النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قوله تعالى : وإن كادوا ليفتنونك . سورة الإسراء .
إعلم أنه تعالى لما عدد فى الآيات المنقدمة أقسام نعمه على خلقه. وأتبعها بذكر درجات
الخلق فى الآخرة وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجرى مجرى تحذير السعداء من الاغترار
بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر والتلبيس فقال ( وإن كادوا
ليفتونك عن الذى أوحينا إليك ) وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس فى رواية عطاء نزلت هذه الآية فى وفد ثقيف أتوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه شططاً، وقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت
مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فكرروا ذلك
الالتماس، وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت مانقول وخشيت أن
تقول العرب أعطيتهم مالم تعطنا، فقل: الله أمرنى بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم
عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر وقال: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك
عن الكلام كراهية لما تذكرونه؟ فأنزل الله هذه الآية ، وروى صاحب الكشاف أنهم جاءوا
بكاتبهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى ثقيف لايعشرون
ولا يحشرون، فقالوا ولا يجبون، فسكت رسول اللّه، ثم قالوا للكاتب: اكتب ولا يحبون
والكاتب ينظر إلى رسول اللّه برؤ يتم فقام عمر بن الخطاب وسل سيفه، وقال: أسعرتم قلب نبينا
يامعشر قريش، أسعر الله قلوبكم ناراً. فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً، فنزلت هذه الآية
واعلم أن هذه القصة إنما وقعت بالمدينة فلهذا السبب قالوا إن هذه الآيات مدنية . وروى أن
قريشا قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك. فنزلت هذه
الآية وقال الحسن: الكفار أخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بمكة قبل الهجرة فقالوا
كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها فلو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك
فوقع فى قلب رسول اللّه مَطيع أن يكف عن شتم آلهتهم. وعلى هذا التقدير فهذه الآية مكية، وعن
سعيد بن جبير أنه عليه السلام كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون لاندعك حتى تستلم
آلهتنا فوقع فى نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية، فنزلت هذه الآية
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج معنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتأكيد
وإن مخففة من الثقيلة واللام هى الفارقة بينها وبين النافية، والمعنى إن الشأن أنهم قاربوا أن
يفتنوك أى يخدعوك فاتنين وأصل الفتنة الاختبار يقال فتن الصائغ الذهب إذا أدخله النار وأذا به

٢٢
قوله تعالى : وإن كادوا ليفتنونك . سورة الإسراء .
لتميز جيده من رديئه ثم استعملوه فى كل من أزال الشىء عن حده وجهته فقالوا فتنه فقوله ( وإن.
كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك) أى يزيلونك ويصرفونك عن الذى أوحينا إليك يعنى
القرآن، والمعنى عن حكمه وذلك لأن فى إعطائهم ماسألوه مخالفة لحكم القرآن ، وقوله (لتفتری علینا
غيره) أى غير ما أوحينا إليك وهو قولهم: قل اللّه أمرفى بذلك ( وإذاً لا تخذوك خليلا) أى لو فعلت
ما أرادوا لاتخذوك خليلا وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كونهم وراض بشركهم ثم قال
(ولولا أن ثبتناك) أى على الحق بعصمتنا إياك ( لقد كدت تركن اليهم ) أى تميل اليهم شيئا قليلا
وقوله ( شيئا) عبارة عن المصدر أى ركونا قليلا قال ابن عباس يريد حيث سكت عن جوابهم.
قال قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبى يحرّ ((اللهم لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين)) ثم توعده فى ذلك
أشد التوعد فقال ( إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) أى ضعف عذاب الحياة وضعف
عذاب الممات يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة والضعف عبارة عن أن يضم إلى الشىء مثله فان
الرجل إذا قال لوكيله أعط فلاناً شيئاً فأعطاه درهما فقال أضعفه كان المعنى ضم إلى ذلك الدرم
مثله إذا عرفت هذا فنقول: إنما حسن إضمار العذاب فى قوله ( ضعف الحياة وضعف المات)
لما تقدم فى القرآن من وصف العذاب بالضعف فى قوله ( ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا
ضعفاً فى النار) وقال ( لكل ضعف ولكن لا تعلمون) وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر
الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همتك لاستحققت بذلك تضعيف العذاب عليك
فى الدنيا والآخرة ولصار عذابك مثلى عذاب المشرك فى الدنيا ومثل عذابه فى الآخرة والسبب
فى تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى فى حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت
ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى ( يانساء النبى من يأت
منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) فان قيل قال عليه السلام: (( من سن سنة سيئة
فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )) فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو رضى
بما قالوه لكان وزره مثل وزر كل أحد من أولئك الكفار وعلى هذا التقدير يكون عقابه
زائداً على الضعف قلنا إثبات الضعف لايدل على نفى انزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب
وهو حجة ضعيفة ثم قال تعالى (ثم لا تجد لك علينا نصيراً) يعنى إذا أذقناك العذاب المضاعف
لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا وعقابنا والله أعلم
﴿ المسألة الثالثة﴾ أحتج الطاعنون فى عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية فقالوا هذه
الآية تدل على صدوز الذنب العظيم عنهم من وجوه (الأول) أن الآية دلت على أنه عليه
السلام قرب من أن يفترى على الله، والفرية على الله من أعظم الذنوب ( والثانى) أنها تدل على
أنه لولا أن الله تعالى ثبته وعصمه لقرب من أن يركن إلى دينهم ويميل إلى مذهبهم (والثالث)
أنه لولا سبق جرم وجناية وإلا فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشديد والجواب عن الأول : أن
:

٢٣
قوله تعالى : ولولا أن ثبتناك . سورة الإسراء .
كاد معناه المقاربة فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه فى الفتنة، وهذا القدز لا يدل على الوقوع فى
تلك الفتنة فانا إذا قلنا كاد الأمير أن يضرب فلانا لايفهم منه أنه ضربه، والجواب عن الثانى:
أن كلمة لولا تفيد انتفاء الشىء لثبوت غيره، تقول لولا على لهلك عمر، معناه أن وجود على
منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك ههنا قوله ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم)
معناه أنه «يعمل تثبيت اللّه تعالى محمد صلى الله عليه وسلم فكان حصول ذلك التثبيت مانعا من
حصول ذلك الركون ، والجواب عن الثالث: أن ذلك التهديد على المعصية لا يدل على الاقدام عليها
والدليل عليه آبات منها قونه ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه
الوتين) ومنها قوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك، ومنها قوله ( ولا تطع الكافرين والمنافقين)
والله أعلم
﴿ المسألة الرابعة) احتج أصحابنا على صحة قولهم بأنه لا عصمة عن المعاصى إلا بتوفيق
اللّه تعالى بقوله ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركز إليهم شيئاً قليلا ) قالوا إنه تعالى بين أنه لولا
تثبيت اللّه تعالى له لمال إلى طريقة الكفار ولا شك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أقوى من
غيره فى قوة الدين وصفاء اليقين فلما بين الله تعالى أن بقاءه معصوما عن الكفر والضلال لم
يحصل إلا باعانة اللّه تعالى وإغائته كان حضول هذا المعنى فى حق غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد
بهذا الثبيت الألطاف الصارفة له عن ذلك وهى ماخطر بباله من ذكر وعده ووعيده ، ومن
ذكر أن كونه نبياً من عند الله تعالى يمنع من ذلك، والجواب: لاشك أن هذا التثبيت عبارة
عن فعل فعله اللّه يمنع الرسول من الوقوع فى ذلك العمل المحذور، فنقول: لو لم يوجد المقتضى
للاقدام على ذلك العمل المحذور فى حق الرسول لما كان إلى ايجاد هذا المانع حاجة وحيث
وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن المقتضى قد حصل فى حق الرسول بولتم وأن هذا
المانع الذى فعله الله تعالى منع ذلك المقتضى من العمل وهذا لا يتم إلا إذا قلنا إن القدرة مع
الداعى توجب الفعل، فاذا حصلت داعية أخرى معارضة للداعية الأولى اختل المؤثر فامتنع
الفعل ونحن لايريد إلا إثبات هذا المعنى والله أعلم
المسألة الخامسة﴾ قال القفال رحمه الله: قد ذكرنا فى سبب نزول هذه الآية الوجوه
المذكورة، ويمكن أيضا تأويلها من غير تقييد بسبب يضاف نزولها فيه لأن من المعلوم أن
المشركين كانوا يسعون فى إبطال أمر رسول الله برلم بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون:
إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) وقوله
( ودوا لو تدهن فبدهنون) وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء
النبوة فأنزل الله تعالى (ولا تمدن عينيك ) ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه فأنزل الله
تمالى قوله ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم) فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت فى هذا الباب

٢٤
قوله تعالى . وإن كادوا ليستفزونك من الأرض . سورة الإسراء .
وَ إِنْ كَادُواْلَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِ جُوكَ مِنْهَا وَ إِذَّا لَّا يَلْبَغُونَ خِلَفَكَ
إِلَّا قَلِيلًا ﴾ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لُنَِّنَا تَحْوِ بِلًا ي
وذلك أنهم قصدوا أن يمتنوه عن دينه وأن يزيلوه عن منهجه ، فبين تعالى أنه يثبته على الدين
القويم والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق فلا حاجة فى تفسير هذه الآيات إلى شىء من تلك
الروايات . والله أعلم
﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلا .
سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا . ولا تجد لنتنا تحويلا﴾.
فى هذه الآية قولان (الأول) قال قتادة: هم أهل مكةهموا باخراج النبى مد ◌ّ من مكة ، ولو فعلوا
ذلك ما أمهلوا، ولكن الله منعهم من اخراجه، حتى أمره الله بالخروج، ثم إنه قل لبثهم بعد خروج
النبى يتم من مكة حتى بعث الله عليهم القتل يوم بدر وهذا قول مجاهد ( والقول التانى) قال ابن
عباس: إن رسول اللّه وَ لقّ لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم فقالوا يا أبالقاسم
إن الأنبياء إنمابموا بالشام وهى بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك
واتبعناك وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فان كنت رسول الله فائه مانعك
منهم. فعسكر رسول الله ويتم على أميال من المدينة قيل بذى الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه
الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس فى دين الله فنزلت هذه الآية فرجع.
فالقول الأول اختيار الزجاج وهو الوجه لأن السورة مكية فان صح القول الثانى كانت الآية
مدنية، والأرض فى قوله ( ليستفزونك من الأرض ) على القول الأول مكة وعلى القول الثانى
المدينة وكثر فى التنزيل ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله (أوينفوامن الأرض)
يعنى من مواضعهم وقوله (فلن أبرح الأرض) يعنى الأرض التى كان قصدها لطلب الميرة ، فان
قيل قال الله تعالى (وكأين من قرية هى أشد قوه من قريتك التى أخرجتك) يعنى مكة والمراد
أهلها فذكر أنهم أخرجوه وقال فى هذه الآية ( وإن كادوا ليستفزونك من الآرض ليخرجوك
منها) فكيف [ يمكن] الجمع بينهما على قول من قال الأرض فى هذه الآية مكة ؟ قلنا إنهم هموا
باخراجه وهو عليه السلام ما خرج بسبب إخراجهم وإنما خرج بأمر الله تعالى، فزال التناقض.
ثم قال تعالى ( وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نانع وابن كثير وأبو عمرو عن عاصم خلفك بفتح الخاء وسكون اللام

٢٥
قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس . سورة الإسراء .
أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُودًا (١٨) وَمِنَ الَّيْلِ فَتَجَّدْ ◌ِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
تَحْمُودًا ﴿ وَقُل رَّبِ أَدْخِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَنِْْخِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل ◌ِ مِن
لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا لَه وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَنِطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ
والباقون خلافك زعم الأخفش أن خلافك فى معنى خلفك وروی ذلك یو نس عن عيسى وهذا
كقوله ( بمقعدهم خلاف رسول اللّه). وقال الشاعر:
عفت الديار خلافهم فيكأنما بسط الشواطب بينهن حصير
قال صاحب الكشاف قرى. لا يلبثون وفى قراءة أبى لا يلبثوا على إعمال، إذن ، فان قيل ماوجه
القراءتين؟ قلنا أما السابقة فقد عطف فيها الفعل على الفعل وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد والفعل فى
خير كاد واقع موقع الاسم وأما قراءة أبى ففيها الجملة برأسها التى هى قوله (إذاً لا يلبثون) عطف على
جملة قوله ( وإن كادوا ليستفزونك) ثم قال تعالى (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) يعنى أن
كل قوم أخرجوا نبيهم من ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم فقوله (سنة) نصب على المصدر المؤكد
أى صفنا ذلك سنة فيمن قد أرسلنا قبلك ثم قال (ولا تجد لسنتنا تحويلا) والمعنى أن ما أجرى الله
تعالى به العادة لم يتهيأ لأحد أن يقلب تلك العادة وتمام الكلام فى هذا الباب أن اختصاص كل
حادث بوقته المعين وصفته المعينة ليس أمراً ثابتاً له لذاته وإلا لزم أن يدوم أبداً على تلك الحالة
وأن لا يتميز الشىء عما يماثله فى تلك الصفات بل إنما يحصل ذلك الاختصاص بتخصيص المخصص
وذلك التخصيص هو أنه تعالى يريد تحصيله فى ذلك الوقت ثم تتعلق قدرته بتحصيله فى ذلك الوقت
ثم يتعلق عليه بحصوله فى ذلك الوقت ثم نقول هذه الصفات الثلاثة التى هى المؤثرة فى حصول
ذلك الاختصاص إن كانت حادثة افتقر حدوثها إلى تخصيص آخر ولزم التسلل وهو محال
وإن كانت قديمة فالقديم يمتنع تغيره لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ولما كان التغير على تلك
الصفات المؤثرة فى ذلك الاختصاص ممتنعاً كان التغير فى تلك الأشياء المقدرة ممتنعا فثبت بهذا
البرهان مهمة قوله تعالى ( ولا تجد لسفتنا تحويلا)
قوله تعالى: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان
مشهوداً ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً . وقل رب أدخلىمدخل
صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطاناً نصيراً. وقل جاء الحق وزهق الباطل

٢٦
قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس . سورة الاسراء .
زَهُوقًا له
إن الباطل كان زهوقاً ﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى) فى النظم وجوه (الأول) أنه تعالى لما قرر أمر الالهيات والمعاد والنبوات
أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الايمان وأشرف الطاعات بعد الايمان الصلاة فلهذا السبب أمر
بها (الثانى) أنه تعالى لما قال (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض) أمره تعالى بالاقبال على عبادته
لكى ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم فى إخراجك من بلدتك ولا تلتفت إليهم واشتغل
بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فانه تعالى يدفع مكرثم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق
أيديهم ودينك غالباً على أديانهم ونظيره قوله فى سورة طه (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك
قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) وقال (ولقد
نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، واعبد ربك حتى
يأتيك اليقين) والوجه (الثالث ) فى تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له أذهب إلى الشام فانه
مسكن الأنبياء عزم صلى الله عليه وسلم على الذهاب اليه فكانه قيل له المعبود واحد فى كل البلاد
وما النصرة والدولة الا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ومسكنك وإذا
دخله ورجعت اليه فقل رب أدخلنی مدخل صدق وأخرجنی مخرج صدق واجعل لى فى هذا
البلد سلطانا نصيراً فى تقرير دينك وإظهار شرعك والله أعلم
المسألة الثانية) اختلف أهل اللغة والمفسرون فى معنى دلوك الشمس على قولين
(أحدهما) أن دلوكها غروبها وهذا القول مروى عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدى فى
البسيط عن على عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها. وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن
مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول
اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين ( والقول الثانى ) أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد
السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته
بوجوه (الحجة الأولى) روى الواحدى فى البسيط عن جابر أنه قال ((طعم عندى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبى صلى الله عليه وسلم هذا حين
دلكت الشمس)) (الحجة الثانية) روى صاحب الكشاف عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((أقافى جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بى الظهر)). (الحجة
الثالثة) قال أهل اللغة معنى الدلوك فى كلام العرب الزوال ولذلك قيل الشمس إذا زالت نصف
النهار دائكة، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها فى الحالتين زائلة، هكذا قاله الأزهرى وقال
التفال: أصل الدلوك الميل، يقال مالت الشمس للزوال، ويقال مالت الغروب، اذا عرفت هذا

قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس. سورة الإسراء . ٢٧
فنقول: وجب أن يكون المراد من الدلوك ههنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق
إقامة الصلاة بالدلوك، والدلوك عبارة عن الميل والزوال، فوجب أن يقال إنه أول ماحصل
الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق
به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك فى هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه
حجة قوية فى هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة : أن الدلوك عبارة عن الميل
والزوال والله أعلم. (الحجة الرابعة) قال الأزهرى الأولى حمل الدلوك على الزوال فى نصف
النهار ، والمعنى (أقم الصلاة) أى أدمها من وقت زوال الشمس الى غسق الليل وعلى هذا التقدير
فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال (وقرآن الفجر) فإذا حملنا الدلوك على
الزوال دخلت الصلوات الخمس فى هذه الآية، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث
صلوات وهى المغرب والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على مايكون أكثر فائدة أولى فوجب
أن يكون المراد من الدلوك الزوال، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر:
هذا مقام قدمى رباح وقفت حتى دلكت براح
وبراح اسم الشمس أى حتى غابت، واحتج ابن قتيبة بقول ذى الرمة :
نجوم ولا أفلاكمن الدوالك
مصابيح ليست باللواتى يقودها
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير وهذا المعنى
حاصل فى الغروب فكان الغروب نوعا من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب
لاينافى وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الانسان لا ينافى وقوعه على الفرس
ومنهم من احتج أيضا على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لآن الانسان يدلك
عينيه عند النظر إليها وهذا إنما يصح فى الوقت الذى يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها فى
فى وسط السماء لا يمكن النظر إليها ، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها [و] عند ما ينظر
الأنسان إليها فى ذلك الوقت يدلك عينيه، فثبت أن لفظ الداوك مختص بالغروب. والجواب
أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها فى وسط السماء أتم فهذا الذى ذكرته بأن يدل على أن
الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى والله أعلم
المسألة الثالثة﴾ قال الواحدى: اللام فى قوله لدلوك الشمس لام الأجل والسبب
وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلى اقامتها لأجل دلوك الشمس
﴿ المسألة الرابعة) قوله ( إلى غسق الليل) غسق الليل سواده وظلمته قال الكسائى: غسق
الليل غسوقا، والغسق: الاسم ، بفتح السين. وقال النضر بن شميل : غسق الليل دخول أوله،
وأتيته حين غسق الليل، أى حين يختلط ويسد المناظر، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال:
غسقت العين تغسق. وهو عملان العين بالماء، والغاسق السائل، ومن هذا يقال لما يسيل من

٢٨
قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس . سورة الإسراء .
أهل النار: الغساق، فمعنى غسق الليل أى انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على
العالم ، وأما قول المفسرين، قال ابن جريج قلت لعطاء: ما غسق الليل ؟ قال أوله حين يدخل .
وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق: قال دخول الليل بظلمته، وقال الأزهرى : غسق
الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة واشتدادها، يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعاً ،
وغسقت الجراحة إذا امتلأت دما، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات
الأربع فيه وهى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل
فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول أولى، واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث
شريف فان فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير
يكون المذكور فى الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا
يقتضى أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين
وأن يكون أول المغرب وقتا للغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين
الصلاتين فهذا يقتضى جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطاتما إلا أنه دل الدليل
على أن الجمع فى الخضر من غير عذر ولا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر وعذر
المطر وغيره، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند
غيبوبة الشفق الأبيض وكلمة الى لانتهاء الغاية والحكم الممدود الى غاية يكون مشروعا قبل حصول
تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض وهذا إنما يصح إذا
قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر والله أعلم
المسألة الخامسة) قوله وقرآن الفجر أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح وانتصابه بالعطف
على الصلاة فى قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وفيه فوائد ( الأولى)
أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة (الفائدة الثانية) أنه تعالى أضاف القرآن إلى
الفجر والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفى أول طلوع الصبح
قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجراً لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح وظاهر الأمر الوجوب
فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب
غير حاصل ، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع
مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل
مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضى أن إقامة الفجر فى أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة
مذهب الشافعى فى أن التغليس أفضل من التنوير والله أعلم ( الفائدة الثالثة) أن الفقهاء بينوا أن
السنة أن تكون القراءة فى هذه الصلاة أطول من القراءة فى سائر الصلوات فالمقصود من قوله
وقرآن الفجر الحث على أن تطويل القراءة فى هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر بدل

قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس. سورة الإسراء . ٢٩
على كونه أكمل من غيره ( الفائدة الرابعة ) أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً قال الجمهور
معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فى صلاة الصبح خلف الامام تنزل ملائكة
النهار عليهم وهم فى صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فاذا فرغ الامام من صلاته عرجت
ملائكة الليل ومكثت ملائكة الهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت يا رب إنا تركنا
عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة
اشهدوا أنى قد غفرت لهم . وأقول هذا أيضاً دليل قوى فى أن التغليس أفضل من التنوير لأن
الانسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففى ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين
ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة
النهار فيهذا الطريق تحضر فى هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة
فى وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق فى ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل
المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى (إنه كان مشهودا) دليل قوى على أن التغليس أفضل وعندى فى
تفسير قوله تعالى (إنه كان مشهودا) احتمال آخر وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل
كان الاستدلال بها على كمال قدرة الله تعالى أكمل فالانسان إذا شرع فى أداء صلاة الصبح من
أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية فى العالم ، فإذا امتدت القراءة فى أثناء هذا الوقت ينقلب
العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء مناسب للحياة والوجود. وعلى
هذا التقدير فالانسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود
ثم إنه مع ذلك يشاهد فى أثناء صلانه انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى
الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود. وهذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول
والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل والتبديل إلا الخالق المدير بالحكمة البالغة
والقوة الغير المتناهية وحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب
المكاشفات الروحانية الالهية فتصير الصلاة التى هى عبارة عن أعمال الجوارح مشهودا عليها
بهذه المكاشفات الالهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع مستقيم إذا قام من منامه
وأدى صلاة الصبح فى أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور
ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد فى قلبه روحا وراحة ومزيدا فى نور المعرفة وقوة اليقين فهذا
هو المراد من قوله (إن قرآن الفجر كان مشهودا) وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء
صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده. وفى الآية احتمال ثالث وهو
أن يكون المراد من قوله ( إن قرآن الفجر كان مشهودا) الترغيب فى أن تؤدى هذه الصلاة بالجماعة
ويكون المعنى كونه مشهودا بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنابينا أن تأثير هذه الصلاة فى
تصفية القلب وفى تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فاذا حضر جمع من المسلمين فى المسجد

٣٠
قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به . سورة الإسراء .
لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة
الله تعالى ونور طاعته فى ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا
المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فانه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا
إلى الأخرى فكذا فى هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه الصلاة فى
هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونورا وراحة (الفائدة الخامسة) قوله (وقرآن الفجر إن قرآن
الفجر كان مشهودا) يحتمل أن يكون السبب فى كونه مشهودا هو أن الانسان لما نام طول الليل فصار
کالغافل فى هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيافز التصورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره
وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت تلك النقوش عنها
فى أول وقت القيام من المنأم صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة.
فاذا تسارع الانسان فى ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيه والاقدام
على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش فى لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة
المقدسة ، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة ، وهى النقوش المتولدة
من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته
ويضعف الميل الى الدنيا وشهواتها. إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الانسان
فى الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس. وذلك يدل على المقصود واعلم أن أكثر الخلق
وقعوا فى أمراض القلوب وهى حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل
دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوى مرضه
فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلا فلا ينقاد للطبيب ويخالفه فى
أكثر الأمر ، إلا أن الطبيب إذا كان مشفقا حاذقا فانه يسعى فى إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر
عليه فإن لم يقدر على إزالته فانه يسعى فى تقليله وتخفيفه. إذا عرفت هذا فنقول: مرض حب الدنيا
مستول على الخلق ولاعلاج له إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق
على النفوس، وقل من يقبله وينقاد له. لا جرم [أن] الأنبياء اجتهدوا فى تقليل هذا المرض وحمل
الخلق على الشروع فى الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم بما ينفع فى إزالة هذا
المرض من الوجه الذى قررناه فوجب أن يكون مشروعا والله أعلم بأسرار كلامه .
أما قوله تعالى (ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) فاعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على
سبيل الرمز والاشارة أردفه بالحث على صلاة الليل وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول ) التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله فتهجد به أى بالقرآن كما قال (قم الليل
إلا قليلا) إلى قوله ( ورتل القرآن ترتيلا).
( البحث الثانى) قال الواحدى الحجود فى اللغة النوم وهو معروف كثير فى الشعر يقال:

٣١
قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به . سورة الإسراء .
أمجدته ومجدته أى أنمته ومنه قول لبيد :
مجدنا فقد طال السرى
كأنه قال نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم وروى أبو عبيد عن أبى عبيدة
الهاجد النائم والهاجد المصلى بالليل وروى ثعلب عن ابن الأعرابى مثل هذا القول كأنه قال مجد
الرجل إذا صلى من الليل ومجد إذا نام بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد وأما الأزهرى
فانه توسط فى تفسير هذا اللفظ وقال المعروف فى كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن فى
الشرع يقال لمن قام من النوم الى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على أنه سمى متهجداً
لالقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لالقائه الحنث عن نفسه وهو الأثم . ويقال فلان
رجل متخرج ومتأثم ومتحوب أى يلقى الحرج والاثم والحوب عن نفسه. وأقول فيه احتمال آخر
وهو أن الانسان إنما يترك لذة النوم ويتحمل مشقة القيام الى الصلاة ليطيب رقاده ومجوده عند
الموت فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان هذا القيام
طلباً لذلك الهجود فسمى تهجداً لهذا السبب (وفيه وجه ثالث) وهو ماروى أن الحجاج بن عمرو
المازنى قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد
الرقاد ثم صلاه أخری بعدر قدة ثمصلاة أخری بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله بتے . إذا
عرفت هذا فتقول كلما صلى الانسان طلب مجوداً ورقاداً فلا يبعد أنه سمى تهجداً لهذا السبب.
﴿ البحث الثالث ) قوله (من) فى قوله (ومن الليل) لابدله من متعلق والفاء فى قوله
(فتهجد ) لابد له من معطوف عليه والتقدير قم من الليل أى فى بعض الليل فتهجد به وقوله ( به)
أى القرآن والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن .
﴿ البحث الرابع ) معنى النافلة فى اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه فى قوله تعالى
( يسألونك عن الأنفال ) ومعناها أيضاً فى هذه الآية الزيادة وفى تفسير كونها زيادة قولان مبنيان
على أن صلاة الليل هل كانت واجبة على النبى يؤلِّ أم لا فمن الناس من قال إنها كانت واجبة عليه
ثم نسخت فصارت نافلة أي تطوعا وزيادة على الفرائض وذكر مجامد والسدى فى تفسير كونها
( نافلة) وجهاً حسناً قالا إنه تعالى غفر للنبى ◌ّ يقيم ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكل طاعة يأتى بها
سوى المكتوبة فانه لا يكون تأثيرها فى كفارة الذنوب البتة بل يكون تأثيرها فى زيادة الدرجات
وكثرة الثواب وكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة فان
لهم ذنوباً محتاجة الى الكفارات فهذه الطاعة محتاجون الها لتكفير الذنوب والسيئات فثبت أن هذه
الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل فى حق النبى صدّ اللّه لا فى حق غيره فلهذا السبب قال (نافلة لك)
يعنى أنها زوائد ونوافل فى حقك لا فى حق غيرك وتقريره ماذكرناه. وأما الذين قالوا إن صلاة
الليل كانت واجبة على النبى صلى الله عليه وسلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها فريضة
عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله فتهجد

٣٢
قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به . سورة الإسراء .
أسر وصيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجباً فلو حملنا قوله نافلة لك على عدم
الوجوب لزم التعارض وهو خلاف الأصل فوجب أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من
كون وجوبها زائداً على وجوب الصلوات الخمس والله أعلم.
﴿ البحث الخامس) قوله (أقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن السجر) وإن
كان ظاهر الأمر فيه مختصا بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه فى المعنى عام فى حق الأمة والدليل
عليه أنه قال ومن الليل فتهجد به نافلة لك فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول وهذا يدل على
أن الأمر بالصلاة الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام وإلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد بهذا
القيد فائدة أصلا والله أعلم. ثم قال تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً) اتفق المفسرون
على أن كلمة عسى من اللّه واجب قال أهل المعانى لأن لفظة على تفيد الاطماع ومن أطمع إنسانا فى
شىء ثم حرمه كان عاراً والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً فى شىء ثم لا يعطيه ذلك. وقوله
(مقاما محموداً) فيه بحثان:
﴿البحث الأول) فى انتصاب قوله محموداً وجهان (الأول) أن يكون انتصابه على الحال من
قوله يبعثك أى يبعثك محمودا ( والثانى ) أن يكون نعتاً للمقام وهو ظاهر
﴿البحث الثانى) فى تفسير المقام المحمود أقوال (الأول) أنه الشفاعة قال الواحدى أجمع
المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال النبى زلت فى هذه الآية ((هو المقام الذى أشفع فيه لأمتى))
وأقول اللفظ مشعر به وذلك لأن الانسان إنما يصير محمودا إذا حمده حامد والحمد إنما يكون على
الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم رسول اللّه عَّ الذي فيه على قوم الحمدوه على
ذلك الانعام وذلك الانعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلا
فى الحال وقوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) تطميع وتطميع الانسان فى الشىء الذى
وعده فى الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذى لأجله يصير محمودا إنعاما سيصل منه
حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل هذا على أن لفظ الآية وهو قوله
(عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) يدل على هذا المعنى وأيضاً التفكير فى قوله مقاما محمودا يدل على
أنه يحصل النبى عليه السلام فى ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلوم أن حمد الانسان على سعيه
فى التخليص عن العقاب أعظم من حمده فى السعى فى زيادة من الثواب لاحاجة به اليها لأن احتياج
الانسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التى لا حاجة
به إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا)
هو الشفاعة فى إسقاط العقاب على ماهو مذهب أهل السنة ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا
المعنى إشعارا قوياً ثم وردت الأخبار الصحيحة فى تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه وما
يؤكدهذا الوجه الدعاء المشهور وابعثه المقام المحمود الذى وعدته يغبطه به الأولون والآخرون

قوله تعالى : وقل رب أدخلني مدخل صدق . سورة الإسراء ٣٣
واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة ( والقول الثانى) قال حذيفة «يجمع الناس فى صعيد فلا
تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول لبيك وسعديك والشر ليس إليك والمهدى
من هديت وعبدك بين يديك وبك واليك لا ملجأ ولا منحا منك إلا إليك تباركت وتعاليت
سبحانك رب البيت)) فهذا هو المراد من قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) وأقول القول
الأول أولى لأن سعيه فى الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محمودا وأما ذكر هذا الدعاء
فلا يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فان قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول قلنا
لأن الحمد فى اللغة مختص بالثناء المذكور فى مقابلة الانعام فقط فان ورد لفظ الحمد فى غير هذا
المعنى فعلى سبيل المجاز ( القول الثالث ) المراد مقام تحمد عاقبته وهذا أيضاً ضعيف للوجه الذى
ذكرناه فى القول الثانى (القول الرابع) قال الواحدى روى عن ابن مسعود أنه قال ((يقعد الله
محمدا على العرش )» وعن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدی وهذا قول رزل
موحش فظيع ونص الكتاب ينادى بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه (الأول ) أن البعث
ضد الاجلاس يقال بعثت النازا . - القاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أى أقامه من قبره فتفسير
البعث بالاجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد(والثانى) أنه تعالى قال مقاما محمودا ولم يقل مقعدا
والمقام موضع القيام لا موضع القعود (والثالث) لو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده
محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدودا متناهياً ومن كان كذلك فهو محدث (والرابع) يقال إن
جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير اعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون فى كل أهل
الجنة إنهم يزورون اللّه تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التى كانوا فيها فى
الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم
بها مزيد شرف ورتبة (والخامس ) أنه إذا قيل السلطان بعث فلاناً فهم منه أنه أرسله إلى قوم
لاصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل
اليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين والله أعلم ثم قال تعالى (وقل رب أدخلنى مدخل صدق
وأخرجنى مخرج صدق) وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول) أنا ذكرنا فى تفسير قوله ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض) قولين
أحدهما المراد منه سعى كفار مكة فى إخراجه منها والثانى المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك
أن تخرج من المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له (أقم الصلاة) واشتغل بعبادة الله تعالى ولا تلتفت.
إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك ومعينك ثم عاد بعد هذا الكلام الى شرح تلك الواقعة فان
فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى
أمره بالهجرة الى المدينة وقال له (وقل رب أدخلى مدخل صدق - وهو المدينة - وأخرجنى
مخرج صدق - وهومكة) وهذا قول الحسن وقتادة وإن فسرنا تلك الآية بأن المراد منها أن اليبرد
٠٠١١ ١١١ .. ~٣٠٢١

٣٤
قوله تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء . سورة الإسراء .
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَاهُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِينَ إِلَّا خَسَارً ا لِّ
حملوه على الخروج من المدينة والذهاب الى الشام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثم
أمره الله تعالى بأن يرجع إليها كان المراد أنه عليه الصلاة والسلام عند العود إلى المدينة قال
(رب أدخلنى مدخل صدق - وهو المدينة - وأخرجنى مخرج صدق) يعنى أخر جنى منها إلى مكة
مخرج صدق أى افتحها لى (والقول الثانى) فى تفسير هذه الآية وهو أكمل مما سبق أن المراد (وقل
رب أدخلنى - فى الصلاة - وأخرجنى) منها مع الصدق والاخلاص وحضور ذكرك والقيام بلوازم
شكرك ( والقول الثالث) وهو أكمل مما سبق أن المراد ( وقل رب أدخلنى - فى القيام بمهمات
أداء دينك وشريعتك - وأخرجنى) منها بعد الفراغ منها إخراجا لا يبقى على منها تبعة ربقية.
( والقول الرابع) وهو أعلى مما سبق (وقل رب أدخلنى) فى بحار دلائل توحيدك وتنزيهك
وقدسك ثم أخرجنى من الاشتغال بالدليل الى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل فى آثار حدوث
المحدثات إلى الاستغراق فى معرفة الأحد الفرد المنزه عن التكثيرات والتغيرات ( والقول
الخامس ) أدخلنى فى كل ما تدخلنى فيه مع الصدق فى عبوديتك والاستغراق بمعرفتك وأخرجنى
عن كل ما تخرجنى عنه مع الصدق فى العبودية والمعرفة والمحبة والمقصود منه أن يكون صدق
العبودية حاصلا فى كل دخول وخروج وحركة وسكون ( والقول السادس ) أدخلنى القبر مدخل
صدق وآخر جنی منه مخرج صدق
﴿ البحث الثانی ﴾ مدخل بضم الميم مصدر کالادخال یقال أدخلته مدخلا کما قال ( وقل رب
أنزلنى منزلا مباركا) ومعنى إضافة المدخل والمخرج الى الصدق مدحهما كانه سأل الله تعالى إدخالا
حسناً وإخراجا حسناً لايرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى ( واجعل لى من لدنك سلطانا نصيراً) أى
حجة بينة ظاهرة تنصرنى بها على جميع من خالفنى . وبالجملة فقد سأل الله تعالى أن يرزقه النقوية
على من خالفه بالحجة وبالقهر والقدرة وقد أجاب اللّه تعالى دعاءه وأعلمه بأنه يعصمه من الناس
فقال ( والله يعصمك من الناس) وقال (ألا إن حزب الله هم المفلحون) وقال ( ليظهره على
الدين كله) ولما سأل الله النصرة بين الله له أنه أجاب دعاءه فقال (وقل جاء الحق - وهو
دينه وشرعه - وزهق الباطل ) وهو كل ما سواه من الأديان والشرائع ، وزهق بطل
واضمحل، وأصله من زهقت نفسه تزهق أى هلكت، وعن ابن مسعود (( أنه دخل مكة يوم
الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما تجعل يطعنها بعود فى يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل
تجعل الصنم ينكب على وجهه)) وقوله (إن الباطل كان زهوقا) يعنى أن الباطل وإن اتفقت له
دولة وصولة إلا أنها لا تبقى بل تزول على أسرع الوجوه والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا

٣٥
قوله تعالى : وإذا أنعمنا على الانسان. سورة الإِسراء .
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَْنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَعُوسًاً
قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (8﴾
خماراً. وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونآى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا. قل كل يعمل
على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾
إعلم أنه تعالى لما أطنب فى شرح الالهيات والنبوات والحشر والمعاد والبعث وإثبات
القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ونبه على مافيها من الأسرار، وإنما ذكر كل ذلك فى
القرآن أتبعه بيان كون القرآن شفاء ورحمة فقال ( وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة ) ولفظة
من هاهنا ليست للتبعيض بل هى للجنس كقوله ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان) والمعنى وننزل
من هذا الجنس الذى هو قرآن ماهو شفاء. لجميع القرآن شفاء للؤمنين، واعلم أن القرآن
شفاء من الأمراض الروحانية، وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية ، أما كونه شفاء من
الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة
والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فساداً الاعتقادات. الفاسدة فى الالهيات
والنبوات والمعاد والقضاء والقدر والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق فى هذه
المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ فى
هذه المطالب والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما فى هذه المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة
لاجرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحانى. وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن
مشتمل على تفصيلها وتعريف مافيها من المفاسد والارشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة والأعمال
المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض
الروحانية ، وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض.
ولما اعترف الجمهور من الفلاسعه وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى المجهولة والعزائم التى
لايفهم منها شىء آثاراً عظيمة فى تحصيل المنافع ودفع المفاسد، فلأن تكون قراءة هذا القرآن
العظيم المشتمل على ذكر جلال الله وكبريائه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة والشياطين
سباً لحصول النفع فى الدين والدنيا كان أولى ويتأكد ما ذكرنا بما روي أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال ((من لم يستشف بالقرآن فلاشفاه الله تعالى)) وأما كونه رحمة للمؤمنين فأعلم أنا بينا أن
الأرواح البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والقرآن قسمان بعضهما يفيد

٣٦
قوله تعالى : وإذا أنعمنا على الانسان . سورة الإسراء .
الخلاص عن شبهات الضالين وتمويهات المبطلين وهو الشفاء. وبعضهما يفيد تعليم كيفية
اكتساب العلوم العالية، والأخلاق الفاضلة التى بها يصل الانسان الى جوار رب العالمين،
والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين وهو الرحمة ، ولما كان إزالة المرض مقدمة على السعى فى
تكميل موجبات الصحة لاجرم بدأ الله تعالى فى هذه الآية بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة،
وأعلم أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بين كونه سببا للخسار والضلال فى
حق الظالمين والمراد به المشركون وإنما كان كذلك لأن سماع القرآن يزيدهم غيظا وغضباً وحقدا
وحسداً وهذه الأخلاق الذميمة تدعوهم إلى الأعمال الباطلة وتزيد فى تقوية تلك الأخلاق الفاسدة
فى جواهر نفوسهم ثم لا يزال الخلق الخبيث النفسانى يحمل على الأعمال الفاسدة والإتيان بتلك
الأعمال يقوى تلك الأخلاق فيهذا الطريق يصير القرآن سبباً لتزايد هؤلاء المشركين الضالين
فى درجات الخزى والضلال والفساد والنكالى ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلى فى وقوع هؤلاء
الجاهلين الضالين فى أودية الضلال ومقامات الخزى والنكال وهو حب الدنيا والرغبة فى المال
والجاه واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم واجتهادهم فقال ( وإذا أنعمنا على الانسان
أعرض ونآی بجانبه ) وفيه مباحث :
﴿ الأول) قال ابن عباس رضى الله عنهما: إن الانسان هاهنا هو الوليد بن المغيرة وهذا
بعيد ، بل المراد أن نوع الانسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل الى مطلوبه اغتر وصار
غافلا عن عبودية اللّه تعالى متمردا عن طاعة الله كما قال (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)
﴿ البحث الثانى) قوله أعرض أى ولى ظهره أى عرضه إلى ناحية ونآى بجانبه أى تباعد
ومعنى النأى فى اللغة البعد والاعراض عن الشىء أن يوليه عرض وجهه والنأى بالجانب أن يلوى
عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفى قوله نأى قراءات (إحداها)
وهى قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفى حم السجدة مثله وهى اللغة الغالبة والنأى البعد يقال
نأى أى بعد (وثانيها) قراءة ابن عامر ناء وله وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء فى رأى
ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض ( وثالثها) قراءة حمزة والكسانى بامالة الفتحتين وذلك لأنهم
أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون إتباعا للكسرة مثل رأى (ورابعها) قرأ أبو عمرو وعاصم
فى رواية أبى بكر ونصير عن الكسائى وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة على الأصل فى فتح
النون وإمالة الهمزة. ثم قال تعالى: (وإذا مسه الشر كان يؤوسا) أى إذا مسه فقر أو مرض
أو نازلة من النوازل كان يؤوساً شديد اليأس من رحمة الله (ولا ييأس من روح الله إلا
القوم الكافرون) والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسى ذكر الله، وإن بقى فى الحرمان
عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبداً عن
ذكر الله ونظيره قوله تعالى ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن)

٣٧
قوله تعالى : ويسألونك عن الزوح . سورة الإسراء .
وَيَسْعَلُونَكَ عَنِ الْرُوجِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَصْرِ رَبِ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
٨٥
إلى قوله (ربى أهانن) وكذلك قوله ( إلإن انسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسبه
الخير منوعا) ثم قال تعالى ( قل كل يعمل على شاكلته) قال الزجاج الشاكلة الطريقة والمذهب.
والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أى يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذى يقوى عندى
أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) وفيهوجه آخروهو أن المراد
أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فان كانت نفسه نفساً مشرقة خيرة
طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفساً كدرة نذلة خبيئة مضلة ظلانية
صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة ، وأقول: العقلاء اختلفوا فى أن النفوس الناطقة البشرية هل هى
مختلفة بالماهية أم لا؟ منهم من قال إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل
اختلاف جواهرها وماهياتها، ومنهم من قال إنها متساوية فى الماهية واختلاف أفعالها لأجل
اختلاف أمزجتها . والمختار عندى هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك ، وذلك لأنه تعالى بين فى
الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد
الخسار والخزى ثم أتبعه بقوله ( قل كل يعمل على شاكلته) ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة
أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار
الخزى والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه . وهذا
الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية
يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال
ونكال على نكال .
قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾
إعلم أنه تعالى لما ختم الآية المتقدمة بقوله (كل يعمل على شاكلته) وذكرنا أن المراد منه
مشاكلة الأرواح للأفعال الصادرة عنها وجب البحثهاهنا عن ماهية الروح وحقيقته فلذلك سألوا
عن الروح وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ المفسرين فى الروح المذكورة فى هذه الآية أقوال أظهرها أن المراد منه
الروح الذى هو سبب الحياة، روى أن اليهود قالوا لقريش اسألوا محمداً عن ثلاث فان أخبركم
باثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نى: اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح
فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الثلاثة فقال عليه السلام غداً أخبركم ولم يقل إن شاء

٣٨
قوله تعالى : ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
الله فانقطع عنه الوحى أربعين يوماً ثم نزل الوحى بعده ( ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غداً إلا
أن يشاء الله) ثم فسر لهم قصة أصحاب الكهف وقصة ذى القرنين وأبهم قصة الروح ونزل فيه
قوله تعالى ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى) وبين أن عقول الخلقةـة عن معرفة
حقيقة الروح فقال ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ومن الناس من طعن فى هذه الرواية من
وجوه (أولها ) أن الروح ليس أعظم شأناً ولا أعلى مكاناً من الله تعالى فإذا كانت معرفة الله تعالى
ممكنة بل حاصلة فأى مانع يمنع من معرفة الروح ( وثانيها) أن اليهود قالوا إن أجاب عن قصة أصحاب
الكهف وقصة ذى القرنين ولم يجب عن الروح فهو فى وهذا كلام بعيد عن العقل لأن قصة
أصحاب الكهف وقصة ذى القرنين ليست إلا حكاية من الحكايات وذكر الحكاية يمتنع أن يكون
دليلا على النبوة وأيضا فالحكاية التى يذكرها إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته أو بعد العلم بنبوته فان
كان قبل العلم بنبوته كذبوه فيها وإن كان بعد العلم بنيوته فيفئذ صارت نبوته معلومة قبل ذلك فلا
فائدة فى ذكر هذه الحكاية. وأما عدم الجواب عن حقيقة الروح فهذا يبعد جعله دليلا على صحة
النبوة ( وثالثها) أن مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة وأراذل المتكلمين فلو قال الرسول صلى
الله عليه وسلم إنى لا أعرفها لأورث ذلك ما يوجب التحقير والتنفير فان الجهل بمثل هذه المسألة
يفيد تحقير أى انان كان فكيف الرسول الذى هو أعلم العلماء وأفضل الفضلاء (ورابعها) أنه
تعالى قال فى حقه ( الرحمن علم القرآن) ( وعلك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيما)
و قال ( وقل رب زدنى علما ) وقال فى صفة القرآن ( ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين)،
وكان عليه السلام يقول (( أرنا الأشياء كما هى)) فمن كان هذا حاله وصفته كيف يليق به أن يقول
أنا لا أعرف هذه المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة بين جمهور الخلق بل المختار عندنا
أنهم سألوه عن الروح وأنه صلى الله عليه وسلم أجاب عنه على أحسن الوجوه وتقريره أن المذكور
فى الآية أنهم سألوه عن الروح والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة (أحدما) أن يقال
ماهية الروح أهو متحيز أو حال فى المتحيز أو موجود غير متحيز ولاحال فى التحيز ( وثانيها ) أن
يقال الروح، قديمة أو حادثة (وثالثها) أن يقال الأرواح هل تبقى بعد موت الأجسام أو تغنى
(ورابعها ) أن يقال ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة،
وقوله ( يسألونك عن الروح ) ليس فيه ما يدل على أنهم عن هذه المسائل سألوا أو عن غيرها إلا
أنه تعالى ذكرله فى الجواب عن هذا السؤال قوله (قل الروح من أمر ربى) وهذا الجواب لا يليق إلا
بمسألتين من المسائل التى ذكر ناها إحداهما السؤال عن ماهية الروح والثانية عن قدمها وحدوثها.
﴿ أما البحث الأول ) فهم قالوا ماحقيقة الروح وماهيته؟ أهو عبارة عن أجسام موجودة
فى داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع والاخلاط ، أو هو عبارة عن نفس هذا المزاج
والتركيب أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام، أوهو عبارة عن موجود يغاير هذه.

٣٩
قوله تعالى: ويسألونك عن الروح . سورة الإسراء .
الأجسام والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنه موجود مغاير لهذه الأجسام ولهذه الأعراض وذلك.
لأن هذه الأجسام أشياء تحدث من امتزاج الاخلاط والعناصر، وأما الروح فانه ليس كذلك بل
هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله (كن فيكون ) فقالوا لم كان شيئاً مغايراً لهذه
الأجسام ولهذه الأعراض فأجاب الله عنه بأنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره فى إفادة
الحياة لهذا الجسد ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فان أكثر حقائق الأشياء وماهياتها
مجهولة. فانا نعلم أن السكنجبين له خاصية تقتضى قطع الصفراء فأما إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك
الخاصية وحقيقتها المخصوصة فذاك غير معلوم فثبت أن أكثر الماهيات والحقائق مجهولة ولم يلزم
من كونها مجهولة نفيها فكذلك هاهنا وهذا هو المراد من قوله ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
﴿ وأما المبحث الثانى) فهو أن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل قال تعالى (وما أمر فرعون
برشيد) وقال (فلما جاء أمرنا) أى فعلنا فقوله ( قل الروح من أمر ربى) أى من فعل ربى وهذا
الجواب يدل على أنهم سألوه أن الروح قديمة أو حادثة فقال بل هى حادثة وإنما حصلت بفعل الله
وتكوينه وإيجاده ثم احتج على حدوث الروح بقوله ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) يعنى أن
الأرواح فى مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم يحصل فيها العلوم والمعارف
فهى لاتزال تكون فى التغيير من حال إلى حال وفى التبديل من نقصان الى كمال والتغيير والتبديل
من أمارات الحدوث فقوله ( قل الروح من أمر ربى) يدل على أنهم سألوه أن الروح هل هى
حادثة فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق اللّه وتكوينه وهو المراد من قوله ( قل الروح من أمر
ربى ) ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال وهو المراد من قوله ( وما
أوتيتم من العلم إلا قليلا) فهذا ما نقوله فى هذا الباب والله أعلم.
المسألة الثانية) فى ذكر سائر الأقوال المقولة فى نفس الروح المذكورة فى هذه الآية.
إعلم أن الناس ذكروا أقوالا أخرى سوى ما تقدم ذكره (فالقول الأول) أن المراد من هذا
الروح هو القرآن قالوا وذلك لأن الله تعالى سمى القرآن فى كثير من الآيات روحا واللائق
بالروح المسئول عنه فى هذا الموضع ليس إلا القرآن فلا بد من تقرير مقامين (المقام الأول)
تسمية الله القرآن بالروح يدل عليه قوله تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) وقوله
( ينزل الملائكة بالروح من أمره ) وأيضا السبب فى تسمية القرآن بالروح أن بالقرآن تحصل
حياة الأرواح والعقول لأن به تحصل معرفة الله تعالى ومعرفة ملائكته ومعرفة كتبه ورسله
والأرواح إنما تحيا بهذه المعارف وتمام تقرير هذا الموضع ذكرناه فى تفسير قوله ( ينزل
الملائكة بالروح من أمره) (وأما بيان المقام الثانى) وهو أن الروح اللائق بهذا الموضع هو
القرآن لأنه تقدمه قوله ( وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ) والذى تأخر عنه
قوله ( ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك) إلى قوله (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على
:

٤٠
قوله تعالى: ويسالونك عن الروح . سورة الإسراء .
أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) فلما كان ما قبل هذه الآية
فى وصف القرآن وما بعدها كذلك وجب أيضا أن يكون المراد من هذا الروح القرآن حتى
تكون آيات القرآن كلها متناسبة متناسقة وذلك لأن القوم استعظموا أمر القرآن فسألوا
أنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر
وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله فقال ( قل الروح من أمر ربى) أى القرآن ظهر بأمر
ربى وليس من جنس كلام البشر (القول الثانى) أن الروح المسئول عنه فى هذه الآية ملك من ملائكة
السموات وهو أعظمهم قدراً وقوة وهو المراد من قوله تعالى ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا)
ونقلوا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون
ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك.
اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة قالوا ولم يخلق الله
تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش ولو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع
ومن فيهن بلقمة واحدة لفعل، ولقائل أن يقول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه (الأول )
أن هذا التفصيل لما عرفه على، فالنبى أولى أن يكون قد عرفه فلم لم يخبرهم به ، وأيضا أن عليا
ما كان ينزل عليه الوحى، فهذا التفصيل ماعرفه الا من النبى صلى الله عليه وسلم فلم ذكر الذى
صلى الله عليه وسلم ذلك الشرح والبيان لعلى ولم يذكره لغيره (الثانى) أن ذلك الملك إن كان
حيوانا واحدا وعاقلا واحداً لم يكن فى تكثير تلك اللغات فائدة وإن كان المتكلم بكل واحدة
من تلك اللغات حيوانا آخر لم يكن ذلك ملكا واحدا بل يكون ذلك مجموع ملائكة ( والثالث)
أن هذا شىء مجهول الوجود فكيف يسأل عنه ، أما الروح الذى هو سبب الحياة فهو شىء
تتوفر دواعى العقلاء على معرفته فصرف هذا السؤال اليه أولى ( والقول الرابع ) وهو قول الحسن
وقتادة أن هذا الروح جبريل والدليل عليه أنه تعالی سمی جبريل بالروح فى قوله( نزل به
الروح الأمين على قلبك) وفى قوله ( فأرسلنا اليها روحنا ) ويؤكد هذا أنه تعالى قال ( قل
الروح من أمر ربى) [فى جبريل] وقال [حكاية عن] جبريل ( وما نتنزل إلا بأمر ربك) فسألوا
الرسول كيف جبريل فى نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحى اليه ( والقول الخامس ) قال مجاهد
الروح خلق ليسوا من الملائكة على صورة بنى آدم يأكلون ولهم أيد وأرجل ورؤوس وقال
أبو صالح يشبهون الناس وليسوا بالناس ولم أجد فى القرآن ولا فى الأخبار الصحيحة شيئاً يمكن
التمسك به فى إثبات هذا القول وأيضا فهذا شىء مجهول فيبعد صرف هذا السؤال اليه نحاصل
ماذكر ناه فى تفسير الروح المذكور فى هذه الآية هذه الأقوال الخمسة والله أعلم بالصواب.
المسألة الثالثة)، فى شرح مذاهب الناس فى حقيقة الانسان ، إعلم أن العلم الضرورى
حاصل بأن هاهنا شيئاً اليه يشير الانسان بقوله أنا وإذا قال الانسان علمت وفهمت وأبصرت