النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
قوله تعالى: ومن يهد الله فهو المهتد . سورة الإسراء .
وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلَيَآءَ مِن دُونِهِ
وَتَحْثُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ عَلَى وُجُوِهِمْ عَمْيًا وَبُكُمًا وَمُمّا مَّأْوَنُهُمْ جَهَّمُ كُمَا خَبَتْ
زِدْنَهُمْ سَعِيرًا ® ذَلِكَ ◌َزَا ؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِعَايَِّنَا
من الملائكة تحكما فاسداً وتعنتا باطلا (الوجه الثانى) من الأجوبة التى ذكرها الله فى هذه الآية عن
هذه الشبهة هو أن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة لأن الجنس
إلى الجنس أميل أما لو كان أهل الأرض من البشر لوجب أن يكون رسولهم من البشر وهو المراد
من قوله ( لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)،
(الوجه الثالث) من الأجوبة المذكورة فى هذه الآية قوله (قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم) وتقريره
أن الله تعالى لما أظهر المعجزة على وفق دعواى كان ذلك شهادة من اللّه تعالى على كونى صادقاً
ومن شهد الله على صدقه فهو صادق فبعد ذلك قول القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكا
لا إنساناً تحكم فاسد لا يلتفت اليه ولما ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة أردفها بما يجرى مجرى
التهديد الوعيد فقال ( إنه كان بعباده خبيراً بصيراً) يعنى يعلم ظواهرهم وبواطنهم ويعلم من قلوبهم
أنهم لايذكرون هذه الشبهات إلا لحض الحسد وحب الرياسة والاستنكاف من الانقياد للحق .
قوله تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه وتحشر هم يوم القيامة
على وجوههم عمياً وبكماً وصمامأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعير آذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا﴾
إعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم فى إنكار النبوة وأردفها بالوعيد الاجمالى
وهو قوله ( إنه كان بعباده خبيراً بصيراً) ذكر بعده الوعيد الشديد على سبيل التفصيل، أما قوله
( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه) فالمقصود تسلية الرسول
وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالا يمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم
اللّه بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال واستحال أن يوجد من يصرفهم عن
ذلك الضلال ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم فى الهدى والضلال والمعتزلة حملوا هذا
الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة وقارة على منع الألطاف وتارة على التخلية وعدم
التعرض له بالمنع وهذه المباحث قد ذكرناها مراراً فلا فائدة فى الاعادة، أما قوله تعالى (ونحشرهم
يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً) فان قيل كيف يمكنهم المشى على وجوههم قلنا الجواب
من وجهين: ( الأول ) إنهم يسحبون على وجوههم قال تعالى ( يوم يسحبون فى النار على
وجوههم)، ( الثانى) روى أبو هريرة قيل يارسول الله كيف يمشون على وجوههم قال إن الذى

٦٢
قوله تعالى : ومن يهد الله فهو المهتد . سورة الإسراء .
يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ، قال حكماء الاسلام الكفار أرواحهم شديدة
التعلق بالدنيا ولذاتها وليس لها تعلق بعالم الأبرار وحضرة الإله سبحانه وتعالى فلما كانت وجوه
قلوبهم وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم ، وأما قوله ( عمياً وبكماً
وصماً) فاعلم أن واحداً قال لابن عباس رضى الله عنه: أليس أنه تعالى يقول (ورآى المجرمون النار)
وقال (سمعوا لها تغيظا وزفيراً) وقال ( دعوا هنالك ثبوراً) وقال ( يوم تأتى كل نفس تجادل عن
نفسها) وقال حكاية عن الكفار ( والله ربنا ما كنا مشركين) فثبت بهذه الآيات أنهم يرون
ويسمعون ويتكلمون فكيف قال ههنا (عمياً وبكماً وصماً) أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من
وجوه (الأول) قال ابن عباس عمياً لايرون شيئاً يسرهم صماً لا يسمعون شيئاً يسرم بكمالا ينطقون
بحجة (الثانى) قال فى رواية عطاء عمياً عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه بكما عن مخاطبة الله
ومخاطبة الملائكة المقربين صماً عن ثناء الله تعالى على أوليائه ( الثالث ) قال مقاتل انه حين يقال لهم
(اخسنوا فيها ولا تكلمون) يصيرون عمياً بكماً صماً ، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون
(الرابع) أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين فى الموقف ولولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا
كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة الله عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار
جعلهم الله عمياً وبكماً وصماً ( والجواب) أن الآيات السابقة تدل على أنهم فى النار يبصرون
ويسمعون ويصيحون، أما قوله تعالى (مأواهم جهنم ) فظاهر، وأما قوله (كلما خبت زدناهم
سعيراً) ففيه مباحث :
﴿ البحث الأول ) قال الواحدى الخبو سكون النار يقال خبت النار تخبو إذا سكن لهبها
ومعنى خبت سكنت وطفئت يقال فى مصدره الخبو وأخبأها المخى. إخباء أى أخمدها ثم قال
(زدناهم سعيراً ) قال ابن قتيبة زدناهم سعيراً أى تلماً .
﴿ البحث الثانى ) لقائل أن يقول إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب وقوله (كلما خبت ) يدل
على أن العذاب يخف فى ذلك الوقت قلنا كلما خبت يقتضى سكون لهب النار ، أما لا يدل هذا على
٠
أنه يخف العذاب فى ذلك الوقت
﴿ البحث الثالث ) قوله ( كاما خبت زدناهم سعيراً) ظاهره يقتضى وجوب أن تكون
الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى وإذا كان كذلك كانت الحالة الأولى بالنسبة الى الحالة الثانية
تخفيفاً ( والجواب ) الزيادة حصلت فى الحالة الأولى أخف من حصولها فى الحالة الثانية فكان
العذاب شديداً ويحتمل أن يقال لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل فى أوقاته غير مشعور به
نعوذ بالله منه ولما ذكر تعالى أنواع هذا الوعيد قال ذلك ( جزاؤهم بأنهم كفروا ) والباء فى قوله
بأنهم كفروا باء السبية وهو حجة لمن يقول العمل علة الجزاء والله أعلم .

٦٣
قوله تعالى: وقالوا أذا كنا عظاماً ورفاتاً . سورة الإسراء .
٥٤٠٠٠٠/٤
أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ
٩٨
وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَلْتًّا أَءِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
الَِّىِ خَلَقَ السَّمَنَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّا لَّا
رَيْبَ فِيهِ فَأَتَى الْظَلِمُونَ إِلَّ كُفُورًا (﴾ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ :َيْنَ رَحْمَةِ رَبِّ
إِذَّا لَّأَّمْسَكُمْ خَشْيَةَ آلْإِنفَاقِ وَ كَنَ آلْإِنْسَنُ قَتُورًا
١٠٠
قوله تعالى: ﴿وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاقاً أننا لمبعوثون خلقاً جديداً أولم يروا أن الله الذى
خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لاريب فيه فأبى الظالمون إلا
كفوراً﴾ إعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات منكرى النبوة عاد إلى حكاية شبهة منكرى
الحشر والنشر ليجيب عنها وتلك الشبهة هى أن الإنسان بعد أن يصير رفاتاً ورميما يبعد أن يعود
هو بعينه وأجاب الله تعالى عنه بأن من قدر على خلق السموات والأرض لم يبعد أن يقدر على
إعادتهم بأعيانهم وفى قوله ( قادر على أن يخلق مثلهم ) قولان: (الأول) المعنى قادر على أن
يخلقهم ثانياً فعبر عن خلقهم ثانيا بلفظ المثل كما يقول المتكلمون أن الاعادة مثل الابتداء (القول
الثانى) المراد قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحدونه ويقرون بکال حكمته وقدر ته و یتر کون
ذكر هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا التفسير فهو كقوله تعالى ( ويأت بخلق جديد) وقوله
(ويستبدل قوما غير كم) قال الواحدى والقول هو الأول لأنه أشبه بما قبله ولما بين الله تعالى بالدليل
المذكور أن البعث والقيامة أمر يمكن الوجود فى نفسه أردفه بأن لوقوعه ودخوله فى الوجود وقتاً
معلوماً عند الله وهو قوله (وجعل لهم أجلا لاريب فيه) ثم قال تعالى (فأبى الظالمون إلا كفوزاً)
أى بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا الكفر والنفور والجحود .
قوله تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان
قتورا ﴾ وفى الآية مسائل.
﴿ المسألة الأولى) أن الكفار لما قالوا ( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا)
طلبوا إجراء الأنهار والعيون فى بلدتهم لتكثر أموالهم وتتسع عليهم معيشتهم فبين الله تعالى لهم أنهم
لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ولما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد وعلى هذا
التقدير فلا فائدة فى إسعافهم بهذا المطلوب الذى التمسوه فهذا هو الكلام فى وجه النظم والله أعلم.
المسألة الثانية) قوله (لو أنتم) فيه بحث يتعلق بالنحو وبحث آخر يتعلق بعلم البيان، ( أما
البحث النحوى ) فهو أن كلمة (لو) من شأنها أن تختص بالفعل لأن كلمة (لو) تفيد انتفاء الشىء

٦٤
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى . سورة الإسراء .
وَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَاَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْعَلْ بَنِيِّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَاءَ هُمْ فَقَالَ
لَهُ فِرْعَوّنُ إِ لَأَتُنَّكَ يَكُمُوسَى مَسْحُورًا (٤) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَكَؤُلَاءِ
إِلََّ رَبُّ الَّعَلَوْتِ وَالْأَرْضِ بَصَابٍ وَإِى لَأَنُْنُّكَ يَنْفِرْعَوْنُ مَتْبُورًا (٨) فَأَرَادَ
أَنْ يَسْتَغُِّ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقَهُ وَمَنْ مَّعَهُ بَيِعًا (٥) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ
◌ِسّرَءِ يلَ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيقًا (
١٠٤
لانتفاء غيره والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذى يدل على الآثار والأحوال والمنتفى هو
الأحوال والآثار لا الذوات فثبت أن كلمة ( لو ) مختصة بالأفعال وأنشدوا قول المتلمس :
لو غير أخوالى أرادوا نقيصتى نصبت لهم فوق العرانين مأتما
والمعنى لو أراد غير أخوالى ( وأما البحث ) المتعلق بعلم البيان فهو أن التقديم بالذكر يدل
على التخصيص فقوله (أنتم تملكون) دلالة على أنهم هم المختصون بهذه الحالة الخسيسة والشح الكامل.
المسألة الثالثة ﴾ خزائن فضل الله ورحمته غير متناهية فكان المعنى أنكم لوملكتم من الخير
والنعم خزان لانهاية لها لبقيتم على الشح وهذا مبالغة عظيمة فى وصفهم بهذا الشىء ثم قال تعالى
( وكان الإنسان قتوراً) أى بخيلا يقال قتر يقتر قترا وأقتر إقتارا وقت تفتيرا إذا قصر فى الانفاق
فان قيل فقد دخل فى الانسان الجواد الكريم فالجواب من وجوه ( الأول) أن الأصل فى الانسان
البخل لأنه خلق محتاجاً والمحتاج لابد أن يحب ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود
به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل فى الانسان البخل (الثانى) إن الإنسان إنما يبذل لطلب
الثناء والحمد والخروج عن عهدة الواجب فهو فى الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو فى الحقيقة
بخيل (الثالث ) إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق (وهم الذين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر
لنا من الأرض ينبوعا)
قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بنى اسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون
إنى لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر
وإنى لأظنك يافرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً وقلنا من
بعده لبنى اسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً﴾ فى الآية مسائل.
المسألة الأولى﴾ اعلم أن المقصود من هذا الكلام أيضا الجواب عن قولهم (لن نؤمن لك)

٦٥
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى . سورة الإسراء .
حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة فقال تعالى (إنا آتينا موسى) معجزات مساوية لهذه الأشياء التى
طلبتموها بل أقوى منها وأعظم فلو حصل فى علمنا أن جعلها فى زمانكم مصلحة لفعلناها كما فعلنا
فى حق موسى فدل هذا على إنا إنما لم نفعلها فى زمانكم لعلمنا أنه لا مصلحة فى فعلها .
﴿ المسألة الثانية ﴾ إعلم أنه تعالى ذكر فى القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه الصلاة
والسلام ( أحدها ) أن الله تعالى أزال العقدة من لسانه قيل فى التفسير ذهبت العجمة وصار فصيحاً
( وثانيها) إنقلاب العصاحية ( وثالثها ) تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها ( ورابعها) اليد
البيضاء وخمسة أخر وهى الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم (والعاشر ) شق البحر وهو
قوله (وإذ فرقنا بكم البحر) ( والحادى عشر) الحجروهوقوله (أن اضرب بعصاك الحجر) (الثانى
عشر) إظلال الجبل وهو قوله تعالى (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كانه ظلة) (والثالث عشر) انزال المن
والسلوى عليه وعلى قومه ( والرابع عشر والخامس عشر) قوله تعالى (ولقد أخذنا آل فرعون
بالسنين ونقص من الثمرات). (والسادس عشر) لطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة
والدراهم والدنانير روى أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله ( تسع آيات بينات)
فذكر محمد بن كعب فى مسألة التسع حل عقدة اللسان والطمس فقال عمر بن عبد العزيز هكذا
يجب أن يكون الفقيه ثم قال ياغلام أخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا فيه بيض مكسور
نصفين وجوز مكسور وفول وحمص وعدس كلها حجارة إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر
فى القرآن هذه المعجزات الستة عشر لموسى عليه الصلاة والسلام وقال فى هذه الآية ( ولقد آتينا
موسى تسع آيات بينات) وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه لأنا بينا فى أصول
الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفى الزائد بل نقول إنما يتمسك فى هذه المسألة بهذه
الآية ثم نقول : أما هذه التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها وهى العصا واليد والطوفان والجراد
والقمل والضفادع والدم وبقى الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما ولما لم تكن
تلك الأحوال مستندة إلى حجة ظنية فضلا عن حجة يقينية لاجرم تركت تلك الروايات، وفى
تفسير قوله تعالى ( تسع آيات بينات) أقوال أجودها ما روى صفوان بن عسال أنه قال أن يهودياً
قال لصاحبه إذهب بنا إلى هذا النبى نسأله عن تسع آيات فذهبا إلى النبى يُّ وسألاه عنها فقال
هن أن لاتشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولاتزنوا ولا تقتلوا ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا
ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن تعدلوا فى السبت فقام
اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالوا نشهد إنك فى ولولا تخاف القتل وإلا اتبعناك .
﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( فاسأل بنى اسرائيل إذ جاءهم) فيه مباحث:
﴿ البحث الأول ) فيه وجوه (الوجه الأول) أنه اعتراض دخل فى الكلام والتقدير (ولقد
آتينا موسى تسع آيات بينات) - إذ جاء بنى إسرائيل فاسألهم - وعلى هذا التقدير فليس المطلوب من
الفخر الرازي - ج ٢١ م ٥

٦٦
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى . سورة الإسراء .
سؤاله بنى إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق
ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد ( والوجه الثانى) أن يكون قوله فاسأل بنى
إسرائيل أى سلهم عن فرعون. وقل له أرسل معى بنى اسرائيل (والوجه الثالث) سل بى
إسرائيل أى سلهم أن يوافقوك والتمس منهم الإيمان الصالح. وعلى هذا التأويل فالتقدير فقلنا له
سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك.
﴿ البحث الثانى) أمر رسول الله ور يتم بأن يسأل بنى إسرائيل معنله الذين كانوا موجودين
فى زمان النبى يُؤرقم والذين جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام هم الذين كانوا فى زمانه إلا أن الذين
كانوا فى زمان محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا أولاد أولئك الذين كانوا فى زمان موسى حسفت
هذه الكناية . ثم أخبر تعالى أن فرعون قال لموسى ( إنى لأظنك ياموسى مسحورا ) وفى
لفظ المسحور وجوه (الأول) قال الفراء إنه بمعنى الساحر كالمشئوم والميمون وذكرنا هذا
فى قوله ( حجاباً مستورا)، ( الثانى) أنه مفعول من السحر أى أن الناس سحروك وخبلوك فتقول
هذه الكلمات لهذا السبب ( الثالث ) قال محمد بن جرير الطبرى معناه أعطيت علم السحر، فهذه
العجائب التى تأتى بها من ذلك السحر ثم أجابه موسى عليه الصلاة والسلام بقوله ( لقد علمت
ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض) وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول ) قرأ الكسائى علمت بضم التاء أى علمت أنها من علم اللّه فان علمت
وأقررت وإلا هلكت والباقون بالفتح وضم التاء قراءة على وفتحها قراءة ابن عباس وكان على
رضى الله عنه يقول والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذى علم فبلغ ذلك ابن عباس رضى
الله عنهما فاحتج بقوله ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا
صحة أمر موسى عليه السلام قال الزجاج الأجود فى القراءة الفتح لأن علم فرعون بأنها آيات نازلة
من عند الله أوكد فى الحجة فاحتجاج موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون بعلم فرعون أوكد
من الاحتجاج بعلم نفسه ، وأجاب الناصرون لقراءة على عليه السلام عن دليل أبن عباس فقالوا
قوله ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) يدل على أنهم استيقنوا شيئاً ما فأما أنهم استيقنوا كون
هذه الآيات نازلة من عند الله فليس فى الآية ما يدل عليه ، وأجابوا عن الوجه الثانى بأن فرعون
قال (إن رسولكم الذى أرسل إليكم لجنون) قال موسى (لقد علمت ) فكانه نفى ذلك وقال
لقد علمت صحة ما أتيت به علما صحيحاً على العقلاء. واعلم أن هذه الآيات من عند الله ولا تشك
فى ذلك بسبب سفاهتك .
﴿البحث الثانى﴾ التقدير ما أنزل هؤلاء الآيات ونظيره قوله: والعيش بعد أولئك الأقوام
وقوله بصائر أى حججاً بينة كأنها بصائر العقول وتحقيق الكلام أن المعجزة فعل غارق
للعادة فعله فاعله لغرض تصديق المدعى ومعجزات موسى عليه الصلاة والسلام كانت موصوفة

٦٧
قوله تعالى: ولقد آتينا موسى تسع آيات. سورة الإسراء
بهذين الوصفين لأنها كانت أفعالا خارقة للعادة وصرائح العقول تشهد بأن قلب العصا حية
معجزة عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ثم إن تلك الحية تلقفت حبال السحرة وعصيهم على كثرتها
ثم عادت عصاكما كانت فأصناف تلك الأفعال لا يقدر عليها أحد إلا الله، وكذا القول فى فرق
البحر وإظلال الجبل فثبت أن تلك الأشياء ماأنزلها إلا رب السموات (الصفة الثانية ) أنه تعالى
إنما خلقها لتدل على صدق موسى فى دعوة النبوة ، وهذا هو المراد من قوله ( ما أنزل هؤلاء إلا
رب السموات والأرض ) حال كونها بصائر أى دالة على صدق موسى فى دعواه وهذه الدقائق
لا يمكن فهمها من القرآن إلا بعد إتقان علم الأصول وأقول يبعد أن يصير غير علم الأصول
العقلى قاهراً فى تفسير كلام اللّه ثم حكى تعالى أن موسى قال لفرعون (وإنى لأظنك يافرعون
مثبورا) واعلم أن فرعون قال لموسى ( وإنى لأظنك ياموسى مسحورا) فعارضه موسى وقال
له ( وإنى لأظنك يافرعون مثبوراً) قال الفراء: المشبور الملعون المحبوس عن الخير والعرب تقول
ما ثبرك عن هذا أى مامنعك منه وما صرفك، وقال أبو زيد يقال ثبرت فلاناً عن الشى. أثبره
أى رددته عنه، وقال مجاهد وقتادة هالكا، وقال الزجاج يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك،
والثبور الهلاك، ومن معروف الكلام فلان يدعو بالويل والثبور عند مصيبة تنائه، وقال تعالى
(دعوا هنالك ثبورا، لاتدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبورا كثيراً) واعلم أن فرعون
لما وصف موسى بكونه مسحوراً أجابه موسى بأنك مثبور يعنى هذه الآيات ظاهرة، وهذه
المعجزات قاهرة ولايرتاب العاقل فى أنها من عند الله وفى أنه تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقى
وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغى والجهل وحب الدنيا ومن
كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور، ثم قال تعالى (فأراد أن يستفزهم من الأرض )
يعنى أراد فرعون أن يخرجهم يعنى موسى وقومه بنى إسرائيل، ومعنى تفسير الاستفزاز تقدم
فى هذه السورة من الأرض يعنى أرض مصر، قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من
استفزازهم إخراجهم منهم بالقتل أو بالتنحية ثم قال (فأغرقناه ومن معه جميعاً ) المعنى ماذكره
الله تعالى فى قوله ( ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله) أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض
مصر لتخلص له تلك البلاد واللّه تعالى أهلك فرعون وجعل ملك مصر خالصة لموسى ولقومه
وقال ( لبنى اسرائيل اسكنوا الأرض) خالصة لكم خالية من عدوكم قال تعالى ( فإذا جاء وعد
الآخرة) يريد القيامة ( جئنا بكم لفيفاً) من هاهنا وهاهنا، واللفيف الجمع العظيم من أخلاط شتى
من الشريف والدنى. والمطيع والعاصى والقوى والضعيف، وكل شىء خلطته بشى. آخر فقد لففته،
ومنه قيل لففت الجيوش إذا ضربت بعضها ببعض وقوله التفت الزحوف ومنه ، التفت الساق
بالساق، والمعنى جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطاً يعنى جميع الخلق المسلم والكافر والبر والفاجر.

٦٨
قوله تعالى : وبالحق أنزلناه وبالحق نزل . سورة الإسراء .
وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ مُبَشِرًا وَنَذِيرًا ههِ وَقُرْءَانًا
فَقْتَهُ لِنَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَّلْنَهُ تَنزِيلًا (٥ قُلْ ءَامُوا بِ أَوْلًا
مُؤْمِنُواْ إِنَّالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلَمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يَتَى عَيْهِمْ بَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ سُّدًا ( ٥) وَيَقُولُونَ
سُبْحَانَ رَبِّنَاَ إِن كَانَ وَعُ رَبَِّ لَمَفْعُولًا (٨﴾ وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَبِيِدُهُمْ
خشوعا HO)
قوله تعالى: ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيرا. وقرآنًا فرقناه
لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا. قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من
قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذفان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا .
ويخرون للأذقان ييكون ويزيدهم خشوعا ﴾
إعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق فى قوله ( قل لئن اجتمعت
الإنس والجن) ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل طلبوا سائر المعجزات، ثم
أجاب اللّه بأنه لاحاجة إلى إظهار سائر المعجزات وبين ذلك بوجوه كثيرة، منها أن قوم موسى
عليه الصلاة والسلام آتاهم الله تسع آيات بينات فلا جحدوا بها أهلكهم اللّه فكذا هاهنا، ثم
إنه تعالى لو آتى قوم محمد تلك المعجزات التى اقترحوها ثم كفروا بها وجب إنزال عذاب
الاستئصال بهم وذلك غير جائز فى الحكمة لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن والذى لا يؤمن فسيظهر
من نسله من يصير مؤمنا، ولما تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة درجته فقال
(وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) والمعنى أنه ما أردنا بانزاله إلا تقرير الحق والصدق وكما أردنا هذا
المعنى فكذلك وقع هذا المعنى وحصل وفى هذه الآية فوائد (الفائدة الأولى) أن الحق هو الثابت
الذى لايزول كما أن الباطل هو الزائل الذاهب، وهذا الكتاب الكريم مشتمل على أشياء
لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة
وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ومشتمل أيضا
على شريعة باقية لا يتطرق اليها النسخ والنقض والتحريف ، وأيضا فهذا الكتاب كتاب تكفل
الله بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
فكان هذا الكتاب حقا من كل الوجوه (الفائدة الثانية ) أن قوله (وبالحق أنزلناه ) يفيد الحصر

٦٩
قوله تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس . سورة الإسراء
ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة ، وهذا يدل على أنه ما قصد
بازانه إضلال أحد من الخلق ولا أغواؤه ولا منعه عن دين الله (الفائدة الثالثة) قوله ( وبالحق
أنزلناه وبالحق نزل) يدل على أن الإنزال غير النزول، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن
يكون التكوين غير المكون على ماذهب اليه قوم ( الفائدة الرابعة ) قال أبو على الفارسى الباء فى
قوله ( وبالحق أنزلناه) بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه، والمعنى أنزلنا القرآن مع
الحق وقوله ( وبالحق نزل) فيه احتمالان (أحدهما ) أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول نزلت
يزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد برلم لأن القرآن نزل به أى عليه (الثانى) أن تكون بمعنى مع
كما قلنا فى قوله (وبالحق أنزلناه) ثم قال تعالى (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيراً) والمقصود
أن هؤلاء الجمال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لاشى. عليك
من كفرهم فانى ما أرسلتك إلا مبشراً للمطيعين ونذيراً للجاحدين فان قبلوا الدين الحق انتفعوا به
وإلا فليس عليك من كفرهم شىء.
ثم قال ﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ) وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول ) أن القوم قالوا: هب إن هذا القرآن معجز إلا أنه بتقدير أن يكون
الأمر كذلك فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة ليظهر فيه وجه الإعجاز فجعلوا
إتيان الرسول بهذا القرآن متفرقا شبهة فى أنه يتفكر فى فصل فصل ويقرأه على الناس فأجاب
اللّه عنه بأنه إنما فرقه ليكون حفظه أسهل ولتكون الإحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل
﴿ البحث الثانى) قال سعيد بن جبير نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء
السفلى ، ثم فصل فى السنين التى نزل فيها ، قال قتادة كان بين أوله وآخره عشرون سنة والمعنى
قطعناه آية آية وسورة سورة ولم نزله جملة لتقرأه على الناس على مكث بالفتح والضم على مهل
وتؤدة أى لا على فورة. قال الفراء: يقال مكث ومكث يمكث، والفتح قراءة عاصم فى
قوله ( فمكث غير بعيد ).
﴿ البحث الثالث) الاختيار عند الأئمة فرقناه بالتخفيف وفسره أبو عمرو بيناه قال أبو عبيد
التخفيف أعجب إلى لأن تفسيره بيناه ومن قرأ بالتشديد لم يكن له معنى إلا أنه أنزل متفرقاً فالفرق
يتضمن التيين ويؤكده ما روى ثعلب عن ابن الاعرابى أنه قال فرقت أفرق بين الكلام وفرقت
بين الأجسام ويدل عليه أيضاً قوله ◌َّتم ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا)) ولم يقل يفترقا والتفرق
مطاوع التفريق والافتراق مطاوع الفرق ثم قال (ونزلناه تنزيلا) أى على الحد المذكور والصفة
المذكورة ثم قال ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ) يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة على
وجه التهديد والانكار أى أنه تعالى أوضح البينات والدلائل وأزاح الأعذار فاختاروا ماتريدون
ثم قال تعالى ( إن الذين أوتوا العلم من قبله) أى من قبل نزول القرآن قال مجاهد هم ناس من أهل

٧٠
قوله تعالى : قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن . سورة الإسراء .
قُلِ أَدْعُواْ اللّهَ أَوِ أَدْعُواْ الَّْمَئِنَّ أَيَّامَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغٍ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (٨﴾ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلِّ الَّذِى لَمْ يَذْ
وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكُ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ
الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد ع آ خروا سجداً منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن
نوفل وعبد الله بن سلام ثم قال ( يخرون للأذفان سجداً) وفيه أقوال: (القول الأول) قال
الزجاج الذقن مجمع اللحيين وكلما يبتدىء الانسان بالخرور الى السجود فأقرب الأشياء من الجبهة
الى الأرض الذقن ( والقول الثانى) أن الأذقان كناية عن اللحى والانسان اذا بالغ عند السجود
فى الخضوع والخشوع ربما مسح لحيته على التراب فإن اللحية يبالغ فى تنظيفها فاذا عفرها الانسان
بالتراب فقد أتى بغاية التعظيم ( والقول الثالث) ان الانسان اذا استولى عليه خوف الله تعالى
فربما سقط على الأرض فى معرض السجود كالمغشى عليه ومتى كان الأمر كذلك كان خروره على
الذقن فى موضع السجود فقوله ( يخرون للأذقان) كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته ثم بقى فى
الآية سؤالان ( السؤال الأول ) لم قال (يخرون للاذقان سجداً) ولم يقل يسجدون؟ والجواب
المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم الى ذلك حتى أنهم يسقطون (السؤال الثانى ) لم قال
( يخرون للأذقان) ولم يقل على الأذقان والجواب العرب تقول اذا خز الرجل فوقع على وجهه
خر للذقن والله أعلم، ثم قال تعالى (ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) والمعنى أنهم
يقولون فى سجودهم ( سبحان ربنا) أى ينزهونه ويعظمونه ( ان كان وعدربنا لمفعولا) أى
بانزال القرآن وبعث محمد وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب لأن الوعد ببعثة محمد
سبق فى كتابهم فهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد ثم قال ( ويخرون للأذقان يكون) والفائدة
فى هذا التكرير اختلاف الحالين وهما خرورهم للسجود وفى حال كونهم با كين عند استماع
القرآن ويدل عليه قوله (ويزيدهم خشوعاً) ويجوز أن يكون تكرار القول دلالة على تكرار.
الفعل منهم وقوله ( يبكون) معناه الحال ( ويزيدهم خشوعا) أى تواضعاً واعلم أن المقصود من
هذه الآية تقرير تحقيرهم والازدراء بشأنهم وعدم الاكتراث بهم وبايمانهم وامتناعهم منه وأنهم
وإن لم يؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منهم .
قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك
ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن

٧١
قوله تعالى : قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن . سورة الإسراء .
لَهُ وَلُّ مِنَ الذَلِّ وَكَبِّهُ تَكْبِيرًا
له ولى من الذل وكره تكبيراً ﴾
قال صاحب الكشاف المراد بهما الاسم لا المسمى والواو للتخيير بمعنى (ادعوا الله أو ادعوا
الرحمن) أى سموا بهذا الاسم أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا والتنوين فى (أيا) عوض عن
المضاف اليه و (ما) صلة للابهام المؤكد لما فى أى والتقدير أى هذين الاسمين سميتم وذكرتم
( فله الأسماء الحسنى) والضمير فى قوله (فله) ليس براجع الى أحد الإسمين المذكورين ولكن
إلى مسماهما وهو ذاته عز وعلا والمعنى ( أياً ما تدعوا) فهو حسن فوضع موضعه قوله (فله
الأسماء الحسنى ) لأنه إذا حسنت أسماؤه فقد حسن هذان الإسمان لأنهما منها ومعنى حسن أسماء
اللّه كونها مفيدة لمعانى التحميد والتقديس وقد سبق الاستقصاء فى هذا الباب فى آخر سورة
الأعراف فى تفسير قوله ( ولله الأسماء الحسنى) فادعوه بها واحتج الجبائى بهذه الآية فقال لو كان
تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال ياظالم وحينئذ يبطل ما ثبت فى هذه الآية من كون
أسمائه بأسرها حسنة ( والجواب) أنا لانسلم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم
وجائز كما أنه لا يلزم من كونه خالقاً الحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يامتحرك
وياساكن ويا أسود ويا أبيض(١) فإن قالوا فيلزم جواز ان يقال ياخالق الظلم والجور قلنا فيلزمكم
أن تقولوا ياخالق العذرات والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ذلك حق فى نفس الأمر
ولكن الأدب أن يقال ياخالق السموات والأرض فكذا قولنا هنا، ثم قال تعالى (ولا تجهر
بصلاتك ولا تخافت بها) وفيه مباحث:
( البحث الأول ) قوله ( ولا تجهر بصلاتك) فيه أقوال (الأول) روى سعيد بن جبير
عن ابن عباس فى هذه الآية قال كان رسول الله بر قم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه
وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه ( ولا تجهر بصلاتك) فيسمع المشركون فيسبوا الله عدواً
بغيراً على ( ولا تخافت بها) فلا تسمع أصحابك وابتغ بين ذلك سبيلا (القول الثانى) روى أن التى
صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة، وكان أبو بكر يخفى صوته بالقراءة فى صلاته
وكان عمر يرفع صوته فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول اللّه مَّ اله لأبى بكر لم تخفى
صوتك فقال أناجى ربى، وقد علم حاجتى وقال لعمر لم ترفع صوتك فقال أزجر الشيطان وأوقظ
الوسنان فأمر النبى مريم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا وعمر أن يخفض صوته قليلا (القول الثالث)
معناه ( ولا تجهر بصلاتك) كلها ( ولا تخافت بها ) كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل
(١) يقتضى القياس فى الرد على الجبائى أن نقول: أن أسماء الله توقيفية وهى تسعة وتسعون كلها فى القرآن فلا ينبغى أن،
ايسمى بغيرها . أ.

٧٢
قوله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن . سورة الإسراء .
وتخافت بصلاة النهار ( والقول الرابع ) أن المراد بالصلاة الدعاء وهذا قول عائشة رضى الله عنها
وأبى هريرة ومجاهد قالت عائشة رضى الله عنها هى فى الدعاء وروى هذا مرفوعا أن النى ◌ُ ◌ّم قال
فى هذه الآية إنما ذلك فى الدعاء والمسألة لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك فتغير بها
فالجهر بالدعاء منهى عنه والمبالغة فى الإسرار غير جائزة والمستحب من ذلك التوسط وهو أن
يسمع نفسه كما روى عن ابن مسعود أنه قال لم يخافت من أسمع أذنيه ( والقول الخامس ) قال
الحسن لا تراء بعلانيتها ولا تسىء بسريتها .
﴿ البحث الثانى) الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال والأذكار والجهر والمخافتة من عوارض
الصوت فالمراد ههنا من الصلوات بعض أجزاء ماهية الصلاة وهو الأذكار والقرآن وهو من باب
إطلاق اسم الكل لإرادة الجزء .
﴿ البحث الثالث ) يقال خفت صوته يخفت خفتاً وخفوتاً إذا ضعف وسكن وصوت
خفيت أى خفيض ومنه يقال للرجل إذا مات قد خفت أى انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل
وخفت الرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت وقد تخافت القوم إذا تساروا بينهم
وأقول ثبت فى كتب الأخلاق أن كلا طرفى الأمور ذميم والعدل هو رعاية الوسط ولهذا المعنى
مدح الله هذه الأمة بقوله ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً ) وقال فى مدح المؤمنين (والذين إذا
أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) وأمر الله رسوله فقال ( ولا تجعل يدك مغلولة
إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) فكذا ههنا نهى عن الطرقين وهو الجهروالمخافتة وأمر بالتوسط
بينهما فقال ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) ومنهم من قال الآية منسوخة بقوله (ادعوا ربكم تضرعاً
وخفية) وهو بعيد واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى عليه كيفية
التحميذ فقال ( وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل
وكبره تكبيراً) فذكرههنا من صفات التنزيه والجلال وهى السلوب ثلاثة أنواع من الصفات
(النوع الأول) من الصفات أنه لم يتخذ ولداً والسبب فيه وجوه (الأول) أن الولد هو الشى.
المتولد من جزء من أجزاء شىء آخر فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث
والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد (الثانى) أن كل من له ولد فانه يمسك
جميع النعم لولده فاذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده ( الثالث ) أن الولد هو الذى
يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضياً ومن كان كذلك لم يقدر على
كمال الإنعام فى كل الأوقات فوجب أن لا يستحق الحمد على الإطلاق ( والنوع الثانى) من الصفات
السلبية قوله ( ولم يكن له شريك فى الملك) والسبب فى اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك
فحينئذ لا يعرف كونه مستحقاً الحمد والشكر (والنوع الثالث) قوله ( ولم يكن له ولى من الذل )
: والسبب فى اعتبار هذه الصفة أنه لو جاز عليه ولى من الذل لم يجب شكره لتجويز أن غيره حمله

٧٣
قوله تعالى : قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن. سورة الإِسراء .
على ذلك الإنعام أو منعه منه، أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وكان منزهاً عن أن
يكون له ولى على أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجل أقسام الشكر ثم قال تعالى
( وكبره تكبيراً) ومعناه أن التحميد يجب أن يكون مقروناً بالنكبير ويحتمل أنواعا من المعانى
(أولها) تكبيره فى ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غنى عن كل ما سواه
( وثانيها) تكبيره فى صفاته وذلك من ثلاثة أوجه ( أولها) أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو
من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال وهو ميزه عن كل صفات النقائص ( وثالثها) أن يعتقد
أن كل واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات وقدرته متعلقة بما لا نهاية له من
المقدورات والممكنات ( ورابعها ) أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته عن الحدوث وتهزهت عن التغير
والزوال والتحول والانتقال فكذلك صفاته أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال
والتحول والانتقال (النوع الثالث ) من تكبير اللّه تكبيره فى أفعاله وعند هذا تختلف أهل الجبر
والقدر فقال أهل السنة إنا نحمد الله ونكبره ونعظمه على أن يجرى فى سلطانه شى. لا على وفق
حكمه وإرادته فالكل واقع بقضاء الله وقدرته ومشيئته وإرادته، وقالت المعتزلة إنا نكبر الله
ونغظمه عن أن يكون فاعلا لهذه القبائح والفواحش بل نعتقد أن حكمته تقتضى التنزيه والتقديس
عنها وعن إرادتها وسمعت أن الأستاذ أبا اسحاق الإسفراينى كان جالسا فى دار الصاحب بن عباد
فدخل القاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى فلما رآه قال سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال
. الأستاذ أبو اسحاق سبحان من لا يجرى فى ملكه إلا مايشاء(١) (النوع الرابع) تكبير الله فى أحكامه
وهو أن يعتقد أنه ملك مطاع وله الأمر والنهى والرفع والخفض وأنه لا اعتراض لأحد عليه
فى شىء من أحكامه يعز من يشاء ويذل من يشاء (النوع الخامس) تكبير اللّه فى أسمائه وهو أن
لا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية المنزهة ( النوع السادس ) من
التكبير هو أن الإنسان بعد أن يبلغ فى التكبير والتعظيم والتنزيه والتقديس مقدار عقله وفهمه
وخاطره يعترف أن عقله وفهمه لا يفى بمعرفة جلال الله، ولسانه لا يفى بشكره، وجوارحه
وأعضاؤه لا تفي بخدمته فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافياً بكنه مجده وعزته . وهذا أقصى
ما يقدر عليه العبد الضعيف من التكبير والتعظيم ونسأل الله تعالى الرحمة قبل الموت وعند الموت
وبعد الموت إنه الكريم الرحيم وبالله العصمة والتوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيلى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ((تم تفسير هذه السورة يوم الثلاثاء بين الظهر والعصر يوم
العشرين من شهر المحرم فى بلدة غزنين سنة إحدى وستمائة والحمد لله والصلاة على نبيه محمد وآله
وصحبه وسلم تسليما )) .
(١) لهذه المحاورة تتمة وهى أن القاضى عبد الجبار رد عليه بقوله (أبريد ربك أن يعصى؟ لحجه أبو اسحاق بقوله؛ أيمضى
ربك كرما عنه ؟ والاسفراينى من أهل السنة وعبد الجبار من المعتزلة .

٧٤
قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل . سورة الكهف . .
(١٨) سُوَرَة الكهفِمَكِيَّة
وَأَيَاتِهَا عَشْرٌ وَمَانَةْ
قال ابن عباس إنها مكية غير آيتين منها فيهما ذكر عيينة بن حصن الفزاري وعن قتادة أنها
مكية وعن رسول الله وَ القلم قال ((ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك حين نزلت؟
هی سورة الكهف )) .
٩١ - ١
بِسْـ
قَيِّمًّاً لِيُنْذِرَ
ہ ے
آْحَمْدُ للَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُمْ عَوَجَا
بَأَسَّا شَدِيدًا مِنْ لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَبْرًا
حَسَنَّا (٣َ مَكِئِينَ فِيهِ أَبْدًا
٣
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، قيما لينذر بأساً شديداً من لدنه
ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ، ما كثين فيه أبداً ﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ أما الكلام فى حقائق قولنا (الحمد لله) فقد سبق، والذى أقوله ههنا أن
التسبيح أيما جاء فانما جاء مقدماً على التحميد، ألا ترى أنه يقال (سبحان الله والحمد لله) إذا عرفت
هذا فنقول: إنه جل جلاله ذكر التسبيح عندما أخبر أنه أسرى بمحمد عدّ له فقال (سبحان الذى
أسرى بعبده ليلا) وذكر التحميد عند ما ذكر أنه أنزل الكتاب على محمد عبد القيم فقال (الحمد لله الذى
أنزل على عبده الكتاب ) وفيه فوائد :
﴿ الفائدة الأولى) أن التسبيح أول الأمر لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ينبغى وهو إشارة
إلى كونه كاملا فى ذاته والتحميد عبارة عن كونه مكملا لغيره، ولاشك أن أول الأمر هو كونه
كاملا فى ذاته. ونهاية الأمر كونه مكملا لغيره. فلا جرم وقع الابتداء فى الذكر بقولناسبحان الله ثم
ذكر بعده الحمد لله تنبيها على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية. إذا عرفت هذا فنقول:
ذكر عند الإسراء لفظ التسبيح وعند إنزال الكتاب لفظ التحميد، وهذا تنبيه على أن الإسراء به

٧٥
قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل . سورة الكهف .
أول درجات كماله وإنزال الكتاب غاية درجات كماله، والأمر فى الحقيقة كذلك لأن الإسراء به
إلى المعراج يقتضى حصول الكمال له ، وإنزال الكتاب عليه يقتضى كونه مكملا للأرواح البشرية
وناقلا لها من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات الملكية، ولاشك أن هذا الثانى أكمل. وهذا تنبيه
على أن أعلى مقامات العباد مقاماً أن يصير [العبد] عالماً فى ذاته معلما لغيره ولهذا روى فى الخبر أنه
عليه الصلاة والسلام قال: ((من تعلم وعلم فذاك يدعى عظيما فى السموات)).
﴿ الفائدة الثانية) أن الإسراء عبارة عن رفع ذاته من تحت إلى فوق وإنزال الكتاب عليه
عبارة عن إنزال نور الوحى عليه من فوق الى تحت ، ولاشك أن هذا الثانى أكمل .
( الفائدة الثالثة) أن منافع الإسراء به كانت مقصورة عليه ألا ترى أنه تعالى قال هنالك
( لنريه من آياتنا) ومنافع انزال الكتاب عليه متعدية، ألا ترى أنه قال ( لينذر بأساً شديداً من
لدنه ويبشر المؤمنين) والفوائد المتعدية أفضل من القاصرة.
﴿ المسألة الثانية ) المشبهة استدلوا بلفظ الإسراء فى السورة المتقدمة وبلفظ الإنزال فى هذه
السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق ( والجواب) عنه مذ كور بالتمام فى سورة الأعراف فى
تفسير قوله تعالى ( ثم استوى على العرش).
﴿ المسألة الثالثة) إنزال الكتاب نعمة عليه ونعمة علينا، أما كونه نعمة عليه فلأنه تعالى
أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال والإكرام
وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال القضاء والقدر، وتعلق أحوال العالم السفلى بأحوال
العالم العلوى، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وكيفية
ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات، وتصيير النفس كالمرآة التى يتجلى فيها عالم الملكوت
وينكشف فيها قدس اللاهوت ، فلاشك أن ذلك من أعظم النعم ، وأما كون هذا الكتاب نعمة
علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والثواب والعقاب، وبالجملة فهو
كتاب كامل فى أقصى الدرجات فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فلما كان كذلك ويجب على
الرسول وعلى جميع أمته أن يحمدوا الله عليه فعلهم الله تعالى كيفية ذلك التحميد فقال (الحمدلله الذى
أنزل على عبده الكتاب) ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين فقال (ولم يجعل له عوجا قيما) وفيه أبحاث:
﴿ البحث الأول) أنا قد ذكرنا أن الشىء يجب أن يكون كاملا فى ذاته ثم يكون مكملا لغيره
ويجب أن يكون تاماً فى ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض على كمال الغير (١) إذا عرفت هذا فنقول
فى قوله ( ولم يجعل له عوجا) إشارة إلى كونه كاملا فى ذاته وقوله (قيما ) إشارة إلى كونه مكملا
لغيره لأن القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير ونظيره قوله فى أول سورة البقرة فى صفة الكتاب
( لاريب فيه هدى للمتقين ) فقوله ( لاريب فيه) إشارة الى كونه فى نفسه بالغاً فى الصحة وعدم

٧٦
قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل . سورة الكهف .
الاخلال إلى حيث يجب على العاقل أن لايرتاب فيه وقوله (هدى للمتقين ) إشارة إنى كونه سبباً
لهداية الخلق وإكمال حالهم فقوله ( ولم يجعل لهعوجاً) قائم مقام قوله ( لاريب فيه) وقوله (قيما)
قائم مقام قوله (هدى للمتقين ) وهذه أسرار لطيفة .
﴿ البحث الثانى) قال أهل اللغة العوج فى المعانى كالعوج فى الأعيان، والمراد منه وجوه:
(أحدها ) نفى التناقض عن آياته كما قال ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).
(وثانيها) أن كل ماذكر الله من التوحيد والنبوة والأحكام والتكاليف فهو حق وصدق ولاخلل
فى شىء منها البتة ( وثالثها) أن الإنسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجهاً إلى عالم الآخرة وإلى
حضرة جلال الله وهذه الدنيا كأنها رباط بنى على طريق عالم القيامة حتى أن المسافر إذا نزل فيه
اشتغل بالمهمات التى يجب رعايتها فى هذا السفر ثم يرتحل منه متوجهاً إلى عالم الآخرة فكل مادعاه
فى الدنيا إلى الآخرة ومن الجسمانيات الى الروحانيات ومن الخلق الى الحق ومن اللذات الشهوانية
الجسدانية إلى الاستنارة بالأنوار الصمدانية فثبت أنه مبرأ عن العوج والانحراف والباطل فلهذا
قال تعالى ( ولم يجعل له عوجاً) ( الصفة الثانية ) للكتاب وهى قوله ( قيما) قال ابن عباس يريد
مستقيما وهذا عندى مشكل لأنه لامعنى لنفى الاعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم
يوجب التكرار وأنه باطل، بل الحق ما ذكرناه وأن المراد من كونه (قيما) أنه سبب لهداية الخلق
وأنه يجرى مجرى من يكون قيما للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفال، والقرآن كالقيم الشفيق
القائم بمصالحهم .
﴿ البحث الثالث ) قال الواحدى جميع أهل اللغة والتفسير قالوا هذا من التقديم والتأخير
والتقدير : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا . وأقول قد بينا ما يدل على فساد هذا
الكلام لأنا یینا أن قوله ( ولم يجعل له عوجا) يدل على کونه كاملا فى ذاته، وقوله ( قيما) يدل
على كونه مكملا لغيره وكونه كاملا فى ذانه متقدم بالطبع على كونه مكملا لغيره فثبت بالبرهان
العقلى أن الترتيب الصحيح هو الذى ذكره الله تعالى وهو قوله ( ولم يجعل له عوجاً قيماً) فظهر
أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب اليه .
﴿ البحث الرابع ) اختلف النحويون فى انتصاب قوله ( قيما ) وذكروا فيه وجوها
(الأول) قال صاحب الكشاف لا يجوز جعله حالا من الكتاب لأن قوله ( ولم يجعل له عوجا )
معطوف على قوله ( أنزل ) فهو داخل فى حيز الصلة جعله حالا من الكتاب يوجب الفصل
بين الحال وذى الحال ببعض الصلة ، وأنه لا يجوز. قال: ولما بطل هذا وجب أن ينتصب مضمر
والتقدير ( ولم يجعل له عوجا - وجعله - قيما). (الوجه الثانى) قال الأصفهانى الذى نرى فيه أن
يقال قوله (ولم يجعل له عوجا) حال وقوله (قيما) حال أخرى وهما حالان متواليان والتقدير
أنزل على عبده الكتاب غير مجعول له عوجا قيما ( الوجه الثالث ) قال السيد صاحب حل العقد

٧٧
قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل . سورة الكهف .
يمكن أن يكون قوله ( قيما) بدلا من قوله ( ولم يجعل له وجا ) لأن معنى (لم يجعل له عوجا)
أنه جعله مستقيما فكأنه قيل (أنزل على عبده الكتاب) وجعله (قيما)، (الوجه الرابع) أن
يكون حالا من الضمير فى قوله ( ولم يجعل له عوجا ) أى حال كونه قائماً بمصالح العباد وأحكام
الدين ، واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ( أنزل على عبده الكتاب ) الموصوف بهذه الصفات المذكورة
أردفه بيان ما لأجله أنزله فقال ( لينذر بأساً شديداً من لدنه) وأنذر متعد إلى مفعولين كقوله (إنا
أنذر ناكم عذاباً قريباً). إلا أنه اقتصر ههنا على أحدهما وأصله (لينذر- الذين كفروا - بأساً شديداً)
كما قال فى ضده ( ويبشر المؤمنين) والبأس مأخوذ من قوله تعالى ( بعذاب بئيس) وقد بؤس
العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة وقوله (من لدنه) أى صادراً من عنده قال الزجاج وفى (لدن)
لغات يقال لدن ولدى ولد والمعنى واحد، قال وهى لا تتمكن تمكن عند لأنك تقول هذا القول
صواب عندى ولا تقول صواب لدنى وتقول عندى مال عظيم والمال غائب عنك ولدنى لما يليك
لا غير وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر بسكون الدال مع إشمام الضم وكسير النون والهاء وهى لغة
بنى كلاب ثم قال تعالى ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً) واعلم أن
المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين وبشارة المطيعين، ولما كان دفع الضرر أم عند[ذوى] لعقول
من إيصال النفع لا جرم قدم الإنذار على التبشير فى اللفظ ، قال صاحب الكشاف وقرى. ويبشر
بالتخفيف والتثقيل وقوله (ما كثين فيه أبداً) يعنى خالدين وهو حال للمؤمنين من قوله (أن لهم أجراً)
قال القاضى الآية دالة على صحة قولنا فى مسائل (أحدها ) أن القرآن مخلوق وبيانه من وجوه
(الأول) أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزول وذلك من صفات المحدثات فان القديم لا يجوز عليه
التغير ( الثانى) وصفه بكونه كتاباً والكتب هو الجمع وهو سمى كتاباً لكونه مجموعاً من الحروف
والكلمات وما صح فيه التركيب والتأليف فهو محدث (الثالث) أنه تعالى أثبت الحمد لنفسه على
إنزال الكتاب والحمد إنما يستحق على النعمة والنعمة محدثة مخلوقة (الرابع) أنه وصف الكتاب
بأنه غير معوج وبأنه مستقيم والقديم لا يمكن وصفه بذلك فثبت أنه محدث مخلوق (وثانيها) مسألة
خلق الأعمال فان هذه الآيات تدل على قولنا فى هذه المسألة من وجوه (الأول) نفس الأمر
بالحمد لأنه لو لم يكن للعبد فعل لم ينتفع بالكتاب إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر على أن يفعل
ما دل الكتاب على أنه يجب فعله ويترك ما دل الكتاب على أنه يجب تركه وهو إنما يفعل ذلك.
لو كان مستقلا بنفسه، أما إذا لم يكن مستقلا بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثر فى اعوجاج فعله ولم
يكن لكون الكتاب قما أثر فى استقامة فعله، أما إذا كان العبد قادراً على الفعل مختاراً فيه بقي
لعوج الكتاب واستقامته أثر فى فعله ( والثانى) أنه تعالى لو كان أنزل بعض الكتاب ليكون سبباً
لكفر البعض وأنزل الباقى ليؤمن البعض الآخر فمن أين أن الكتاب قيم لاعوج فيه؟ لأنه لو كان
فيه عوج لما زاد على ذلك ( والثالث) قوله ( لينذر) وفيه دلالة على أنه تعالى أراد منه مؤ فع

٧٨
قوله تعالى : وينذر الذين قالوا . سورة الكهف .
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواأ ◌َّخَ اللَّهُ وَلَدًا (٣) مَّالَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَ لَ بَآِمْ كَبُرَتْ
كِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أقْوِهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّ كَذِبًا يَّ فَلَعَلَّكَ بَشِخِعُ نَّفْسَكَ عَلَ
ءَاثِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسْفًا
إنذار الكل وتبشير الكل وبتقدير أنه يكون خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى لم يبق للانذار
والتبشير معنى لأنه تعالى إذا خلق الإيمان فيه حصل شاء أو لم يشأ وإذا خلق الكفر فيه حصل
شاء أو لم يشاء فبقى الإنذار والتبشير على الكفر والإيمان جارياً مجرى الإنذار والتبشير على كونه
طويلا قصيرا وأسود وأبيض مما لاقدرة له عليه ( والرابع) وصفه المؤمنين بأنهم يعملون
الصالحات فإن كان ما وقع خلق اللّه تعالى فلا عمل لهم البتة (الخامس) إيجابه لهم الأجر الحسن
على ما عملوا فان كان اللّه تعالى يخلق ذلك فيهم فلا إيجاب ولا استحقاق.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال قوله (لينذر) يدل على أنه تعالى إنما يفعل أفعاله لأغراض صحيحة
وذلك يبطل قول من يقول إن فعله غير معلل بالغرض ، واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت فى
هذا الكتاب فلا فائدة فى الإعادة .
قوله تعالى: ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً. مالهم به من علم ولا لآ بائهم كبرت كلمة تخرج
من أفواههم إن يقولون إلا كذباً . فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا
الحديث أسفاً ﴾ فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله تعالى ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً) معطوف على
قوله ( لينذر بأساً شديداً من لدنه ) والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه فالأول عام
فى حق كل من استحق العذاب، والثانى خاص بمن أثبت لله ولداً، وعادة القرآن جارية بأنه إذا
ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلى كعقوله تعالى
( وملائكته وجبريل وميكال ) فكذا ههنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية
إثبات الولد لله تعالى.
﴿ المسألة الثانية) الذين أثبتوا الولد لله تعالى ثلاث طوائف (أحدها) كفار العرب الذين
قالوا الملائكة بنات اللّه (وثانيها) النصارى حيث قالوا المسيح ابن الله و ( ثالثها ) اليهود الذين
قالوا عزير ابن الله، والكلام فى أن إثبات الولد لله كفر عظيم ويلزم منه محالات عظيمة قد ذكرناه
فى سورة الأنعام فى تفسير قوله تعالى (وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) وتمامه مذكور فى سورة
مريم، ثم إنه تعالى أنكر على القائلين باثبات الولد لله تعالى من وجهين (الأول) قوله (مالهم

٧٩
قوله تعالى : وينذر الذين قالوا . سورة الكهف .
به من علم ولا لآ بائهم ) فان قيل اتخاذ الله ولداً محال فى نفسه فكيف قيل مالهم به من علم؟ قلنا
انتفاء العلم بالشىء قد يكون الجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن
تعلق العلم به. ونظيره قوله ( ومن يدع مع اللّه إلها آخر لابرهان له به) واعلم أن نفاة القياس
تمسكوا بهذه الآية فقالوا هذه الآية تدل على أن القول فى الدين بغير علم باطل ، والقول بالقياس
الظنى قول فى الدين بغير علم فيكون باطلا وتمام تقريره مذكور فى قوله ( ولا تقف ماليس لك به
علم) وقوله ( ولا لآبائهم) أى ولا أحد من أسلافهم، وهذا مبالغة فى كون تلك المقالة باطلة فاسدة
(النوع الثانى) مما ذكره الله فى إبطاله قوله ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول ) قرى. (كبرت كلمة ) بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية ، قال
الواحدى ومعنى التمييز أنك إذا قلت كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو
جهلا أو افتراء فلما قلت كلمة ميزتها من محتملاتها فانتصبت على التميز والتقدير كبرت الكلمة
كلمة فحصل فيه الإضمار، أما من رفع فلم يضمر شيئا كما تقول عظم فلان فلذلك قال النحويون
والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أ كبرها كلمة .
﴿ البحث الثانى) قوله (كبرت) أى كبرت الكلمة، والمراد من هذه الكلمة ما حكاه الله
تعالى عنهم فى قوله ( قالوا اتخذ الله ولدا) فصارت مضمرة فى كبرت وسميت كلمة كما يسمون
القصيدة كلمة .
﴿ البحث الثالث) احتج النظام فى إثبات قوله: أن الكلام جسم بهذه الآية قال إنه تعالى
وصف الكلمة بأنها تخرج من أفواههم والخروج عبارة عن الحركة ؛ والحركة لا تصح إلا على
الأجسام. والجواب أن الحروف إنما تحدث بسبب خروج النفس عن الحلق ، فلما كان
خرج النفس سبا لحدوث الكلمة أطلق لفظ الخروج على الكلمة .
﴿ البحث الرابع ) قوله (تخرج من أفواههم) يدل على أن هذا الكلام مستكره جداً
عند العقل ؛ كأنه يقول هذا الذى يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم البتة لكونه فى غاية الفساد
والبطلان ، فكانه شىء يجرى به لسانهم على سبيل التقليد ، لأنهم مع أنها قولهم عقولهم وفكرهم
تأباها وتنفر عنها ثم قال تعالى (إن يقولون إلا كذبا) ومعناه ظاهر، واعلم أن الناس قد
اختلفوا فى حقيقة الكذب. فعندنا أنه الخبر الذى لا يطابق الخبر عنه سواء اعتقد الخبر أنه
مطابق أم لا؟ ومن الناس من قال شرط كونه كذباً أن لا يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير
مطابق ، وهذا القيد عندنا باطل، والدليل عليه هذه الآية فإنه تعالى وصف قولهم باثبات الولد
له بكونه كذبا، مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه باطلا، فعلمنا أن كل خبر
لا يطابق الخبر عنه فهو كذب سواء علم القائل بكونه مطابقاً أو لم يعلم، ثم قال تعالى ( فلعلك
باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ) وفيه مباحث :

٨٠
قوله تعالى : إنا جعلنا ما على الأرض . سورة الكهف .
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا هِ وَإِنَّا
◌َعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًّا
﴿البحث الأول﴾ المقصود منه أن يقال للرسول: لا يعظم حزنك وأسفك بسبب كفرم فانا
بعثناك منذراً ومبشراً فأما تحصيل الإيمان فى قلوبهم فلا قدرة لك عليه . والغرض تسلية الرسول
صلى الله عليه وسلم عنه.
﴿ البحث الثانى) قال الليث بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً من شدة وجده بالشىء. وقال
الأخفش والفراء أصل البخع الجهد يقال بخعت لك نفسى أى جهدتها ، وفى حديث عائشة رضى الله
عنها أنها ذكرت عمر فقالت بخع الأرض أى جهدها حتى أخذ مافيها من أموال الملوك . وقال
الكسائى بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة وبمع الرجل نفسه إذا
تهكها وعلى هذا معنى ( باخع نفسك) أى ناهكها وجاهدها حتى تهلكها ولكن أهل التأويل كلهم
قالوا قاتل نفسك ومهلكها والأصل ماذكرناه ، هكذا قال الواحدى .
﴿ البحث الثالث ) قوله ( على آثارهم ) أى من بعدهم يقال مات فلان على أثر فلان أى بعده
وأصل هذا أن الإنسان إذا مات بقيت علاماته وآثاره بعد موته مدة ثم إنها تنمحى وتبطله
بالكلية فاذا كان موته قريباً من موت الأول كان موته حاصلا حال بقاءآثار الأول فصح أن يقال
مات فلان على أثر فلان .
﴿ البحث الرابع ) قوله ( إن لم يؤمنوا بهذا الحديث) المراد بالحديث القرآن قال القاضى
وهذا يقتضى وصف القرآن بأنه حديث وذلك يدل على فساد قول من يقول إنه قديم وجوابه
أنه محمول على الألفاظ وهی حادثة .
﴿ البحث الخامس) قوله (أسفاً) الأسف المبالغة فى الحزن وذكرنا الكلام فيه عند قوله
( غضبان أسفاً) فى سورة الأعراف وعند قوله ( يا أسفا على يوسف) وفى انتصابه وجوه
( الأول ) أنه نصب على المصدر ودل ماقبله من الكلام على أنه يأسف ( الثانى) يجوز أن يكون
مفعولا له أى للأسف كقولك جئتك ابتغاء الخير ( والثالث) قال الزجاج (أسفاً) منصوب لأنه
مصدر فى موضع الحال .
﴿ البحث السادس) الفاء فى قوله ( فلعلك) جواب الشرط وهو قوله (إن لم يؤمنوا) قدم
عليه ومعناه التأخير.
قوله تعالى : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا. وإنا لجاعلون ما عليها
صعيداً جرزا ﴾ فى الآية مسائل :