النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
قوله تعالى ((وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك)) سورة الإسراء
٤٥
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ حِجَابًاً مَّسْنُورًا
وَجَعَلْنَا عَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىْ ءَاذَانِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ
فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْ عَلَى أَدْبَِهِمْ نُفُورًا (٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِإِذْ يَسْتَمِعُونَ
تفقهون تسبيحهم ) ذلك، ومما يدل على أن الأمر كما ذكرناه قوله ( إنه كان حليما غفورا ) فذكر
الحليم والغفور وههنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر
عنهم، وهذا انما يكون جرما إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله تعالى
وحكمته ، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه دلالة تلك الدلائل . أما لو حملنا هذا
التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات
جرما ولا ذنبا ، وإذا لم يكن ذلك جرما ولا ذنبا لم يكن قوله ( إنه كان حليما غفورا ) لائقا بهذا
الموضع ، فهذا وجه قوى في نصرة القول الذي اخترناه . واعلم أن القائلين بأن هذه الجمادات
والحيوانات تسبح لله بألفاظها أضافوا إلى كل حيوان نوعا آخر من التسبيح . وقالوا إنها إذا
ذبحت لم تسبح مع أنهم يقولون إن الجمادات تسبح الله ، فاذا كان كونه جمادا لا يمنع من كونه
مسبحا ، فكيف صار ذبح الحيوان مانعا له من التسبيح ، وقالوا أيضا إن غصن الشجرة إذا كسر
لم يسبح ، وإذا كان كونه جمادا لم يمنع من كونه مسبحا فكسره كيف يمنع من ذلك ، فعلم أن
هذه الكلمات ضعيفة والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) قوله (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ) تصريح باضافة
التسبيح إلى السموات والأرض وإلى المكلفين الحاصلين فيهن وقد دللنا على أن التسبيح المضاف
إلى الجمادات ليس إلا بمعنى الدلالة على تنزيه الله تعالى وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى
مجاز ، وأما التسبيح الصادر عن المكلفين وهو قولهم : سبحان الله ، فهذا حقيقة ، فيلزم أن
يكون قوله ( تسبح ) لفظا واحدا قد استعمل في الحقيقة والمجاز معا ، وأنه باطل على ما ثبت
دليله في أصول الفقه ، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على الوجه المجازي في حق الجمادات لا
في حق العقلاء لئلا يلزم ذلك المحذور والله اعلم .
قوله تعالى ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا
مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده
ولوا على أدبارهم نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول

٢٢٢
قوله تعالى ((جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا)) سورة الإسراء
أَنْظُرْ
إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ تَجْوَىَ إِذْ يَقُولُ الَّْلُونَ إِن نَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا،
٤٧
كَيْفَ ضَرَبُوْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
٤٨
الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون
سبيلا ﴾
.
اعلم أنه تعالى لما تكلم في الآية المتقدمة في المسائل الالهية تكلم في هذه الآية فيما يتعلق
بتقرير النبوة . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في قوله (وإذا قرأت القرآن) قولان :
القول الأول﴾ أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا قرأ القرآن على الناس . روى أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن
يمينه رجلان ، وعن يساره آخران من ولد قصى يصفقون ويصرخون ويخلطون عليه بالأشعار ،
وعن اسماء أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا ومعه أبو بكر اذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها
فهر تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول :
مذمما أتينا ودينه قلنا وأمره عصينا
فقال أبو بكر يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك ، فتلا رسول الله صلى الله عليه
وسلم هذه الآية، فجاءت فما رأت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت ان قريشا قد علمت
أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك . وروى
ابن عباس : أن أبا سفيان والنضرابن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله
عليه وسلم ويستمعون الى حديثه ، فقال النضر يوما : ما أدرى ما يقول محمد غير أني أرى
شفتيه تتحرك بشيء . وقال أبو سفيان : اني لأرى بعض ما يقوله حقا ، وقال أبو جهل : هو
مجنون . وقال أبو لهب هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر ، فنزلت هذه
الآية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاث آيات وهي
قوله في سورة الكهف ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا) وفي النحل
( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) وفي ((حم)) الجاثية (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) الى اخر
الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين ، وهو المراد من قوله تعالى
( جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) وفيه سؤال : وهو أنه كان يجب

٢٢٣
قوله تعالى ((وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه)) سورة الإسراء
أن يقال حجابا ساترا .
والجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث يمنعهم
ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فكان
مستورا، من هذا الوجه احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في أنه يجوز أن تكون الحاسة
سليمة ويكون المرئى حاضرا مع أنه لا يراه ذلك الانسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعا
يمنعه عن رؤيته، بهذه الآية قالوا : ان النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرا وكانت حواس
الكفار سليمة ، ثم انهم ما كانوا يرونه ، وأخبر الله تعالى أن ذلك انما كان لأجل أنه جعل بينه
وبينهم حجابا مستورا ، والحجاب المستور لا معنى له الا المعنى الذي خلقه الله تعالى في
عيونهم ، وكان ذلك المعنى مانعا لهم من أن يروه ويبصره .
والوجه الثاني ﴾ في الجواب أنه كما يجوز أن يقال لابن تامر بمعنى ذو لبن وذو تمر
فكذلك لا يبعد أن يقال مستورا معناه ذو ستر والدليل عليه قولهم مرطوب أي ذو رطوبة ولا
يقال رطيبة ويقال مكان مهول أي فيه هول ولا يقال : هلت المكان بمعنى جعلت فيه الهول ،
ويقال : جارية مغنوجة ذات غنج ولا يقال غنجتها .
﴿ والوجه الثالث ﴾ في الجواب قال الأخفش : المستورههنا بمعنى الساتر ، فان الفاعل
قد يجيء بلفظ المفعول كما يقال : انك لمشؤوم علينا وميمون وانما هو شائم ويامن ، لأنه من
قولهم شأمهم ويمنهم ، هذا قول الأخفش : وتابعه عليه قوم ، الا أن كثيرا منهم طعن في هذا
القول ، والحق هو الجواب الأول .
القول الثاني ) أن معنى الحجاب: الطبع الذي على قلوبهم والطبع والمنع الذي منعهم
عن أن يدركوا لطائف القرآنومحاسنه وفوائده ، فالمراد من الحجاب المستور ذلك الطبع الذي
خلقه الله في قلوبهم .
ثم قال تعالى ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾ وهذه الآية
مذكورة بعينها في سورة الأنعام وذكرنا استدلال أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس
بإعادة بعضها، قال الأصحاب: دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة . والأكنة
جمع كنان وهو ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله ( أن يفقهوه) أي لئلا يفقهوه . وجعل في
آذانهم وقرا . ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين ، فعلمنا أن المراد منعهم عن الايمان
٠

٢٢٤
قوله تعالى (( نحن أعلم بما يستمعون به)) سورة الإسراء
ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ولا يفهمون دقائقه وحقائقه . قالت
المعتزلة : ليس المراد من الآية ما ذكرتم بل المراد منه وجوه أخرى . الأول : قال الجبائي :
كانوا يطلبون موضعه في الليالي لينتهوا اليه ويؤذونه ، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه
الله تعالى من شرهم ، وذکر له أنه جعل بينه وبينهم حجابا لا یمکنھم الوصول اليه معه ، وبین
أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته ، ويجوز أن
يكون ذلك مرضا شاغلا يمنعهم من المصير اليه والتفرغ له ، لا أنه حصل هناك كن للقلب
ووقر في الأذن . الثاني : قال الكعبي إن القوم لشدة امتناعهم عن قبول دلائل محمد صلى الله
عليه وسلم صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب مانع وساتر ، وإنما نسب الله
تعالى ذلك الحجاب الى نفسه لأنه لما خلاهم مع أنفسهم ، وما منعهم عن ذلك الاعراض
صارت تلك التخلية كأنها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة ، وهذا مثل أن السيد اذا لم
يراقب أحوال عبده فإذا ساءت سيرته فالسيد يقول : أنا الذي ألقيتك في هذه الحالة بسبب
أني خليتك مع رأيك وما راقبت أحوالك . الثالث قال القفال : إنه تعالى لما خذلهم بمعنى أنه
لم يفعل الألطاف الداعية لهم الى الايمان صح أن يقال إنه فعل الحجاب الساتر.
واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها ، فلا
فائدة في الاعادة .
ثم قال تعالى ﴿واذا ذكرت ربك في القران وحده ولوا على أدبارهم نفورا﴾ واعلم ان
المراد أن القوم كانوا عند استماع القرآن على حالتين ، لأنهم اذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه
ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين متحيرين لا يفهمون منه شيئا، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم
الشرك بالله ولوا نفورا وتركوا ذلك المجلس، وذكر الزجاج في قوله (ولوا على أدبارهم نفورا )
وجهين : الأول : المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا ، والثاني . أن يكون نفورا جمع نافر مثل
شهود وشاهد ورکوع وراکع وسجود وساجد وقعود وقاعد .
ثم قال تعالى ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون اليك ﴾ أي نحن أعلم بالوجه
الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب . و( به ) في موضع الحال ، كما تقول : مستمعين
بالهزؤ و( إذ يستمعون ) نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ( وإذ هم
نجوى ) أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى ( إذ يقول الظالمون ) بدل من قوله ( وإذ هم
نجوى إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) وفيه مباحث : الأول : قال المفسرون : امر رسول الله
صلى الله عليه وسلم علياً أن يتخذ طعاما ويدعو اليه أشراف قريش من المشركين ، ففعل
علي ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم

٢٢٥
قوله تعالى ((وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أننا لمبعوثين)) سورة الإسراء
وَقَالُواْ أَهِذَا كُّ عِظَامًا وَرُقَدْتًا أَوِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٨٩) قُلْ كُونُواْ حِجَارَةٌ أَوْ
حَدِيدًا (٤ أَوْ خَلْقَاتِمَّا يَكْبُفِىِ صُدُوِّكْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِدُنَّ قُلِ الَّذِى فَطَرَكْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيُنْفِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَ هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ
الى التوحيد وقال : قولوا لا إله إلا الله حتى تسطعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه
ذلك ، وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى
يقولون بينهم متناجين : هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول ، فأخبر الله تعالى
نبيه بأنهم يقولون ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) .
فان قيل : إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا ( إن تتبعون إلا رجلاً.
مسحورا )
قلنا : معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلا مسحورا ، والمسحور الذي قد سحر
فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء . هذا هو القول الصحيح ، وقال بعضهم :
المسحور هو الذي أفسد . يقال : طعام مسحور اذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من
المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها . قال أبو عبيدة : يريد بشراذا سحر أي ذارئه . قال ابن قتيبة :
ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة ،
وقال مجاهد ( مسحورا) أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة ، وذلك لأن المشركين كانوا
يقولون : إن محمدا یتعلم من بعض الناس هذه الكلمات وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات
وهذه الحكايات ، فلذلك قالوا : إنه مسحور أي مخدوع، وأيضا كانوا يقولون : إن الشيطان
يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا إنه مخدوع من قبل الشيطان .
ثم قال ﴿ انظر كيف ضربوا لك الامثال ﴾ أي كل أحد شبهك بشيء آخر ، فقالوا :
إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون ، فضلوا عن الحق والطريق المستقيم فلا يستطيعون
سبيلا إلى الهدى والحق .
قوله تعالى ﴿ وقالوا أثذا كنا عظاما ورفاتا أثنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو
حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة
فسينغضون اليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون
الفخر الرازي ج٢٠ م١٥

٢٢٦
قوله تعالى ((قل كونوا حجارة أو حديدا)) سورة الإسراء
قَرِيبًا ﴾ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن لَِّتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
ءے
٥٢
بحمده وتظنون إن لبثتم الا قليلا ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا في الالهيات ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوات، ذكر في هذه
الآية شبهات القوم في انكار المعاد والبعث والقيامة ، وقد ذكرنا كثيرا ان مدار القرآن على
المسائل الأربعة وهي : الالهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر ، وأيضا أن القوم وصفوا
رسول الله صلى الله عله وسلم بكونه مسحورا فاسد العقل ، فذكروا من جملة ما يدل على فساد
عقله أنه يدعي أن الانسان بعد ما يصير عظاما ورفاتا فانه يعود حيا عاقلا كما كان ، فذكروا
هذا الكلام رواية عنه لتقرير كونه مختل العقل . قال الواحدي رحمه الله : الرفت كسر الشيء
بيدك . تقول : رفته أرفته بالكسركما يرفت المدر والعظم البالي ، والرفات الأجزاء المتفتتة من
كل شيء يكسر. يقال : رفت عظام الجزور رفتا اذا كسرها ، ويقال للتبن : الرفت لأنه دقاق
الزرع . قال الأخفش : رفت رفتا ، فهو مرفوت نحو حطم حطما فهو محطوم والرفات والحطام
الاسم ، كالجذاذ والرضاض والفتات ، فهذا ما يتعلق باللغة . أما تقرير القوم : فهي أن
الانسان اذا مات جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في حوالي العالم فاختلط بتلك الأجزاء أجزاء
العالم . أما الأجزاء المائية في البدن فستختلط بمياه العالم، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب
العالم ، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم ، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم
واذا صار الأمر كذلك فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى . وكيف يعقل عود الحياة اليها
بأعيانها مرة أخرى ، فهذا هو تقرير الشبهة .
والجواب عنها : أن هذا الاشكال لا يتم إلا بالقدح في کمال علم الله وفي كمال قدرته .
أما إذا سلمنا كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات فحينئذ هذه الأجزاء وان اختلطت بأجزاء العالم
الا أنها متمايزة في علم الله تعالى ولما سلمنا كونه تعالى قادرا على كل الممكنات كان قادرا على
إعادة التأليف والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها ، فثبت أنا متى سلمنا كمال
علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية .
أما قوله تعالى ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا ﴾ فالمعنى أن القوم استبعدوا أن يردهم إلى
حال الحياة بعد أن صاروا عظاما ورفاتا . وهي وان كانت صفة منافية لقبول الحياة بحسب
الظاهر لكن قدروا انتهاء هذه الأجسام بعد الموت إلى صفة أخرى أشد منافاة لقبول الحياة من
كونها عظاما ورفاتا مثل أن تصير حجارة أو حديدا ، فان المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين
قبول الحياة أشد من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة ، وذلك أن العظم قد كان جزءا من
٠

=
٢٢٧
قوله تعالى ((قل كونوا حجارة او حديداً)) سورة الاسراء
بدن الحي ، أما الحجارة والحديد فما كانا البتة موصوفين بالحياة ، فبتقدير أن تصير أبدان
الناس موصوفة بصفة الحجرية والحديدية بعد الموت ، فان الله تعالى يعيد الحياة إليها ويجعلها
حيا عاقلا كما كان ، والدليل على صحة ذلك أن تلك الاجسام قابلة للحياة والعقل إذ لو لم
يكن هذا القبول حاصلا لما حصل العقل والحياة لها في أول الأمر . وإله العالم عالم بجميع
الجزئيات فلا تشتبه عليه أجزاء بدن زيد المطيع بأجزاء بدن عمر العاصي ، وقادر على كل
الممكنات ، وإذا ثبت أن عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكن في نفسه وثبت أن إله العالم عالم
بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات ، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكنا قطعا ، سواء
صارت عظاما ورفاتا أو صارت شيئا أبعد من العظم في قبول الحياة وهي أن تصير حجارة أو
حديدا ، فهذا تقرير هذا الكلام بالدليل القاطع ، وقوله ( كونوا حجارة أو حديدا ) ليس المراد
منه الأمر بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الاعادة ، وذلك كقول القائل
للرجل : أتطمع في وأنا فلان فيقول : كن من شئت كن ابن الخليفة ، فسأطلب منك حقي،
فان قيل : ما المراد بقوله ( أو خلقا ).
قلنا : المراد أن كون الحجر والحديد قابلا للحياة أمر مستبعد ، فقيل لهم : فافر ضوا
شيئا آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث يستبعد عقلكم كونه قابلا للحياة
وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى أن يتعين ذلك الشيء ، لأن المراد أن أبدان الناس وإن انتهت
بعد موتها إلى اي صفة فرضت وأي حالة قدرت وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة فان
اللّه تعالى قادر على إعادة الحياة اليها ، وإذا كان المراد من الآية هذا المعنى فلا حاجة إلى تعيين
ذلك الشيء ، وقال ابن عباس : المراد منه الموت ، يعني لو صارت أبدانكم نفس الموت فان
الله تعالى يعيد الحياة إليها ، واعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره على سبيل المبالغة مثل أن
يقال : لو كنت عين الحياة فالله يميتك ولو كنت عين الغنى فان الله يفقرك ، فهذا قد ذكر على
سبيل المبالغة ، اما في نفس الأمر فهذا محال ، لأن أبدان الناس أجسام والموت عرض والجسم
لا ينقلب عرضا ثم بتقدير أن ينقلب عرضا فالموت لا يقبل الحياة لأن أحد الضدين يمتنع اتصافه
بالضد الآخر ، وقال مجاهد : يعني السماء والأرض .
ثم قال ﴿ فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ﴾ والمعنى أنه لما قال لهم :
كونوا حجارة أو حديدا أو شيئا أبعد في قبول الحياة من هذين الشيئين فان إعادة الحياة إليه ممكنة
فعند ذلك قالوا من هذا الذي يقدر على إعادة الحياة اليه؟ قال تعالى قل يا محمد: الذي فطركم
أول مرة يعني أن القول بصحة الاعادة فرع على تسليم أن خالق الحيوانات هو الله تعالى.
فاذا ثبت ذلك فنقول : ان تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل وإله العالم قادر لذاته عالم

٢٢٨
قوله تعالى ((فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو)) سورة الإسراء
لذاته فلا يبطل علمه وقدرته البتة ، فالقادر على الابتداء يجب أن يبقى قادرا على الاعادة ،
وهذا كلام تام وبرهان قوي .
ثم قال تعالى ﴿ فسينغضون اليك رؤسهم ﴾ قال الفراء يقال : أنغض فلان رأسه
ينغضه إنغاضا اذا حركه الى فوق والى اسفل وسمى الظليم نغضا لأنه يحرك رأسه ، وقال أبو
الهيثم: يقال للرجل اذا أخبر بشيء فحرك رأسه انكارا له قد أنغض رأسه فقوله ( فسينغضون
اليك رؤوسهم) يعني يحركونها على سبيل التكذيب والاستبعاد . ثم قال تعالى ( ويقولون متى
هو ) واعلم أن هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي
حكيناها ، ثم ان الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه، فقولهم متى هو ؟ كلام لا
تعلق له بالبحث الأول ، فانه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف
بامكانه ، فاما انه متى يوجد فذاك لا يمكن إثباته من طريق العقل ، بل انما يمكن اثباته بالدلائل
السمعية فان أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف والا فلا سبيل إلى معرفته .
واعلم أنه تعالى بين في القرآن أنه لا يطلع أحدا من الخلق على وقته المعين ، فقال ( إن
الله عنده علم الساعة ) وقال ( إنما علمها عند ربي ) وقال ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) فلا
جرم ، قال تعالى ( قل عسى أن يكون قريبا) قال المفسرون عسى من الله واجب معناه أنه
قريب .
فان قالوا : كيف يكون قريبا وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر ؟
قلنا : اذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريبا قليلا ، ثم قال تعالى ( يوم
يدعو كم ) وفيه قولان : الأول : أنه خطاب مع الكفار بدليل أن ما قبل هذه الآية كل خطاب
مع الكفار ، ثم نقول انتصب يوما على البدل من قوله قريبا ، والمعنى عسى أن يكون البعث
يوم يدعوكم أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة كما قال ( يوم يناد المناد من مكان
قريب ) يقال : إن إسرافيل ينادي أيتها الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي
كما كنت بقدرة الله تعالى وباذنه وتكوينه ، وقال تعالى ( يوم يدع الداع إلى شيء نكر ) وقوله
( فتستجيبون بحمده ) أي تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الاجابة إلا أن
الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الاجابة ، وقوله ( بحمده) قال سعيد بن جبير :
يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك وبحمدك ، فهو قوله
( فتستجيبون بحمده ) وقال قتادة بمعرفته وطاعته ، وتوجيه هذا القول أنهم لما أجابوا بالتسبيح
والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة ولكنهم لا ينفعهم ذلك في ذلك اليوم . فلهذا قال

٢٢٩
قوله تعالى ((وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن)) سورة الإسراء
وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ الَِّىِ هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ
لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا (﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُّ إِن ◌َّأَيَرْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِبْكُمْ وَمَا
ج
أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (﴿ه وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِنْ فِ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا
بَعْضَ النَِّنَ عَلَى بَعْضِ وَءَاتَيِّنَا دَاوُودَ زَبُورًا
المفسرون : جاء بغضبه أي جاء غضبان وركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه وقال صاحب
الكشاف : بحمده حال منهم أي حامدين ، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره
بعمل يشق عليه ستأتي به وأنت حامد شاكر ، أي ستنتهي إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن
اكتفى منك بذلك العمل وهذا يذكر في معرض التهديد .
ثم قال ( وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) قال ابن عباس يريد بين النفختين الأولى والثانية
فانه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت ، والدليل عليه قوله في سورة يسن ( من بعثنا من
مرقدنا؟) فظنهم بأن هذا لبث قليل عائد إلى لبثهم فيما بين النفختين ، وقال الحسن : معناه
تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث
في الدنيا وقيل المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة ؛ لأنه لما كانت عاقبة أمرهم الدخول في
النار استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة .
﴿ القول الثاني﴾ أن الكلام مع الكفارتم عند قوله ( عسى أن يكون قريبا) وأما قوله
( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) فهو خطاب مع المؤمنين لا مع الكافرين لأن هذا الكلام هو
اللائق بالمؤمنين لأنهم يستجيبون لله بحمده ، ويحمدونه على إحسانه اليهم ، والقول الأول هو
المشهور ، والثاني ظاهر الاحتمال .
قوله تعالى ﴿ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان
كان للانسان عدوا مبينا ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وما أرسلناك
عليهم وكيلا، وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض
وآتينا داوود زبورا).﴾ .
اعلم أن قوله ( قل لعبادي ) فيه قولان :
﴿ القول الأول﴾ أن المراد به المؤمنون، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن

٢٣٠
قوله تعالى ((ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم)) سورة الإسراء
لجذب قلوبهم وميل طباعهم الى قبول الدين الحق ، فكأنه تعالى قال : يا محمد قل لعبادي
الذين أقروا بكونهم عباداً لي يقولوا التي هي أحسن . وذلك لأنا قبل النظر في الدلائل
والبينات نعلم بالضرورة أن وصف الله تعالى بالتوحيد والبراءة عن الشركاء والاضداد أحسن من
إثبات الشركاء والاضداد ، ووصفه بالقدرة على الحشر والنشر بعد الموت أحسن من وصفه
بالعجز عن ذلك ، وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على تلك المذاهب الباطلة تعصبا
للأسلاف ، لأن الحامل على مثل هذا التعصب هو الشيطان ، والشيطان عدو ، فلا ينبغي أن
يلتفت الى قوله ثم قال لهم ( ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ) بأن يوفقكم للايمان والهداية
والمعرفة، وإن يشأ يمتكم على الكفر فيعذبكم ، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا
أنتم في طلب الدين الحق ، ولا تصروا على الباطل والجهل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات
الأبدية والخيرات السرمدية ، ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم ( وما أرسلناك عليهم وكيلا )
أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم في القول ، والمقصود من كل هذه الكلمات : اظهار
اللين والرفق لهن عند الدعوة فان ذلك هو الذي يؤثر في القلب ويفيد حصول المقصود .
ثم قال ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض) والمعنى أنه لما قال قبل ذلك
( ربكم أعلم بكم ) قال بعده ( ربك أعلم بمن في السموات والأرض ) بمعنى أن علمه غير
مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق
بجميع ذوات الأرضين والسموات فيعلم حال كل واحد ويعلم ما يليق به من المصالح
والمفاسد ، فلهذا السبب فضل بعض النبيين على بعض وآتى موسى التوراة ، وداود الزبور ،
وعيسى الانجيل ، فلم يبعد أيضا أن يؤتي محمد القرآن ولم يبعد أن يفضله على جميع الخلق .
فان قيل : ما السبب في تخصيص داود عليه الصلاة والسلام في هذا المقام بالذكر ؟
قلنا : فيه وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض.
ثم قال ﴿ وآتينا داود زبورا﴾ يعني أن داود كان ملكا عظيما ، ثم إنه تعالى لم يذكر ما
آتاه من الملك وذكر ما آته من الكتاب ، تنبيها على أن التفضيل الذي ذكره قبل ذلك ، المراد منه
التفضيل بالعلم والدين لا بالمال .
والوجه الثاني ﴾ أن السبب في تخصيصه بالذكر أنه تعالى كتب في الزبور أن محمدا
خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم قال تعالى ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض
يرثها عبادي الصالحون ) وهم محمد وأمته .

قوله تعالى ((أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة)) سورة الإسراء ٢٣١
مختص بالمؤمنين قال تعالى ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول ) وقال ( فادخلي في عبادي )
وقال ( عینا یشرب بها عباد الله )
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله ( لو كان
معه آلهة كما تقولون إذاً لا بتغوا الى ذي العرش سبيلا ) وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو
قوله ( قل الذي فطركم أول مرة ) قال في هذه الآية وقل يا محمد لعبادي إن أردتم إراد
الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن . وهو أن لا يكون ذكر الحجة
مخلوطا بالشتم والسب ، ونظير هذه الآية قوله ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )
وقوله ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) وذلك ذكر الحجة لو اختلط به شيء من
السب والشتم لقابلواکم بمثله كما قال ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا
بغير علم ) ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود ، أما اذا وقع الاقتصار على
ذكر الحجة بالطريق الأحسن الخالي عن الشتم والايذاء أثر في القلب تأثيرا شديدا فهذا هو
المراد من قوله ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا
الطريق فقال ( إن الشيطان ينزع بينهم ) جامعا للفريقين أي متى صارت الحجة مرة ممزوجة
بالبذاءة صارت سببا لثوران الفتنة .
ثم قال ﴿ إن الشيطان كان للانسان عدوا مبينا﴾ والمعنى: ان العداوة الحاصلة بين
الشيطان وبين الانسان عدواة قديمة قال تعالى حكاية عنه ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن
خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) وقال ( كمثل الشيطان إذا قال للانسان اكفر فلما كفر قال
إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) وقال (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) وقال ( لا
غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) إلى قوله ( إني بريء منكم )
ثم قال تعالى ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشاء يعذبكم ﴾ واعلم أنا إنما
نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى ( قل لعبادي ) المراد به المؤمنون ، وعلى هذا التقدير فقوله
( ربكم أعلم بكم) خطاب مع المؤمنين ، والمعنى : إن يشاء يرحمكم ، والمراد بتلك الرحمة
الانجاء من كفار مكة وأذاهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم . ثم قال ( وما أرسلناك )
يا محمد ( عليهم وكيلا ) أي حفاظا وكفيلا فاشتغل أنت بالدعوة . ولا شيء عليك من كفرهم
فان شاء الله هدايتهم هداهم ، وإلا فلا .
﴿ القول الثاني﴾ أن المراد من قوله (وقل لعبادي) الكفار ، وذلك لأن المقصود من
هذه الآيات الدعوة ، فلا يبعد في مثل هذا الموضع أن يخاطبوا بالخطاب الحسن ليصير ذلك سببا

٢٣٢
قوله تعالى ((قل ادعوا الذين زعمتم من دونه)) سورة الإسراء
قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَمُ مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الغُّرِّ عَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
٥٦
أُوْلَِّكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ
ج
عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (َ
فان قيل : هلا عرف كما في قوله ( ولقد كتبنا في الزبور )
قلنا : التنكيرههنا يدل على تعظيم حاله ، لأن الزبور عبارة عن المزبور فكان معناه
الکتاب فکان معنی التنکیر أنه کامل في کونه كتابا .
﴿ والوجه الثالث ﴾ أن السبب فيه أن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدل كانوا
يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات . واليهود كانوا يقولون : إنه لا نبي بعد موسى ولا
كتاب بعد التوراة فنقض الله تعالى عليهم كلامهم بانزال الزبور على داود ، وقرأ حمزة
(زبورا) بضم الزاي ، وذكرنا وجه ذلك في آخر سورة النساء .
قوله تعالى ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا
أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن
عذاب ربك كان محذورا ﴾
اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين وقد ذكرنا أن المشركين كانوا يقولون
ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى فنحن نعبد بعض المقربين من عباد الله وهم الملائكة ،
ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالا وصورة واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل والله
تعالى احتج على بطلان قولهم في هذه الآية فقال ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ) وليس المراد
الأصنام لأنه تعالى قال في صفتهم ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) وابتغاء
الوسيلة الى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة .
اذا ثبت هذا فنقول : إن قوما عبدوا الملائكة فنزلت هذه الآية فيهم ، وقيل : إنها نزلت
في الذين عبدوا المسيح وعزيرا ، وقيل : إن قوما عبدوا نفرا من الجن فاسلم النفر من الجن ،
وبقي أولئك الناس متمسكين بعبادتهم فنزلت هذه الآية . قال ابن عباس : كل موضع في
كتاب الله تعالى ورد فيه لفظ زعم فهو كذب ، ثم إنه تعالى احتج على فساد مذهب هؤلاء أن
الاله المعبود هو الذي يقدر على إزالة الضرر ، وإيصال المنفعة ، وهذه الأشياء التي يعبدونها
وهي الملائكة والجن والمسيح وعزير لا يقدرون على كشف الضر ولا على تحصيل النفع ، فوجب

٢٣٣
قوله تعالى ((أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة)) سورة الإسراء
القطع بأنها ليست آلهة .
ولقائل أن يقول : هذا الدليل انما يتم إذا دللتم على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف
الضر ولا على تحصيل النفع فما الدليل على أن الأمر كذلك حتى يتم دليلكم ؟ فان قلتم : لأنا
نرى أن أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها فلا تحصل الإجابة .
قلنا معارضة لذلك : قد نرى أيضا أن المسلمين يتضرعون الى الله تعالى فلا تحصل
الاجابة ، والمسلمون يقولون : إن القدر الحاصل من كشف الضر وتحصيل النفع انما يحصل من
الله تعالى لا من الملائكة ، وأولئك الكفار يقولون إنه يحصل من الملائكة لا من الله تعالى ،
وعلى هذا التقدير فالدليل غير تام .
والجواب : أرى الدليل تام كامل ، وذلك لأن الكفار كانوا مقرين بأن الملائكة عباد
الله . وخالق الملائكة ، وخالق العالم لا بد وأن يكون أقدر من الملائكة ، وأقوى منهم ،
وأكمل حالا منهم .
وإذا ثبت هذا فنقول : كمال قدرة الله تعالى معلوم متفق عليه ، وكمال قدرة الملائكة غير
معلوم ولا متفق عليه ، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة الى قدرة الله تعالى قليلة حقيرة، وإذا
كان كذلك وجب أن يكون الإشتغال بعبادة الله تعالى أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة ، لأن
كون الله مستحقا للعبادة معلوم ، وكون الملائكة كذلك مجهول والأخذ بالمعلوم أولى ، وأما
أصحابنا المتكلمون من أهل السنة والجماعة فلهم في هذا الباب طريقة أخرى وهو أنهم
يقيمون الحجة العقلية على أنه لا موجد إلا الله تعالى ولا مخرج لشيء من العدم إلى الوجود إلا الله
تعالى .
وإذا ثبت هذا ثبت أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله
تعالى ، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة لأنهم لما جوزوا كون العبد موجدا لأفعاله امتنع عليهم
الاستدلال على أن الملائكة لا قدرة لها على الاحياء والاماتة وخلق الجسم . وإذا عجزوا عن
ذلك لم يتم لهم هذا الدليل فهذا هو ذكر الدليل القاطع على صحة قوله ( لا يملكون كشف الضر
عنكم ولا تحويلا ) والتحويل عبارة عن النقل من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان يقال:
حوله فتحول .
ثم قال تعالى ﴿ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) وفيه قولان: الأول:
قال الفراء قوله ( يدعون ) فعل الآدميين العابدين ، وقوله ( يبتغون ) فعل المعبودين ومعناه أن
أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، فانه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب

٢٣٤
قوله تعالى ((وإن من قرية إلا نحن مهلكوها)) سورة الإسراء
وَإِنْ مِّنِ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَدَمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ
ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا (!
٥٨
المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز
والحاجة ، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى .
فان قالوا : لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله خائفون من عذابه ، فنقول :
هؤلاء الملائكة إما أن يقال : إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو يقال : ممكنة الوجود لذواتها ،
والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بان الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه، وأما الثاني
فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها الى الله تعالى ، فكان الاشتغال
بعبادة الله أولى من الإِشتغال بعبادة الملائكة .
﴿والقول الثاني ﴾ أن قوله ( أولئك الذين يدعون) هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى
بقوله ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ) وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت
منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا اليه ، فأنتم بالاقتداء بهم
حق فلا تعبدوا غير الله تعالى واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا : الملائكة لا
يعصون الله فلا يخافون عذابه ، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء .
قلنا : الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب ، والدليل عليه قوله تعالى ( ومن
يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) .
أما قوله ﴿ إن عذاب ربك كان محذورا ﴾ فالمراد ان من حقه أن يحذر ، فان لم يحذره
بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه .
قوله تعالى ﴿وإن من قريةً إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا
كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ .
اعلم أنه تعالى لما قال ( إن عذاب ربك كان محذورا ) بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد
وأن يرجع حالها الى احد أمرين : إما الهلاك وإما التعذيب . قال مقاتل : أما الصالحة
فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب، وقيل: المراد من قوله (وان من قرية) قرى الكفار ولا بد أن
تكون عاقبتها، أحد أمرين: إما الاستئصال بالكلية، وهو المراد من الاهلاك أو بعذاب شديد
دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذا الجزية، ثم

٢٣٥
قوله تعالى ((وما منعنا أن نرسل بالآيات)) سورة الاسراء
وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِآلْلاَيَنْتِ إِلَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا تَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
وَ إِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ
فَظَلَُّواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِآلْآَيَدْتِ إِلَّ تَحْوِيقًا ﴾
بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا: الرّْيَا الَّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَ
فىِ الْقُرْءَانِ وَتُخَوِفُهُمْ فَ يَِّدُ هُمْ إِلَّ ◌ُغْيَنًا كَبِيرًا ﴾
بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع فقال (كان ذلك في الكتاب مسطورا ) ومعناه
ظاهر.
قوله تعالى ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة
مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا
الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا
کبیرا ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة
النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم اظهار معجزات
عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا ( لولا يأتينا بآية كما أرسل الأولون ) وقال
"آخرون: المراد ما طلبوه بقولهم ( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) وعن سعيد
ابن جبير أن القوم قالوا : إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم : من سخرت له الريح ومنهم
من كان يحي الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات . فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله
( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) وفي تفسير هذا الجواب وجوه :
الوجه الأول ﴾ المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل
بقوامصرين على كفرهم . فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ، لكن إنزال عذاب
الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن
أولادهم، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى الى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة ،
روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن
يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله
تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم، فقال الرسول
صلى الله عليه وسلم، ((لا أريد ذلك بل تتأنى بهم)) فنزلت هذه الآية .
﴿الوجه الثاني﴾ في تفسير هذا الجواب: أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين

٢٣٦
قوله تعالى ((وآتينا ثمود الناقة مبصرة فضلوا بها)) سورة الإسراء
رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضا .
﴿ الوجه الثالث ) أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم الله منكم
أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثا ، والبعث لا يفعله الحكيم .
ثم قال تعالى ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ﴾ وفيه أبحاث :
﴿ البحث الأول ﴾ المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتينا ثمود
واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال ، فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل
الاقتراح والتحكم على الله تعالى .
﴿ البحث الثاني ) قوله تعالى (مبصرة) وفيه وجهان : الأول: قال الفراء ( مبصرة)
أي مضيئة . قال تعالى ( والنهار مبصرا ) أي مضيئا . الثاني (مبصرة ) أي ذات أبصار أي فيها
ابصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول .
﴿ البحث الثالث ) قوله ( فظلموا بها ) أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، وقال ابن
قتيبة ( ظلموا بها ) أي جحدوا بأنها من الله تعالى .
ثم قال تعالى ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) قيل: لا آية إلا وتتضمن التخويف بها
عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة .
فان قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف
حصر المقصود من إظهارها في التخويف ؟
قلنا : المقصود أن مدعي النبوة اذا أظهر الآية فاذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا
يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة ، الا انهم يجوزون كونها معجزة ، وبتقدير أن تكون
معجزة ، فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد ، فهذا
هو الخوف الذي يحملهم على التفكير والتأمل في تلك المعجزات ، فالمراد من قوله ( وما نرسل
بالآيات الا تخويفا ) هذا الذي ذكرناه ، والله أعلم .
واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة ، أجاب
الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببا لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا
له : لو كنت رسولا حقا من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقتر حناها منك ، كما اتی
بها موسى وغيره من الانبياء ، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال(وإذ
قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) وفيه قولان :

٢٣٧
قوله تعالى ((وآتينا ثمود الناقة مبصرة فضلوا بها)) سورة الإسراء
القول الأول ﴾ المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى
:كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى
يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن : حال بينهم وبين أن
يقتلوه كما قال تعالى ( والله يعصمك من الناس ) .
٠٠
﴿ والقول الثاني ﴾ أن المراد بالناس أهل مكة، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها
للمؤمنين فكان المعنى : واذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر
دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) وقال ( قل للذين كفروا
ستغلبون وتحشرون ) الى قوله ( أحاط بالناس ) لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب
الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع، فلا جرم قال ( أحاط بالناس) وروى أنه لما تزاحف
الفريقان يوم بدر ورسول الله ي ليه في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول ((اللهم إني أسألك
عهدك ووعدك لي)) ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول (سيهزم الجمع ويولون
الدبر ) .
ثم قال تعالى ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ وفي هذه الرؤيا أقوال :
﴿القول الأول﴾ أن الله أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحین ورد ماء بدر
قال ((والله كأني أنظر الى مصارع القوم)) ثم أخذ يقول ((هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان))
فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله اليه .
﴿ والقول الثاني ﴾ أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه ،
فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، وقال عمر لأبي بكر أليس
قد أخبرنا رسول الله ﴿ أنا ندخل البيت ونطوف به فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في
هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى ( لقد
صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) اعترضوا على هذين القولين فقالوا هذه السورة مكية وهاتان
الواقعتان مدنيتان ، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان . أما رؤيتهما في المنام
فلا يبعد حصولها في مكة .
والقول الثالث﴾ قال سعيد بن المسيب: رأى رسول الله لم بنى أمية ينزون على منبره
نز و القردة فساءه ذلك ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والاشکال المذكور عائد فيه لأن
هذه الآية مكية وما كان لرسول الله وَ لقه بمكة منبر ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى
بمكة أن له بالمدينة منبرا يتداوله بنو أمية .

٢٣٨
قوله تعالى ((وآتيناثمود الناقة مبصرة فضلوا بها)) سورة الإسراء
والقول الرابع﴾ وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى
ليلة الاسراء ، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون: لا فرق بين الرؤية والرؤيا في
اللغة ، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، وقال الأقلون : هذا يدل على أن قصة الاسراء إنما
حصلت في المنام ، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة ، وقوله ( إلا
فتنة للناس ) معناه : أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الاسراء كذبوه وكفر به كثير ممن
كان آمن به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كان امتحانا .
ثم قال تعالى ﴿والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ وهذا على التقديم والتأخير، والتقدير:
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس ، قيل المعنى : والشجرة
الملعونة في القرآن كذلك ، واختلفوا في هذه الشجرة ، فالأكثرون قالوا إنها شجرة الزقوم
المذكورة في القرآن في قوله ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ) وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه
الشجرة من وجهين : الأول : أن أبا جهل قال زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث
قال ( وقودها الناس والحجارة ) ثم يقول : بأن في النار شجرا والنار تأكل الشجر فكيف تولد
فيها الشجر . والثاني : قال ابن الزبعري: ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه ، فأنزل
الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر ( إنا جعلناها فتنة للظالمين ) الآيات .
فان قيل : ليس في القرآن لعن هذه الشجرة .
قلنا : فيه وجوه : الأول : المراد لعن الكفار الذين يأكلونها. الثاني : العرب تقول
لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون . والثالث : أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت
هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة .
القول الثاني ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما: الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي
العاص قال ورأى رسول الله : ﴿ في المنام: أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي
بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله ◌َطر الحكم يخبر برؤيا رسول الله
وَ* فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره ، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع اليهم فنفاه
رسول الله ◌َر. قال الواحدي: هذه القصة كانت بالمدينة، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير
إلا أن يقال هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد ، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان: لعن
الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله .
والقول الثالث ﴾ أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى ( لعن الذين
کفر وا)

٢٣٩
قوله تعالى ((وآتينا ثمود الناقة مبصرة فضلوا بها)) سورة الاسراء
فإن قال قائل : إن القوم لما طلبوا من رسول الله﴿ الاتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب
أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا أنزل الله عليكم عذاب الاستئصال ،
وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي
صارت فتنة للناس .
قلنا : التقدير كأنه قيل إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم
ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن
أمرك ولا يصير سببا لضعف حالك،ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سببا لوقوع الشبهة
العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع
المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتورا
في لحالك ، ولا ضعفا في أمرك . والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ﴾ والمقصود منه ذكر سبب آخر في
أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها ، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة
وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغيانا كبيرا ، وذلك يدل على قسوة قلوبهم
وتماديهم في الغي والطغيان ، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات
التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تماديا في الجهل والعناد ، وإذا كان كذلك ، وجب
في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات والله أعلم .
تم الجزء العشرون ، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي والعشرين ، وأوله قوله تعالى
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ من سورة الاسراء؛ أعانني الله على إكماله.

٢٤٠
فهرس الجزء العشرون من التفسير الكبير للامام الفخر الرازي
صفحة
قوله تعالى «وسخر لكم الليل والنهار ))
٢
قوله تعالى ((وما ذرألكم في الأرض))
٤
قوله تعالى ((وهو الذي سخر البحر
٦
لتأكلوا منه لحما طريا» الآية
٨
قوله تعالى (««وألقى في الأرض رواسي
أن تجيد بكم وأنهارا)) الآية
١١ قوله تعالى ((وعلامات وبالنجم هم
يهتدون)» الآية
١٢ قوله تعالى ((أفمن يخلق كمن لا يخلق
أفلا تذكرون)) الآية
١٤ قوله تعالى ((وإن تعدوا نعمة الله لا
تحصوها)) الآية
١٥ قوله تعالى ((والذين يدعون من دون الله
لا يخلقون شيئا)» الآية
١٧ قوله تعالى ((إلهكم إله واحد)) الآية
١٨ قوله تعالى ((وإذا قيل لهم ماذا أنزل
ربكم))
١٨ قوله تعالى ((ليحملوا أوزارهم كاملة يوم
القيامة)) الآية
١٩ قوله تعالى ((قد مکر الذین من قبلهم»
٢٣ قوله تعالى ((فادخلوا أبواب جهنم
خالدين فيها)) الآية
٢٤ قوله تعالى ((وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل
ربكم قالوا خيرا)) الآية
صفحة
٢٦ قوله تعالى ((هل ينظرون إلا أن تأتيهم
الملائكة)) الآية
٢٧ - قوله تعالى ((وقال الذين أشركوا لو شاء
الله ما عبدنا من دونه من شيء)»
٣١ قوله تعالى ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم))
٣٣ قوله تعالى ((إنما قولنا لشيء إذا أردناه))
٣٥ قوله تعالى ((والذين هاجروا في الله من
بعد ما ظلموا» الآية
٣٦ قوله تعالى ((وما أرسلنا من قبلك إلا
رجالا نوحى إليهم) الآية
٣٩ قوله تعالى ((بالبينات والزبر وأنزلنا إليك
الذكر)» الآية
٣٩ قوله تعالى ((أفأمن الذين مكروا السيئات
أن يخسف الله بهم)) الآية
٤٠ قوله تعالى ((أو لم يروا إلى ما خلق الله
من شيء» الآية
٤٤ قوله تعالى ((ولله يسجد ما في السموات
وما في الأرض)) الآية
٤٧ قوله تعالى ((يخافون ربهم من فوقهم))
الآية
٤٩ قوله تعالى ((وقال الله لا تتخذوا إلهين
اثنين)) الآية
٥١ قوله تعالى ((وله ما في السموات والأرض
وله الدین واصبا» الآية