( الثانى) وهو قول معمر أنه العقل روى أنه قال
ما للعب خلقنا (والثالث) أنه النبوة فإن الله تعالى أحكم عقله فى صباه وأوحى إليه وذلك لأن الله
تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام وهما صبيان لا كما بعث موسى ومحمداً عليهما السلام، وقد
بلغا الأشد والأقرب حمله على النبوة لوجهين: (الاول ) أن الله تعالى ذكر فى هذه الآية صفات
شرفه ومنقبته ومعلوم أن النبوة أشرف صفات الإنسان فذكرها فى معرض المدح أولى من ذكر
غيرها فوجب أن تكون نبوته مذكورة فى هذه الآية ولا لفظ يصلح للدلالة على النبوة إلا هذه
١

١٩٣
قوله تعالى : يا يحيى خذ الكتاب بقوة . سورة مريم .
اللفظة فوجب حملها عليها ( الثانى) أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولاغيره على الاطلاق
وذلك لا يكون إلا بالنبوة فان قيل كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا؟ قلنا
هذا السائل ، إما أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع منه ، فإن منع منه فقد سد باب النبوات لأن
بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلا خرق العادات ، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد
فانه ليس استبعاد صيرورة الصبى عاقلا أشد من استبعاد انشقاق القير وانغلاق البحر (الصفة
الثالثة) قوله تعالى (وحناناً من لدنا) أعلم أن الحنان أصله من الحنين وهو الارتياح والجزع الفراق
كما يقال حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها ذكر الخليل ذلك وفى الحديث « أنه عليه
السلام كان يصلى إلى جذع فى المسجد فلما اتخذ له المنبر وتحول اليه حنت تلك الخشبة حتى سمع
حنينها)) فهذا هو الاصل ثم قيل تحنن فلان على فلان إذا تعطّف عليه ورحمه، وقد اختلف الناس
فى وصف الله بالحنان فأجازه بعضهم، وجعله بمعنى الرؤوف الرحيم، ومنهم من أباه لما يرجع
اليه أصل الكلمة قالوا لم يصح الخبر بهذه اللفظة فى أسماء اللّه تعالى، إذا عرفت هذا فنقول: الحنان
هنا فيه وجهان ( أحدهما ) أن يجعل صفة لله (وثانيهما) أن يجعل صفة ليحيى أما إذا جعلناه صفة
لله تعالى فنقول: التقدير وآتيناه الحكم حناناً أى رحمة منا، ثم ههنا احتمالات (الأول ) أن يكون
الحنان من الله ليحى، المعنى آتيناه الحكم صبياً، ثم قال (وحناناً من لدنا) أى إنما آتيناه الحكم
صبياً حناناً من لدنا عليه أى رحمة عليه وزكاة أى وتزكية له وتشريفاً له ( الثانى) أن يكون الحنان
من الله تعالى لزكريا عليه السلام فكانه تعالى قال إنما استجبنا لزكريا دعوة بأن أعطيناه واداً
ثم آتيناه الحكم صبيا وحناناً من لدنا عليه أى على زكريا فعلنا ذلك (وزكاة) أى وتزكية له عن
أن يصير مردود الدعاء (والثالث) أن يكون الحنان من الله تعالى لأمة يحيى عليه السلام كأنه
تعالى قال ( وآتيناه الحكم صبياً وحناناً) منا على أمته لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده، أما إذا
جعلناه صفة ليحيى عليه السلام ففيه وجوه (الأول ) آتيناه الحكم والحنان على عبادنا أى التعطف
عليهم وحسن النظر على كافتهم فيما أوليه من الحكم عليهم كما وصف نبيه فقال (فبما رحمة من الله
لنت لهم) وقال (حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) ثم أخبر تعالى أنه آتاه زكاة، ومعناه
أن لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب لأن الرأفة واللين ربما أورناترك الواجب
ألا ترى الى قوله تعالى ( ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله) وقال (قاتلوا الذين يلونكم من
الكفار ونيجدوا فيكم غلظة) وقال ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل
الله ولا يخافون لومة لائم) فالمعنى إنما جعلنا له التعطف على عباد الله مع الطهارة عن الإخلال
بالواجبات، ويحتمل آتيناه التعطف على الخلق والطهارة عن المعاصى فلم يعص ولم يهم بمعصية، وفى
الآية وجه آخر وهو المنقول عن عطاء بن أبي رباح ( وحناناً من لدنا) والمعنى آتيناه الحكم مياً
تعظيما إذ جعلناه نبياً وهو صى ولا تعظيم أكثر من هذا والدليل عليه ماروى أنه مر ورقة ابن
الان ٠٠١١١١-١٣٠٢١

١٩٤
قوله تعالى : يا يحيى خذ الكتاب بقوة - سورة مريم .
نوفل على بلال وهو يعذب قد ألصق ظهره برمضاء البطحاء، ويقول: أحد أحد فقال والذى
نفسى بيده لئن قتلتموه لأ تخذنه حناناً أى معظما. ( الصفة الرابعة ) قوله (وزكاة ) وفيه وجوه
(أحدها) أن المراد وآتيناه زكاة أى عملا صالحاً زكياً، عن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج
و(ثانيها) زكاة لمن قبل منه حتى يكونوا أزكياء عن الحسن (وثالثها) زكيناه بحسن الثناء كما تزكى الشهود
الإنسان (ورابعها) صدقة تصدق الله بها على أبويه عن الكلبى (وخامسها) بركة ونماء وهو الذى قال
عيسى عليه الصلاة والسلام (وجعلنى مباركا أينما كنت) واعلم أن هذا يدل على أن فعل العبد خلق
لله تعالى لأنه جعل طهارته وزكاته من اللّه تعالى وحمله على الألطاف بعيد لأنه عدول عن الظاهر
(الصفة الخامسة) قوله (وكان تقياً) وقد عرفت معناه وبالجملة فإنه يتضمن غاية المدائح لأنه هو الذى
يتقى نهى اللّه فيجتنبه ويتقى أمره فلا يهمله، وأولى الناس بهذا الوصف من لم يعص الله ولا يهم بمعصية
وكان يحیی عليه الصلاة والسلام كذلك ، فان قيل مامعنى (وكان تقياً) وهذا حين ابتداء تكليفه قلنا
إنما خاطب الله تعالى بذلك الرسول وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم الله عليه (الصفة السادسة)
قوله ( وبراً بوالديه ) وذلك لأنه لاعبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين، ولهذا السبب
قال (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا). ( الصفة السابعة ) قوله (ولم يكن
جباراً) والمراد وصفه بالتواضع ولين الجانب وذلك من صفات المؤمنين كقوله تعالى (وأخفض
جناحك للمؤمنين) وقال تعالى (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) ولأن رأس
العبادات معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعظمة وانكمال ومن عرف نفسه بالذل وعرف
ربه بالكمال كيف يليق به الترفع والتجبر ، ولذلك فان إبليس لما تجبر وتمرد صار مبعداً عن رحمة
اللّه تعالى وعن الدين وقيل الجبار هو الذى لايرى لأحد على نفسه حقاًوهو من العظم والذهاب
بنفسه عن أن يلزمه قضاء حق أحد، وقال سفيان فى قوله ( جباراً عصياً ) إنه الذى يقبل على
الغضب والدليل عليه قوله تعالى ( أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون
جباراً فى الأرض ) وقيل كل من عاقب على غضب نفسه من غير حق فهو جبار لقوله تعالى (وإذا
بطشنتم بطشتم جبارين). (الصقة الثامنة ) فوله (عصياً) وهو أبلغ من العاصى كما أن العليم أبلغ
من العالم (الصفة التاسعة ) قوله (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً) وفيه أقوال
(أحدها ) قال محمد بن جرير الطبرى (وسلام عليه ) أى أمان من الله يوم ولد من أن يناله
الشيطان كما ينال سائر بنى آدم (ويوم بموت) أى وأمان عليه من عذاب القبر (ويوم يبعث حياً)
أى ومن عذاب القيامة ( وثانيها ) قال سفيان بن عيينة أوحشٍ ما يكون الخلق فى ثلاثة مواطن
يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما ماشاهدهم قط ، ويوم يبعث
فيرى نفسه فى محشر عظيم فأكرم الله يحيى عليه الصلاة والسلام خصه بالسلام عليه فى هذه المواطن
الثلاثة ( و ثالثها) قال عبد الله بن نفطویه( وسلام علیه یوم ولد ) أى أول مايرى الدنيا (ويوم

١٩٥
قوله تعالى : يا يحيى خذ الكتاب بقوة . سورة مريم .
يموت) أى أول يوم يرى فيه أول أمر الآخرة (ويوم يبعث حياً) أى أول يوم يرى فيه الجنة
والنار وهو يوم القيامة، وإنما قال ( حياً) تنبيها على كونه من الشهداء لقوله تعالى ( بل أحياء
عند ربهم يرزقون) (فروع) الأول هذا السلام يمكن أن يكون من اللّه تعالى وأن يكون من
الملائكة وعلى التقديرين فدلالة شرفه وفضله لاتختلف لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله
تعالى ( الثانى) ليحي مزية فى هذا السلام على ما لسائر الأنبياء عليهم السلام كقوله ( سلام على
نوح فى العالمين، سلام على إبراهيم) لأنه قال (ويوم ولد) وليس ذلك لسائر الأنبياء عليهم السلام
(الثالث) روى أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه السلام: أنت أفضل منى لأن الله تعالى
سلم عليك وأنا سلمت على نفسى، وهذا ليس يقوى لأن سلام عيسى على نفسه يجرمی مجرى
سلام الله على يحي لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمره الله به (الرابع ) السلام عليه يوم
ولد لا بد وأن يكون تفضلا من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه ما يكون ذلك جزاء له ، وأما
السلام عليه يوم يموت ويوم يبعث فى المحشر، فقد يجوز أن يكون ثواباً كالمدح والتعظيم
والله تعالى أعلم. القول فى فوائد هذه القصة (الفائدة الاولى) تعليم آداب الدعاء وهى من جهات
(أحدها) قوله (نداء خفياً) وهو يدل على أن أفضل الدعاء ماهذا حاله ويؤكد قوله تعالى (ادعوا
ربكم تضرعاً وخفية ) ولأن رفع الصوت مشعر بالقوة والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف
والانكسار وعمدة الدعاء الانكسار والتبرى عن حول النفس وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى
وإحسانه (وثانيها) أن المستحب أن يذكر فى مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما فى قوله تعالى عنه
(وهن العظم منى واشتعل الرأس شيباً) ثم يذكر كثرة نعم الله على ما فى قوله (ولم أكن بدعائك
رب شقيا) (وثالثها) أن يكون الدعاء لأجل شىء متعلق بالدين لا بمحض الدنيا كما قال ( وإنى
خفت الموالى من ورائى) ( ورابعها) أن يكون الدعاء بلفظ يارب على ما فى هذا الموضع (الفائدة
الثانية ) ظهور درجات زكريا ويحيى عليهما السلام أما زكريا فأمور (أحدها) نهاية تضرعه فى
نفسه وانقطاعه إلى الله تعالى بالكلية (وثانيها) إجابة اللّه تعالى دعاءه ( وثالثها) أن الله تعالى ناداه
وبشره أو الملائكة أو حصل الأمران معاً ( ورابعها) اعتقال لسأنه عن الكلام دون التسبيح
( وخامسها ) أنه يجوز للأنبياء عليهم السلام طلب الآيات لقوله رب اجعل لى آية ( الفائدة الثالثة )
كونه تعالى قادراً على خلق الولد وإن كان الأبوان فى نهاية الشيخوخة "رداً على أهل الطبائع
(الفائدة الرابعة) صحة الاستدلال فى الدين لقوله تعالى (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً)
(الفائدة الخامسة) أن المعدوم ليس بشىء والآية نص فى ذلك فان قيل المراد ولم تك شيئاً مذكوراً
كما فى قوله تعالى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) قلنا الإضمار خلاف
الأصل والخصم أن يقول الآية تدل على أن الإنسان لم يكن شيئاًونحن نقول به لأن الإنسان عبارة
عن جواهر متألفة قامت بها أعراض مخصوصة والجواهر المتألفة الموصوفة بالأعراض المخصوصة

١٩٦
قوله تعالى : واذكر في الكتاب مريم . سورة مريم .
وَأَذْكُرْفِى الْكِتَبِ مَرْيَ إِذِ اَ نَتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِبًّا (٦) فَتَّخَذَتْ
مِن دُونِهِمُ بِجَابًا فَأَرْسَلْنَآَ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَعَثَّلَ لَهَا بَشَرً ا سَوِيًّا (َ﴾
غير ثابتة فى العدم إنما الثابت هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهى ليست بانسان
فظهر أن الآية لا دلالة فيها على المطلوب (الفائدة السادسة ) أن الله تعالى ذكر هذه القصة فى
سورة آل عمران وذكرها فى هذا الموضع فلنعتبر حالها فى الموضعين فنقول (الأول ) أنه تعالى
بین فی هذه السورة أنه دعا ربه ولم یبین الوقت وبينه فی آل عمران بقوله (كلما دخل عليها زكريا
المحراب وجد عندها رزقاً ، قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء
بغير حساب ، هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة) والمعنى أن زكريا عليه
السلام لما رأى خرق العادة فى حق مريم عليها السلام طمع فيه فى حق نفسه فدعا (الثانى) وهو
أن الله تعالى صرح فى آل عمران بأن المنادى هو الملائكة لقوله (فنادته الملائكة وهو قائم يصلى
فى المحراب) وفى هذه السورة الأظهر أن المنادى بقوله (يازكريا إنا نبشرك) هو الله تعالى وقد بينا أنه
لامنافاة بين الأمرين (الثالث) أنه قال فى آل عمران (أنى يكون لى غلام وقد بلغنى الكبر وامرأتى
عاقر ) فذكر أولا كبر نفسه ثم عقر المرأة وهو فى هذه السورة قال ( أنى يكون لى غلام وكانت
امرأتى عافراً وقد بلغت من الكبر عتياً) وجوابه أن الواو لا تقتضى الترتيب (الرابع) قال فى آل
عمران (وقد بلغنى الكبر) وقال ههذا وقد بلغت من الكبروجوابه أن ما بلغك فقد بلغته (الخامس)
قال فى آل عمران (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً) وقال ههنا (ثلاث ليال سوياً) وجوابه
دلت الآيتان على ان المراد ثلاثة أيام بلياليهن والله أعلم ﴿القصة الثانية ﴾ قصة مريم وكيفية ولادة
عيسى عليه السلام اعلم أنه تعالى إنما قدم قصة يحيى على قصة عيسى عليهما السلام لأن خلق الولد
من شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد لا من الأب البتة وأحسن الطرق فى
التعليم والتقسيم الأخذ من الأقرب فالأقرب مترقياً إلى الأصعب فالأصعب.
قوله تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فاتخذت من دونهم
حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويا﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ إذ بدل من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على مافيها وفيه أن
المقصود بذكر مريم ذكر وقت هذا الوقوع لهذه القصة العجيبة فيه .
المسألة الثانية ﴾ النبذ أصله الطرح والإلقاء والإنتباذ افتعال منه ومنه (فنبذوه وراء ظهورهم)
وانتبذت تنحت يقال جلس نبذة من الناس ونبذة بضم النون وفتحها أى ناحية وهذا إذا جلس
قريباً منك حتى لو نبذت إليه شيئاً وصل إليه ونبذت الشىء رميته ومنه النبيذ لأنه يطرح فى الإناء

١٩٧
قوله تعالى : واذكر في الكتاب مريم . سورة مريم .
وأصله منبوذ فصرف إلى فعيل ومنه قيل للقيط منبوذ لأنه يرمى به ومنه النهى عن المنابذة فى البيع
وهو أن يقول إذا نبذت إليك هذا الثوب أو الحصاة فقد وجب البيع إذ عرفت هذا فنقول قوله
تعالى ( إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقياً) معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان بلى ناحية
الشرق ثم بين تعالى أنها مع ذلك اتخذت من دون أهلها حجاباً مستوراً وظاهر ذلك أنها لم تقتصر
على أن انفردت إلى موضع بل جعلت بينها وبينهم حائلا من حائط أو غيره ويحتمل أنها جعلت
بين نفسها وبينهم ستراً وهذا الوجه الثانى أظهر من الاول ثم لابد فى احتجابها من أن يكون
لغرض صحيح وليس مذكوراً واختلف المفسرون فيه على وجوه (الأول) أنها لما رأت الحيض.
تباعدت عن مكانها المعتاد للعبادة لكى تنتظر الطهر فتغتسل وتعرد فلما طهرت جاءها جبريل عليه
السلام ( والثانى) أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة (والثالث) قعدت فى مشرقة للاغتسال
من الحيض محتجبة بشىء يسترها ( والرابع) أنها كان لها فى منزل زوج أختها زكريا. محراب على
حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت [على] الله [أن] تجد خلوة فى الجبل لتغلى رأسها
فانفرج السقف لها خرجت إلى المفازة نجلست فى المشرقة وراء الجبل فأتاها الملك ( وخامسها)
عطشت خرجت إلى المفازة لتستقى واعلم أن كل هذه الوجوه محتمل وليس فى اللفظ ما يدل على
ترجيح واحد منها .
المسألة الثالثة ) المكان الشرقى هو الذى يلى شرقى بيت المقدس أو شرقى دارها وعن
ان عباس رضى الله عنهما: إنى لأعلم خلق اللّه لأى شىء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقوله تعالى
( مكاناًشرقياً) فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة.
﴿ المسألة الرابعة﴾ أنها لما جلست فى ذلك المكان أرسل الله اليها الروح واختلف المفسرون
فى هذا الروح فقال الأكثرون إنه جبريل عليه السلام وقال أبو مسلم إنه الروح الذى تصور فى
بطنها بشرا والأول أقرب لأن جبريل عليه السلام يسمى روحا قال الله تعالى (نزل به الروح
الأمين على قلبك ) وسمى رو حالأنه روحانى وقيل خلق من الروح وقيل لأن الدين يحيا به أو سماه
الله تعالى بروحه على المجاز محبة له وتقريبا كما تقول لحبيك روحى وقرأ أبو حيوة روحنا بالفتح
لأنه سبب لما فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله الذى هو عدة المتقين فى قوله (فأما إن كان
من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم) أو لأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح أى مقربنا
وذا روحنا وإذا ثبت أنه يسمى روما فهو هنا يجب أن يكون المراد به هو لأنه قال ( إنما أنا
رسول ربك لأ هب لك غلاماً زكيا، ولا يليق ذلك إلا بجبريل عليه السلام واختلفوا فى أنه كيف
ظهر لها (فالا ول) أنه ظهر لها على صورة شاب أمرد حسن الوجه سوى الخلق (والثانى) أنه ظهر
لها على صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس وكل ذلك محتمل ولا دلالة فى اللفظ
على التعيين ثم قال وإنما تمثل لها فى صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فلو ظهر لها

١٩٨
قوله تعالى : قالت إني أعوذ بالرحمن . سورة مريم .
قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرّحمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا
فى صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه ثم ههنا أشكالات (أحدمما) وهو أنه
لو جاز أن يظهر الملك فى صورة إنسان معين فيفذ لا يمكننا القطع بأن هذا الشخص الذى أراه
فى الحال هو زيد الذى رأيته بالأمس لاحتمال أن الملك أو الجنى تمثل فى صورته وفتح هنا
البلب يؤدى إلى السفسطة لا يقال هذا إنما يجوز فى زمان جواز البعثة فأما فى زماننا هذا فلا يجوز
لأنا نقول هذا الفرق إنما يعلم بالدليل ، فالجاهل بذلك الدليل يجب أن لا يقطع بأن هذا الشخص
الذى أراه الآن هو الشخص الذى رأيته بالأمس (وثانيها) أنه جاء فى الأخبار أن جبريل عليه
السلام شخص عظيم جداً فذلك الشخص العظيم كيف صار بدنه فى مقدار جثة الانمان أبان تساقطت
أجزاؤه وتفرقت بنيته فيئذ لا يبقى جبريل أو بأن تداخلت أجزاؤه وذلك يوجب تداخل
الأجزاء وهو محال ( وثالثها) وهو أنا لو جوزنا أن يتمثل جبريل عليه السلام فى صورة الآدمى
فلم لا يجوز تمثله فى صورة جسم أصغر من الآدمى حتى الذباب والبق والبعوض ومعلوم أن كل
مذهب جر إلى ذلك فهو باطل (ورابعها) أن تجويزه يفضى إلى القدح فى خبر التواتر فلعل الشخص
الذى حارب يوم بدر لم يكن محمداً بل كان شخصاً آخر تشبه به وكذا القول فى الكل (والجواب)
عن الأول أن ذلك التجويز لازم على الكل لان من اعترف بافتقار العالم إلى الصانع المختار فقد
قطع بكونه تعالى قادراً على أن يخلق شخصاً آخر مثل زيد فى خلفته وتخطيطه وإذا جوزنا ذلك فقد
لزم الشك فى أن زيداً المشاهد الآن هو الذى شاهدناه بالأمس أم لا، ومن أنكر الصانع المختار
وأسند الحوادث إلى اتصالات الكواكب وتشكلات الفلك لزمه تجويز أن يحدث اتصال غريب
فى الأفلاك يقتضى حدوث شخص مثل زيد فى كل الأمور وحينئذ يعود التجويز المذكور (وعن
الثانى) أنه لا يمتنع أن يكون جبريل عليه السلام له أجزاء أصلية وأجزاء فاضلة والأجزاء الأصلية
قليلة جدافيئذ يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، هذا إذا جعلناه جسمانياً أما إذا جعلناه
روحانياً فأى استبعاد فى أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغير (وعن الثالث)
أن أصل التجويز قائم فى العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع وهو الجواب عن السؤال الرابع
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً﴾ وفيه وجوه (أحدها) أرادت إن
كان يرجى منك أن تتقى الله ويحصل ذلك بالاستعاذة به فانى عائدة به منك وهذا فى نهاية الحسن
لأنها علمت أنه لا تؤثر الاستعاذة إلا فى التقى وهو كقوله (وذروا ما بقى من الرباإن كنتم مؤمنين)
أى أن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن الله تعالى يخشى فى حال دون حال (وثانيها) أن معناه

١٩٩
قوله تعالى : قال إنما أنا رسول ربك . سورة مريم .
قَالَ إِنََّا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَّأَا ﴾
ما كنت تقياً حيث استحلات النظر إلى وخلوت بى (وثالثها) أنه كان فى ذلك الزمان إنسان فاجر
اسمه تقى يتبع النساء فظنت مريم عليها السلام أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك التقى والأول
هو الوجه .
قوله تعالى : ﴿ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ لما علم جبريل خوفها قال (إنما أنا رسول ربك) ليزول عنها ذلك الخوف
ولكن الخوف لايزول بمجرد هذا القول بل لابد من دلالة تدل على أنه كان جبريل عليه السلام
وما كان من الناس فههنا يحتمل أن يكون قد ظهر معجز عرفت به جبريل عليه السلام ويحتمل
أنها من جهة زكريا عليه السلام عرفت صفة الملائكة فلما قال لها (إنما أنا رسول ربك) أظهر لها
من باطن جسده ماعرفت أنه ملك فيكون ذلك هو العلم وسأل القاضى عبد الجبار فى تفسيره
نفسه فقال إذا لم تكن نبية عندكم وكان من قولكم ان اللّه تعالى لم يرسل إلى خلقه إلا رجالا فكيف
يصح ذلك وأجاب أن ذلك إنما وقع فى زمان زكريا عليه السلام وكان رسولا وكل ذلك كان عالما
به وهذا ضعيف لأن المعجز إذا كان مفعولا للنبى فأقل مافيه أن يكون عليه السلام عالماً به
وزكريا ما كان عنده علم بهذه الوقائع فكيف يجوز جعله معجزاً له بل الحق أن ذلك إما أن يكون
كرامة لمريم أو إرهاصا لعيسى عليه السلام.
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن عامر ونافع ليهب بياء مفتوحة بعد اللام أى ليهب الله لك
والباقون بهمزة مفتوحة بعدها أما قوله لأهب لك ففى مجازه وجهان (الأول) أن الهبة لما جرت
على يده بأن كان هو الذى نفخ فى جيبها بأمر الله تعالى جعل نفسه كأنه هو الذى وهب لها وإضافة
الفعل إلى ما هو سبب له مستعمل قال تعالى فى الأصنام (إنهن أضللن كثيراً من الناس ) (الثانى)
أن جبريل عليه السلام لما بشرها بذلك كانت تلك البشارة الصادقة جارية مجرى الهبة فإن قال قائل
ما الدليل على أن جبريل عليه السلام لا يقدر على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والعقل والنطق
فيها والذى يقال فيه إن جبريل عليه السلام جسم والجسم لا يقدر على هذه الأشياء أما أنه جسم
فلأنه يحدث وكل محدث إما متحيز أو قائم بالمتحيز وأما أن الجسم لا يقدر على هذه الأشياء فلأنه
لو قدر جسم على ذلك لقدر عليه كل جسم لأن الأجسام متماثلة وهو ضعيف لأن للخصم أن يقول
لا نسلم أن كل محدث إما متحيز أو قائم به، بل ههنا موجودات قائمة بأنفسها لامتحيزة ولا قائمة
بالمتحيز ولا يلزم من كونها كذلك كونها أمثالا لذات اللّه تعالى لأن الاشتراك فى الصفات الثبوتية
لا يقتضى التماثل فكيف فى الصفات السلبية سلمناكونه جسما فلم قلت الجسم لايقدر عليه قوله
الأجسام متماثلة قلنا نعنى به أنها متماثلة فى كونها حاصلة فى الأحياز ذاهبة فى الجهات أو نعنى به

٢٠٠
قوله تعالى : قالت أن يكون لي غلام . سورة مريم .
قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَكُهُ وَلَمْ يَحْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيَّ ◌َ﴾ قَالَ كَذَلِكِ
قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَّ مَيِّنْ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَّةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةُ مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا
أنها متماثلة فى تمام ماهياتها والأول مسلم لكن حصولها فى الأحياز صفات لتلك الذوات والاشتراك
فى الصفات لايوجب الاشتراك فى ماهيات المواصفات سلمنا أن الأجسام متماثلة فلم لا يجوز أن
يقال إن الله تعالى خص بعضها بهذه القدرة دون البعض حتى أنه يصح منها ذلك ولا يصح من
البشر ذلك والجواب الحق أن المعتمد فى دفع هذا الاحتمال اجماع الأمة فقط والله أعلم.
{ المسألة الثالثة) الزكى يفيد أموراً ثلاثة: (الأول) أنه الطاهر من الذنوب ( والثانى)
أنه ينمو على التزكية لأنه يقال فيمن لا ذنب له زكى، وفى الزرع النامى زكى ( والثالث ) النزاهة
والطهارة فيما يجب أن يكون عليه ليصح أن يبعث نبياً وقال بعض المتكلمين الأولى أن يحمل على
الكل وهو ضعيف لما عرفت فى أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز حمله على المعنيين سواء
كان حقيقة فيهما أو فى أحدهما مجازاً وفى الآخر حقيقة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ سماه زكياً مع أنه لم يكن له شىء من الدنيا وأنت إذا نظرت فى سوقك
فمن لم يملك شيئاً فهو شقى عندك. وإنما الزكى من يملك المال والله يقول كان زكيا، لأن سيرته
الفقر وغناه الحكمة والكتاب وأنت فانما تسمى بالزكى من كانت سيرته الجهل وطريقته المال .
قوله تعالى: ﴿ قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو
على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنها إنما تعجبت مما بشرها جبريل عليه السلام لأنها عرفت بالعادة أن
الولادة لا تكون إلا من رجل والعادات عند أهل المعرفة معتبرة فىالأمور وإن جوزوا خلاف
ذلك فى القدرة فليس فى قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف
وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد ولأنها كانت منفردة بالعبادة ومن يكون كذلك
لابد من أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك.
﴿ المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول قولها (ولم يمسسنى بشر) يدخل تحته قولها (ولم أك بغيا)
فلماذا أعادتها ومما يؤكد هذا السؤال أن فى سورة آل عمران قالت (رب أنى يكون لى ولد ولم
يمسسنى بشر قال كذلك اللّه يخلق ما يشاء) فلم تذكر البغاء والجواب من وجوه: (أحدها ) أنها
جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه لقوله (من قبل أن تمسوهن) والزنا ليس
كذلك إنما يقال بنجر بها أو ما أشبه ذلك ولا يليق به رعاية الكنايات ( وثانيها ) أن اعادتها لتعظيم
سالها كقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) وقوله (وملائكته ورسله وجبريل وميكال)