النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
وسمعت وذقت وشمعت ولمست وغضبت فالمشار اليه لكل أحد بقوله أنا إما أن يكون جسما
أو عرضا أو مجموع الجسم والعرض أو شيئا مغايراً للجسم والعرض أو من ذلك الشىء الثالث فهذا
ضبط معقول ( أما القسم الأول) وهو أن يقال إن الأنسان جسم فذلك الجسم إما أن يكون
هو هذه البنية أو جسما داخلا فى هذه البنية أو جسما خارجا عنها ، أما القائلون بأن الإنسان عبارة
عن هذه البنية المحسوسة وعن هذا الجسم المحسوس فهم جمهور المتكلمين وهؤلاء يقولون الانسان
لايحتاج تعريفه إلى ذكر حدٍ أو رسم بل الواجب أن يقال الانسان هو الجسم المبنى بهذه البنية
المحسوسة واعلم أن هذا القول عندنا باطل وتقريره أنهم قالوا الانسان هو هذا الجسم المحسوس،
فإذا أبطلنا كون الانسان عبارة عن هذا الجسم وأبطلنا كون الانسان محسوساً فقد بطل كلامهم
بالكلية والذى يهل على أنه لا يمكن أن يكون الانسان عبارة [عن] هذا الجسم وجوه
( الحجة الأولى ) أن العلم البديهى حاصل بأن أجزاء هذه الجثة متبدلة بالزيادة والنقصان
تارة بحسب النمو والتبول وتارة بحسب السمن والهزال والعلم الضرورى حاصل بأن
المتبدل المتغير مغلير اللثابث الباقى ويحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاثة العلم القطعى بأن
الانسان ليس عبارة عن مجموع هذه الجثة (الحجة الثانية ) أن الانسان حال ما يكون مشتغل
الفكر متوجه الهمة نحو أمر معين مخصوص فانه فى تلك الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه
وعن أعضائه وأبعاضه مجموعها ومفصلها وهو فى تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعينة بدليل
أنه فى تلك الحالة قد يقول غضبت واشتهيت وسمعت كلامك وأبصرت وجهك ، وتاء الضمير
كناية عن نفسه فهو فى تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة وغافل عن جملة بدنه وعن كل واحد من
أعضائه وأبعاضه و[يكون] المعلوم غير معلوم فالانسان يجب أن يكون مغايراً لجملة هذا البدن ولكل
واحدمن أعضائه وأبعاضه (الحجة الثالثة) أن كل أحد يحكم عقله باضافة كل واحد من هذه الأعضاء
إلى نفسه فيقول رأسى وعينى ويدى ورجلى ولسانى وقلبى والمضاف غير المضاف اليه فوجب أن
يكون الشىء الذى هو الانسان مغايراً لجملة هذا البدن ولكل واحد من هذه الأعضاء فإن قالوا
قد يقول نفسى وذاتى فيضيف النفس والذات الى نفسه فيلزم أن يكون الشىء وذانه مغايرة
لنفسه وهو محال قلنا قد يراد به هذا البدن المخصوص وقد يراد بنفس الشىء وذاته الحقيقة
المخصوصة التى يشير اليها كل أحد بقوله أنا فاذا قال نفسى وذاتى فان كان المراد البدن فعندنا
أنه مغاير لجوهر الانسان، أما إذا أريد بالنفس والذات المخصوصة المشار اليها بقوله أنا فلا نسلم
أن الإنسان يمكنه أن يضيف ذلك الشىء الى نفسه بقوله إنسانى وذلك لأن عين الإنسان ذاته
فكيف يضيفه مرة أخرى إلى ذاته (الحجة الرابعة ) أن كل دليل على أن الانسان يمتنع أن يكون
جسما فهو أيضا يدل على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم وسيأتى تقرير تلك الدلائل
( الحجة الخامسة ) أن الانسان قد يكون حياً حال ما يكون البدن ميتاً فوجب كون

٤٢
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
الانسان مغايراً لهذا البدن والدليل على صحة ماذكرناه قوله تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا فى
سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) فهذا النص صريح فى أن أولئك المقتولين أحياً.
والحس يدل على أن هذا الجسد ميت .
( الحجة السادسة) أن قوله تعالى (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً) وقوله (أغرقوا
فأدخلوا ناراً) يدل على أن الانسان يحيا بعد الموت وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام ((أنيا.
الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار)) وكذلك قوله عليه السلام ((القبرروضة من
رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)) وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام ((من مات فقد قامت
قيامته)) كل هذه النصوص تدل على أن الانسان يبقى بعد موت الجسد، وبديهة العقل والفطرة
شاهدان بأن هذا الجسد ميت. ولو جوزنا كونه حياً جاز مثله فى جميع الجمادات ، وذلك عین
السفسطة . وإذا ثبت أن الانسان شىء وكان الجسد ميتاً لزم أن الانسان شىء غير هذا الجد.
﴿ الحجة السابعة) قوله عليه السلام فى خطبة طويلة له ((حتى إذا حمل الميت على نعشه
رفرف روحه فوق النعش ، ويقول يا أهلى وياولدى لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بى، جمعت المال
من حله وغير حله فالغنى لغيرى والتبعة على فاحذروا مثل ماحل بى)) وجه الاستدلال أن
التى تُ التّ صرح بأن حال ما يكون الجسد محمولا على النعش بقى هناك شىء ينادى ويقول يا أهلى
وياولدى جمعت المال من حله وغير حله ومعلوم أن الذى كان الأهل أهلا له وكان جامعاً للمال
من الحرام والحلال والذى يتى فى رقبته الوبال ليس إلا ذلك الانسان فهذا تصريح بأن فى الوقت
الذى.كان فيه الجسد ميتاً محمولا كان ذلك الانسان حياً باقياً فاهما وذلك تصريح بأن الانسان
شىء مغاير لهذا الجسد ولهذا الهيكل .
﴿ الحجة الثامنة) قوله تعالى (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية )
والخطاب بقوله ارجعى إنما هو متوجه عليها حال الموت فدل هذا على أن الشىء الذى يرجع
إلى الله بعد موت الجسد يكون حياً راضياً عن اللّه ويكون راضياً عنه الله والذى يكون راضياً
ليس إلا الانسان فهذا يدل على أن الانسان بقى حياً بعد موت الجسد والحى غير الميت فالانسان
مغاير لهذا الجسد.
﴿ الحجة التاسعة) قوله تعالى (حتى إذا جاء أحدكم الموت توقُه رسلنا وهم لا يفرطون.
ثم ردوا الى الله مولاهم الحق) أثبت كونهم مردودين الى الله الذى هو مولاهم حال كون الجسد
ميناً فوجب أن يكون ذلك المردود الى الله مغايراً لذلك الجسد الميت.
﴿ الحجة العاشرة) نرى جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب
الملل والنحل من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين وسائر فرق العالم وطوائفهم يتصدقون
عن موتاهم ويدعون لهم بالخير ويذهبون إلى زياراتهم، ولولا أنهم بعد موت الجد بقوا

٤٣
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح سورة الإسراء .
أحياء لكان التصدق عنهم عبثاً، والدعاء لهم عبثاً، ولكان الذهاب الى زيارتهم عبئاً، فالاطباق
على هذه الصدقة وعلى هذا الدعاء وعلى هذه الزيارة يدل على أن فطرتهم الأصلية السليمة شاهدة
بأن الانسان شىء غير هذا الجسد وأن ذلك الشىء لا يموت، بل [الذى] يموت هذا الجسد.
( الحجة الحادية عشرة ) أن كثيراً من الناس يرى أباه أو ابنه بعد موته فى المنام ويقول
له إذهب الى الموضع الفلانى فان فيه ذهباً دفنته لك وقد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه ثم عند
اليقظة إذا فتش كان كما رآه فى النوم من غير تفاوت ، ولولا أن الانسان يبقى بعد الموت لما كان
كذلك، ولما دل هذا الدليل على أن الانسان يبقى بعد الموت ودل الحس على أن الجسد ميت
كان الانسان مغايراً لهذا الجسد الميت.
﴿ الحجة الثانية عشرة) أن الانسان اذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع بداه أو
رجلاه أو تقلع عيناه أو تقطع أذناه إلى غيرها من الأعضاء فإن ذلك الانسان يحد من قلبه
وعقله أنه هو عين ذلك الانسان ولم يقع فى عين ذلك الانسان تفاوت حتى أنه يقول أنا ذلك
الانسان الذى كنت موجوداً قبل ذلك إلا أنه يقول إنهم قطعوا يدى ورجلى، وذلك برهان
يقينى على أن ذلك الانسان شىء مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض وذلك يبطل قول من يقول
الانسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة.
﴿ الحجة الثالثة عشرة) أن القرآن والأحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود قد مسخهم
الله وجعلهم فى صورة القردة والخنازير فنقول: إن ذلك الانسان هل بقى حال ذلك المسخ أو لم
بق؟ فإن لم يبق كان هذا إماتة لذلك الانسان وخلقا لذلك الخنزير وليس هذا من المسخ فى شىء.
وإن قلنا إن ذلك الانسان بقى حال حصول ذلك المسخ فنقول على ذلك التقدير: ذلك الانسان
باق وتلك البنية وذلك الهيكل غير باق ، فوجب أن يكون ذلك الانسان شيئاً مغايراً لتلك البنية .
( الحجة الرابعة عشرة) أن رسول اللّه يَ ليتم كان يرى جبريل عليه الصلاة والسلام فى
صورة دحية الكلبى وكان يرى إبليس فى صورة الشيخ النجدى فهاهنا بنية الانسان وهيكله وشكله
حاصل مع أن حقيقة الانسان غير حاصلة وهذا يدل على أن الانسان ليس عبارة عن هذه
البنية، وهذا الهيكل . والفرق بين هذه الحجة والتى قبلها أنه حصلت صورة هذه البنية مع عدم
هذه البنية وهذا الهيكل.
(( الحجة الخامسة عشرة) أن الزانى يزنى بفرجه فيضرب على ظهره فوجب أن يكون
الانسان شيئاً آخر سوى الفرج وسوى الظهر، ويقال إن ذلك الشىء يستعمل الفرج فى عمل
والظهر فى عمل آخر ، فيكون المتلذذ والمتألم هو ذلك الشىء إلا أنه تحصل تلك اللذة بواسطة
ذلك الغضو ويتألم بواسطة الضرب على هذا العضو .
﴿ الحجة السادسة عشرة) أن إذا تكلمت مع زيد وقلت له أفعل كذا أو لا تفعل كذا

٤٤
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
فالمخاطب بهذا الخطاب والمأمور والمنهى ليس هو جبهة زيد ولا حدقته ولا أنفه ولا فمه ولا شيئاً
من أعضائه بعينه، فوجب أن يكون المأمور والمنهى والمخاطب شيئا مغايراً لهذه الأعضاء، وذلك
يدل على أن ذلك المأمور والمنهى غير هذا الجسد فان قالوا لم لا يجوز أن يقال المأمور والمنهى جملة
هذا البدن لاشىء من أعضائه وأبعاضه؟ قلنا بوجه التكليف على الجملة إنما يصح لو كانت الجملة فاهمة
عالمة فنقول لو كانت الجملة فاهمة عالمة فاما أن يقوم بمجموع البدن علم واحد أو يقوم بكل واحد من
أجزاء البدن على على حدة ، والأول يقتضى قيام العرض بالمحال الكثيرة وهو محال، والثانى يقتضى
أن يكون كل واحد من أجزاء البدن عالما فاهما مدركا على سبيل الاستقلال، وقد بينا أن العلم
الضرورى حاصل بأن الجزء المعين من البدن ليس عالما فاهما مدركا بالاستقلال فسقط هذا السؤال.
﴿ الحجة السابعة عشرة) أن الانسان يجب أن يكون عالما، والعلم لا يحصل إلا فى القلب
فيلزم أن يكون الانسان عبارة عن الشىء الموجود فى القلب وإذا ثبت هذا بطل القول بأن الإنسان
عبارة عن هذا الهيكل، وهذه الجثة إنما قلنا إن الانسان يجب أن يكون عالما لأنه فاعل مختار ،
والفاعل المختار هو الذى يفعل بواسطة القلب والاختيار وهما مشروطان بالعلم لأن مالا يكون
مقصوداً امتنع القصد الى تكوينه فثبت أن الانسان يجب أن يكون عالماً بالأشياء وإنما قلنا
إن العلم لا يوجد إلا فى القلب للبرهان والقرآن ، أما البرهان، فلأنا تجد العلم الضرورى بأنا نجد
علومنا من ناحية القلب، وأما القرآن فآيات نحو قوله تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها )
وقوله (كتب فى قلوبهم الايمان) وقوله (نزل به الروح الأمين على قلبك) وإذا ثبت أن الانسان
يجب أن يكون عالماً، وثبت أن العلم ليس إلا فى القلب ثبت أن الانسان شىء فى القلب أو شىء له
تعلق بالقلب وعلى التقديرين فانه يبطل قول من يقول الانسان هو هذا الجسد وهذا الهيكل .
﴿ وأما البحث الثانى) وهو بيان أن الانسان غير محسوس وهو أن حقيقة الإنسان شىء
مغاير للسطح واللون وكل ماهو مرئى فهو إما السطح وإما اللون وهما مقدمتان قطعيتان وينتج
هذا القياس أن حقيقة الانسان غير مرئية ولا محسوسة وهذا برهان يقينى.
المسألة الرابعة ) فى شرح مذاهب القائلين بأن الانسان جسم موجود فى داخل البدن اعلم
أن الأجسام الموجودة فى هذا العالم السفلى إما أن تكون أحد العناصر الأربعة أو ما يكون
متولداً من امتزاجها ، ويمتنع أن يحصل فى البدن الانسانى جسم عنصرى خالص بل لا بد وأن
يكون الحاصل جسما متولداً من امتزاجات هذه الأربعة فنقول: أما الجسم الذى تغلب عليه
الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحر
واللحم والجلد ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: الانسان شىء مغاير لهذا الجسدبأنه عبارة عن
عضو معين من هذه الأعضاء وذلك لأن هذه الأعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية فلا جرم لم يقل أحد
من العقلاء بأن الانسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء، وأما الجسم الذى تغلب عليه المائية فهو

٤٥
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإِسراء .
الأخلاط الأربعة ولم يقل أحد فى شىء منها إنه الانسان إلا فى الدم فان منهم من قال إنه هو الروح
بدليل أنه إذا خرج لزم الموت ، أما الجسم الذى تغلب عليه الهوائية والنارية فهو الأرواح
وهى نوعان (أحدهما) أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية متولدة إما فى القلب أو فى الدماغ
وقالوا إنها هى الروح وإنها هى الانسان ثم اختلفوا فمنهم من يقول الانسان هو الروح الذى فى
القلب ، ومنهم من يقول إنه جزء لا يتجزأ فى الدماغ، ومنهم من يقول الروح عبارة عن أجزاء
نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية والدماغية وتلك الأجزاء النارية وهى المسماة بالحرارة الغريزية
وهى الانسان، ومن الناس من يقول الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة، والجوهر
على طبيعة ضوء الشمس وهى لا تقبل التحلل والتبدل ولا التفرق ولا التمزق فاذا تكون البدن
وتم استعداده وهو المراد بقوله ( فإذا سويته ) نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الالهية فى
داخل أعضاء البدن نفاذ النار فى الفحم ونفاذ دهن السمسم فى السمسم ، ونفاذ ماء الورد فى جسم
الورد ، ونفاذ تلك الأجسام السماوية فى جوهر البدن هو المراد بقوله ( ونفخت فيه من روحى)
ثم إن البدن مادام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة بقى حياً، فاذا تولدت فى البدن
أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط الغياظة من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها فانفصلت عن
هذا البدن فيفئذ يعرض الموت ، فهذا مذهب قوى شريف يجب التأمل فيه فانه شديد المطابقة
لما ورد فى الكتب الالهية من أحوال الحياة والموت، فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الانسان
جسم موجود فى داخل البدن، وأما أن الانسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا
ذهب الى هذا القول ( أما القسم الثانى) وهو أن يقال الانسان عرض حال فى البدن، فهذا
لا يقول به عاقل لأن من المعلوم بالضرورة أن الانسان جوهر لأنه موصوف بالعلم والقدرة
والتدبر والتصرف، ومن كان كذلك كان جوهراً والجوهر لا يكون عرضاً بل الذى يمكن أن
يقول به كل عاقل هو أن الانسان يشترط أن يكون موصوفا بأعراض مخصوصة، وعلى هذا
التقدير فللناس فيه أقوال (القول الأول) أن العناصر الأربعة إذا امتزجت وانكسرت سورة
كل واحد منها بسورة الآخر حصلت كيفية معتدلة هى المزاج؛ ومراتب هذا المزاج غير متناهية
فبعضها هى الانسانية وبعضها هى الفرسية ، فالانسانية عبارة عن أجسام موصوفة متولدة عن
امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، هذا قول جمهور الأطباء ومنكرى بقاء النفس وقول
أبى الحسين البصرى من المعتزلة (والقول الثانى) أن الانسان عبارة عن أجسام مخصوصة بشرط
كونها موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة والحياة عرض قائم بالجسم وهؤلاء أنكروا الروح
والنفس وقالوا ليس هاهنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة بهذه الأعراض المخصوصة وهى الحياة
والعلم والقدرة، وهذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة ( والقول الثالث) أن الإنسان عبارة عن
أجسام موصوفة بالحياة والعلم والقدرة والإنسان إنما يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده

٤٦
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
وهيئة أعضائه وأجزائه إلا أن هذا مشكل فان الملائكة قد يتشبهون بصور الناس فهاهنا صورة
الإنسان حاصلة مع عدم الإنسانية وفى صورة المسخ معنى الإنسانية حاصل مع أن هذه الصورة
غير حاصلة فقد بطل اعتبار هذا الشكل فى حصول معنى الانسانية طرداً وعكاً ( أما القسم
الثالث) وهو أن يقال الإنسان موجود ليس بجسم ولا جسمانية فهو قول أكثر الإلهيين من
الفلاسفة القائلين بقاء النفس المثبتين للنفس معاداً روحانيا وثوابا وعقاباً وحساباً روحانيا
وذهب إليه جماعة عظيمة من علماء المسلمين مثل الشيخ أبى القاسم الراغب الأصفهانى والشيخ
أبى حامد الغزالى رحمهما الله، ومن قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمى، ومن الشيعة الملقب عندهم
بالشيخ المفيد، ومن الكرامية جماعة، واعلم أن القائلين باثبات النفس فريقان (الأول) وهم
المحققون منهم من قال الإنسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص ، وهذا البدن وعلى هذا التقدير
فالانسان غير موجود فى داخل العالم ولا فى خارجه وغير متصل فى داخل العالم ولا فى خارجه
وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم
لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير (والفريق الثانى) الذين قالوا النفس إذا تعلقت
بالبدن اتحدت بالبدن فصارت النفس عين البدن ، والبدن عين النفس ومجموعهما عند الاتحاد هو
الانسان فاذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفدالبدن فهذه جملة مذاهب الناس
فى الإنسان وكان ثابت بن قرة يثبت النفس ويقول إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير
قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق وأن تلك الأجسام تكون سارية فى البدن وما دام يبقى
ذلك السريان بقيت النفس مديرة للبدن فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن جوهر البدن
انقطع تعلق النفس عن البدن
المسألة الخامسة﴾ فى دلائل مثبتى النفس من ناحية العقل احتج القوم بوجوه كثيرة
بعضها قوى وبعضها ضعيف والوجوه القوية بعضها قطعية وبعضها إقناعية فلنذكر الوجوه القطعية
﴿ الحجة الأولى) لاشك أن الإنسان جوهر فإما أن يكون جوهراً متحيزاً أو غير متحيز
والأول باطل فتعين الثانى والذى يدل على أنه يمتنع أن يكون جوهراً متحيزاً أنه لو كان كذلك
لكان كونه متحيزاً غير تلك الذات ولو كان كذلك لكان كل ما علم الإنسان ذاته المخصوصة
وجب أن يعلم كونه متحيزاً بمقدار مخصوص وليس الأمر كذلك فوجب أن لا يكون الإنسان
جوهراً متحيزاً فنفتقر فى تقرير هذا الدليل الى مقدمات ثلاثة ( المقدمة الأولى ) لو كان الإنسان
جوهراً متحيزاً لكان ونه متحيزاً عين ذاته المخصوصة والدليل عليه أنه لو كان تجيزه صفة قائمة
لكان ذلك المحل من حيث هو مع قطع النظر عن هذه الصفة ، إما أن يكون متحيزاً أو لا يكون
والقسمان باطلان فبطل القول بكون التحيز صفة قائمة بالمحل إنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز
لأنه يلزم كون الشىء الواحد متحيزاً مرتين ولأنه يلزم اجتماع المثلين ولأنه ليس جعل أحدهما

٤٧
قوله تعالى: ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس ولأن التحيز الثانى إن كان عين الذات فهو المقصود وإن كان صفة
لزم التسلسل وهو محال وإنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز غير متحيز لأن حقيقة التحيز
هو الذهاب فى الجهات والامتداد فيها، والشىء الذى لا يكون متحيزاً لم يكن له اختصاص بالجهات
وحصوله فيها ليس بمتحيز محال، فثبت بهذا أنه لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان تجيزه غير
ذاته المخصوصة (المقدمة الثانية) لو كان تحيزذاته المخصوصة عين ذاته المخصوصة لكان متى عرف ذاته
المخصوصة فقد عرف كونها متحيزة ، والدليل عليه أنه لوصارت ذاته المخصوصة معلومة وصارتحيزه
مجهولا لزم اجتماع النفى والإثبات فى الشىء الواحد وهو محال (المقدمة الثالثة) أنا قد نعرف ذاتنا
حال كوننا جاهلين بالتحيز والامتداد فى الجهات الثلاثة وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان فان
الإنسان حال كونه مشتغلا بشىء من المهمات مثل أن يقول لعبده لم فعلت كذا ولم خالفت أمرى
وإنى أبالغ فى تأديبك وضربك فعند ما يقول لم خالفت أمرى يكون عالما بذاته المخصوصة إذا لو لم يعلم
ذاته المخصوصة لامتنع أن يعلم أن ذلك الإنسان خالفه ولا متنع أن يخبر عن نفسه بأنه على عزم أن
يؤدبه ويضربه ففى هذه الحالة يعلم ذاته المخصوصة مع أنه فى تلك الحالة لا يخطر بباله حقيقة التحيز
والامتداد فى الجهات والحصول فى الحيز فثبت بماذكرنا أنه لو كان ذات الإنسان جوهراً متحيزاً لكان
تحيزه عين ذاته المخصوصة ولو كان كذلك لكان كل ما علم ذاته المخصوصة فقد علم التحيز وثبت أنه
ليس كذلك فيلزم أن يقال ذات الإنسان ليس جوهراً متحيزا وذلك هو المطلوب ، فإن قالوا هذا
معارض بأنه لو كانجوهراً مجردا لکان کل من عرفذات نفسه عرف کونه جوهرا مجردا وليس
الأمر كذلك قلنا الفرق ظاهر لأن كونه مجردا معناه أنه ليس بمتحيز ولا حالا فى المتحيز وهذا
السلب ليس عين تلك الذات المخصوصة لأن السلب ليس عين الثبوت ، وإذا كان كذلك لم يبعد أن
تكون تلك الذات المخصوصة معلومة وأن لا يكون ذلك السلب معلوما بخلاف كونه متحيزاً فانا
قد دلنا على أن تقدير كون الإنسان جوهراً متحيزاً يكون تحيزه عين ذاته المخصوصة وعلى هذا
التقدير يمتنع أن تكون ذاته معلومة ويكون تحيزه مجهولا فظهر الفرق .
﴿الحجة الثانية﴾ النفس واحدة ومتى كانت واحدة وجب أن تكون مغايرة لهذا البدن ولكل
واحد من أجزائه فهذه الحجة مبنية على مقدمات (المقدمة الأولى) هى قولنا النفس واحدة ولنا
هاهنا مقامان تارة ندعى العلم البديهى فيه وأخرى نقيم البرهان على صحته ، أما (المقام الأول) وهو
إدعاء البديهية فنقول المراد من النفس هو الشىء الذى يشير اليه كل أحد بقوله أما وكل أحد يعلم
بالضرورة أنه إذا أشار إلى ذاته المخصوصة بقوله أنا كان ذلك المشار اليه واحداً غير متعدد فان
قيل لم لا يجوز أن يكون المشار اليه لكل أحد بقوله أنا وإن كان واحداً إلا أن ذلك الواحد يكون
مركباً من أشياء كثيرة قلنا إنه لاحاجة لنا فى هذا المقام إلى دفع هذا السؤال بل نقول المشار اليه
بقول أنا معلوم بالضرورة أنه شىء واحد فأما أن ذلك الواحد هل هو واحد مركب من أشياء

٤٨
قوله تعالى: ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
كثيرة أو هو واحد فى نفسه واحد فى حقيقته فهذا لا حاجة اليه فى هذا المقام ، (أما المقام الثانى)
وهو مقام الاستدلال فالذى يدل على وحدة النفس وجوه .
(الحجة الأولى) أن الغضب حالة نفسانية تحدث عند إرادة دفع المنافروالشهوة حالة نفسانية
تحدث عند طلب الملايم مشروطا بالشعور بكون الشىء ملايماً ومنافراً فالقوة الغضبية التى هى قوة
دافعة للمنافر إن لم يكن لها شعور بكونه منافراً امتنع انبعاثها لدفع ذلك المنافر على سبيل القصد
والاختيار لأن القصد إلى الجذب تارة والى الدفع أخرى مشروط بالشعور بالشىء فالشىء المحكوم
عليه بكونه دافعاً للبنافر على سبيل الاختيار لابد وأن يكون له شعور بكونه منافراً فالذى يغضب
لابد وأن يكون هو بعينه مدركا فثبت بهذا البرهان اليقينى مباينة حاصلة فى ذوات متباينة .
﴿الحجة الثانية) أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين يكون كل واحد منهما مستقلا بفعله الخاص
امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص مانعاً للآخر من اشتغاله بفعله الخاص به. وإذا ثبت
هذا فنقول لو كان محل الادراك والفكر جوهراً ومحل الغضب جوهراً آخر و محل الشهوة جوهراً
ثالثاً وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة الشهوانية من الاشتغال بفعلها ولا
بالعكس لكن الثانى باطل فان اشتغال الانسان بالشهوة وانصبابه اليها يمنعه من الاشتغال بالغضب
وانصبابه إليه وبالعكس فعلمنا أن هذه الأمور الثلاثة ليست مبادىء مستقلة بل هى صفات مختلفة
بجوهر واحد فلا جرم كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الأفعال عائقا له عن الإشتغال بالفعل الآخر
﴿ الحجة الثالثة) أنا إذا أدركنا أشياء فقد يكون الادراك سببا لحصول الشهوة وقد يصير
سبياً لحصول الغضب فلوكان الجوهر المدرك مغايراً للذى يغضب والذى يشتهى لحين أدرك الجوهر
المدرك لم يحصل عند الجوهر المشتهى من ذلك الادراك أثر ولا خبر فوجب أن لا يترتب على
ذلك الإدراك لاحصول الشهوة ولاحصول الغضب وحيث حصل هذا الترتيب والأستلزام علينا
أن صاحب الادراك بعينه هو صاحب الشهوة بعينها وصاحب الغضب بعينه .
( الحجة الرابعة) أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالارادة فالنفس
لا يمكنها أن تتحرك بالادارة إلا عند حصول الداعى ولا معنى للداعى إلا الشعور بخير يرغب فى
حذبه أو بشر يرغب فى دفعه وهذا يقتضى أن يكون المتحرك بالارادة هو بعينه مدركا للخير والشر
والملذ والمؤذى والنافع والضار فثبت بما ذكرنا أن النفس الانسانية شىء واحد وثبت أن ذلك
الشىء هو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخيل والمتفكر والمتذكر والمشتهى
والغاضب وهو الموصوف بجميع الإدراكات لكل المدركات وهو الموصوف بجميع الأفعال
الإختيارية والحركات الإرادية، وأما (المقدمة الثانية) فى بيان أنه لما كانت النفس شيئا واحداً وجب
أن لا تكون النفس فى هذا البدن ولا شيئاً من أجزائه فنقول أما بيان أنه متى كان الأمر كذلك
امتنع كون النفس عبارة عن جملة هذا البدن وكذا القوة السامعة وكذا سائر القوى كالتخيل والتذكر

٤٩
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإِسراء .
والتفكر والعلم بأن هذه القوى غير سارية فى جملة أجزاء البدن علم بديهى بل هو من أقوى العلوم
البديهية، وأما بيان أنه يمتنع أن تكون النفس جزءاً من أجزاء هذا البدن فانا نعلم بالضرورة
أنه ليس فى البدن جزء واحد هو بعينه موصوف بالابصار والسماع والفكر والذكر بل الذى
يتبادر إلى الخاطر أن الأبصار مخصوص بالعين لا بسائر الأعضاء والسماع مخصوص بالأذن لا بسائر
الأعضاء والصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الاعضاء و کذلك القول فى سائر الادراكات وسائر
الأفعال فأما أن يقال إنه حصل فى البدن جزء واحد موصوف بكل هذه الإدراكات وبكل هذه
الأفعال فالعلم الضرورى حاصل بأنه ليس الأمر كذلك فثبت بما ذكرنا أن النفس الانسانية شى.
واحد موصوف بجملة هذه الإدراكات وبحملة هذه الافعال وثبت بالبديهية أن جملة البدن ليست
كذلك وثبت أيضاً أن شيئا من أجزاء البدن ليس كذلك حينئذ يحصل اليقين بأن النفس شىء
مغاير لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه وهو المطلوب. ولنقرر هذا البرهان بعبارة أخرى فنقول :
إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئا عرفناه وإذا عرفناه اشتهيناه وإذا اشتهيناه حركنا أبداننا
إلى القرب منه فوجب القطع بأن الذى أبصر هو الذى عرف وأن الذى عرف هو الذى اشتهى
وأن الذى اشتهى هو الذى حرك إلى القرب منه فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشىء والعارف به
والمشتهى والمتحرك إلى القرب منه شىء واحد إذ لو كان المبصر شيئا والعارف شيئا ثانيا
والمشتهى شيئا ثالثا والمتحرك شيئا رابعا لكان الذى أبصر لم يعرف، والذى عرف لم يشته
والذى اشتهى لم يتحرك، ومن المعلوم أن كون الشىء مبصراً لشىء لا يقتضى صيرورة شىء آخرعالما
بذلك الشىء وكذلك القول فى سائر المراتب وأيضا فانا نعلم بالضرورة أن الرائى للمرئیات لما
رآها فقد عرفها ولما عرفها فقد اشتهاها ولما اشتهاها طلبها وحرك الأعضاء إلى القرب منها
ونعلم أيضا بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية وبهذا العلم وبهذه الشهوة وبهذا التحرك هولا غيره
وأيضا العقلاء قالوا الحيوان لابد أن يكون حساسا متحركا بالارادة فإنه إن لم يحس بشىء لم يشعر
بكونه ملائما أو بكونه منافراً وإذا لم يشعر بذلك امتنع كونه مريداً للجذب أو الدفع فثبت أن الشىء
الذى يكون متحركا بالارادة فإنه بعينه يجب أن يكون حساسا فثبت أن المدرك لجميع المدركات
يدرك بجميع أصناف الإدراكات وأن المباشر لجميع التحريكات الاختيارية شىء واحد وأيضا
فلأنا إذا تكلمنا بكلام نقصد:٠ تفهيم الغير [عقلنا] معانى تلك الكلمات ثم لما عقلناها أردنا
تعريف غيرنا تلك المعانى ولما حصلت هذه الإرادة فى قلوبنا حاولنا إدخال تلك الحروف
والأصوات فى الوجود لنتوسل بها إلى تعريف غيرنا تلك المعانى. إذا ثبت هذا فنقول: إن كان
محل العلم والإرادة ومحل تلك الحروف والاصوات جسما واحداً لزم أن يقال إن محل العلوم
والارادات هو الحنجرة واللهاة واللسان ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، وإن قلنا مجل العلوم
والإردات هو القلب لزم أيضاً أن يكون محل الصوت هو القلب وذلك أيضا باطل بالضرورة،
الفخر الرازي - ج ٢١ م ٤

٥٠
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
وإن قلنا محل الكلام هو الحنجرة واللهاة واللسان، ومحل العلوم والإرادات هو القلب ، ومحل
القدرة هو الأعصاب والأوتار والعضلات، كنا قد وزعنا هذه الأمور على هذه الأعضاء
المختلفة لكنا أبطلنا ذلك . وبينا أن المدرك لجميع المدركات والمحرك لجميع الأعضاء بكل
أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئاً واحداً، فلم يبق إلا أن يقال فى الإدراك والقدرة على
التحريك [أنه] شىء سوى هذا البدن وسوى أجزاء هذا البدن وأن هذه الأعضاء جارية مجرى
الآلات والأدوات فكما أن الإنسان يعقل أفعالا مختلفة بواسطة آلات مختلفة فكذلك النفس
تبصر بالعين وتسمع بالأذن وتتفكر بالدماغ وتعقل بالقلب، فهذه الأعضاء آلات النفس
وأدوات لها، والنفس جوهر مغاير لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف والتدبير وهذا
البرهان برهان شريف يقينى فى ثبوت هذا المطلوب والله أعلم .
﴿ المقدمة الثالثة) لو كان الإنسان عبارة عن هذا الجسد لكان إما أن يقوم بكل
واحد من الأجزاء حياة وعلم وقدرة على حدة ، وإما أن يقوم بمجموع الأجزاء حياة
وعلم وقدرة، والقسمان باطلان فبطل القول بكون الإنسان عبارة عن هذا الجسد ، وأما بطلان
القسم الأول فلأنه يقتضى كون كل واحد من أجزاء الجسدحياً عالما قادراً على سبيل الاستقلال
فوجب أن لا يكون الإنسان الواحد حيواناً واحداً بل أحياء عالمين قادرين وحينئذ لا يبقى فرق
بين الإنسان الواحد وبين أشخاص كثيرين من الناس وربط بعضهم بالبعض بالتسلسل لكنا
نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لأنى أجد ذاتى ذاتاً واحدة لاحيوانات كثيرين ، وأيضاً
فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيواناً واحداً على حدة حينئذ لا يكون لكل
واحد منهما خبر عن حال صاحبه فلا يمتنع أن يريد هذا أن يتحرك إلى هذا الجانب ويريد الجزء
الآ أن يتحرك إلى الجانب الآخر لحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الإنسان الواحد كما يقع
بين شخصين. وفساد ذلك معلوم بالبديهة ، وأما بطلان القسم الثانى فلأنه يقتضى قيام الصفة
الواحدة بالمحال الكثيرة، وذلك معلوم البطلان بالضرورة ولأنه لو جاز حلول الصفة الواحدة
فى المحال الكثيرة لم يبعد أيضاً حصول الجسم الواحد فى الأحياز الكثيرة ولأن بتقدير أن تحصل
الصفة الواحدة فى المحال المتعددة حينئذ يكون كل واحد من تلك الأجزاء حياً عاقلا عالماً
فيتجرد الأمر إلى كون هذه الجثة الواحدة أناساً كثيرين، ولما ظهر فساد القسمين ثبت أن
الإنسان ليس هو هذه الجثة. فإن قالوا: لم لا يجوز أن تقوم الحياة الواحدة بالجزء الواحد، ثم إن
تلك الحياة تقتضى صيرورة جملة الأجزاء أحياء قلنا هذا باطل لأنه لا معنى للحياة إلا الحيية،
ولامعنى للعلم إلا العالمية ، وبتقدير أن نساعد على أن الحياة معنى يوجب الحيية والعلم معنى يوجب
العالمية إلا أنا نقول إن حصل فى مجموع جثة مجموع حياة واحدة وعالمية واحدة فقد حصلت
الصفة الواحدة فى المحال الكثيرة وهو محال ، وإن حصل فى كل جزء وجثة حياة على حدة

٥١
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
وعالمية على حدة عاد ماذكرنا من كون الإنسان الواحد أناساً كثيرين وهو محال.
( المقدمة الرابعة) أنا لما تأملنا فى أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم،
وذلك يدل على أن النفس ليست جسما ، وتقرير هذه المنافاة من وجوه (الأول) أن كل جسم
حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة
الأولى زوالا تاماً مثاله: أن الشمع إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل
التربيع والتدوير إلا بعد زوال الشكل الأول عنه، نعم إنا وجدنا الحال فى تصور النفس بصور
المعقولات بالضد من ذلك فان النفس التى لم تقبل صورة عقلية البتة يبعد قبولها شيئاً من
الصور العقلية فاذا قبلت صورة واحدة صار قبولها للصورة الثانية أسهل، ثم إن النفس
لاتزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف البتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر صار
قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل وأسرع ، ولهذا السبب يزداد الإنسان فهماً وإدراكا كلما
ازداد تخرجا وارتباطاً فى العلوم فثبت أن قبول النفس للصور العقلية على خلاف قبول الجسم
للصورة وذلك يوهم أن النفس ليست بجسم ( والثانى) أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر
فى النفس وأثر فى البدن ، أما أثرها فى النفس فهو تأثيرها فى إخراج النفس من القوة إلى الفعل
فى التعقلات والإدراكات وكلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل وذلك
غاية كمالها ونهاية شرفها وجلالتها، وأما أثرها فى البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن
واستيلاء الذبول عليه، وهذه الحالة لو استمرت لانتقلت إلى الماليخوليا وسوق الموت ثبت بما
ذكرنا أن هذه الأفكار توجب حياة النفس وشرفها وتوجب نقصان البدن وموته فلو كانت
النفس هى البدن لصار الشىء الواحد سبباً لكماله ونقصانه معاً ولحياته وموته معاً ، وأنه محال
( والثالث) أنا إذا شاهدنا أنه ربما كان بدن الإنسان ضعيفاً نحيفاً، فإذا لاح له نور من
الأنوار القدسية وتجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الإنسان جراءة عظيمة وسلطنة
قوية . ولم يعبأ بحضور أكابر السلاطين ولم يقم لهم وزنا ولولا أن النفس شىء سوى البدن لما
كان الأمر كذلك ( الرابع) أن أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا فى قهر القوى البدنية
وتجويع الجسد قويت قواهم الروحانية وأشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية وكلما أمعن الإنسان
فى الأكل والشرب وقضنا، الشهرة الجسدانية صار كالبهيمة وبقى محروماً عن آثار النطق والعقل
والمعرفة ولولا أن النفس غير البدن لما كان الأمر كذلك ( الخامس ) أنا نرى أن النفس
تفعل أفاعيلها بآلات بدنية فانها تبصر بالعين وتسمع بالأذن وتأخذ باليد وتمشى بالرجل ، أما
إذا آل الأمر إلى العقل والإدراك فانها مستقلة بذاتها فى هذا الفعل من غير إعانة شىء من
الآلات ولذلك فإن الإنسان لا يمكنه أن يبصر شيئاً إذا أغمض عينيه وأن لا يسمع صوتاً
إذا سد أذنيه . كما لا يمكنه البتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالماً به فعلمنا أن النفس غنية بذاتها.

٥٢
قوله تعالى : أويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
فى العلوم والمعارف عن شىء من الآلات البدنية، فهذه الوجوه الخمسة أمارات قوية فى أن
النفس ليست بجسم، وفى المسألة الأولى كثير من دلائل المتقدمين ذكرناها فى كتبنا الحكمية
فلا فائدة فى الاعادة.
و المسألة السادسة ﴾ فى إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية .
﴿ الحجة الأولى) قوله تعالى (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) ومعلوم أن
أحداً من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التى ينساها الانسان عند فرط
الجهل شىء آخر غير هذا البدن .
﴿ الحجة الثانية) قوله تعالى (أخرجوا أنفسكم) وهذا صريح أن النفس غير البدن وقد
استقصينا فى تفسير هذه فليرجع اليه .
﴿ الحجة الثالثة) أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة
من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ) إلى قوله ( فكسونا العظام لحماً ) ولا شك أن جميع هذه
المراتب اختلافات واقعة فى الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال
( ثم أنشأناه خلقاً آخر) وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من
التغيرات الواقعة فى الأحوال الجسمانية وذلك يدل على أن الروح شىء مغاير للبدن فان قالوا هذه
الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ) وكلمة من للتبعيض
وهذا يدل على أن الانسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك
خرجت من البصرة الى الكوفة فقوله تعالى ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ) يقتضى
أن يكون ابتداء تخليق الانسان حاصلا من هذه السلالة ونحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوى المزاج
أولا ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة .
﴿ الحجة الرابعة ) قوله ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحى ) ميز تعالى بين البشرية وبين
نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء وتعديل المزاج والأشباح فلما ميز نفخ
الروح عن تسوية الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله (من روحى) دل ذلك على أن جوهر
الروح معنی مغاير لجوهر الجسد .
﴿ الحجة الخامسة) قوله تعالى (ونفس وما سواها فألهمها جورها وتقواها) وهذه الآية
صريحة فى وجود شىء موصوف بالادراك والتحريك حقاً لأن الالهام عبارة عن الادراك ،
وأما الفجور والتقوى فهو فعل وهذه الآية صريحة فى أن الانسان شىء واحد وهو موصوف أيضاً
بالادراك والتحريك وموصوف أيضاً بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ومعلوم أن
جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من اثبات جوهر آخر يكون موصوفاً بكل
هذه الأمور .

٥٣
قوله تعالى: ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء
(الحجة السادسة) قوله تعالى (إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناء سميعاً بصيراً)
فهذا تصريح بأن الانسان شىء واحد وذلك الشىء هو المبتلى بالتكاليف الإلهية والأمور الربانية
وهو الموصوف بالسمع والبصر ومجموع اليدن ليس كذلك وليس عضواً من أعضاء البدن كذلك
فالنفس شىء مغاير لجملة البدن ومغاير لأجزاء البدن وهو موصوف بكل هذه الصفات. واعلم أن
الأحاديث الواردة فى صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة
وكل ذلك يدل على أن النفس شىء غير هذا الجسد ، والعجب من يقرأ هذه الآيات الكثيرة
ويروى هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول توفى رسول اللّه يبدو القلم وما كان يعرف الروح وهذا من
العجائب والله أعلم.
المسألة السابعة ﴾ فى دلالة الآية التى نحن فى تفسيرها على صحة ماذكرناه أن الروح لو كان
جسما منتقلا من حالة إلى حالة ومن صفة الى صفة لكان مساوياً للبدن فى كونه متولداً من أجسام
اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخری فاذا سئل رسول الله التن عن
الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا حتى صار روحا مثل ما ذكر فى كيفية تولد
البدن أنه كان نطفة ثم علقة ، ثم مضغة فلما لم يقل ذلك بل قال (إنه من أمر ربى) بمعنى أنه لا يحدث
ولا يدخل فى الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له (كن فيكون) دل ذلك على أنه جوهر ليس
من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسى مجرد واعلم أن أكثر العارفين المكاشفين من أصحاب
الرياضيات وأرباب المكاشفات والمشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب قال
الواسطى : خلق الله الأرواح من بين الجمال والبهاء فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر، وأما بيان
أن تعلقه الأول بالقلب ثم بواسطته يصل تأثيره إلى جملة الأعضاء فقد شرحناه فى تفسير قوله
تعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين) واحتج المنكرون بوجوه (الأول)
لو كانت مساوية لذات الله فى كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له فى تمام الماهية
وذلك محال ( الثانى ) قوله تعالى ( قتل الانسان ما أكفره من أى شىء خلقه من نطفة خلقه فقدره
ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) وهذا تصريح بأن الانسان شىء مخلوق من.
النطفة ، وأنه يموت ويدخل القبر ثم إنه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الانسان عبارة عن هذه
الجثة لم تكن الاحوال المذكورة فى هذه الآية صحيحة (الثالث) قوله (ولا تحسبن الذين قتلوا
فى سبيل الله) إلى قوله (يرزقون فرحين) وهذا يدل على أن الروح جسم لأن الأرزاق والفرح
من صفات الأجسام (الجواب عن الأول) أن المساواة فى أنه ليس بمتحيز ولا حال فى المتحيز
مساواة فى صفة سلبية والمساواة فى الصفة السلبية لا توجب المائلة واعلم أن جماعة من الجهال
يظنون أنه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيز ولا حال فى المتحيز وجب أن يكون مثلا للاله
أو جزءاً للاله وذلك جهل فاحش وغلط قبيح وتحقيقه ما ذكرناه من أن المساواة فى السلوب

٥٤
قوله تعالى : ولئن شئنا لنذهبن . سورة الإسراء .
وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِيّ أُوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدَ لَكَ بهء عَلَيْنَا وكيلا (هـ)
١
٠٠٠٠
٠٠٠
إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ، كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا
لو أوجبت المائلة لوجب القول باستواء كل المختلفات وأن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد أن يشتركا
فى سلب كل ما عداهما ، فلتكن هذه الدقيقة معلومة فانها مغلطة عظيمة للجهال ، والجواب عن
( الثانى ) أنه لما كان الانسان فى العرف والظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الانسان
فى العرف، والجواب عن (الثالث) أن الرزق المدكور فى الآية محمول على ما يقوى حالهم ويكمل
كمالهم وهو معرفة الله ومحبته بل نقول هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا لأن أبدانهم قد بليت
تحت التراب والله تعالى يقول إن أرواحهم تأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش وهذا يدل على أن
الروح غير البدن وليكن هذا آخر كلامنا فى هذا الباب ولنرجع إلى علم التفسير ثم قال تعالى ( وما
أوتيتم من العلم إلا قليلا) وعلى قولنا قد ذكرنا فيه احتمالين، أما المفسرون فقالوا إن الني تر اللّه
لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام ( بل
نحن وأنتم لم تؤت من العلم إلا قليلا)) فقالوا ما أعجب شأنك يامحمد ساعة تقول (ومن يؤت الحكمة
فقد أوتي خيراً كثيراً) وساعة تقول هذا. فنزل قوله ( ولو أن مافى الأرض من شجرة أفلام) إلى
آخره وما ذكروه ليس بلازم لأن الشىء قد يكون قليلا بالنسبة إلى شىء كثيراً بالنسبة إلى شىء
آخر فالعلوم الحاصلة عند الناس قليلة جداً بالنسبة إلى علم اللّه وبالنسبة إلى حقائق الأشياء ولكنها
كثيرة بالنسبة إلى الشهوات الجسمانية واللذات الجدانية .
قوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا. إلا رحمة
من ربك إن فضله كان عليك كبيراً ﴾ وفى الآية مسائل.
المسألة الأولى﴾ إعلم أنه تعالى لما بين فى الآية الأولى أنه ما آتاهم (من العلم إلا قليلا)
بين فى هذه الآية أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل أيضاً لقدر عليه وذلك بأن يمحو حفظه من
القلوب وكتابته من الكتب وهذا وإن كان أمراً مخالفاً للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه .
المسألة الثانية) احتج الكعبى بهذه الآية على أن القرآن مخلوق فقال والذى يقدر على
إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً بل يجب أن يكون محدثاً. وهذا الاستدلال بعيد لأن
المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب وإزالة النقوش الدالة عليه عن المصحف وذلك
لا یوجب کون ذلك المعلوم المدلول محدثاً وقوله( ثم لا تجد لك به علينا و کیلا ) أى لا تجد من
تتوكل عليه فى رد شىء منه ثم قال (إلا رحمة من ربك) أى إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك أو
يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى ولكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به وهذا امتنان من الله
1

قوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس . سورة الإسراء .
قُل لَِّ اجْتَمَعَتِ آلْإِنسُ وَاِنَّ عَ أَن يَأْتُواْ بِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِثْلِهِ،
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا لَهـ
٤
يقاء القرآن على أنه تعالى من على جميع العلماء بنوعين من المئة (أحدهما) تسهيل ذلك العلم عليه
(الثانى) إبقاء حفظه عليه وقوله (إن فضله كان عليك كبيراً) فيه قولان (الأول) المراد أن فضله
كان عليك كبيراً بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك (الثانى) المراد أن فضله كان عليك كبيراً بسبب
أنه جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك المقام المحمود فلما كان كذلك لا جرم أنعم
عليك أيضاً بابقاء العلم والقرآن عليك .
قوله تعالى: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله
ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ أعلم أنا فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى (وإن كنتم في ريب ما
نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) بالغنا فى بيان إعجاز القرآن ، والناس فيه قولان منهم من
قال: القرآن معجز فى نفسه، ومنهم من قال إنه ليس فى نفسه معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف
دواعيهم عن الإثبات بمعارضته مع أن تلك الدواعى كانت قوية كانت هذه الصرفة معجزة
والمختار عندنا فى هذا الباب أن نقول القرآن فى نفسه إما أن يكون معجزاً أو لا يكون فان كان
معجزاً فقد حصل المطلوب ، وإن لم يكن معجزا بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت
الدواعى متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة وما كان لهم عنها صارف ومانع. وعلى هذا التقدير
كان الإتيان بمعارضته واجباً لازماً فعدمٍ الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون
نقضاً للمادة فيكون معجزاً فهذا هو الطريق الذى تختاره فى هذا الباب.
المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول هب أنه قد ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف عرفتم
عجز الجن عن معارضته؟ وأيضا فلم لا يجوز أن يقال إن هذا الكلام نظم الجن ألقوه على محمد
صلى الله عليه وسلم وخصوه به على سبيل السعى فى إضلال الخلق فعلى هذا إنما تعرفون صدق
محمد صلى الله عليه وسلم إذا عرفتم أن محمداً صادق فى قوله أنه ليس من كلام الجن بل هو من
كلام الله تعالى حينئذ يلزم الدور وليس لأحد أن يقول كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجن
لأنا نقول إن هذه الآية دلت على وقوع التحدى مع الجن ، وإنما يحسن هذا التحدى لو كانوا
فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمر كذلك كان الاحتمال المذكور قائماً . أجاب العلماء عن الأول بان
عجز البشر عن معارضته يكنى فى إثبات كونه معجزاً وعن الثانى أن ذلك لو وقع لوجب فى حكمة
اقه أن يظهر ذلك التلبيس وحيث لم يظهر ذلك دل على عدمه وعلى أنه تعالى قد أجاب عن هذا
!

٥٦
قوله تعالى : ولقد صرفنا للناس . سورة الإسراء .
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا
ـِ وَقَالُوْلَنْ تُؤْمِنَ لَكَ خَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (١٦) أَوْ تَكُونَ لَكَ
٨٩
السؤال بالأجوبة الشافية الكافية فى آخر سورة الشعراء فى قوله ( قل هل أنبئكم على من تنزل
الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم) وقد شرحنا هذه الأجوبة هناك فلا فائدة فى الإعادة.
﴿ المسألة الثالثة ) قالت المعتزلة الآية دالة على أن القرآن مخلوق لأن التحدى بالقديم
وهذه المسآلة قد ذكرناها أيضاً بالاستقصاء فى سورة البقرة فلا فائدة فى الإعادة .
ثم قال تعالى ﴿ ولقد صرفنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل )
وهذا الكلام يحتمل وجوها ( أحدها ) أنه وقع التحدى بكل القرآن كما فى هذه الآية ، ووقع
التحدى أيضا بعشر سور منه كما فى قوله تعالى ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) ووقع التحدى
بالسورة الواحدة كما فى قوله تعالى ( فأتوا بسورة من مثله ) ووقع التحدى بكلام من سورة
واحدة كما فى قوله (فليأتوا بحديث مثله) فقوله ( ولقد صرفنا للناس فى هذا القرآن من كل
مثل ) يحتمل أن يكون المراد منه التحدى كما شرحناه، ثم انهم مع ظهور مجزهم فى جميع هذه
المراتب بقوا مصرين على كفرهم ( وثانيها) أن يكون المراد من قوله ( ولقد صرفنا الناس فى
هذا القرآن من كل مثل ) أنا أخبر ناهم بأن الذين بقوا مصرين على الكفر مثل قوم نوح وعاد
وثمود كيف ابتلاهم بأنواع البلاء وشرحنا هذه الطريقة مراراً وأطواراً ثم إن هؤلاء الأقوام
يعنى أهل مكة لم ينتفعوا بهذا البيان بل بقوا مصرين على الكفر (وثاثها) أن يكون المراد أنه
تعالى ذكر دلائل التوحيد ونفى الشركاء والأضداد فى هذا القرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات
منكرى النبوة والمعاد مراراً وأطوارا، وأجاب عنها ثم أردفها بذكر الدلائل القاطعة على صحة
النبوة والمعاد، ثم إن هؤلاء الكفار لم ينتفعوا بسماعها بل بقوا مصرين على الشرك وإنكار النبوة.
ثم قال تعالى ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا) يريد أبى أكثر أهل مكة (إلا كفورا) أى
جحودا للحق، وذلك أنهم أنكروا مالا حاجة إلى إظهاره، فان قيل كيف جاز ( فأبى أكثر
الناس إلا كفورا ) ولا يجوز أن يقال ضربت إلا زيدا، قلنا لفظ أبى بفيد النفى كأنه قيل
فلم يرضوا إلا كفورا
قوله تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك
٠

٥٧
قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك . سورة الإسراء .
جَنَّةٌ مِّنْ تَّخِلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِرَالْأَنْهَرَ ◌َِلَهَا تَفِْيرًا ( أَوْ نُسْقِطَ السَّمَآءَ كَ
زَغَمْتَ عَلَيْنَا ◌َِفَّا أَوْ تَأْتِى بِاللّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا ﴾ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِنْ زُنْعُفٍ
أَوْ تَقَّى فِ السَّمَاءِ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِّكَ خَّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِتَبًا تَّقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْكَانَ
رَبِ هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا
جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً
أو تأتى بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء ولن نؤمن
لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا ﴾
إعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد مت
فيفئذ تم الدليل على كونه نبيا صادقا لأنا نقول إن محمدا ادعى النبوة وظهر المعجز على وفق
دعواه وكل من كان كذلك فهو نبي صادق ، فهذا يدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق
وليس من شرط كونه نبيا صادقاً تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها لأنا لو فتحنا هذا الباب
للزم أن لا ينتهى الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى الرسول بمعجز اقترحوا عليه معجزا آخر ولا
ينتهى الأمر فيه إلى حد ينقطع عنده عناد المعاندين وتغلب الجاهلين لأنه تعالى حكى عن الكفار
أنهم بعدأن ظهركون القرآن معجزا التمسوا من الرسول بوليتم ستة أنواع من المعجزات القاهرة كما
حكى عن ابن عباس «أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول من اللي وهم جلوس عند الكعبة فأتام
فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لننتفع فيها وجر لنا فيها ينبوعا أى نهراً وعيوناً
نزرع فيها فقال لا أقدر عليه ، فقال قائل منهم أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار
خلالها تفجيراً فقال لا أقدر عليه ، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف أى من ذهب فيغنيك عنا
فقال لا أقدر عليه ، فقيل له أما تستطيع أن تأتى قومك بما يسألونك فقال لا أستطيع، قالوا فاذا
كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كفا أي قطعاً بالعذاب وقوله
كما زعمت إشارة إلى قوله (إذا السماء انشقت، إذا السماء انفطرت) فقال عبد الله بن أمية المخزومى
وأمه عمة رسول الله گلتے لا والذی يحلف به لا أومن بك حتى تشد سلما فتصعد فيه ونحن نظر إليك
فتأتى بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ثم بعد ذلك لا أدرَّى أنؤمن بك أم لا!)) فهذا
شرح هذه القصة كما رواها ابن عباس .
المسألة الأولى﴾ إعلم أنهم اقترحوا على رسول الله ويتم أنواعا من المعجزات أولها قولهم

٥٨
قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك . سورة الإسراء .
(حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) قرأعاصم وحمزة والكسائى تفجر بفتح الناء وسكون الفاء وضم
الجيم مخففة واختاره أبو حاتم قال لأن الينبوع واحد والباقون بالتشديد واختاره أبو عبيدة ولم
يختلفوا فى الثانية مشددة لأجل الأنهار ، لأنها جمع يقال جرت الماء جراً وبجرته تفجيرا ، فمن
ثقل أراد به كثرة الأشجار من الينبوع وهو وإن كان واحداً فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن
يثقل كما تقول ضرب زيد إذا كثر الضرب منه فيكثر فعله وان كان الفاعل واحداً ومن خفف
فلأن الينبوع واحد، وقوله ينبوعا ، يعنى: عيناً ينبع الماء منه، تقول نبع الماء ينبع نبعا ونبوعا ونبعا
ذكره الفراء، قال القوم أزل عنا جبال مكة ، وجر لنا الينبوع ليسهل علينا أمر الزراعة والحراثة
(وثانيها) قولهم ( أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ) والتقدير
كأنهم قالوا هب أنك لا تفجر هذه الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك (وثالثها) قولهم (أو تسقط
السماء كما زعمت علينا كسفاً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر كفاً بفتح السين هاهنا وفى سائر القرآن بسكونها، وقرأ
نافع وأبو بكر عن عاصم هاهنا ، وفى الروم بفتح السين، وفى باقى القرآن بسكونها؛ وقرأ حفص
فى سائر القرآن بالفتح إلا فى الروم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائى فى الروم بفتح
السين ، وفى سائر القرآن بسكون السين ، قال الواحدى رحمه الله كسفا، فيه وجهان من القراءة
سكون السين وفتحها ، قال أبو زيد يقال: كسفت الثوب أكسفه كسفا إذا قطعته قطعاً ، وقال
الليث : الكسف ، قطع العرقوب، والكفة : القطعة، وقال الفراء سمعت أعرابياً يقول لبزاز
أعطنى كسفة: يريد قطعه، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوها (أحدها ) قال الفراء أن
يكون جمع كسفة مثل: دمنة ودمن وسدرة وسدر (وثانيها) قال أبو على: إذا كان المصدر
الكسف ، فالكسف الشىء المقطوع كما تقول فى الطحن والطبخ السقى، ويؤكد هذا قوله (وإن
يروا كسفا من السماء ساقطا) (وثالثها) قال الزجاج: من قرأ: كسفا كأنه قال أو يسقطها طبقا
علينا واشتقاقه من كسفت الشىء إذا غطيته، وأما فتح السين فهو جمع كسفة مثل قطعة وقطع
وسدرة وسدر ، وهو نصب على الحال فى القراءتين جميعاً كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة.
المسألة الثانية) قوله (كما زعمت) فيه وجوه (الأول) قال عكرمة كما زعمت يا محمد أنك
نى فأسقط السماء علينا (والثانى) قال آخرون كما زعمت أن ربك إن شاء فعل (الثالث) يمكن
أن يكون المراد ماذكره الله تعالى فى هذه السورة فى قوله (أفأمنتم أن نخسف بكم جانب البر
أو نرسل عليكم حاصباً) فقيل اجعل السماء قطعاً متفرقة كالخاصب وأسقطها علينا ( ورابعها)
قولهم (أو تأتى باللّه والملائكة قبيلا) وفى لفظ القبيل وجوه (الأول) القبيل بمعنى المقابل
كالعشير بمعنى المعاشر، وهذا القول منهم يدل على جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المقابلة
ویقرب منه قوله ( وحشرنا عليهم كل شىء قبلا) . ( والقول الثاني) ما قاله ابن عباس يريد فوجا

٥٩
قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك . سورة الإساء .
بعد فوج. قال الليث وكل جند من الجن والإنس قبيل وذكرنا ذلك فى قوله (إنه يراكم مر وقيه)
(القول الثالث) إن قوله قبيلا معناه هاهنا ضامنا وكفيلا، قال الزجاج يقال قبلت به أقبل كقولك
كفلت به أكفل، وعلى هذا القول فهو واحد أريد به الجمع كقوله تعالى (وحسن أولئك رفيقا)
(والقول الرابع) قال أبو على معناه المعاينة والدليل عليه قوله تعالى (لولا أنزل علينا الملائكة
أو نرى ربنا). (وخامسها) قولهم (أو يكون لك بيت من زخرف) قال مجاهد : کنا لا ندرى
ما الزخرف حتى رأيت فى قراءة عبد الله (أو يكون لك بيت من ذهب) قال الزجاج: الزخرف
الزينة يدل عليه قوله تعالى ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ) أى أخذت كمال زيتها
ولا شىء فى تحسين البيت وتزيينه كالذهب (وسادسها) قولهم (أو ترقى فى السماء ) قال الغراء
يقال رقیت وأنا أرقى رقى ورقيا وأنشد :
أنت الذى كلفتنى رقى الدرج على الكلال والمشيب والعرج
وقوله فى السماء أى فى معارج السماء خذف المضاف، يقال رقى السلم ورقى الدرجة ثم قالوا
(;ولن نؤمن لرقيك) أى لن نؤمن لأجل رقيك (حتى تنزل علينا كتاباً من السماء) فيه تصديقك
قال عبد الله بن أمية (لن نؤمن) حتى تضع على السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتى
معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول. ولما حكى الله تعالى
عن الكفار اقتراح هذه المعجزات قال لمحمد عَّ اله (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا
رسولا ) وفيه مباحث
﴿ المبحث الأول ) أنه تعالى حكى من قول الكفار قولهم ( لن نؤمن لك حتى تفجر نا
من الأرض ينبوعا) إلى قوله ( قل سبحان ربى) وكل ذلك كلام القوم وإنا لا نجد بين تلك
الكلمات وبين سائر آيات القرآن تفاوتاً فى النظم فصح بهذا صحة ماقاله الكفار لو نشاء لقلنا مثل
هذا (والجواب) أن هذا القرآن قليل لا يظهر فيه التفاوت بين مراتب الفصاحة والبلاغة فزال
هذا السؤال .
﴿البحث الثانى) هذه الآيات من أدل الدلائل على أن المجىء والذهاب على اللّه محال لأن
كلمة سبحان للتنزيه عما لا ينبغى، وقوله سبحان ربی تیزیه لله تعالى عن شىء لا يليق به أو نسب
اليه مما تقدم ذكره وليس فيما تقدم ذكره شىء لا يليق باللّه إلا قولهم أو تأتى باقه فدل هذا على
أن قوله ( سبحان ربى) تنزيه الله عن الإتيان والمجىء وذلك يدل على فساد قول المشبهة فى أن انه
تعالى يجىء ويذهب، فان قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى عن أن يتحكم عليه
المتحكمون فى اقتراح الأشياء؟ قلنا القوم لم يتحكموا على الله، وإنما قالوا الرسول رفيع إن كنت
نبياً صادقاً فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات فالقوم تحكموا على الرسول وما تحكموا
على الله فلا يليق حمل قوله ( سبحان ربى ) على هذا المعنى فوجب حمله على قولهم أو تأتى بالته

٦٠
قوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا . سورة الإسراء .
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَّ إِلَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الَهُبَشَرًا رَسُولًا
٩٤
قُل لَّوْكَانَ فِ الْأَرْضِ مَّكُ يَمْثُونَ مُطْمَيِنِينَ لَّلْنَا عَلَيْهِمِ مِنَ اَلَّمَآءِ مَلَكًا
رَسُولًا (﴿ قُلْ كَفَ بِلَِّ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا
٩٦
﴿ البحث الثالث) تقرير هذا الجواب أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح
أنكم طلبتم الإتيان من عند نفسى بهذه الأشياء أو طلبتم منى أن أطلب من اللّه تعالى إظهارها على
يدى لتدل على كونى رسولا حقا من عند الله، والأول باطل لأنى بشر والبشر لاقدرة له على
هذه الأشياء والثانى أيضا باطل لأنى قد أتيتكم بمعجزة واحدة وهى القرآن والدلالة على كونها
معجزة فطلب هذه المعجزات طلب لما لاحاجة اليه ولاضرورة فكان طلبها يجرى مجرى التعنت
والتحكم وأنا عبد مأمور ليس لى أن أتحكم على اللّه فسقط هذا السؤال فثبت أن قوله ( قل سبحان
ربى هل كنت إلا بشراً رسولا) جواب كاف فى هذا الباب ، وحاصل الكلام أنه سبحانه بين بقوله
(سبحان ربى هل كنت إلا بشراً رسولا) كونهم على الضلال فى الإلهيات ، وفى النبوات . أما
فی الإلهیات فیدل على ضلاهم قوله سبحان ربی أی سبحانه عنأن يكون له إتيان ومجى. وذهاب
وأما فى النبوات فيدل على ضلالهم قوله ( هل كنت إلا بشراً رسولا) وتقريره ما ذكرناه
قوله تعالى: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراًرسولا .
قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطتمنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا . قل كفى بالله
شهيداً بينى وبينكم إنه كان بعباده خبيراً بصيراً
إعلم أنه تعالى لما حكى شبهة القوم فى اقتراح المعجزات الزائدة وأجاب عنها حكى عنهم شبهة.
أخرى وهى أن القوم استبعدوا أن يبعث الله الى الخلق رسولا من البشر بل اعتقدوا أن الله تعالى
لو أرسل رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة فأجاب الله تعالى عن هذه
الشبهة من وجوه (الأول) قوله ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) وتقرير هذا الجواب
أن بتقدير أن يبعث الله ملكا رسولا الى الخلق فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولا من عند الله لأجل
قيام المعجز الدال على صدقه وذلك المعجز هو الذى يهديهم إلى معرفة ذلك الملك فى إدعاء رسالة
القه تعالى فالمراد من قوله تعالى (إذ جاءهم الهدى) هو المعجز فقط فهذا المعجز سواء ظهر على يد
الملك أو على يد البشر وجب الإقرار برسالته فثبت أن يكون قولهم بأن الرسول لابد وأن يكون