النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّزى الصََّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَفَاتِعِ الغَيْب للإمَامِ حَّ الَّزى مخز الّين ابن العلامة ضياءالدين عمر الشّهر بخطِ الرى نفع اللهباليمين ٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام الجُرُءُالْجَلِّوَالُوْ دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع : حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع: لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي قوله تعالى : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . سورة الإسراء ٣ بِسْـ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِسَ قَالَ ءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ ◌ِينً (ي قَالَ أَرَيْتَكَ هَذَا الَّذِىِ ◌ّكَّمْتَ عَ لَيْ أَنَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتِكُنَّ ذُرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٢﴾ قَالَ أَذْهَبْ لَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَّمَ بَزَاؤُ كُمْ بَجَآءَ مَّوْفُورًا ٦٣ بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طيناً، قال أرأيتك هذا الذى كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا. قال أذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً ﴾ فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ فى كيفية النظم وجوه (الأول) إعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك. ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم، ثم إنه كان فى محنة شديدة من إبليس ( الثانى ) أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة الغالية، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول فى الكفر ، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق ( والثالث ) أنه تعالى لما وصفهم بقوله ( فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً) بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس (لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم ، فهذا هو الكلام فى كيفية النظم. ﴿ المسألة الثانية ﴾ إعلم أن هذه القصة قد ذكرها الله تعالى فى سور سبعة، وهى: البقرة والاعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم فى البقرة والأعراف والحجر فلا فائدة فى الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل : ٤ قوله تعالى : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . سورة الإسراء . المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكا الأرض على التخصيص؟ فظاهر لفظ الملائكة يفيد العموم إلا أن قوله تعالى فى آخر سورة الأعراف فى صفة ملائكة السموات (وله يسجدون) يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم . ﴿ المسألة الثانية﴾ أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية، وعلى التقدير الأول فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو اللّه تعالى وآدم كان قبلة الجود ؟. ﴿ المسألة الثالثة) أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا؟ وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله؟. ﴿ المسألة الرابعة) هل كان إبليس كافراً من أول الأمر أو يقال إنما كفر فى ذلك الوقت؟ المسألة الخامسة ﴾ الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كمات حياته أو بعد ذلك. شبهة إبليس فى الامتناع من السجود أهو قوله ( أأسجد لمن خلقت المسألة السادسة طيناً ) أو غيره. ﴿ المسألة السابعة) دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفاً بربه، إلا أنه وقع فى الكفر بسبب الكبر والحسد، ومنهم من أنكر وقال ما عرف اللّه البتة . ﴿ المسألة الثامنة ﴾ ما سبب حكمة إمهال ابليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة ؟. ولنرجع إلى التفسير فنقول: إنه تعالى حكى فى هذه الآية عن إبليس نوعا واحداً من العمل ونوعين من القول، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المزاد من قوله (فسجدوا إلا إبليس) وأما النوعان من القول؟ فأولهما قوله (أأسجد لمن خلقت طيناً) وهذا استفهام بمعنى الانكار معناه أن أصلى أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه، والأشرف يقبح فى العقول أمره بخدمة الأدنى ( والنوع الثانى من كلامه) قوله (أرأيتك هذا الذى كرمت على) قال الزجاج: قوله ( أرأيتك ) معناه أخبرنى، وقد استقصينا فى تفسير هذه الكلمة فى سورة الأنعام . وقوله ( هذا الذى كرمت على) فيه وجوه (الأول) معناه: أخبرنى عن هذا الذى فضلته على لم فضلته على وأنا خير منه؟ ثم اختصر الكلام لكونه مفهوماً (الثانى) يمكن أن يقال هذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام ، والذى مع صلته خبر، تقديره أخبرنى أهذا الذى كرمته على! وذلك على وجه الاستصغار والاستحقار، وإنما حذف حرف الاستفهام لأن حصوله فى قوله قوله تعالى : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . سورة الإسراء . ٥ (أرأيتك) أغنى عن تكراره (والوجه الثالث) أن يكون هذا مفعول أرأيت لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها، كأنه قال على وجه التعجب والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذى كرمت على، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه على، هذا هو حقيقة هذه الكلمة. ثم قال تعالى حكاية [عنه] ( لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأ حتنكن ذريته إلا قليلا) وفيه مباحث: ﴿البحث الأول ) قرأ ابن كثير (ان أخرتنى إلى يوم القيامة) باثبات الياء فى الوصل والوقف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى بالحذف ونافع وأبو عمرو بإثباته فى الوصل دون الوقف . ( البحث الثانى) فى الاحتناك قولان (أحدهما) أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ، يقال: احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاء وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أ كله بالكلية ( والثانى) أنه من قول العرب حنك الدابة يحتكها، إذا جعل فى حنكها الأسفل حبلا يقودهابه، وقال أبومسلم: الاحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه، فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء. وعلى القول الثانى لا قودنهم إلى المعاصى كما تقاد الدابة بحبلها . ﴿البحث الثالث) قوله ( إلا قليلا) هم الذين ذكرهم الله تعالى فى قوله ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ) فان قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ قلنا فيه وجوه (الأول) أنه سمع الملائكة يقولون ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فعرف هذه الأحوال (الثانى) أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزماً (١) فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله فى ضعف العزم (الثالث ) أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبه، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعنى الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هى المسئولية فى أول الخلقة، ثم إن القوة العقلية إنما تكل فى آخر الأمر، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازماً ، واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذى هو نقيض المجىء وإنما معناه امض لشأنك الذى اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه. ثم قال (فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً) ونظيره قول موسى عليه الصلاة (١) هذا الوجه يتعارض مع نص الآية الكريمة وهى قول الله تعالى لملائكته المكرمين (فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له سا جدين فسجد الملائكة) سورة الحجر. فالآية تنص على أن الأمر بالسجود والسجود كان قبل الوسوسة ولو أن الوسوسة كانت قبل السجود، لترتب عليه أن يكون الملائكة كلهم أجمون قدجدوا لآدم بعد المعصية وهوأمر لا يليق ولا يتصورفاتفى هذا الوجه. ٦ قوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم : سورة الإسراء . وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ أَسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبُ عَلَيْهِم ◌ِخَيْلِكَ وَرَجِكَ وَشَارِكُهُمْ فِ آلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَ يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (﴾ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ٦٥ والسلام (فاذهب فان لك فى الحياة أن تقول لامساس) فإن قيل أليس الأولى أن يقال: فان جهنم جزاؤهم جزاء موفوراً. ليكون هذا الضمير راجعاً إلى قوله (فمن تبعك)؟. قلنا فيه وجوه (الأول) التقدير فان جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم (والثانى) يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الإلتفات (والثالث) أنه يؤلتع قال ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )) فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل . فلما كان إبليس هو الأصل فى كل المعاصى صار المخاطب بالوعيد هو إبليس ، ثم قال (جزاء موفوراً ) وهذه اللفظة قد تجىء متعدياً ولازماً، أما المتعدى فيقال: وفرته أفره وفراً [و] وفرة فهو موفور [و]موفر ، قال زهير : ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لايثق الشتم يشتم واللازم كقوله: وفر المال يفر وفوراً فهو وافر، فعلى التقدير (الأول) يكون المعنى جزاء موفوراً موفراً، وعلى (الثانى) يكون المعنى جزاء موفوراً وافراً، وانتصب قوله (جزاء) على المصدر . قوله تعالى: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ﴾ اعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فائله تعالى ذكر أشياء ( أولها) قوله (اذهب) ومعناه: أمهلتك هذه المدة (وثانيها) قوله تعالى ( واستفزز من استطعت منهم بسوطك) يقال أفزه الخوف واستفزه أى أزعجه واستخفه، ٧ قوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم . سورة الإسراء . وصوته دعاؤه إلى معصية الله تعالى، وقيل أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد كما يقال اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك (وثالثها) ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) فى قوله ( وأجلب) وجوه (الأول) قال الفراء: إنه من الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة والشفق، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح ( الثانى) مال الزجاح فى فعل زأفعل، أجلب على العدو إجلاباً إذا جمع عليه الخيول ( الثالث) قال ابن السكت يفال م يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه (والرابع) روى ثعلب عن ابن الأعرابى أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع. فقوله وأجلب عليهم. معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج: اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء فى قوله: بخيلك زائدة على هذا القول، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا أيضاً يقرب من قول ابن الأعرابى، واختلفوا فى تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال ((كل راكب أو راجل فى معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده» ويدخل فيه كل راكب وماش فى معصية الله تعالى، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه فى الدعاء إلى المعصية ( والقول الثانى) يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل ( والقول الثالث ) أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد فى الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب، والخيل تقع على الفرسان قال عليه الصلاة والسلام ((ياخيل الله اركبى)) وقد تقع على الأفراس خاصة، والمراد ههنا الأول والرجل جمع راجل کما قالوا تاجر وتجر وصاحب ومحب ورا کب ور کب، وروى حفص عن عاصم ورجلك بكسر الجيم وغيره بالضم، قال أبو زيد يقال رجل ورجل بمعنى واحد ومثله حدث وحدث وندس وندس ، قال ابن الأنبارى: أخبرنا ثعلب عن الفراء قال يقال رجل ورجل ورجلان بمعنى واحد ( والنوع الرابع) من الأشياء التى ذكرها الله تعالى لإبليس قوله (وشاركهم فى الأموال والأولاد) نقول: أما المشاركة فى الأموال فهى عبارة عن كل تصرف قبيح فى المال سواءكان ذلك القبيح بسبب أخذه من غیر حقه أو وضعه فى غير حقه ويدخل فيهالريا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة، وهكذا قاله القاضى وهو ضبط حسن، وأما المفسرون فقد ذكروا وجوماً قال قتادة: المشاركة فى الأموال هى أن جعلوا بحيرة وسائبة، وقال عكرمة هى عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام، وقيل هى أن جعلوا من أموالهم شيئاً لغير ٨ قوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم . سورة الإِسراء . اللّه تعالى كما قال تعالى ( فقالوا هذا له بزعمهم وهذا لشركائنا) والأصوب ما قاله القاضى، وأما المشاركة فى الأولاد فذكروا فيه وجوهاً (أحدها) أنها الدعاء إلى الزنا، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد، ويمكن أن يجاب منه بأن المراد وشاركهم فى طريق تحصيل الولد وذلك بالدعاء إلى الزنا (وثانيها) أن يسموا أولادهم بعد اللات وعبد العزى (وثالثها ) أن يرغبوا أولادهم فى الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما (ورابعها) إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم ( وخامسها) ترغيهم فى حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم فى القتل والقتال والحرف الخبيئة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء فى ولد، على وجه يؤدى إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه .. ( والنوع الخامس) من الأشياء التى ذكرها الله تعالى لإبليس فى هذه الآية قوله (وعدم)، واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب فى الاعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الاعتقاد الحق والعمل الحق ، ومعلوم أن الترغيب فى الشىء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لاضرر البتة فى فعله ومع ذلك فانه يفيد المنافع العظيمة ، والتنفير عن الشىء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لافائدة فى فعله، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة ، إذا ثبت هذا فنقول: إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لامضرة فى فعله البتة، وذلك إنما يمكن إذا قال لامعاد ولا جنة ولا نار، ولا حياة بعد هذه الحياة ، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لامضرة البتة فى فعل هذه المعاصى ، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعاً من اللذة والسرور ولا حياة الانسان فى هذه الدنيا إلا به ، فتفويتها غبن وخسران كما قال الشاعر: فكل وإن طال المدى يتصرم خذوا بنصيب من سرور ولذة فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية ، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولا عنده أنه لافائدة فيه وتقريره من وجهين ( الأول) أن يقول لاجنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب ( والثانى) أن هذه العبادات لافائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبئاً محضاً فيهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الانسان أنه لا فائدة فيها، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار، فهذه مجامع تلبيس الشيطان، فقوله (وعدم) يتناول كل هذه الأقسام، قالـ المفسرون قوله (وعدهم) أى بأنه لاجنة ولا نار، وقال آخرون (وعدم) بتسويف التوبة، وقال آخرون (وعدهم) بالأمانى الباطلة مثل قوله لآدم (مانها كما ربه عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ٩ قوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم . سورة الإسراء . أو تكونا من الخالدين) وقال آخرون: وعدهم بشفاعة الأصنام عندالله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل، وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة فى الضبط الذى ذكرناه وإن أردت الاستقصاء فى هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين الشيخ للغزالى حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس ، واعلم أن الله تعالى لما قال (وعدم) أردفه بما يكون زاجراً عن قبول وعده فقال ( وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلى الدرجة، ولا يدعو البتّة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة (أحدما) أنها فى الحقيقة ليست لذات بل هى خلاص عن الآلام (وثانيها) وإن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس وغيرها ( وثالثها) أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض (ورابعها) أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة (وخامسها) أن لذات البطن والفرج لاتتم إلا بمزاوالة رطوبات عفنة مستقذرة ( وسادسها) أنها غير باقية بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت . فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخالفات الجسيمة ، كان الترغيب فيها تغريراً، ولهذا المعنى قال تعالى ( وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان) وفيه قولان : ( الأول ) أن المراد کل عباد الله من المكلفین، وهذا قول أبى على الجبائى، قال والدليل عليه أن الله تعالى استثنى منه فى آيات كثيرة من يتبعه بقوله ( إلا من اتبعك) ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع الناس وتخبيط عقولهم وأنه لا قدرة له إلا على قدر الوسوسة وأكد ذلك بقوله تعالى ( وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجيتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم). وأيضاً فلو قدر على هذه الأعمال لكان يجب أن يتخبط أهل النسق وأهل العلم دون سائر الناس ليكون ضرره أعظم. ثم قال ران ايدول عقله لا من جهة الشيطان لكن لغلبة الأخلاط الفاسدة ولا يمتنع أن يكون أحد أسباب ذلك المرض اعتقاد. أن الشيطان يقدم عليه فيغلب الخوف عليه فيحدث ذلك المرض . (والفول الثانى) أن المراد بقوله (إن عبادى) أهل الفضل والعلم والإيمان لما بينا فيما تقدم ٠ ١٠١١ ١٠ قوله تعالى : ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر . سورة الإسراء . رَّبُّكُ الَّذِى يُزِْى لَكُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِةٍ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً أن لفظ العباد فى القرآن مخصوص بأهل الإيمان، والدليل عليه أنه قال فى آية أخرى (إنما سلطانه على الذين يتولونه) ثم قال ( وكفى بربك وكيلا) وفيه بحثان: ﴿البحث الأول) أنه تعالى لمامکن إبليس من أن یأتی بأقصى مايقدر عليه فىباب الوسوسة، وكان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد فى قلب الانسان قال (وكفى بربك وكيلا) ومعناه أن الشيطان وإن كان قادرا فالله تعالى أقدر منه وأرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغرائه . ﴿البحث الثانى﴾ مذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الانسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة، لأنه لو كان الاقدام على الحق والاحجام عن الباطل إنما يحصل للانسان من نفسه لوجب أن يقال: وكفى الانسان نفسه فى الاحتراز عن الشيطان، فلا لم يقل ذلك بل قال (وكفى بربك) علمنا أن الكل من اللّه، ولهذا قال المحققون: لاحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله . بقى فى الآية سؤالان: ﴿السؤال الأول) أن إبليس هل كان عالما بأن الذى تكلم معه بقوله (واستفزز من استطعت منهم) هو إله العالم أو لم يعلم ذلك؟ فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال (فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا) فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعاً له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟ وإن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم ، فكيف قال (أرأيتك هذا الذى كرمت على) والجواب: لعله كان شاكا فى الكل أو كان يقول فى كل قسم مايخطر بباله على سبيل الظن. ﴿ والسؤال الثانى) ما الحكمة فى أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من الوسوسة؟ والحكيم إذا أراد أمرا وعلم أن شيئا من الأشياء يمنع من حصوله فانه لا يسعى فى تحصيل ذلك المانع . والجواب: أما مذهبنا فظاهر فى هذا الباب، وأما المعتزلة فلهم قو لان: قال الجبائى: علم اللّه تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس، وإذا كان كذلك لم يكن فى وجوده مزيد مفسدة ، وقال أبو هاشم: لا يبد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلا أنه تعالى أبقله تشديدا للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب، وهذان الوجهان قد ذكرناهما فى سورة الأعراف والحجر، وبالغنا فى الكشف عنهما، والله أعلم. قوله تعالى : ﴿ ربكم الذی یزجی لكم الفلك فی البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ١١ قوله تعالى : وإذا مسكم الضر في البحر . سورة الإِسراء . وَإِذَا مَسَّكُ الضُُّ فِ اَلْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ فَلَّا نَجَّتَكُمْ إِلَى الْبَرِّ ٦٦ أَعْرَضْ وَكَانَ الْإِنَنُ كَفُورًا ﴾ أَقَلِتُمْ أَنْ يَخِفَ بِكُ جَائِبَ الْبَرِ أَوْ يُرِلَ ◌َلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّلَِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا ﴾ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِدَ كُمْ فِهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًّا مِنَ الرِّيَجِ فَيُغرِقَكُ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَ لَجِدُ واْلَكُمْ عَلَيْنَ بِهِ تَبِعًا ٦٩ وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم الى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا أفأمنتم أن تخسف بكم جانب البر أو نرسل عليكم حاصبا ثم لاتجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن نعيدكم فيه تارة أخرى فترسل عليكم قاصفا من الريح فنغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا أعلم أنه تعالى عاد الى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته، وقد ذكرنا أن المقصود الأعظم فى هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد ، فاذا امتد الكلام فى فصل من الفصول عاد الكلام بعده الى ذكر دلائل التوحيد ، والمذكور ههنا الوجوه المستنبطة من الانعامات فى أحوال ركوب البحر . ﴿فالنوع الأول) كيفية حركة الفلك على وجه البحروهو قوله (ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر) والازجاء سوق الشىء حالا بعد حال، وقد ذكرنا ذلك فى تفسير قوله ( ببضاعة مزجاة) والمعنى : ربكم الذى يسير الفلك على وجه البحر لتبتغوا من فضله فى طلب التجارة إنه كان بكم رحيما، والخطاب فى قوله (ربكم) وفى قوله (إنه كان بكم) عام فى حق الكل ، والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها . ﴿ والنوع الثانى) قوله (وإذا مسكم الضر فى البحر) والمراد من الضر، الخوف الشديد كوف الغرق (ضل من تدعون إلا إياه) والمراد أن الانسان فى تلك الحالة لا يتضرع الى الصنم والشمس والقمر والملك والفلك. وإنما يتضرع الى الله تعالى، فلما نجاكم من الغرق والبحر وأخرجكم الى البر أعرضتم عن الايمان والاخلاص (وكان الانسان كفورا) لنعم الله بسبب أن عند الشدة ١٢ قوله تعالى: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر . سورة الإسراء يتمسك بفضله ورحمته ، وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره. ﴿ والنوع الثالث) قوله (أفأمنتم أن نخسف بكم جانب البر) قال الليث: الخسف والخسوف هو دخول الشىء فى الشىء. يقال: عين خاسفة وهى التى غابت حدقتها فى الرأس ، وعين من الماء خاسفة أى غائرة الماء، وخسفت الشمس أى احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت فى جحر . فقوله (أن نخف بكم جانب البر) أى نغيبكم فى جانب البر وهو الأرض، وانما قال (جانب البر) لأنه ذكر البحر فى الآية الأولى فهو جانب ، والبر جانب ، خبر الله تعالى أنه کما قدر على أن يغيهم فى الما فهو قادر أيضا على أن يغيهم فى الأرض، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب، وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر فى الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول البحر، فلما نجاهم منه آمنوا، فقال هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من هول البر؟ فانه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت أو من جانب الفوق ، أما من جانب التحت فبالخسف ، وأما من جانب الفوق فبامطار الحجارة عليهم، وهو المراد من قوله (أونرسل عليكم حاصبا) فكما لا يتضرعون إلا إلى اللّه تعالى عند ركوب البحر، فكذلك يجب أن لا يتضرعوا إلا اليه فى كل الأحوال. ومعنى الحصب فى اللغة الرمى يقال: حصبت أحصب حصبا إذا رميت والحصب المرمى، ومنه قوله تعالى (حصب جهنم) أى يلقون فيها، ومعنى قوله (حاصبا) أى عذابا يحصبهم ، أى يرميهم بحجارة، ويقال للريح التى تحمل التراب والحصباء حاصب ، والسحاب الذى يرمى بالثلج والبرد يسمى حاصبا لأنه يرمى بهما رميا. وقال الزجاج: الحاصب التراب الذى فيه حصبا. والخاصب على هذا ذو الحصباء مثل اللابن والتامر وقوله (ثم لا تجدوا لكم وكيلا) يعنى لاتجدوا ناصرا ينصر كم ويصونكم من عذاب الله، ثم قال (أم أمنتم أن نعيد كم فيه) أى فى البحر تارة أخرى وقوله (فترسل عليكم قاصفا) من الريح القاصف الكاسر يقال: قصف الشىء يقصفه قصفا إذا كسره بشدة، والقاصف من الريح التى تكسر الشجر، وأراد ههناريحا شديدة تقصف الفلك وتغرقهم وقوله (فتغرقكم بما كفرتم) أى بسبب كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا. قال الزجاج: أى لاتجدوا من يتبعنا بانكار مانزل بكم بأن يصرفه عنكم، وتبيع بمعنى تابع. واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة: وهى قوله (أن نخسف. أونرسل. أونعيدكم. فترسل. فتغرقكم) قرأ ابن كثير وأبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون، والباقون بالياء، فمن قرأ بالياء، فلأن ماقبله على الواحد الغائب وهو قوله (إلا إياه فلما نجاكم) ومن قرأ بالنون فلان هذا البحر من الكلام ، قد ينقطع بعضه من بعض وهو سهل لأن المعنى واحد . ألاترى أنه قد جاء (وجعلناه ١٣ قوله تعالى : ولقد كرمنا بني آدم . سورة الإسراء . وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّءَادَمَ وَحَمَلْنَهُمْ فِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَئُهُمْ مِنَ الطََّتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِرٍ ثَمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ( ٧٠ هدى لبنى اسرائيل ألا تتخذوا من دونى وكيلا) فانتقل من الجمع إلى الأفراد وكذلك ههنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى واحد والكل جائز والله أعلم. قوله تعالى : ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا أعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم الله تعالى على الانسان وهى الأشياء التى بها فضل الانسان على غيره وقد ذكر الله تعالى فى هذه الآية أربعة أنواع: ﴿النوع الأول) قوله (ولقد كرمنا بني آدم) واعلم أن الانسان جوهر مركب من النفس، والبدن، فالنفس الانسانية أشرف النفوس الموجودة فى العالم السفلى، وبدنه أشرف الاجسام الموجودة فى العالم السفلى. وتقرير هذه الفضيلة فى النفس الانسانية هى أن النفس الانسانية قواها الأصلية ثلاث. وهى الاغتذاء والنمو والتوليد ، والنفس الحيوانية لها قوتان الحساسة سواء كانت ظاهرة أو باطنة، والحركة بالاختيار، فهذه القوى الخمسة أعنى الاغتذاء والنمو والتوليد والحس والحركة حاصلة النفس الانسانية ، ثم إن النفس الانسانية مختصة بقوة أخرى وهى القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هى . وهى التى يتجلى فيها نور معرفة الله تعالى ويشرق فيها ضوء كبريائه وهو الذى يطلع على أسرار عالمى الخلق والأمر ويحيط بأقسام مخلوقات الله من الأرواح والأجسام كما هى وهذه القوة من تلقيح الجواهر القدسية والأرواح المجردة الالهية، فهذه القوة لانسبة لها فى الشرف والفضل إلى تلك القوى الخمسة النباتية والحيوانية، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الانسانية أشرف النفوس الموجودة فى هذا العالم وإن أردت أن تعرف فضائل القوة العقلية ونقصانات القوى الجسمية ، فتأمل ما كتبناه فى هذا الكتاب فى تفسير قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) فانا ذكرنا هناك عشرين وجها فى بيان أن القوة العقلية أجل وأعلى من القوة الجسمية فلا فائدة فى الاعادة، وأمابيان أن البدن الانسانى أشرف أجسام هذا العالم، فالمفسرون إنماذكروا فى تفسير قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) هذا النوع من الفضائل وذكروا أشياء، أحدها: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله (ولقد كرمنا بني آدم) قال : كل شىء يأكل بفيه إلا ابن آدم فانه يأكل بيديه. وقيل : إن الرشيد أحضرت عنده أطعمة فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف ، فقال له : جاء فى ١٤ قوله تعالى : ولقد كرمنا بني آدم . سورة الإسراء . التفسير عن جدك فى قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) جعلنا لهم أصابع يأكلون, فرد الملاعق وأكل بأصابعه. وثانيها: قال الضحاك: بالنطق والتميز وتحقيق الكلام أن من عرف شيئا ، فاما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفا بذلك الشىء أو يقدر على هذا التعريف . ﴿أما القسم الأول) فهو حال جملة الحيوانات سوى الانسان، فإنه إذا حصل فى باطنها ألم أولذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفا تاما وافيا. ﴿ وأما القسم الثانى) فهو الانسان، فانه يمكنه تعريف غيره كل ماعرفه ووقف عليه وأحاط به فكونه قادرا على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقا ، وبهذا البيان ظهر أن الانسان الأخرس داخل فى هذا الوصف ، لأنه وإن عجز عن تعريف غيره مافى قلبه بطريق اللسان، فإنه يمكنه ذلك بطريق الاشارة وبطريق الكتابة وغيرهما ولا يدخل فيه الببغاء ، لأنه وإن قدر على تعريفات قليلة ، فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال والتمام. وثالثها: قال عطاء: بامتداد القارة . واعلم أن هذا الكلام غير تام لآن الأشجار أطول من قامة الانسان بل ينبغى أن يشترط فيه شرط ، وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية، والقوى الحسية والحركية. ورابعها: قال بيان بحسن الصورة، والدليل عليه قوله تعالى (وصوركم فأحسن صوركم) لما ذكر الله تعالى خلقة الانسان قال (فتبارك الله أحسن الخالقين) وقال (صبغة اته ومن أحسن من اللّه صبغة) وإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الانسان وهو العين خلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر، وليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك فى هذا الباب. وخامسها: قال بعضهم من كرامات الآدمى أن آتاه الله الخط. وتحقيق الكلام فى هذا الباب أن العلم الذى يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلا. أما إذا استنط الانسان علما وأودعه فى الكتاب ، وجاء الانسان الثانى واستعان بذلك الكتاب ، وضم اليه من عند نفسه أشياء أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون ، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات ، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتبة، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى (اقرأ وربك الأكرم الذى على بالقلم على الانسان مالم يعلم) وسادسها: أن أجسام هذا العالم إما بسائط وإما مركبات، أما البسائط فهى الأرض والماء ١٥ قوله تعالى : ولقد كرمنا بني آدم . سورة الإسراء . والهواء والنار. والانسان ينتفع بكل هذه الأربع، أما الأرض فهى لنا كالأم الحاضنة قال تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) وقد سماها الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا، وهى الفراش والمهد، والمهاد، وأما الماء فانتفاعنا به فى الشرب والزراعة والحرائة ظاهر، وأيضا سخر البحر لنأكل منه لحما طريا، ونستخرج منه حلية تلبسها ونرى الفلك مواخر فيه، وأما الهواء فهو مادة حياتنا ، ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة ، وأما النار فيها طبخ الأغذية والأشربة وتضجها، وهى قائمة مقام الشمس والقمر فى الليالى المظلمة، وهى الدافعة لضرر البرد كما قال الشاعر : ومن يرد فى الشتاء فاكهة فان تار الشتاء فاكهته وأما المركبات فهى إما الآثار العلوية، وإما المعادن والنبات ، وأما الحيوان والانسان كالمستولى على هذه الأقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل أقسامها فهذا العالم بأسره جار مجرى قرية معمورة أو خان معد وجميع منافعها ومصالحها مصروفة إلى الانسان والانسان فيه كالرئيس المخدوم، والملك المطاع وسائر الحيوانات بالنسبة اليه كالعبيد، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند الله بمزيد التكريم والتفضيل والله أعلم. وسابعها: أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام إلى ما حصلت له القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة الشهوانية الطبيعية وهم الملائكة ، وإلى مايكون بالعكس وم البهائم وإلى ماخلا عن القسمين وهو النبات والجمادات وإلى ماحصل النوعان فيه وهو الانسان، ولا شك أن الانسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية المحضة ، وللقوى الشهوانية البهيمية والغضبية والسبعية يكون أفضل من البهيمية ومن السبعية ، ولا شك أيضاً أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات والمعادن والجمادات ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الانسان على أكثر أقسام المخلوقات . بقى مهنا بحث فى أن الملك أفضل أم البشر؟ والمعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل أم البشر المستجمع لهاتين القوتين؟ وذلك بحث آخر وثامنها: الموجود إما أن يكون أزليا وأبديا معا وهو الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون لا أزليا ولا أبديا وهو عالم الدنيا مع كل مافيه من المعادن والنبات والحيوان، وهذا أخس الأقسام ، وإما أن يكون أزليا لاأبديا وهو الممتنع الوجود لأن ماثبت قدمه !متنع عدمه، وإما أن لا يكون أزليا ولكنه يكون أبديا، وهو الانسان والملك، ولاشك أن هذا القسم أشرف من القسم الثانى والثالث . وذلك يقتضى كون الانسان أشرف من أكثر مخلوقات الله تعالى. وتاسعها؛ العالم العلوى أشرف من العالم السفلى ، وروح الانسان من جنس الأرواح العلوية والجواهر القدسية فليس فى موجودات ١٦ قوله تعالى : وحملناهم في البر والبحر . سورة الإسراء . العالم السفلى شىء حصل فيه شىء من العالم العلوى إلا الانسان فوجب كون الانسان أشرف موجودات العالم السفلى. وعاشرها: أشرف الموجودات هو اللّه تعالى، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من اللّه تعالى أتم، وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله تعالى ولسانه مشرف بذكر الله وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله تعالى فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلى هو الانسان ، ولما ثبت أن الانسان ،وجود ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بايجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل للانسان من المراتب العالمة والصفات الشريفة فهى إنما حصلت باحسان الله تعالى وإنعامه فلهذا المعنى قال تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) ومن تمام كرامته على اللّه تعالى أنه تعالى لما خلقه فى أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم) ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته للانسان فقال (ولقد كرمنا بني آدم) ووصف نفسه بالكرم فى آخر أحوال الانسان فقال (يا أيها الانسان .اغرك بربك الكريم) وهذا يدل على أنه لانهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الانسان والله أعلم. ﴿ والوجه الحادى عشر) قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كز، فيكون . ومن كان مخلوقا بيد الله كانت العناية به أتم وأكمل ،وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بنى آدم أكرم وأكمل والله أعلم . ﴿النوع الثانى﴾ من المدائح المذكورة فى هذه الآية قوله (وحملناهم فى البر والبحر) قال ابن عباس فى البرعلى الخيل والبغال والحمير والابل وفى البحر على السفن، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور أولا ، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه، وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرها ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها مما يختص به ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الانسان فى هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع و کل ماسواه ههو رعيته وتبع له . (النوع الثالث) من المدائح قوله (ورزقناهم من الطيبات) وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، وكلا القسمين إنما يغتذى الانسان منه بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ، وذلك مما لا يحصل إلا للانسان . ﴿النوع الرابع) قوله (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) وههنا بحثان: ﴿البحث الأول) أنه قال فى أول الآية (ولقد كرمنا بني آدم) وقال فى آخرها (وفضلناهم) ١٧ قوله تعالى : يوم ندعو كل أناس بامامهم . سورة الإسراء . يَوْمَ ◌َدْعُواْ كُلّ أَنَاسٍ بِمَدِهِمْ ثَمَنْ أُوِىَ كِتَبَهُ بِمِينِهِ، فَأَوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فِلًا (﴾ وَمَن كَانَ فِى هَذِهٍِ أَغَى فَهُوَ فِ اْآَثْرَةِ أَغَى وَأَضَلُ سَبِيلًا ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار، والأقرب أن يقال : إنه تعالى فضل الانسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لا كتاب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، فالأول هو التكريم والثانى هو التفضيل . ﴿البحث الثانى) أنه تعالى لم يقل: وفضتناهم على الكل بل قال (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) فهذا يدل على أنه حصل فى مخلوقات الله تعالى شىء لا يكون الانسان مفضلا عليه، وكل من أثبت هذا القسم قال إنه هو الملائكة. فلزم القول بأن الانسان ليس أفضل من الملائكة بل الملك أفضل من الانسان، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار الزجاج على مارواه الواحدى فى البسيط. واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين: ﴿البحث الأول) أن الأنبياء عليهم السلام أفضل أم الملائكة؟ وقد سبق ذكر هذه المسألة بالاستقصاء فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ﴿والبحث الثانى) أن عوام الملائكة وعزام المؤمنين أيهما أفضل؟ منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة. واحتجواعليه بماروى عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكةربنا إنك أعطيت بنى آدم الدنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا ذاك فى الآخرة، فقال: وعزتى وجلالى لا أجعل ذرية من خلقت بيدى كمن قلت له (كن) فكان. وقال أبو هريرة رضى الله عنه: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. هكذا أورده الواحدى فى البسيط، وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الاطلاق فقد عولوا على هذه الآية ، وهو فى الحقيقة تمسك بدليل الخطاب لأن تقرير الدليل أن يقال : إن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال فى القليل بالضد، وذلك تمسك بدليل الخطاب والله أعلم . قوله تعالى: ﴿ يوم ندعوا كل أناس بأمامهم فمن أونى كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا یظلون فتيلا ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا ﴾ الفخر الرازي - ج ٢١ م ٢ ١٨ قوله تعالى : يوم ندعو كل أناس بامامهم . سورة الإِسراء . أعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرامات الانسان فى الدنيا ذكر أحوال درجاته فى الآخرة فى هذه الآية وفيها مسائل : المسألة الأولى﴾ قرى. يدعو بالياء والنون ويدعى كل أناس على البناء للمفعول وقرأ الحسن يدعو كل أناس قال الفراء وأهل العربية لا يعرفون وجها لهذه القراءة المنقولة عن الحسن ولعله قرأ يدعى بفتحة ممزوجة بالضم فظن الراوى أنه قرأ يدعو المسألة الثانية) قوله يوم ندعو نصب باضمار اذكر ولا يجوز أن يقال العامل فيه قوله وفضلناهم لأنه فعل ماض ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد ونفضلهم بما نعطيهم من الكرامة والثواب . المسألة الثالثة) قوله (بامامهم) الامام فى اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبى إمام أمته ، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين وإمام القوم هو الذى يقتدى به فى الصلاة وذكروا فى تفسير الامام ههنا أقوالا (القول الأول) إمامهم نبيهم روى ذلك مرفوعا عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ◌َّ ويكون المعنى أنه ينادى يوم القيامة ياأمة ابراهيم يا أمة موسى ياأمة عيسى يا أمة محمد فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بإيمانهم ثم ينادى ياأتباع فرعون ياأتباع نمروذ يا أتباع فلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر وعلى هذا القول فالباء فى قوله بامامهم فيه وجهان (الأول) أن يكون التقدير يدعو كل أناس بامامهم تبعاً وشيعة لأمامهم كما تقول أدعوك باسمك (والثانى) أن يتعلق بمحذوف وذلك المحذوف فى موضع الحال كأنه قيل يدعو كل أناس مختلطين بامامهم أى يدعون وأمامهم فيهم نحو ركب بجنوده (والقول الثانى) وهو قول الضحاك وابن زيد بامامهم أى بكتابهم الذى أنزل عليهم وعلى هذا التقدير ينادى فى القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الانجيل (والقول الثالث) قال الحسن بكتابهم الذى فيه أعمالهم وهو قول الربيع وأبى العالية والدليل على أن هذا الكتاب يسمى إماماً قوله تعالى (وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين) فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماما ، وتقدير الباء على هذا القول بمعنى مع أى ندعو كل أناس ومعهم كتابهم كقولك أدفعه اليه برمته أى ومعه رمته (القول الرابع) قال صاحب الكشاف ومن بدع التفاسير أن الامام جمع أم ، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم وأن الحكمة فى الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا يفتضح أولاد الزنا ثم قال صاحب الكشاف وليت شعرى أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته (والقول الخامس) أقول فى اللفظ احتمال آخر وهو أن أنواع الأخلاق الفاضلة والفاسدة كثيرة والمستولى على كل إنسان نوع من تلك الأخلاق فمنهم من يكون الغالب عليه الغضب ومنهم من يكون الغالب عليه شهوة النقود أو شهوة الضياع ومنهم من يكون الغالب عليه الحقد والحسد وفى جانب الأخلاق الفاضلة منهم من يكون الغالب عليه العفة أو الشجاعة أو قوله تعالى : ومن كان في هذه أعمى . سورة الإِسراء . ١٩ الكرم أو طلب العلم والزهد إذا عرفت هذا فنقول: الداعى إلى الأفعال الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة فذلك الخلق الباطن كالامام له والملك المطاع والرئيس المتبوع قيوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فهذا هو المراد من قوله (يوم ندعو كل أناس بأمامهم ) فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بمراده ثم قال تعالى (فمن أوتى كتابه بيمينه فأ. لتك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا) قال صاحب الكشاف إنما قال أولئك لأن من أوتى فى معنى الجمع والفتيل القشرة التى فى شق النواة وسمى بهذا الاسم لأنه إذا أراد الانسان استخراجه انقتل وهذا يضرب مثلا للشىء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير فى ضرب المثل به والمعنى لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل ونظيره قوله (ولا يظلمون شيئاً ، فلا يخاف ظلما ولا هضما) وروى مجاهد عن ابن عباس، انه قال الفتيل هو الوسخ الذى يظهر بفتل الانسان إبهامه بسبابته وهو فعيل من الفتل بمعنى مفتول فان قيل لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أصحاب الشمال يقرءونه أيضا قلنا الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملا على المهلكات العظيمة والقبائح الكاملة والمخازى الشديدة فيستولى الخوف والدهشة على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك لاجرم انهم يقومون كتابهم على أحسن الوجوه وأثبتها ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارئ لأهل المحشر (هاؤم اقرأوا كتابيه) فظهر الفرق والله أعلم ثم قال تعالى ( ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سيلا) وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولی ﴾ قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ونصر عن الكسائى ومن كان فى هذه أخرى بالامالة والكسر فهو فى الآخرة أعمى بالفتح وقرأ بالفتح والتفخيم فيهما ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة والكسائى وأبو بكر عن عاصم فى رواية بالامائة فيهما قال أبو على الفارسى الوجه فى تصحيح قراءة أبى عمرو أن المراد بالأعمى فى الكلمة الأولى كونه فى نفسه أعمى وبهذا التقدير تكون هذه الكلمة تامة فتقبل الامالة وأما فى الكلمة الثانية فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل فكانت بمعنى أفعل من وبهذا التقدير لا تكون لفظة أعمى تامة فلم تقبل الامالة والحاصل أن إدخال الأمالة فى الأولى دل على أنه ليس المراد أفعل التفضيل وتركها فى فى الثانية يدل على أن المراد منها أنمز التفعيل والله أعلم (١) ﴿ المسألة الثانية﴾ لاشك أنه ليس المراد من قوله تعالى (ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى) عمى البصر بل المراد منه عمى القلب أماقوله فهو فى الآخرة أعمى ففيه قولان (القول الأول) أن المراد منه أيضاً على القلب وعلى هذا التقدير ففيه وجوه (الأول) قال عكرمة جاء نفر من أهل (١) لم يجوز النحاة أفعل التفضيل من أهى لأن الوصف رباعى والعمى مما لا تقارت فيه وألزموا أن يثال أشد أو أكثر. فأمر الأولى يصف بالعمى كاتانية لكن التفاوت فى الثانية بهم من قرى تعالى ( وأغل سيلا) ٢٠ قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك . سورة الإسراء . وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ، وَإِذَا لََّ تَّخَذُوكَ خَلِلًا (﴾ وَلَوْلَ أَنْ تَبَّتْتَكَ لَقَدْكِتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ( ٧٤ إِذَا لَأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْخَيَزِةِ وَضِعْفَ أَلْمَمَاتِ ثُمَّلَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا( ٧٥ اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال اقرأ ماقبلها فقرأ (ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر إلى قوله تفضيلا) قال ابن عباس من كان أعمى فى هذه النعم التى قد رآى وعاين فهو فى أمر الآخرة التى لميرولم يعاين أعمى وأضل سبيلاو على هذا الوجه فقوله فى هذه إشارة إلى النعم المذكورة فى الآيات المتقدمة ( وثانياً) روى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال من كان فى الدنيا أعمى عما يرى من قدرتى فى خلق السموات والأرض والبحار والجبال والناس والدواب فهو عن أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلا وأبعد عن تحصيل العلم به وعلى هذا الوجه فقوله فمن كان فى هذه إشارة إلى الدنيا وعلى هذين القولين فالمراد من كان فى الدنيا أعمى القلب عن معرفة هذه النعم والدلائل فبأن يكون فى الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى فالعمى فى المرتين حصل فى الدنيا (وثالثها) قال الحسن من كان فى الدنيا عضالا كافراً فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه فى الدنيا تقبل توبته وفى الآخرة لا تقبل توبته وفى الدنيا يهتدى إلى التخلص من أبواب الآفات وفى الآخرة لا يهتدى إلى ذلك البتة ( ورابعها) أنه لا يمكن حمل العمى الثانى على الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة فكان المراد منه العمى عن طريق الجنة أى ومن كان فى هذه الدنيا أعمى عن معرفة الله فهو فى الآخرة أعمى عن طريق الجنة ( وخامسها) أن الذين حصل لهم على القلب فى الدنيا إنما حصلت هذه الحالة لهم لشدة حرصهم على تحصيل الدنيا وابتهاجهم طذاتها وطيباتها فهذه الرغبة تزداد فى الآخرة وتعظم هناك حسرتها على فوات الدنيا وليس معهم شىء من أنوار معرفة الله تعالى فيبقون فى ظلمة شديدة وحسرة عظيمة فذاك هو المراد من العمى (القول الثانى) أن يحمل العمى الثانى على عمى العين والبصر فمن كان فى هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العین والبصر كما قال ( ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتی أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) وقال ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكما وصماً) وهذا العمى زيادة فى عقوبتهم وانه أعلم قوله تعالى: ﴿وإن «كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا. إذاً لأذقاك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علنا نصيرا ﴾