النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
قوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين . سورة الكهف .
على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكن له تعلمه ، وهذه المسائل الثلاثة علوم لا يمكن تعلها فا
الفائدة فى ذكرها وإظهارها . والجواب أن العلم بطواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة
الشرائع الظاهرة، وأما العلم ببواطن الأشياء فانما يمكن تحصيله بنا على تصفية الباطن وتجريد
النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسدانية، ولهذا قال تعالى فى صفة على ذلك العالم ( وعلناه
من لدنا علما)، ثم إن موسى عليه السلام لما كملت مرتبته فى علم الشريعة بعثه الله الى هذا
العالم ليعلم موسى عليه السلام أن كمال الدرجة فى أن ينتقل الانسان من علوم الشريعة النية على
الظواهر الى علوم الباطن المبنية على الإشراف على البواطن والتطلع على حقائق الأمور.
المسألة الثانية) اعلم أن ذلك العالم أجاب عن المسألة الأولى بقوله ( أما السفينة فكانت
لمسا كين يعملون فى البحر فأردت أن أعيها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غضباً) وفيه فوائد
( الفائدة الأولى ) أن تلك السفينة كانت لأقوام محتاجين متعيشين بها فى البحر والله تعالى سمام
مساكين، وأعلم أن الشافعى رحمه الله احتج بهذه الآية على أن حال الفقير فى الضر والحاجة أشد
من حال المسكين لأنه تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة (الفائدة الثانية)
أن مراد ذلك العالم من هذا الكلام أنه ما كان مقصودى من تخريق تلك السفينة تغريق أهلها بل
مقصودى أن ذلك الملك الظالم كان يغصب السفن الخالية عن العيوب جعلت هذه السفينة معيبة
لثلا يغصبها ذلك الظالم فان ضرر هذا التخريق أسهل من الضرر الحاصل من ذلك الغصب، فان قيل
وهل يجوز للأجنبى أن يتصرف فى ملك الغير لمثل هذا الغرض ، قلنا هذا مما يختلف أحواله
بحسب اختلاف الشرائع فلعل هذا المعنى كان جائزا فى تلك الشريعة ، وأما فى شريعتنا فمثل هذا
الحكم غير بعيد، فانا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق ويأخذون جميع ملك الإنسان ، فان
دفعنا إلى قاطع الطريق بعض ذلك المال سلم الباقى نحينئذ يحسن منا أن ندفع بعض مال ذلك
الانسان إلى قاطع الطريق ليسلم الباقى وكان هذا منا يعد إحسانا إلى ذلك المالك (الفائدة
الثالثة ) أن ذلك التخريق وجب أن يكون واقعاً على وجه لا تبطل به تلك السفينة بالكلية إذ لو
كان كذلك لم يكن الضرر الحاصل من غصبها أبلغ من الضرر الحاصل من تخريقها، وحقذ لم يكن
تخريقها جائزاً (الفائدة الرابعة) لفظ الوراء على قوله ( وكان وراءهم) فيه قولان (الأول) أن
المراد منه وكان أمامهم ملك يأخذ، هكذا قاله الفراء وتفسيره قوله تعالى (من ورائهم جهنم)
أى أمامهم ، وكذلك قوله تعالى (ويذرون وراءهم يوما ثقيلا) وتحقيقه أن كل ما غاب عنك عقد
توارى عنك وأنت متوار عنه، فكل ما غاب عنك فهو وراءك وأمام الشىء وقدامه إذا كان غائماً
عنه متوارياً عنه فلم يبعد إطلاق لفظ وراء عليه ( وانقول الثانى) يحتمل أن يكون الملك كان من
وراء الموضع الذى يركب منه صاحبه وكان مرجع السفينة عليه .
المسألة الثالثة﴾ وهى قتل الغلام فقد أجاب العالم عنها بقوله ( وأما الغلام فكان
الفخر الرازي - ج ٢١ م ١١

١٦٢
قوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين . سورة الكهف .
أبواه مؤمنين) قيل ، إن ذلك الغلام كان بالغاً وكان يقطع الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة،
وكان أبواه يحتاجان إلى دفع شر الناس عنه والتعصب له وتكذيب من يرميه بشىء من المنكرات
وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما فى الفسق. وربما أدى ذلك الفسق إلى الكفر ، وقيل إنه كان
صبياً إلا أن الله تعالى علم منه أنه لو صار بالغاً لحصلت منه هذه المفاسد، وقوله (غفدينا أن
يرهقهما طغياناً وكفراً ) الخشية بمعنى الخوف وغلبة الظن والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على
ظنه تولد مثل هذا الفساد منه، وقوله (أن يرهقهما طغيانا) فيه قولان (الأول ) أن يكون المراد
أن ذلك الغلام يحمل أبويه على الطغيان والكفر كقوله ( ولا ترهقنى من أمرى عسراً) أى
لاتحملنى على عسر وضيق وذلك لأن أبويه لأجل حب ذلك الولد يحتاجان إلى الذب عنه، وربما
احتاجا إلى موافقته فى تلك الأفعال المنكرة (والثانى) أن يكون المعنى أن ذلك الولد کان یعاشرهما
معاشرة الطغاة الكفار ، فان قيل هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظن ؟ قلنا إذا تأكد
ذلك الظن. بوحى الله جاز ثم قال تعالى (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة) أى أردنا أن
يرزقهما الله تعالى ولداً خيراً من هذا الغلام زكاة أى ديناً وصلاحا، وقيل إن ذكره الزكاة ههنا على
مقابلة قول موسى عليه السلام (أفتلت نفساً زاكية بغير نفس) فقال العالم أردنا أن يرزق الله هذين
الأبوين خيراً بدلا عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه كما ذكرته من الزكاة ، ويكون المراد من
الزكاة الطهارة فكأن موسى عليه السلام قال أقتلت نفساً طاهرة لأنها ما وصلت إلى حد البلوغ
فكانت زاكية طاهرة من المعاصى فقال العالم إن تلك النفس وإن كانت زاكية طاهرة فى الحال
إلا أنه تعالى علم منها أنها إذا بلغت أقدمت على الطغيان والكفر فأردنا أن يجعل لهما ولداً أعظم
زكاة وطهارة منه وهو الذى يعلم الله منه أنه عند البلوغ لا يقدم على شىء من هذه المحظورات ومن
قال إن ذلك الغلام كان بالغاً قال المراد من صفة نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه مايوجب قتله
ثم قال (وأقرب رحماً) أى يكون هذا البدل أقرب عطفاً ورحمة بأبويه بأن يكون أبر بهما وأشفق
عليهما والرحم الرحمة والعطف . روى أنه ولدت لهما جارية تزوجها فى فولدت نبياً هدى الله على
يديه أمة عظيمة .
بقى من مباحث هذه الآية موضعان فى القراءة (الأول) قرأ نافع وأبو عمرو يبدط) بفتح الباء
وتشديد الذال وكذلك فى التحريم (أن يبدله أزواجا) وفى القلم ( عسى ربنا أن يبدلنا ) والباقون
ساكنة الباء خفيفة الدال وهما لغتان أبدل يبدل وبدل يبدل (الثانى) قراءة ابن عامر فى إحدى
الروايتين عن أبى عمرو رحماً بضم الحاء والباقون بسكونها وهما لغتان مثل فكرونكر وشغل وشغل.
المسألة الرابعة) وهى إقامة الجدار فقد أجاب العالم عنها بأن الداعى له إليها أنه كان
تحت ذلك الجدار كنز وكان ذلك ليقيمين فى تلك المدينة وكان أبوهما صالحاً ولما كان ذلك الجدار
مشرفاً على السقوط ولو سقط لضاع ذلك الكنز فأراد الله إبقاء ذلك الكنز على ذينك اليتيمين

١٦٣
قوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين . سورة الكهف .
رعاية لحقهما ورعاية لحق صلاح أبيهما فأمرفى باقامة ذلك الجدار رعاية لهذه المصالح، وفى الآية
فوائد (الفائدة الأولى) أنه تعالى سمى ذلك الموضع قرية حيث قال (إذا أتيا أهل قرية) وسماه أيضاً
مدينة حيث قال (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة) ( الفائدة الثانية ) اختلفوا فى هذا
الكنز فقيل إنه كان مالا وهذا هو الصحيح لوجهين ( الأول ) أن المفهوم من لفظ الكنز هو
المال ( والثانى) أن قوله ( ويستخرجا كنزهما) يدل على أن ذلك الكنز هو المال وقيل إنه كان
علياً بدليل أنه قال ( وكان أبوهما صالحا) والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال إذ كنز المال
لا يليق بالصلاح بدليل قوله تعالى ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا يتفقونها فى سبيل الله
فبشرهم بعذاب أليم) وقيل كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر کیفیحزن،
وجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وحجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن
بالحساب كيف يغفل، وتعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد
رسول الله. (الفائدة الثالثة) قوله (وكان أبوهما صالحاً) يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية
بأحوال الأبناء وعن جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء وعن الحسن
ابن على أنه قال لبعض الخوارج فى كلام جزى بينهما: بم حفظ الله مال الغلامين؟ قال بصلاح
أبهما قال فأنى و جدی خیر منه؟ قال قدأنبأنا الله أنكم قوم خصمون. وذكروا أيضاً أنذلكالأب
الصالح كان الناس يضعون الودائع اليه فيردها إليهم بالسلامة، فان قيل الیتیمان هل عرف أحد منهما
حصول الكنز تحت ذلك الجدار أو ماعرف أحد منهما ؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط
ذلك الجدار . وإن كان الثانى فكيف يمكنهم بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز والانتفاع به؟
(الجواب) لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان عالما به ثم [إن] ذلك الوصى غاب وأشرف
ذلك الجدار فى غيبته على السقوط ولما قرر العالم هذه الجوابات قال ( رحمة من ربك ) يعنى إنما
فعلت هذه الفعال لغرض أن تظهر رحمة الله تعالى لأنها بأسرها ترجع إلى حرف واحد وهو
تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى كما قررناه ثم قال ( وما فعلته عن أمرى) يعنى ما فعلت
مارأيت من هذه الأحوال عن أمرى واجتهادى ورأبى وإنما فعلته بأمر الله ووحيه لأن الإقدام
على تنقيص أموال الناس وإراقة دمانهم لا يجوز إلا بالوحى والنص القاطع بقى فى الآية سؤال،
وهو أنه قال (فأردت أن أعيبها). قال (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة) وقال (فأرادربك
أن يبلغا أشده)) كيف اختلفت الإضافة فى هذه الإرادات الثلاث وهى كلها فى قصة واحدة وفعل
واحد؟ (والجواب) أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه فقال أردت أن أعيها ولماذكر القتل
عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهاً على أنه من العظماء فى علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا
لحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى اللّه تعالى، لأن
المتكفل بمصالح الأبناء لرعاية حق الآباء ليس إلا الله سبحانه وتعالى.

١٦٤
قوله تعالى : ويسألونك عن ذي القرنين . سورة الكهف .
وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى الْقُرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًّا (َهَ إِنَّا مَكَّ لَّهُ,ٍ فِى
اُلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبًا اللَّهِ فَأَتْبَعَ سَبَبًّا
٨٥
قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً. إنا مكنا له فى
الأرض وآتيناه من كل شىء سببا فاتبع سيا﴾.
اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة فى هذه السورة وفيها مسائل :
المسألة الأولى) قد ذكرنا فى أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا
رسول الله بليتم عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذى القرنين وعن الروح فالمراد من قوله
(ويسألونك عن ذى القرنين ) هو ذلك السؤال.
﴿ المسألة الثانية) اختلف الناس فى أن ذا القرنين من هو وذكروا فيه أقوالا: (الأول)
أنه هو الاسكندر بن فيلبوس اليونانى قالوا والدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى
بذى القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل قوله ( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب
فى عين حمئة ) وأيضاً بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله (حتى إذا بلغ مطلع الشمس) وأيضاً بلغ
ملکه أُقصى الشمال بدليل أن يأجوج ومأجوج قوممن الترك يسكنون فى أقصى الشمال ، وبدليل
أن الد المذكور فى القرآن يقال فى كتب التواريخ إنه مبنى فى أقصى الشمال فهذا الانسان المسمى
بذى القرنين فى القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال وهذا هو
تمام القصر المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط لاشك أنه على خلاف العادات وما كان
كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الدهر وأن لا يبقى مخفياً مستتراً، والملك الذى اشتهر
فى كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر وذلك لأنه لما مات أبوه جمع
ملوك الروم بعد أن كانوا طوائف ثم جمع ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر
ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بنى إسرائيل وورد
بيت المقدس وذيخ فى مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط
والبزبر. ثم توجه نحو دارا بن دارا وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه فاستولى الإسكندر
على ممالك الفرس ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن
الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كانرجلا
ملك الأرض بالكلية ، أو ما يقرب منها ، وثبت بعلم التواريخ أن الذى هذا شأنه ما كان إلا
الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذى القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانى ثم ذكروا فى
سبب تسميته بهذا الاسم وجوهاً: (الأول) أنه لقب بهذا اللقب لأجل بلوغه قرنى الشمس أى

قوله تعالى : ويسألونك عن ذي القرنين . سورة الكهف . ١٦٥
مطلعها ومغربها كما لقب أردشير بن بهمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد ( والثانى) أن
الفرس قالوا إن دارا الأكبر كان قد تزوج بابنة فيلبوس فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة
فردها على أبيها فيلبوس وكانت قد حملت منه بالإسكندر فولدت الإسكندر بعد عودها إلى أيها
فبقى الإسكندر عند فيلبوس وأظهر فيلبوس أنه ابنه وهو فى الحقيقة ابن دارا الأكبر قالوا والدليل
عليه أن الإسكندر لما أدرك دارا بن دارا وبه رمق وضع رأسه فى حجره وقال لدارا: يا أبى
أخبر نى عمن فعل هذا لأنتقم لك منه! فهذا ما قاله الفرس قالوا وعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه
دارا الأكبر وأمه بنت فيلبوس (١) فهو إنما تولد من أصلين مختلفين الفرس والروم وهذا الذى
قاله الفرس إنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ملوك العجم حتى لا يكون ملك مثله من
نسب غير نسب ملوك العجم وهو فى الحقيقة كذب ، وإنما قال الإسكندر لدارا یا أبى على سبيل
النواضع وأكرم دارا بذلك الخطاب (والقول الثانى) قال أبو الريحان الهروى (٢) المنجم فى كتابه
الذى سماه بالآثار الباقية عن القرون الخالية، قيل إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عبير بن
أفريقش الحميرىّ فانه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو الذى افتخر به أحد الشعراء من
حمير حيث قال :
قد كان ذو القرنين قبل مسلما ملكا علا فى الأرض غير مفندى
أسباب ملك من كريم سيد
بلغ المشارق والمغارب یبتعی
ثم قال أبو الريحان ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن وهم الذين
لا تخلوأساميهم من ذى كذا كذى النادى(٣) وذى نواس وذى النون وغير ذلك (والقول الثالث)
أنه كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة، وإن كنا لانعرف أنه
من هو ثم ذكروا فى تسميته بذى القرنين وجوها: (الأول) سأل ابن الكوا علياً رضى الله عنه
عن ذى القرنين وقال أملك هو أم فى فقال لاملك ولا نى كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن
فى طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمى بذى القرنين وملك
ملکه (الثانى) سمی بذى القرنين لأنه انقرض فى وقته قرنان من الناس ( الثالث ) قيل كان صفحتا
رأسه من نحاس (الرابع) كان على رأسه ما يشبه القرنين (الخامس) [كان] لتاجه قرنان (السادس)
عن النبى مرّ سمى ذا القرنين لأنه طاف قرفى الدنيا يعنى شرقها وغربها ( السابع ) كان له قرنان
أى ضغير تان (الثامن) أن الله تعالى سخر له النور والظلمة فاذا سرى يهديه النور من أمامه وتمده
الظلمة من ورائه (التاسع) يجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا كأنه ينطح
أقرانه ( العاشر) رأى فى المنام كأنه صعد الفلك فتعلق بطرفى الشمس وقرنيها وجانبيها فسمى
(١) رسم فى الأصل فى كل مرة هكذا (فيلقوس ) بالقاف بعها واو. ورأيته فى أخبار الدول القرمانى كذلك، والصواب
بالباء لان القاف لا توجد فى لغة اليونان والروم وإذا أحجمت كلة فيها قاف أبدلتها (كانا).
. (٣) لعله ذو المنار
(٢) أبو الريحان الحروى هو المشهور بالبيرونى مؤرخ وفلكى ومنجم وجغرافى محقق

١٦٦
قوله تعالى : ويسألونك عن ذي القرنين . سورة الكهف .
لهذا السبب بذى القرنين (الحادى عشر) سمى بذلك لأنه دخل النور والظلمة (والقول الرابع) أن
ذا القرنين ملك من الملائكة عن عمرأنه سمع رجلا يقول ياذا القرنين فقال اللهم اغفر (١) أما رضيتم
أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة! فهذا جملة ما قيل فى هذا الباب ، والقول
الأول أظهر لأجل الدليل الذى ذكرناه وهو أن مثل هذا الملك العظيم يجب أن يكون معلوم
الحال عند أهل الدنيا والذى هو معلوم الحال بهذا الملك العظيم هو الإسكندر فوجب أن يكون
المراد بذى القرنين هو هو إلا أن فيه إشكالا قوياً وهو أنه كان تلبيذ أرسططاليس الحكيم وكان
على مذهبه فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسططائيس حق وصدق وذلك ما لاسبيل
اليه والله أعلم.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا فی ذی القرنین ھل کان من الأنبياء أم لا ؟ منهم من قال إنه كان
نبيا واحتجوا عليه بوجوه: (الأول) قوله ( إنا مكنا له فى الأرض) والأولى حمله على التمكين
فى الدين والتمكين الكامل فى الدين هو النبوة (والثانى) قوله ( وآتيناه من كل شىء سياً)
ومن جملة الأشياء النبوة فمقتضى العموم فى قوله ( وآتيناه من كل شىء سبباً) هو أنه تعالى آتاه فى
النبوة سبباً (الثالث ) قوله تعالى ( قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً)
والذى يتكلم الله معه لابد وأن يكون نبياً ومنهم من قال إنه كان عبداً صالحاً وما كان نياً .
﴿ المسألة الرابعة ) فى دخول السين فى قوله ( سأتلوا) معناه إنى سأفعل هذا إن وقفنى الله
تعالى عليه وأنزل فيه وحياً وأخبر نى عن كيفية تلك الحال، وأما قوله تعالى (إنا مكنا له فى الأرض)
فهذا التمكين يحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب النبوة ويحتمل أن يكون المراد منه التمكين
بسبب الملك من حيث إنه ملك مشارق الأرض ومغاربها والأول أولى لأن التمكين بسبب النبوة
أعلى من التمكين بسبب الملك وحمل كلام اللّه على الوجه الأكمل الأفضل أولى ثم قال ( وآتيناه
من كل شىء سبباً) قالوا السبب فى أصل اللغة عبارة عن الحبل ثم استغير لكل ما يتوصل به الى
المقصود وهو يتناول العلم والقدرة والآلة فقوله ( وآتيناه من كل شىء سبباً) معناه أعطيناه من كل
شىء من الأمورالتى يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشىء ثم إن الذين قالوا إنه كان نبياً قالوا من جملة
الأشياء النبوة فهذه الآية تدل على أنه تعالى أعطاه الطريق الذى به يتوصل إلى تحصيل النبوة،
والذين أنكروا كونه نبياً قالوا المراد به وآتيناه من كل شىء يحتاج اليه فى إصلاح ملكه سبباً، إلا
أن لقائل أن يقول إن تخصيص العموم خلاف الظاهر فلا يصار اليه إلا بدليل ، ثم قال ( فأتبع
سبباً) ومعناه أنه تعالى لما أعطاه من كل شىء سبه فإذا أراد شيئاً أتبع سبباً يوصله اليه ويقربه
منه قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو فاتبع بتشديد التاء، وكذلك ثم اتبع أى سلك وسار والباقون
فأتبع بقطع الألف وسكون التاء مخففة .
(١) الصواب اللهم غفراً،

قوله تعالى : حتى إذا بلغ مغرب الشمس . سورة الكهف . ١٦٧
حَّ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ خِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا
قُلْنَا بَدَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمََّ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن ◌َِّدَ فِهِمْ حُسْنً (﴾ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ
فَسَوْفٌّ نُعَذِّبُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ, عَذَابًا نُكْرًا ﴾ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَلَهُ و ◌َجَآءً اْحُسْقِّ وَسَنَقُولُ لَهُومِنْ أَحْرِ نَا يُسْرًّا !
M
قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمثة ووجد عندها قوما ،
قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا. قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد
إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنايسرا ﴾
إعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سباً يوصله إليه حتى بلغه، أما قوله ( وجدها
تغرب فى عين حمئة) ففيه مباحث :
﴿ الأول ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائى وأبو بكر عن عاصم فى عين حامية بالألف من
غير همزة أى حارة، وعن أبى ذر ، قال كنت رديف رسول اللّه ◌َلَّم على جمل فرآى الشمس
حين غابت فقال أتدرى يا أبا ذر أين تغرب هذه ؟ قلت: ألله ورسوله أعلم، قال فانها تغرب فى
عين حامية :وهى قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عامر ، والباقون حمثة ، وهى قراءة ابن عباس
واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية بألف فقال ابن عباس حمئة ، فقال معاوية
لعبد الله بن عمر کیف تقرأ؟ قال کما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى کعب الأحبار کیف تجد
الشمس تغرب؟ قال فى ما. وطين كذلك نجده فى التوراة، والحمئة ما فيه ماء، وحمأة سوداء،
واعلم أنه لاتنافى بين الحمئة والحامية ، بجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً .
﴿ البحث الثانى) أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن
الشمس فى الفلك، وأيضاً قال (ووجد عندها قوما) ومعلوم أن جلوس قوم فى قرب الشمس
غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها فى عين من
عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله ( تغرب فى عين حمئة) من وجوه (الأول)
أن ذا القرنين لما بلغ موضعها فى المغرب ولم يبق بعده شىء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب
فى عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك فى الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب

١٦٨
قوله تعالى : حتى إذا بلغ مغرب الشمس . سورة الكهف .
فى البحر إذا لم ير الشط وهى فى الحقيقة تغيب وراء البحر ، هذا هو التأويل الذى ذكره أبو على
الجبائى فى تفسيره ( الثانى ) أن الجانب الغربى من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى
الشمس يتخيل كأنها تغيب فى تلك البحار ، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهى حامية
وهى أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء فقوله ( تغرب فى عين حمئة) إشارة إلى
أن الجانب الغربى من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة (الثالث ) قال أهل
الأخبار إن الشمس تغيب فى عين كثيرة الماء والحمأة وهذا فى غاية البعد ، وذلك لأنا إذا رصدنا
کسوفا قریاً فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا
المشرقيين قالوا حصل فى أول النهار فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثانى
عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذى هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر فى بلد ووقت الظهر
فى بلد آخر ، ووقت الضحوة فى بلد ثالث . ووقت طلوع الشمس فى بلد رابع ، ونصف الليل فى
بلد خامس ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار. وعلمنا أن الشمس
طالعة ظاهرة فى كل هذه الأوقات كان الذى يقال إنها تغيب فى الطين والحمأة كلاما على خلاف
اليقين وكلام الله تعالى ميراً عن هذه التهمة ، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذى ذكرناه ثم قال
تعالى ( ووجد عندها قوما) الضمير فى قوله عندها إلى ما ذا يعود؟ فيه قولان (الأول ) أنه عائد
إلى الشمس ويكون التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان
هذا الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس ( والقول الثانى) أن يكون الضمير عائدا إلى العين
الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ماذكرناه، ثم قال تعالى ( قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب
وإما أن تتخذ فيهم حسناً) وفيه مباحث :
( الأول) أن قوله تعالى (قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً) يدل
على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة ، وذلك يدل على أنه كان نبياً وحمل هذا اللفظ على أن المراد
أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر .
﴿ البحث الثانى) قال أهل الأخبار فى صفة ذلك الموضع أشياء عجيبة، قال ابن جريج هناك
مدينة لها إثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجبة الشمس حين تغيب.
﴿ البحث الثالث ) قوله تعالى ( قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً)
يدل على أن سكان آخر المغرب كانوا كفاراً بغير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا
على كفرهم وبين المن عليهم والعفو عنهم وهذا التخيير على معنى الإجتهاد فى أصلح الأمرين كما
خير نبيه عليه السلام بين المن على المشركين وبين قتلهم، وقال الأكثرون هذا التعذيب هو
القتل، وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء، ثم قال ذو القرنين (أما من ظلم نفسه ) أى ظلم
نفسه بالإقامة على الكفر. والدليل على أن هذا هو المراد أنه ذكر فى مقابلته (وأما من آمن وعمل

١٦٩
قوله تعالى : ثم اتبع سبباً حتى إذا بلغ مطلع الشمس . سورة الكهف .
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (3) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ
◌َّ تَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (٤) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ﴾
صالحاً ) ثم قال ( فسوف نعذبه) أى بالقتل فى الدنيا ( ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً) أى
منكرا فظيعاً (وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى) قرأ حمزة والكسائى وحفص عن
عاصم ( جزاء الحسنى) بالنصب والتنوين والباقون بالرفع والإضافة، فعلى القراءة الأولى يكون
التقدير فله الحسنى جزاء كما تقول لك هذا الثوب هبة ، وأما على القراءة الثانية ففى التفسير وجهان
(الأول ) فله جزاء الفعلة الحسنى والفعلة الحسنى هى الإيمان والعمل الصالح (والثانى) أن يكون
التقدير فله جزاء المثوبة الحسنى ويكون المعنى فله ذا الجزاء الذى هو المثوبة الحسنى والجزاء
موصوف بالمثوبة الحسنى وإضافة الموصوف إلى الصفة مشهورة كقوله (ولدار الآخرة)و(حق
اليقين ) ثم قال ( وسنقول له من أمرنا يسراً) أى لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل الميسر
من الزكاة والخراج وغيرهما وتقدير هذا يسر كقوله (قولا ميسوراً) وقرى. يسراً بضمتين.
قوله تعالى: ﴿ ثم أتبع سبباً. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من
"من دونها ستراً. كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ﴾
إعلم أنه تعالى لما بين أولا أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مغرب الشمس أتبعه بییان
أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مطلع الشمس فبين الله تعالى أنه وجد الشمس تطلع على
قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً وفيه قولان (الأول) أنه ليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع
من وقوع شعاع الشمس عليهم فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا فى إسراب واغلة فى
الأرض أو غاصوا فى الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف فى المعاش وعند
غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش حالهم بالضد من أحوال سائر الخلق ( والقول الثانى)
أن معناه أنه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبداً ويقال فى كتب الهيئة إن حال
أكثر الزنج كذلك وحال كل من يسكن البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك وذكر فى كتب
التفسير أن بعضهم قال سافرت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل بينك وبينهم
مسيرة يوم وليلة فيلغتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه الواحدة ويلبس الأخرى ولما قرب طلوع
الشمس سمعت كهيئة الصلصلة فغشى على ثم أفقت وهم يمسحوتى بالدهن فلما طلعت الشمس إذا
هى فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه
فى الشمس فينضج ثم قال تعالى (كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا) وفيه وجوه (الأول) أى
كذلك فعل ذو القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من

١٧٠ قوله تعالى : ثم اتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين . سورة الكهف .
١=٠٠٠٠٠٠٤
(٣) حَتَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ الَّذَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا
يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (8) قَالُواْ يَئِذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ
فِ الْأَرْضِ فَهَلْ تَجْعَلُ لَكَ ◌َرْجً عَ أَن تَجْعَلَ بَبْتَنَا وَبَيْنَهُمْ سَذَّا (®﴾ قَالَ مَا
مَكَّى فِهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِنُونِىِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا فِ)
١٠٠٠١٠٠٠٠
الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به ( والثانى) كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم
رسوله عليه السلام فى هذا الذكر (والثالث ) كذلك كانت حالته مع أهل المطلع كما كانت مع
أهل المغرب ، قضى فى هؤلاء كما قضى فى أولئك ، من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين .
( والرابع) أنه تم الكلام عند قوله كذلك والمعنى أنه تعالى قال أمر هؤلاء اهوم كما وجدهم عليه
ذو القرنين ثم قال بعده ( وقد أحطنا بما لديه خبرا) أى كنا عالمين بأن الأمر كذلك.
قوله تعالى: ﴿ ثم أتبع سبباً. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون
قولا ، قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض ، فهل نجعل لك خرجاً على أن
تجعل بيننا وبينهم سداً . قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً ﴾
اعلم أن ذا القرنين لما بلغ المشرق والمغرب اتبع سبباً آخر وسلك الطريق حتى بلغ بين
السدين، وقد آتاه الله من العلم والقدرة ما يقوم بهذه الأمور، وههنا مباحث:
﴿ الأول ) قرأ حمزة والكسائى السدين بضم السين وسداً بفتحها حيث كان، وقرأ حفص
عن عاصم بالفتح فيهما فى كل القرآن، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بالضم فيهما
فى كل القرآن ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو السدين وسداً ههنا بفتح السين فيهما وضمها فى يس
فى الموضعين قال الكسائى هما لغتان ، وقيل ما كان من صنعة بنى آدم فهو السد بفتح السين ، وما
كان من صنع الله فهو السد بضم السين والجمع سدد، وهو قول أبى عبيدة وابن الأنبارى ، قال
صاحب الكشاف السد بالضم فعل بمعنى مفعول أى هو ما فعله الله وخلقه، والسد بالفتح مصدر
حدث يحدثه الناس .
﴿ البحث الثانى ) الأظهر أن موضع السدين فى ناحية الشمال، وقيل جبلان بين أرمينية
وبين أذربيجان، وقيل هذا المكان فى مقطع أرض الترك، وحكى محمد بن جرير الطبرى فى

قوله تعالى : حتى إذا بلغ بين السدين . سورة الكهف . ١٧١
تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنسانا اليه من ناحية الخزر فشاهده ووصف أنه
بنيان رفيع وراء خندق عميق وثيق منيع ، وذكر ابن خردا [ذبة] فى كتاب المسالك والممالك أن
الواثق بالله رآى فى المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم اليه ليعاينوه خرجوا من باب
الأبواب حتى وصلوا اليه وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشدود بالنحاس المذاب
وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل على البقاع المحاذية
لسمرقند، قال أبو الريحان مقتضى هذا أن موضعه فى الربع الشمالى الغربى من المعمورة، والله
أعلم بحقيقه الحال .
﴿ البحث الثالث ) أن ذا القرنين لما بلغ ما بين السدين وجد من دونهما أى من ورائهما
مجاوزاً عنهما ( قوما) أى أمة من الناس ( لا يكادون يفقهون قولا ) قرأ حمزة والكسائى يفقهون
بضم الياء وكسر القاف على معنى لا يمكنهم تفهيم غيرهم والباقون بفتح الياء والقاف، والمعنى
أنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم وما كانوا يفهمون اللسان الذى يتكلم به ذو القرنين. ثم قال تعالى
(قالوا ياذا القرنين إن يأجوح ومأجوج مفسدون فى الأرض ) فان قيل كيف فهم ذو القرنين
منهم هذا الكلام بعد أن وصفهم الله بقوله ( لا يكادون يفقهون قولا) والجواب أن نقول كاد
فيه قولان ( الأول) أن إثباته نفی، ونفیه إثبات، فقوله ( لا یکادون يفقهون قولا ) لا يدل على
أنهم لا يفهمون شيئاً، بل يدل على أنهم قد يفهمون على مشقة وصعوبة ( والقول الثانى) أن كاد
معناه المقاربة ، وعلى هذا القول فقوله (لا يكادون يفقهون قولا ) أى لا يعلمون وليس لهم قرب
من أن يفقهوا . وعلى هذا القول فلا بد من إضمار ، وهو أن يقال لا يكادون يفهمونه إلا بعد
تقريب ومشقة من إشارة ونحوها ، وهذه الآية تصلح أن يحتج بها على صحة القول الأول فى
فى تفسير كاد .
( البحث الرابع) فى يأجوج ومأجوج قولان (الأول) أنهما إسمان أعجميان موضوعان
بدليل منع الصرف ( والقول الثانى ) أنهما مشتقان، وقرأ عاصم يأجوج ومأجوج بالهمز. وقرأ
الباقون ياجوج وماجوج، وقرىء فى رواية آجوج ومأجوج، والقاتلون بكون هذين الاسمين
مشتقين ذكروا وجوها (الأول) قال الكسائى بأجوج مأخوذ من تأجج النار وتلهبها فلسر عتهم فى
الحركة سموا بذلك ومأجوج من موج البحر (الثانى) أن يأجوج مأخوذ من تأجيج الملح وهو شدة
ملوحته فلشدتهم فى الحركة سموابذلك (الثالث) قال القتيى هو مأخوذ من قولهم أج الظليم فى مشيه
يتج أجاً إذا هرول وسمعت حفيفه فى عدوه (الرابع) قال الخليل الأج حب كالعدس والمج ج
الريق فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما واختلفوا فى أنهما من أى الأقوام فقيل إنهما من الترك وقيل
( يأجوج) من الترك (ومأجوج) من الجيل والديلم ثم من الناس من وصفهم بقصر القامة وصغر
الجنة بكون طول أحدثم شبراً ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبتوا لهم مخاليب فى

١٧٢
قوله تعالى : آتوني زبد الحديد . سورة الكهف .
ءَاتُوِ زُبَرَالْحَدِيدِ خَتَّىَ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنْفُخُوْ حَتَّىَ إِذَا جَعَلَهُ
نَارًا قَالَ ءَاتُونِّ أَفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهُرُوهُ وَمَا أَسْتَطَهُوْلَهُ.
نَقْبًا ﴿ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِى فَإِذَا جَ وَعْدُ رَبِ جَعَلَهُ دَكَّةَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِ
الأظفار وأضراساً كأضراس السباع واختلفوا فى كيفية إفسادهم فى الأرض فقيل كانوا يقتلون
الناس وقيل كانوا يأكلون لحوم الناس وقيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون لهم شيئاً
أخضر وبالجملة فلفظ الفساد محتمل لكل هذه الأقسام والله أعلم بمراده، ثم إنه تعالى حكى عن
أهل ما بين السدين أنهم قالوا لذى القرنين ( فهل نجعل لك خرحاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً)
قرأ حمزة والكسائى خراجاً والباقون خرجا قيل الخراج والخرج واحد ، وقيل هما أمران متغايران،
وعلى هذا القول اختلفوا قيل الخرج بغير ألف هو الجعل لأن الناس يخرج كل واحد منهم شيئاً
منه فيخرج هذا أشياء وهذا أشياء، والخراج هو الذى يجبيه السلطان كل سنة. وقال الغراء الخراج
هو الإسم الأصلى والخرج كالمصدر وقال قطرب الخرج الجزية والخراج فى الأرض فقال ذو القرنين
( ما مكنى فيه ربى خير فأعينونى) أى ما جعلنى مكيناً من المال الكثير واليسار الواسع خير،مما
تبذلون من اخراج فلا حاجة بی إلیه، وهو كما قال سليمان عليه السلام (فا آتانى الله خير مما
آتا كم) قرأ ابن كثير (ما مكنى) بنونين على الإظهار والباقون بنون واحدة مشددة على الادغام،
ثم قال ذو القرنين ( فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً) أى لا حاجة لى فى مالكم ولكن
(أعينونى) برجال وآلة أبنى بها السد، وقيل المعنى (أعينونى) بمال أصرفه الى هذا المهم ولا
أطلب المال الآخذه لنفسى ، والردم هو السد يقال ردمت الباب أى سددته وردمت الثوب
رقعته لأنه يسد الخرق بالرقعة والردم أكثر من السد من قولهم ثوب مردوم أى وضعت عليه رقاع .
قوله تعالى: ﴿ آتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله
نارا قال آتونى أفرغ عليه قطراً. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً، قال هذا رحمة من
ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقـ
اعلم أن (زبر الحديد) قطعه قال الخليل الزبرة من الحديد القطعة الضخمة قراءة الجميع آتونى
بعد الألف إلا حمزة فإنه قرأ انتونى من الإتيان، وقد روى ذلك عن عاصم والتقدير انتونى بزبر
الحدید ثم حذف الباء کقوله شكرته وشكرت له و کفرته و کفرت له، وقوله ( حتى إذا ساری

قوله تعالى: وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض . سورة الكهف ١٧٣
وَثَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيٍِ يُوِجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ ◌َمَعْنَهُمْ بَجْعًا ﴾
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَيِذٍ لِلْكَّفِرِ ينَ عَرْضًا (٣) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْبُهُمْ فِىِ غِطَآءٍ عَنْ
ذِكْرِى وَكَانُوْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا
بين الصدفين ) فيه إضمار أى فأتوه بها فوضع تلك الزبر بعضها على بعض حتى صارت بحيث تسد
ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ عليها حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على
الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلداً، واعلم أن هذا معجز قاهر لأن هذه الزبر
الكثيرة إذا نفيخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر الحيوان على القرب منها ، والنفخ عليها لا يمكن
إلا مع القرب منها فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك الناخين عليها
قال صاحب الكشاف قيل بعد ما بين ( السدين ) مائة فرسخ (والصدفان ) بفتحتين جانبا الجبلين
لأنهما يتصادفان أى يتقابلان وقرى. (الصدفين) بضمتين (والصدفين ) يضمة وسكون والقطر
النحاس المذاب لأنه يقطر ، وقوله (قطرا) منصوب بقوله (أفرغ) وتقديره آتونى قطراً (أفرغ
عليه قطراً) حذف الأول لدلالة الثانى عليه ثم قال (فما اسطاعوا) فذف التاء للخفة لأن التاء
قريبة المخرج من الطاء وقرى. (فما اصطاعوا) بقلب السين صادا ( أن يظهروه ) أن يعلوه أى
ما قدروا على الصعود عليه لأجل ارتفاعه وملاسته ولا على نقبه لأجل صلابته وتخانته ، ثم قال
ذو القرنين ( هذا رحمة من ربى) فقوله هذا إشارة الى السد أى هذا السد نعمة من الله ورحمة على
عباده أو هذا الاقتدار والتمكين من تسويته (فإذا جاء وعدربى) يعنى فاذا دنا مجىء القيامة جعل السد
دكا أى مدكوكا مسوى بالأرض . وكل ما انبسط بعد الارتفاع فقد اندك وقرىء دكاء بالمد أى
أرضاً مستوية (وكان وعد ربى حقاً) وهبنا آخر حكاية ذى القرنين .
قوله تعالى: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ونفخ فى الصور جمعناهم جمعاً ، وعرضنا
جهنم يومئذ للكافرين عرضاً، الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سيا ﴾
أعلم أن الضمير فى قوله بعضهم عائد إلى ( يأجوج ومأجوج) وقوله ( يومئذ) فيه وجوه:
(الأول ) أن يوم السد ماج بعضهم فى بعض خلفه لما منعوا من الخروج (الثانى) أن عند
الخروج بموج بعضهم فى بعض قيل إنهم حین يخرجون من وراء السد يموجون مزدحمين فى البلاد
يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويأكلون لحوم الناس ولا يقدرون
أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله عليهم حيوانات فتدخل آذانهم فيموتون.
(والقول الثالث) أن المراد من قوله ( يومئذ) يوم القيامة وكل ذلك محتمل إلا أن الأقرب أن

١٧٤
قوله تعالى : أفحسب الذين كفروا . سورة الكهف .
أَخَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْأَن ◌َّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِّ أَوْلِيَآءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا
جَهَنََّ لِلْكَفِرِينَ نُلًا (﴿ قُلْ مَلْ تُنَبِّئُكُم بِالْأَنْسَرِينَ أَعْمَلًا () الَّذِينَ
ضَلَّ سَعُْهُمْ فِ الخَيَزَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحِنُونَ صُنْعً (3) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِعَايَتِ رَبِهِمْ وَلِقَآَبِهِء ◌َِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ وَزْنَا
ذَلِكَ ◌َزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَاتَّخَذُوَاْ ءَايَنِى وَرُسُلِي هُوًّا (﴾
١٠٥
المراد الوقت الذى جعل الله ذلك السد دكا فعنده ماج بعضهم فى بعض وبعده نفخ فى الصور
وصار ذلك من آيات القيامة ، والكلام فى الصور قد تقدم وسيجىء من يعد ، وأما عرض جهنم
وإبرازه حتى يصير مكشوفاً بأهواله فذلك يجرى مجرى عقاب الكفار لما يتداخلهم من الغم
العظيم ، وبين تعالى أنه يكشفه للكافرين الذين عموا وصموا ، أما العمى فهو المراد من قوله (كانت
أعينهم فى غطاء عن ذكرى ) والمرادمنه شدة انصرافهم عن قبول الحق ، وأما الصمم فهو المراد من
قوله ( وكانوا لا يستطيعون سمعاً ) يعنى أن حالتهم أعظم من الصمم لأن الأصم قد يستطيع السمع
إذا صيح به وهؤلاء زالت عنهم تلك الاستطاعة واحتج الأصحاب بقوله (وكانوا لا يستطيعون سمعاً)
على أن الاستطاعة مع الفعل وذلك لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا ، قال القاضى المراد منه
نفرتهم عن سماع ذلك الكلام واستثقالهم إياه كقول الرجل لا أستطيع النظر إلى فلان.
قوله تعالى: ﴿أنحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياً. إنا أعتدنا جهنم الكافرين
نزلا . قل هل نبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعاً . أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه خبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة
وزنا. ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتى ورسلى هزوا ﴾ وفيه مسائل:
{ المسألة الأولى) اعلم أنه تعالى لما بين من حال الكافرين أنهم أعرضوا عن الذكر وعن
استماع ماجاء به الرسول أتبعه بقوله ( أخسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أوليا.)
والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر الآيات وتمردهم عن قبول أمره
وأمر رسوله وهو استفهام على سبيل التوبيخ .
المسألة الثانية﴾ قرأ أبو بكر ولم يرفعه إلى عاصم (أخسب الذين كفروا) بسكون السين
ورفع الباء. وهي من الأحرف التى خالف فيها عاصما، وذكر أنه قراءة أمير المؤمنين على بن

١٧٥
قوله تعالى : أفحسب الذين كفروا . سورة الكهف .
أبى طالب، وعلى هذا التقدير فقوله حسب مبتدأ، أن يتخذوا خبر، والمعنى أفكافيهم وحسبهم
أن يتخذوا كذا وكذا، وأما الباقون فقر أوا أخسب على لفظ الماضى، وعلى هذا التقدير ففيه
حذف والمعنى: أحسب الذين كفروا اتخاذ عبادى أولياء نافعاً.
المسألة الثالثة ) فى العباد أفوال قيل أراد عيسى والملائكة، وقيل هم الشياطين يوالونهم
ويطيعونهم، وقبل هى الأصنام سماهم عباداً كقوله (عباد أمثالكم) ، ثم قال تعالى (إنا أعتدنا
جهنم للكافرين نزلا ) وفى النزل قولان (الأول) قال الزجاج إنه المأوى والمنزل (والمثانى) أنه
الذى يقام للنزيل وهو الضيف، ونظيره قوله (فبشرهم بعذاب أليم) ثم ذكر تعالى ما نبه به على
جهل القوم فقال ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا . الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا) قيل إنهم
هم الرهبان كقوله تعالى ( عاملة ناصبة ) وعن مجاهد أهل الكتاب وعن على أن ابن الكواء سأله
عنهم فقال هم أهل حرورا. والأصل أن يقال هو الذى يأتى بالأعمال يظنها طاعات وهى فى
أنفسها معاصى وإن كانت طاعات لكنها لا تقبل منهم لأجل كفرهم فأولئك إنما أتوا بتلك الأعمال
الرجاء الثواب، وإنما أتعبوا أنفسهم فيها لطلب الأجروالفوز يوم القيامة فاذا لم يفوزوا بمطالبهم
بين أنهم كانوا ضائين، ثم إنه تعالى بين صنعهم فقال ( أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه
خبطت أعمالهم) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾، لقاء اللّه عبارة عن رؤيته بدليل أنه يقال لقيت فلاناً أى رأيته، فان
قيل اللقاء عبارة عن الوصول ، قال تعالى ( فالتقى الماء على أمر قد قدر ) وذلك فى حق الله تعالى
محال ، فوجب حمله على لقاء ثواب الله، والجواب أن لفظ اللقاء، وإن كان فى الأصل عبارة عن
الوصول والملاقاة إلا أن استعماله فى الرؤية مجاز ظاهر مشهور، والذى يقولونه من أن المراد
منه لقاء ثواب الله فهو لا يتم إلا بالإضمار، ومن المعلوم أن حمل اللفظ على المجاز المتعارف
المشهور أولى من حمله على ما يحتاج معه إلى الإضمار .
﴿ المسألة الثانية) استدلت المعتزلة بقوله تعالى ( خبطت أعمالهم) على أن القول بالإحباط
والتكفير حق، وهذه المسألة قد ذكرناها بالاستقصاء فى سورة البقرة فلا نعيدها، ثم قال تعالى
( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) وفيه وجوه (الأول) أنا نزدری بهم وليس لهم عندنا وزن
ومقدار (الثانى) لا نقيم لهم ميزانا لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين
لتمييز مقدار الطاعات ومقدار السيئات (الثالث ) قال القاضى إن من غلبت معاصيه صار ما فى فعله
من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل فى الوزن شىء من طاعته، وهذا التفسير بناء على قوله بالإحباط
والتكفير ، ثم قال تعالى ( ذلك جزاؤهم جهنم) فقوله ( ذلك) أى ذلك الذى ذكرناه وفصلناه
من أنواع الوعيد هو جزاؤهم على أعمالهم الباطلة ، وقوله ( جهنم) عطف بيان لقوله ( جزاؤهم)
ثم بين تعالى أن ذلك الجزاء جزاء على مجموع أمرين (أحدهما) كفرثم (الثانى) أنهم أضافوا الى

١٧٦
قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة الكهف .
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
◌َدِلِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (
الكفر أن اتخذوا آيات الله واتخذوا رسله هزواً، فلم يقتصروا على الرد عليهم وتكذيبهم حتى
استهزأوا بهم .
قوله تعالى : ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا
خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد، ولما ذكر فى الكفار
أن جهنم نزلهم، أتبعه بذكر ما يرغب فى الإيمان والعمل الصالح . فقال ( إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات كانت لهم جنات الفردس نزلا ).
المسألة الثانية ﴾ عطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه
وذلك يدل على أن الأعمال الصالحة مغايرة للايمان.
المسألة الثالثة ) عن قتادة الفردوس وسط الجنة وأفضلها ، وعن كعب ليس فى الجنان
أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، وعن مجاهد الفردوس
هو البستان بالرومية، وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( الجنة مائة درجة مابين كل درجتين
مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، ومنها الأنهار الأربعة والفردوس من فوقها ، فإذا
سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فان فوقها عرش الرحمن ومنها تتفجر أنهار الجنة )).
﴿ المسألة الرابعة) قال بعضهم إنه تعالى جعل الجنة بكليتها نزلا للمؤمنين والكريم إذا أعطى
النزل أولا فلا بد أن يتبعه بالخلعة وليس بعد الجنة بكليتها إلا رؤية الله، فان قالوا أليس أنه تعالى
جعل فى الآية الأولى جملة جهنم نزلا الكافرين ولم يبق بعد جملة جهم عذاب آخر، فكذلك
ههنا جعل جملة الجنة نزلا للمؤمنين مع أنه ليس له شىء آخر بعد الجنة، والجواب قلنا للكافر إمد
حصول جهنم مرتبة أعلى منها وهو کونه محجوباً عن رؤية الله كما قال تعالى ( كلا إنهم عن ربهم
يومئذ محجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم) لجعل الصلاء بالنار متأخراً فى المرتبة عن كونه محجوبا
عن الله، ثم قال تعالى ( لا يبغون عنها حولا) الحول التحول، يقال حال من مكانه حولا
كقوله عاد فى حبها عودا يعنى لا مزيد على سعادات الجنة وخيراتها حتى يريد أشياء غيرها، وهذا
الوصف يدل على غاية الكمال لأن الإنسان فى الدنيا إذا وصل إلى أى درجة كانت فى السعادات
فهو طامح الطرف إلى ما هو أعلى منها .

قوله تعالى : قل لو كان البحر مداداً . سورة الكهف . ١٧٧
قُل لَّوْكَانَ الْبَخْرُ مِدَادًا لِكَلَتِ رَبِى لَنَقِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَدَ
كَلَاتُ رَبِى وَلَوْ جِثْنَا بِثْلِهِ، مَدَدًا(٦) قُلْ إِنَّمَا أَتَأْبَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَاً
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ أَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِمًا وَلَا يُشْرِكُ
٤ /٢٥
بِعِبَادَةِ رَبِّهِة أَحَدًا
قوله تعالى: ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربى، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى
ولو جئنا بمثله مدداً، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء
ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ وفى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر فى هذه السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح
اقاصيص الأولين نبه على كمال حال القرآن فقال: ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربى) والمداد
اسم لما تمد به الدواة من الحبر ولما يمد به السراج من السليط، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله
وحكمه وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر الجنس لنفد قيل أن تنفد الكلمات ، وتقرير الكلام أن
البحار كيفما فرضت فى الاتساع والعظمة فهى متناهية ومعلومات اللّه غير متناهية والمتناهى لا يفى
البتة بغير المتنامى ، قرأ حمزة والكسائى ينفد بالياء لتقدم الفعل على الجمع والباقون بالتاء التأنيث
کلمات ، وروی أن حی بن أخطب قال: فى كتابكم (ومن يؤت الحكمة فقد أوتی خيراً كثيراً) ثم
تقرأون ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) فنزلت هذه الآية يعنى أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة
من بحر كلمات الله .
المسألة الثانية﴾ احتج المخالفون على الطعن فى قول أصحابنا أن كلام اللّه تعالى واحد بهذه
الآية، وقالوا إنها صريحة فى اثبات كلمات الله تعالى وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلقات علم الله
تعالى، قال الجبائى: وأيضا قوله (قبل أن تنفد كلمات ربى) يدل على أن كلمات اللّه تعالى قد تنفد فى
الجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه، وأيضاقال: (ولو جئنا بمثله مدداً) وهذا يدل على أنه تعالى قادر
على أن يجىء بمثل كلامه والذى يجاء به يكون محدثا والذى يكون المحدث مثلا له فهو أيضاً محدث.
وجواب أصحابنا أن المراد منه الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية، واعلم أنه تعالى لما
بين كال كلام اللّه أمر محمداً فَ الله بأن يسلك طريقة التواضع فقال: (قل إنما أنا بشر مثلكم
يوحى إلى) أى لا امتياز بينى وبينكم فى شىء من الصفات إلا أن الله تعالى أوحى إلى أنه لا إله
الله الواحد الأحد الصمد، والآية تدل على مطلوبين: (الأول) أن كلمة ( إنما) تفيد الحصر
الفخر الرازي - ٢ ٢١ م١٢

١٧٨
قوله تعالى : قوله تعالى : كهيعص اول سورة مريم .
(١٩) سُورَة مَنَابِزَمْكِيَّة
وَآيَاتِهَاشِانْ وَتشْعُونَ
بِسْـ
-
كهيعص @)
وهى قوله (أنما إلهكم إله واحد). (والثانى) أن كون الإله تعالى (إلهاً واحداً) يمكن إثباته
بالدلائل السمعية، وقد قررنا هذين المطلوبين فى سائر السور بالوجوه القوية، ثم قال: (فمن كان
يرجو لقاء ربه) والرجاء هو ظن المنافع الواصلة اليه والخوف ظن المضار الواصلة اليه، وأصحابنا
حملوا لقاء الرب على رؤيته والمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله وهذه المناظرة قد تقدمت والعجب
أنه تعالى أورد فى آخر هذه السورة ما يدل على حصول رؤية الله فى ثلاث آيات: (أولها) قوله
( أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه). (وثانيها) قوله (كانت لهم جنات الفردوس نزلا )
(وثالثها) قوله (فمن كان يرجو لقاء ربه) ولا بيان أقوى من ذلك ثم قال ( فليعمل عملا صالحاً)
أى من حصل له رجاء لقاء الله فليشتغل بالعمل الصالح، ولما كان العمل الصالح قد يؤتى به له
وقد يؤتى به الرياء والسمعة لا جرم اعتبرفيه قيدان: أن يؤتى به لله، وأن يكون مبرأ عن جهات
الشرك، فقال (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). قيل نزلت هذه الآية فى جندب بن زهير قال الرسول
الله عَ ليه ((إنى أعمل العمل لله تعالى فاذا اطلع عليه أحد سرنى)) فقال عليه الصلاة والسلام ((إن الله
لا يقبل ماشورك فيه)) وروى أيضاً أنه قال له ((لك أجران أجر السر وأجر العلانية)) فالرواية.
الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة، والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن
يقتدى به، والمقام الأول مقام المبتدئين ، والمقام الثانى مقام الكاملين والحمد لله رب العالمين ،
والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رضى الله عنه تم تفسير هذه السورة يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر صفر سنة
اثنتين وستمائة فى بلدة غزنين ؛ ونسأل الله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، أن يخصنا بالمغفرة
والفضل فى يوم الدين ، إنه ذو الفضل العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
كيمص﴾ قبل الخوض فى القراءات لابد من مقدمات ثلاثة (المقدمة الأولى)

١٧٩
قوله تعالى : کھیعص . سورة مريم
أن حروف المعجم على نوعين ثنائى وثلاثى، وقد جرت عادة العرب أن ينطقوا بالثنائيات
مقطوعة ممالة فيقولوا باتانا وكذلك أمثالها ، وأنن ينطقوا بالثلاثيات التى فى وسطها
الألف مفتوحة مشبعة فيقولوا دال ذال صاد ضاد وكذلك أشكالها ، أما الزاى وحده من بين
حروف المعجم فمعتاد فيه الأمران، فان من أظهر ياه فى النطق حتى يصير ثلاثياً لم يعلمه، ومن
لم يظهر ياءه فى النطق حتى يشبه الثنائى يمله (أما المقدمة الثانية ) ينبغى أن يعلم أن إشباع الفتحة فى
جميع المواضع أصل والإمالة فرع عليه ولهذا يجوز إشباع كل مال ولا يجوز إمالة كل مشبع
من الفتحات ( المقدمة الثالثة ) للقراء فى القراءات المخصوصية بهذا الموضع ثلاثة طرق (أحدها)
أن يتمسكوا بالأصل وهو إشباع فتحة الهاء والياء ( وثانيها) أن يميلوا الهاء والياء ( وثالثها ) أن
يجمعوا بين الأصل والفرع فيقع الاختلاف بين الهاء واليا. فيفتحوا أحدهما أيهما كان ويكسروا.
الآخر ولهم فى السبب الموجب لهذا الاختلاف قولان ( الأول) أن الفتحة المشبعة أصل والإمالة
فرع مشهور كثير الاستعمال فأشبع أحدهما وأميل الآخر ليكون جامعاً لمراعاة الأصل والفرع
وهو أحسن من مراعاة أحدهما وتضييع الآخر (القول الثانى) أن الثنائية من حروف المعجم
إذا كانت مقطوعة كانت بالإمالة، وإذا كانت موصولة كانت بالإشباع وها ويا فى قوله تعالى
(كهيعص ) مقطوعان فى اللفظ موصولان فى الخط فأميل أحدهما وأشبع الآخر ليكون كلا
الجانبين مرعيا جانب القطع اللفظى وجانب الوصل الخطى، إذا عرفت هذا فنقول فيه قراءات
( إحداها ) وهى القراءة المعروفة فيه فتحة الها. والياء جميعا ( وثانيها) كسر الهاء وفتح الياء وهى
قراءة أبى عمرو وابن مبادر (١) والقطعى عن أيوب، وإنما كسروا الهاء دون الياء ليكون فرقا
بينه وبين الهاء الذى للتنبيه فانه لا يكسر قط (وثالثها) فتح الهاء وكسر الياء وهو قراءة حمزة
والأعمش وطلحة والضحاك عن عاصم، وإنما كسروا الياء دون الهاء، لأن الياء أخت
الكسرة وإعطاء الكسرة أختها أولى من إعطائها الى أجنبية مفتوحة للمناسبة (ورابعها) إمالتهما
جميعاً وهو قراءة الكسائى والمفضل ويحمي عن عاصم والوليد بن أسلم عن ابن عامر والزهرى وابن
جرير وإنما أمالوهما للوجهين المذكورين فى إمالة الهاء وإمالة الياء (وخامسها ) قراءة الحسن
وهى ضم الهاء وفتح الياء، وعنه أيضاً فتح الهاء وضم الياء، وروى صاحب الكشاف عن الحسن .
بضمهما، فقيل له لم تثبت هذه الرواية عن الحسن لأنه أورد ابن جنى فى كتاب المكتسب (٢)
أن قراءة الحسن ضم أحدهما وفتح الآخر لا على التعيين، وقال بعضهم إنما أقدم الحسن على
ضم أحدهما لا على التعيين لأنه تصور أن عين الفعل فى الهاء والياء ألف منقلب عن الواو كالدار
والمال، وذلك لأن هذه الألفات وإن كانت مجهولة لأنها لا اشتقاق لها فإنها تحمل على ما هو
مشابه لها فى اللفظ. والألف إذا وقع عيناً فالواجب أن يعتقد أنه منقلب عن الواو لأن الغالب
(١) هكذا فى الأصول ( ابن مبادر) ولم ثره فى القراء ولعله محرف عن ابن منافر وهو مما سمت به العرب
(٢) الكتاب المشهور لابن جنى اسمه (المحتسب) فلعل له كتاباً آخر اسمه المكتسب أو لعله تحريف له.

١٨٠
قوله تعالى : ذكر رحمة ربك عبدة زكريا . سورة مريم
ذِكُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا
٢
فى اللغة ذلك فلما تصور الحسن أن ألف الهاء والياء منقلب عن الواو جعله فى حكم الواو وضم
ما قبله لأن الواو أخت الضمة ( وسادسها ) ها يا باشمامهما شيئاً من الضمة .
المسألة الأولى﴾ قرأ أبو جعفر كهيعص يفصل الحروف بعضها من بعض بأدنى سكتة
مع إظهار نون العين وباقى القراء يصلون الحروف بعضها ببعض ويخفون النون .
﴿ المسألة الثانية﴾ القراءة المعروفة صاد، ذكر بالادغام وعن عاصم ويعقوب بالإظهار
﴿البحث الثانى) المذاهب المذكورة فى هذه الفوائح قد تقدمت لكن الذى يختص بهذا الموضع
ماروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن قوله تعالى كهمص ثناء من الله على نفسه، فمن الكاف
وصفه بأنه كاف ومن الهاء هاد ومن العين عالم ومن الصاد صادق، وعن ابن عباس رضى الله
عنهما أيضاً أنه حمل الكاف على الكبير والكريم، ويحكى أيضاً عنه أنه حمل الياء على الكريم مرة
وعلى الحكيم أخرى ، وعن الربيع بن أنس فى الياء أنه من بجير، وعن ابن عباس رضى الله
عنهما فى العين أنه من عزيز ومن عدل ، وهذه الأقوال ليست قوية لما بينا أنه لا يجوز من الله
تعالى أن يودع كتابه مالا تدل عليه اللغة لا بالحقيقة ولا بالمجاز لأنا إن جوزنا ذلك فتح عليناقول
من يزعم أن لكل ظاهر باطناً، واللغة لاتدل على ماذكروه فانه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته
على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم أو الملائكة أو الجنة
أو النار فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل عليه اللغة أصلا .
قوله تعالى : ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾. في لفظة ذكر أربع قراءات صيغة المصدر أو الماضى مخففة أو مشددة
أو الأمر، أما صيغة المصدر فلا بد فيها من كسر رحمة ربك على الإضافة ثم فيها ثلاثة أوجه:
(أحدها ) نصب الدال من عبده والهمزة من زكريا وهو المشهور (وثانيها) برفعهما والمعنى
وتنك الرحمة هى عبده زكرياء عن ابن عامر ( وثالثها) بنصب الأول وبرفع الثانى والمعنى رحمة
ربك عبده وهو زكريا .. وأما صيغة الماضى بالتشديد فلابد فيها من نصب رحمة. وأما صيغة الماضى
بالتخفيف ففيها وجهان (أحدهما ) رفع الباء من ربك والمعنى ذكر ربك عبده زكريا. (وثانيها)
نصب الباء من ربك والرفع فى عبده زكريا. وذلك بتقديم المفعول على الفاعل وهاتان القراء تان
للكلى، وأما صيغة الأمر فلا بد من نصب رحمة وهى قراءة ابن عباس. واعلم أن على تقدير جعله
صيغة المصدر والماضى يكون التقدير هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك .
﴿ المسألة الثانية) يحتمل أن يكون المراد من قوله رحمة ربك أعنى عبده زكريا، ثم فى كونه
رحمة وجهان (أحدهما) أن يكون رحمة على أمته لأنه هداهم إلى الإيمان والطاعات (والآخر) أن