النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق )) الآية.
وجوابه : أنا بينا أن فتح باب الزنا يمنع من دخول الانسان في الوجود ، والقتل عبارة عن
إيطال الانسان بعد دخوله في الوجود . ودخوله في الوجود مقدم على إبطاله وإعدامه بعد
وجوده ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى الزنا أولا ثم ذكر القتل ثانيا .
﴿ المسألة الثانية ﴾ اعلم أن الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة ، والحل إنما يثبت بسبب
عارضي ، فلما كان الأمر كذلك لا جرم نهى الله عن القتل مطلقا بناء على حكم الأصل ، ثم
استثنى عنه الحالة التي يحصل فيها حل القتل وهو عند حصول الأسباب العرضية فقال ( إلا
بالحق ) فنفتقر ههنا الى بيان أن الأصل في القتل التحريم ، والذي يدل عليه وجوه : الأول :
أن القتل ضرر والأصل في المضار الحرمة لقوله ( ما جعل عليكم في الدين من حرج) (ولا يريد
بكم العسر) (ولا ضرر ولا ضرار) الثاني: قوله عليه السلام ((الآدمى بنيان الرب ملعون من
هدم بنيان الرب)) الثالث : ان الآدمى خلق للاشتغال بالعبادة لقوله ( وما خلقت الجن والانس
إلا ليعبدون) ولقوله عليه السلام ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا))
والاشتغال بالعبادة لا يتم إلا عند عدم القتل . الرابع : أن القتل إفساد فوجب أن يحرم لقوله
تعالى ( ولا تفسدوا )، الخامس: أنه اذا تعارض دليل تحريم القتل ودليل إباحته فقد أجمعوا على
أن جانب الحرمة راجع ، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم وإلا لكان ذلك ترجيحا لا لمرجع
وهو محال . السادس : أنا اذا لم نعرف في الانسان صفة من الصفات إلا مجرد كونه إنسانا عاقلا
حكمنا فيه بتحريم قتله ، وما لم نعرف شيئا زائدا على كونه إنسانا لم نحكم فيه بحل دمه ،
ولولا أن أصل الانسانية يقتضى حرمة القتل ، وإلا لما كان كذلك فثبت بهذه الوجوه أن الأصل
في القتل هو التحريم ، وان حله لا يثبت إلا بأسباب عرضية .
واذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم بأن الأصل في القتل هو التحريم فقال ( ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق ) فقوله (ولا تقتلوا ) نهي وتحريم ، وقوله ( حرم الله ) إعادة
لذكر التحريم على سبيل التأكيد ، ثم استثنى عنه الأسباب العرضية الاتفاقية فقال ( إلا
بالحق ) ثم ههنا طريقان :
الطريق الأول ﴾ أن مجرد قوله ( إلا بالحق ) مجمل لأنه ليس فيه بيان أن ذلك الحق ما
هو وكيف هو، ثم إنه تعالى قال ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) أي في استيفاء
القصاص من القاتل ، وهذا الكلام يصلح جعله بيانا لذلك المجمل ، وتقريره كأنه تعالى قال
( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) وذلك الحق هو أن من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه
سلطانا في استيفاء القصاص . واذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الحق هذه الصورة
فقط ، فصار تقدير الآية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا عند القصاص ، وعلى هذا

٢٠٢
قوله تعالى ((ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)) سورة الإسراء
التقدير فتكون الآية نصا صريحا في تحريم القتل إلا بهذا السبب الواحد ، فوجب أن يبقى على
الحرمة فيما سوى هذه الصورة الواحدة .
﴿ والطريق الثاني ﴾ أن نقول: دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ثلاثة :
وهو قوله عليه السلام (( لا يحل دم امرىء مسلم إلا باحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد
إحصان ، وقتل نفس بغير حق)) .
واعلم ان هذا الخبر من باب الآحاد . فان قلنا : إن قوله ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا
لوليه سلطانا ) تفسير لقوله ( إلا بالحق ) كانت الآية صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب
الواحد ، فحينئذ يصير هذا الخبر مخصصا لهذه الآية ويصير ذلك فرعا لقولنا : إنه يجوز
تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وأما ان قلنا: ان قوله ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه
سلطانا ) ليس تفسيرا لقوله ( الا بالحق ) فحينئذ يصير هذا الخبر مفسرا للحق المذكور في
الآية ، وعلى هذا التقدير لا يصير هذا فرعا على مسألة جواز تخصيص عموم القرآن بخبر
الواحد . فلتكن هذه الدقيقة معلومة والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ ظاهر هذه الآية أنه لا سبب لحل القتل إلا قتل المظلوم ، وظاهر الخبر
يقتضي ضم شيئين آخرين اليه : وهو الكفر بعد الايمان ، والزنا بعد الاحصان ، ودلت آية
أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون
في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا) ودلت آية أخرى على حصول سبب خامس وهو
الكفر . قال تعالى ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) وقال ( واقتلوهم حيث
وجدتموهم ) والفقهاء تكلموا واختلفوا في اشياء أخرى فمنها : أن تارك الصلاة هل يقتل أم
لا؟ فعند الشافعي رحمه الله يقتل ، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يقتل . وثانيا : أن فعل اللواط
هل يوجب القتل ؟ فعند الشافعي يوجب ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . وثالثها : أن
الساحر إذا قال : قتلت بسحري فلانا فعند الشافعي يوجب القتل ، وعند أبي حنيفة لا
يوجب . ورابعها : أن القتل بالمثل هل يوجب القصاص ؟ فعند الشافعي يوجب . وعند أبي
حنيفة لا يوجب . وخامسها : أن الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل أم لا ؟ اختلفوا فيه
في زمان أبي بكر . وسادسها : أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل ، فعند أكثر الفقهاء لا
يوجب ، وعند قوم يوجب ، حجة القائلين بأنه لا يجوز القتل في هذه الصور هو أن الأية صريحة
في منع القتل على الاطلاق ، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم ، ففيما عدا هذا السبب الواحد ،
وجب البقاء على أصل الحرمة ، ثم قالوا : وهذا النص قد تأكد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة

٢٠٣
قوله تعالى ((فلا يسرف في القتل)) سورة الإسراء
الدم على الاطلاق ، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض ، وذلك المعارض إما أن
يكون نصا متواترا او نصا من باب الآحاد أو يكون قياسا ، أما النص المتواتر فمفقود ، وإلا لما
بقي الخلاف، وأما النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة
الكثيرة ، وأما القياس فلا يعارض النص . فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل
في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة والله اعلم .
﴿ المسألة الرابعة ) قوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف)
فيه بحثان :
البحث الأول ﴾ أن هذه الآية تدل على أنه أثبت لولى الدم سلطانا، فأما بيان أن
هذه السلطنة تحصل فيماذا فليس في قوله ( فقد جعلنا لوليه سلطانا ) دلالة عليه ثم ههنا
طريقان : الأول : أنه تعالى لما قال بعده ( فلا يسرف في القتل ) عرف أن تلك السلطنة إنما
حصلت في استيفاء القتل ، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا
لوليه سلطانا ) فلا ينبغي أن يسرف الظالم في ذلك القتل ، لأن ذلك المقتول منصور بواسطة
إثبات هذه السلطنة لوليه . والثاني : أن تلك السلطنة مجملة ثم صارت مفسرة بالآية والخبر ،
أما الآية فقوله تعالى في سورة البقرة ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) إلى
قوله ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه باحسان ) وقد بينا في تفسير هذه
الآية انها تدل على أن الواجب هو كون المكلف مخيرا بين القصاص وبين الدية . وأما الخبر فهو
قوله عليه السلام يوم الفتح (( من قتل قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا
الدية)) وعلى هذا الطريق فقوله ( فلا يسرف في القتل ) معناه : أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء
القصاص إن شاء ، وسلطنة استيفاء الدية إن شاء ، قال بعده ( فلا يسرف في القتل ) معناه أن
الأولى أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بأخذ الدية أو يميل إلى العفو وبالجملة فلفظة
((في)) محمولة على الباء، والمعنى : فلا يصير مسرفاً بسبب إقدامه على القتل ويصير معناه
الترغيب في العفو والاكتفاء بالدية كما قال (وأن تعفوا أقرب للتقوى ) .
﴿ البحث الثاني﴾ أن في قوله (ومن قتل مظلوما) ذكر كونه مظلوما بصيغة التنكير ،
وصيغة التنكير على ما عرف تدل على الكمال ، فالانسان المقتول ما لم يكن كاملا في وصف
المظلومية لم يدخل تحت هذا النص . قال الشافعي رحمه الله : قد دللنا على أن المسلم إذا قتل
الذمى لم يدخل تحت هذه الآية ، بدليل أن الذمى مشرك والمشرك يحل دمه ، إنما قلنا : إنه
مشرك لقوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) حكم بأن ما سوى
الشرك مغفور في حق البعض ، فلو كان كفر اليهودي والنصراني شيئا مغايرا للشرك لوجب أن

٢٠٤
قوله تعالى ((إنه كان منصورا)) سورة الإسراء
يصير مغفورا في حق بعض الناس بمقتضى هذه الآية فلما لم يصر مغفورا في حق أحد دل على أن
كفرهم شرك ، ولأنه تعالى قال ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) فهذا التثليث الذي
قال به هؤلاء ، إما أن يكون تثليثا في الصفات وهو باطل ، لأن ذلك هو الحق وهو مذهب أهل
السنة والجماعة فلا يمكن جعله تثليثا للكفر ، وإما أن يكون تثليثا في الذوات ، وذلك هو الحق
ولا شك أن القائل به مشرك ، فثبت أن الذمى مشرك ، وإنما قلنا : إن المشرك يجب قتله لقوله
تعالى ( اقتلوا المشركين ) ومقتضى هذا الدليل إباحة دم الذمى فان لم تثبت الاباحة فلا أقل من
حصول شبهة الاباحة .
وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت أنه ليس كاملا في المظلومية فلم يندرج تحت قوله تعالى
( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) وأما الحر إذا قتل عبدا فهو داخل تحت هذه الآية
إلا أنا بينا أن قوله ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالخر والعبد بالعبد ) يدل على المنع
من قتل الحر بالعبد من وجوه كثيرة وتلك الآية أخص من قوله ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا
لوليه سلطانا) والخاص مقدم على العام ، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن
موجب العمد هو القصاص ولا في مسألة أنه يجب قتل المسلم بالذمي . ولا في مسألة أنه يجب
قتل الحر بالعبد والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ ففيه مباحث :
﴿ البحث الأول ﴾ فيه وجوه: الأول: المراد هو أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك
لأن الواحد منهم إذا قتل واحدا من قبيلة شريفة فأولياء ذلك المقتول كانوا يقتلون خلقا من
القبيلة الدنيئة فنهى الله تعالى عنه وأمر بالاقتصار على قتل القاتل وحده الثاني: هو أن لا يرضى
بقتل القاتل فان أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشراف قبيلة القاتل ثم كانوا يقتلون منهم قوما
معينين ويتركون القاتل . والثالث : هو أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يمثل به ويقطع أعضاؤه .
قال القفال : ولا يبعد حمله على الكل ، لأن جملة هذه المعاني مشتركة في كونها إسرافا .
﴿ البحث الثاني﴾ قرأ الأكثرون (فلا يسرف) بالياء وفيه وجهان : الأول : التقدير :
فلا ينبغي أن يسرف الولي في القتل . الثاني : أن الضمير للقاتل الظالم ابتداء ، أي فلا ينبغي
أن يسرف ذلك الظالم وإسرافه عبارة عن إقدامه على ذلك القتل الظلم ، وقرأ حمزة والكسائي
( فلا تسرف) بالتاء على الخطاب ، وهذه القراءة تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الخطاب
للمبتدىء القاتل ظلما كأنه قيل له : لا تسرف أيها الانسان ، وذلك الاسراف هو إقدامه على
ذلك القتل الذي هو ظلم محض ، والمعنى : لا تفعل فانك إن قتلته مظلوما استوفى القصاص

٢٠٥
قوله تعالى ((ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)) سورة الإسراء
وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِيِ إِلَّا بِالَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ,
منك . والآخر : أن يكون الخطاب للولى فيكون التقدير : لا تسرف في القتل أيها الولي ، أي
اكتف باستيفاء القصاص ولا تطب الزيادة . وأما قوله ( إنه كان منصورا ) ففيه ثلاثة أوجه :
الأول : كأنه قيل للظالم المبتدىء بذلك القتل على سبيل الظلم لا تفعل ذلك ، فان ذلك
المقتول يكون منصورا في الدنيا والآخرة أما نصرته في الدنيا فبقتل قاتله ، وأما في الآخرة فبكثرة
الثواب له وكثرة العقاب لقاتله .
والقول الثاني ﴾ أن هذا الولى يكون منصورا في قتل ذلك القاتل الظالم فليكتف
بهذا القدر فانه يكون منصورا فيه ولا ينبغي أن يطمع في الزيادة منه ، لأن من يكون منصورا
من عند الله يحرم عليه طلب الزيادة .
والقول الثالث ﴾ أن هذا القاتل الظالم ينبغي أن يكتفي باستيفاء القصاص وأن لا
يطلب الزيادة واعلم أن على القول الأول والثاني ظهر أن المقتول وولي دمه يكونان منصورین
من عند الله تعالى وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : قلت لعلي بن أبي طالب عليه
السلام وأيم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان ، لأن الله تعالى يقول ( ومن قتل مظلوما فقد
جعلنا لوليه سلطانا ) وقال الحسن : والله ما نصر معاوية على علي عليه السلام إلا بقول الله تعالى
( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ .
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأشياء التي نهى عنها في هذه الآيات .
اعلم أنا ذكرنا أن الزنا يوجب اختلاط الأنساب ، وذلك يوجب منع الاهتمام بتربية
الأولاد وذلك يوجب انقطاع النسل ، وذلك يوجب المنع من دخول الناس في الوجود ، وأما
القتل فهو عبارة عن إعدام الناس بعد دخولهم في الوجود ، فثبت أن النهي عن الزنا والنهي عن
القتل يرجع حاصله الى النهي عن إتلاف النفوس ، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بالنهي عن
إتلاف الأموال ، لأن أعز الأشياء بعد النفوس الأموال ، وأحق الناس بالنهي عن إتلاف
أموالهم هو اليتيم ، لأنه لصغره وضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره باتلاف ماله ، فلهذا السبب
خصهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم فقال ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)
ونظيره قوله تعالى ( ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا
فليأكل بالمعروف) وفي تفسير قوله ( إلا بالتي هي أحسن) وجهان : الأول : إلا بالتصرف

٢٠٦
قوله تعالى ((وأوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤلا )) سورة الإسراء
وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (﴾ وَأَوْ فُوا الْكَلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْبِالْقِسْطَاسِ
٣٥
الْمُسْتَقِمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
الذي ينميه ويكثره . الثاني : المراد هو أن تأكل معه إذا احتجت اليه ، وروى مجاهد عن ابن
عباس قال : إذا احتاج أكل بالمعروف فاذا أيسرقضاه ، فان لم يوسر فلا شيء عليه .
واعلم أن الولى انما تبقى ولايته على اليتيم إلى أن يبلغ أشده وهو بلوغ النكاح ، كما بينه
الله تعالى في آية أخرى وهي قوله ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا
فادفعوا اليهم أموالهم ) والمراد بالأشد بلوغه الى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح
ماله ، وعند ذلك تزول ولاية غيره عنه وذلك حد البلوغ ، فأما إذا بلغ غير كامل العقل لم تزل
الولاية عنه والله أعلم . وبلوغ العقل هو أن يكمل عقله وقواه الحسية والحركية والله أعلم .
/ قوله تعالى ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا
بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ .
اعلم أنه تعالى أمر بخمسة أشياء أولا ، ثم أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء وهو النهي عن
الزنا ، وعن القتل إلا بالحق ، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، ثم أتبعه بهذه
الأوامر الثلاثة فالأول قوله ( وأوفوا بالعهد ) .
واعلم أن كل عقد تقدم لأجل توثيق الأمر وتوكيده فهو عهد فقوله ( وأوفوا بالعهد )
نظير لقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) فدخل في قوله ( أوفوا بالعقود ) كل عقد
من العقود كعقد البيع والشركة ، وعقد اليمين والنذر ، وعقد الصلح ، وعقد النكاح .
وحاصل القول فيه : أن مقتضى هذه الآية أن كل عقد وعهد جرى بين إنسانين فانه يجب عليهما
الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد.، إلا إذا دل دليل منفصل على أنه لا يجب الوفاء به فمقتضاه
الحكم بصحة كل بيع وقع التراضي به وبصحة كل شركة وقع التراضي بها ، ويؤكد هذا النص
بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود والعقود كقوله ( والموفون بعدهم إذا عاهدوا ) وقوله
(والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) وقوله ( وأحل الله البيع ) وقوله (ولا تأكلوا أموالكم
بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم ) وقوله ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) وقوله عليه
السلام (( لا يحلّ مال امرىء مسلم الا عن طيبة من نفسه)) وقوله ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا
كيف شئتم يدا بيد)) وقوله (( من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار اذا رآه )) فجميع هذه الآيات
والأخبار دالة على أن الأصل في البيوعات والعهود والعقود الصحة ووجوب الالتزام .

٢٠٧
قوله تعالى (( وأوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم)) سورة الإسراء
اذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا أخص من هذه النصوص يدل على البطلان
والفساد قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا قضينا بالصحة في الكل ، وأما تخصيص
النص بالقياس فقد أبطلناه ، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملات على طولها وأطنابها
مضبوطة معلومة بهذه الآية الواحدة ، ويكون المكلف آمن القلب مطمئن النفس في العمل ،
لأنه لما دلت هذه النصوص على صحتها فليس بعد بيان الله بيان ، وتصير. الشريعة مضبوطة
معلومة .
ثم قال تعالى ﴿ إن العهد كان مسؤلا ﴾ وفيه وجوه : أحدها : أن يراد صاحب العهد
كان مسؤلا فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه كقوله (واسأل القرية ) وثانيها أن العهد
كان مسؤلا أي مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به . وثالثها : أن يكون هذا تخييلا
كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا وفى بك تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة ( بأي ذنب قتلت )
وكقوله ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ) الآية فالمخاطبة لعيسى عليه السلام والانكار
على غيره .
/ ﴿ النوع الثاني﴾ من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله (وأوفوا الكيل إذا كلتم)
والمقصود منه إتمام الكيل وذكر الوعيد الشديد في نقصانه في قوله ( ويل للمطففين الذين إذا
اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) .
النوع الثالث ) من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله ( وزنوا بالقسطاس المستقيم )
فالآية المتقدمة في إتمام الكيل ، وهذه الآية في إتمام الوزن ، ونظيره قوله تعالى ( وأقيموا الوزن
بالقسط ولا تخسروا الميزان) وقوله (ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين).
واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل والوزن قليل . والوعيد الحاصل
عليه شديد عظيم ، فوجب على العاقل الاحتراز منه ، وانما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس
محتاجون الى المفاوضات والبيع والشراء ، وقد يكون الانسان غافلا لا يهتدي الى حفظ ماله ،
فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان . سعيا في إبقاء الأموال على الملاك ، ومنعا من
تلطيخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير ، والقسطاس في معنى الميزان الا أنه في العرف أكبر
منه ، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنه القبان . وقيل أنه بلسان الروم أو السرياني . والأصح
أنه لغة العرب وهو مأخوذ من القسط ، وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال ، وبالجملة
فمعناه المعتدل الذي لا يميل الى أحد الجانبين ، وأجمعوا على جواز اللغتين فيه . ضم القاف
وكسرها ، فالكسر قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والباقون بالضم .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك خير﴾ أي الايفاء بالتمام والكمال خير من التطفيف القليل من حيث

٢٠٨
قوله تعالى ((ولا تقف ما ليس لك به علم)) سورة الإسراء
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَاَلْفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ
٫٠٠
مَسْئُولًا (2)
أن الانسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة ( وأحسن
تأويلا ) والتأويل ما يؤل اليه الأمر كما قال في موضع آخر (خير مردا). (خير عقبى). (خير أملا)
وإنما حكم تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب ، لأنه في الدنيا اذا اشتهر بالاحتراز عن
التطفيف عوّل الناس عليه ومالت القلوب اليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل ، وكم قد
رأينا من الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب عليهم
وحصلت الأموال الكثيرة لهم في المدة القليلة . وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم
والخلاص من العقاب الأليم .
قوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان
عنه مسؤلا﴾ .
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة ، عاد بعده الى ذكر النواهي
فنهى عن ثلاثة أشياء : أولها : قوله ( ولا تقف ما ليس لك به علم ): قوله ( تقف) مأخوذ من
قولهم : قفوت أثر فلان أقفوقفوا وقفوا اذا اتبعت أثره ، وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو
البيت ، وسميت القبيلة المشهورة بالقافة ، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على
أحوال الانسان ، وقال تعالى ( ثم قفينا على آثارهم برسلنا ) وسمى القفا قفا لأنه مؤخر بدن
الانسان كأنه شيء يتبعه ويقفوه فقوله ( ولا تقف) أي ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به من
قول أو فعل ، وحاصله يرجع الى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما ، وهذه قضية كلية
يندرج تحتها أنواع كثيرة ، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع وفيه
وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ المراد نهي المشركين عن المذاهب التي كانوا يعتقدونها في الالهيات
والنبوات بسبب تقليد أسلافهم ، لأنهم تعالى نسبهم في تلك العقائد الى اتباع الهوى فقال ( إن
هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى
الأنفس ) وقال في انكارهم البعث ( بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم
منها عمون ) وحکی عنهم أنهم قالوا ( إن نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنین ) وقال ( ومن أضل

٢٠٩
قوله تعالى ((ولا تقف ما ليس لك به علم)) سورة الإسراء
ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) وقال ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا
حرام ) الآية وقال ( هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ) .
﴿ والقول الثاني﴾ نقل عن محمد بن الحنفية أن المراد منه شهادة الزور، وقال ابن
عباس : لا تشهد الا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك .
والقول الثالث ﴾ المراد منه: النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات
بالأكاذيب ، وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكر ونها في الهجاء ويبالغون فيه .
والقول الرابع ﴾ المراد منه النهي عن الكذب . قال قتادة: لا تقل سمعت ولم
تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم .
والقول الخامس﴾ أن القفو هو البهت وأصله من القفا ، كأنه قول يقال خلفه وهو
في معنى الغيبة وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه . وفي بعض الأخبار من قفا مسلما بما ليس فيه
حبسه الله في ردغة الخبال . واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقليد والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا. القياس لا يفيد إلا الظن والظن
مغاير للعلم ، فالحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم ، فوجب أن لا يجوز لقوله تعالى
( ولا تقف ما ليس لك به علم ) .
أجيب عنه من وجوه : الأول : أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز باجماع الأمة في
صور كثيرة: أحدها : أن العمل بالفتوى عمل بالظن وهو جائز. وثانيها : العمل بالشهادة
عمل بالظن وأنه جائز. وثالثها : الاجتهاد في طلب القبلة لا يفيد إلا الظن وأنه جائز .
ورابعها : قيم المتلفات وأروش الجنايات لا سبيل إليها إلا بالظن وأنه جائز . وخامسها :
الفصد والحجامة وسائر المعالجات بناء على الظن وأنه جائز وسادسها : كون هذه الذبيحة
ذبيحة للمسلم مظنون لا معلوم ، وبناء الحكم عليه جائز. وسابعها : قال تعالى ( وإن خفتم
شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) وحصول ذلك الشقاق مظنون لا
معلوم . وثامنها : الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمنا مظنون ثم نبني على هذا الظن
أحكاما كثيرة مثل حصول التوراة ومثل الدفن في مقابر المسلمين وغيرهما . وتاسعها : جميع
الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار ، وطلب الأرباح والمعاملات الى الآجال المخصوصة
والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون
جائز. وعاشرها: قال عليه السلام ((نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) وذلك تصريح
الفخر الرازي ج ٢٠ م١٤

٢١٠
قوله تعالى ((ولا تقف ما ليس لك به علم)) سورة الإسراء
بأن الظن معتبر في هذه الأنواع العشرة فبطل قول من يقول: إنه لا يجوز بناء الأمر على الظن .
والجواب الثاني ﴾ أن الظن قد يسمى بالعلم. والدليل عليه قوله تعالى (اذا جاءكم
المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى
الكفار ) ومن المعلوم أنه انما يمكن العلم بايمانهن بناء على اقرارهن ، وذلك لا يفيد الا الظن ،
فههنا الله تعالى سمى الظن علما .
والجواب الثالث ﴾ أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس . وكان ذلك
الدليل دليلا على أنه متى حصل ظن أن حكم الله في هذه الصورة يساوي حكمه في محل
النص ، فأنتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن ، فههنا الظن وقع في طريق الحكم ، فأما
ذلك الحكم فهو معلوم متيقن .
أجاب نفاة القياس عن السؤال الأول فقالوا : قوله تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به
علم ) عام دخله التخصيص في الصور العشرة المذكورة ، فيبقى هذا العموم فيما وراء هذه
الصور حجة ، ثم نقول : الفرق بين هذه الصور العشرة وبين محل النزاع أن هذه الصور العشرة
مشتركة في أن تلك الأحكام أحكام مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة ، فان الواقعة
التي يرجع فيها الانسان المعني الى المعنى المعين واقعة متعلقة بذلك الشخص المعين ، وكذلك
القول في الشهادة وفي طلب القبلة وفي سائر الصور . والتنصيص على وقائع الأشخاص
المعينين في الأوقات المعينة يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له ، وذلك متعذر ، فلهذه
الضرورة اكتفينا بالظن . أما الأحكام المثبتة بالأقيسة فهي أحكام كلية معتبرة في وقائع كلية وهي
مضبوطة قليلة ، والتنصيص عليها ممكن ولذلك فان الفقهاء الذين استخرجوا تلك الاحكام
بطريق القياس ضبطوها وذكر وها في كتبهم .
اذا عرفت هذا فنقول : التنصيص على الأحكام في الصور العشرة التي ذكرتموها غير ممكن
فلا جرم اكتفى الشارع فيها بالظن ، أما المسائل المثبتة بالطرق القياسية فالتنصيص عليها ممكن
فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن فظهر الفرق .
﴿وأما الجواب الثاني﴾ وهو قولهم الظن قد يسمى علما فنقول: هذا باطل فانه يصح
أن يقال هذا مظنون وغير معلوم ، وهذا معلوم وغير مظنون ، وذلك يدل عى حصول
المغايرة ، ثم الذي يدل عليه قوله تعالى ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا
الظن ) نفى العلم ، واثبات للظن ، وذلك يدل على حصول المغايرة ، وأما قوله تعالى ( فان
علمتموهن مؤمنات ) فالمؤمن هو المقر ، وذلك الاقرار هو العلم .

قوله تعالى ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )) سورة الإسراء ٢١١
وأما الجواب الثالث ﴾ فهو أيضا ضعيف، لأن ذلك الكلام انما يتم لو ثبت أن
القياس حجة بدليل قاطع وذلك باطل لأن تلك الحجة إما أن تكون عقلية أو نقلية ، والأول
باطل لأن القياس الذي يفيد الظن لا يجب عقلا أن يكون حجة ، والدليل عليه أنه لا نزاع أن
يصح من الشرع أن يقول : نهيتكم عن الرجوع الى القياس ولو كان كونه حجة أمرا عقليا محضا
لامتنع ذلك . والثاني أيضا باطل ، لأن الدليل النقلي في كون القياس حجة انما يكون قطعيا لو
كان منقولا نقلا متواترا وكانت دلالته على ثبوت هذا المطلوب دلالة قطعية غير محتملة النقيض
ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل الى الكل ولعرفه الكل ولارتفع الخلاف، وحيث لم يكن
كذلك علمنا أنه لم يحصل في هذه المسألة دليل سمعي قاطع ، فثبت أنه لم يوجد في اثبات
كون القياس حجة دليل قاطع البتة ، فبطل قولكم كون الحكم المثبت بالقياس حجة معلوم لا
مظنون ، فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل . وأحسن ما يمكن أن يقال في الجواب عنه إن
التمسك بهذه الآية التي عولتم عليها تمسك بعام مخصوص ، والتمسك بالعام المخصوص لا
يفيد الا الظن ، فلودلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك
بهذه الآية غير جائز ، فالقول بكون هذه الآية حجة يفضي ثبوته الى نفيه فكان تناقضا فسقط
الاستدلال به والله أعلم. وللمجيب أن يجيب فيقول: نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد اله
أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العام
المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ) فيه
بحثان :
البحث الأول ﴾ أن العلوم إما مستفادة من الحواس ، أو من العقول . أما القسم
الأول : فاليه الاشارة بذكر السمع والبصر، فان الانسان اذا سمع شيئا ورآه فانه يرويه ويخبر
عنه وأما القسم الثاني : فهو العلوم المستفادة من العقل وهي قسمان .: البديهية والكسبية ، والى
العلوم العقلية الاشارة بذكر الفؤاد .
﴿ البحث الثاني ) ظاهر الآية يدل على أن هذه الجوارح مسؤلة وفيه وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ أن المراد أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤل لأن السؤال لا
يصح إلا ممن كان عاقلا ، وهذه الجوارح ليست كذلك ، بل العاقل الفاهم هو الانسان فهو
كقوله تعالى ( واسأل القرية ) والمراد أهلها يقال له لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ، ولم
نظرت الى ما لا يحل لك النظر اليه ، ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه .

٢١٢
قوله تعالى (( ولا تمش في الأرض مرحا)) سورة الإسراء
وَلَا تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرَكَ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ، عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا
٣٨
والوجه الثاني ﴾ أن تقرير الآية أن أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع والبصر
والفؤاد فيقال لهم فبماذا، استعملتم السمع، أفي الطاعة أو في المعصية ؟ وكذلك القول في بقية
الأعضاء ، وذلك لأن هذه الحواس آلات النفس ، والنفس كالأمير لها والمستعمل لها في
مصالحها فان استعملتها النفس في الخيرات استوجبت الثواب ، وإن استعملتها في المعاصي
استحقت العقاب .
﴿ والوجه الثلث ﴾ أنه ثبت بالقرآن أنه تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم إنها تشهد على
الانسان والدليل عليه قوله تعالى ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا
يعملون) ولذلك لا يبعد أن يخلق الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء . ثم انه تعالى
يوجه السؤال عليها .
قوله تعالى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل
ذلك کان سیئه عند ربك مکر وها
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المرح شدة الفرح يقال: مرح يمرح مرحا فهو مرح، والمراد من
الآية النهي عن أن يمشي الانسان مشيا يدل على الكبرياء والعظمة . قال الزجاج : لا تمش في
الأرض مختالا فخورا ونظيره قوله تعالى في سورة الفرقان ( وعباد الرحمن الذين يمشون على
الأرض هونا ) وقال في سورة لقمان ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) وقال أيضا فيها
( ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور )
﴿ المسألة الثانية) قال الأخفش: ولو قرىء (مرحا) بالكسر كان أحسن في القراءة .
قال الزجاج : مرحا مصدر ومرحا اسم الفاعل وكلاهما جائز ، إلا أن المصدر أحسن ههنا
وأوكد ، تقول جاء زيد ركضا وراكضا فركضنا أوكد لأنه يدل على توكيد الفعل ، ثم إنه تعالى
أكد النهي عن الخيلاء والتكبر فقال ( إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) والمراد من
الخرق ههنا نقب الأرض ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن المشي انما يتم بالارتفاع

٢١٣
قوله تعالى (( كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها )) سورة الإسراء
والانخفاض فكأنه قيل : إنك حال الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها ، وحال
الارتفاع لا تقدر على أن تصل إلى رؤوس الجبال ، والمراد التنبيه على كونه ضعيفا عاجزا فلا يليق
به التكبر . الثاني : المراد منه أن تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها ، وفوقك الجبال التي لا
تقدر على الوصول، اليها فانت محاط بك من فوقك وتحتك بنوعين من الجماد ، وأنت أضعف
منهما بكثير ، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر بكأنه قيل له : تواضع ولا تتكبر فانك خلق
ضعيف من خلق الله المحصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي :
ثم قال تعالى ﴿ کل ذلك کان سيئه عند ربك مكر وها ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الاكثرون قرؤا سيئه بضم الهاء والهمزة وقرأ نافع وابن كثير وابو
عمرو سيئه منصوبة أما وجه قراءة الأكثرين فظاهر من وجهين :
الوجه الأول ﴾ قال الحسن : إنه تعالى ذكر قبل هذا اشياء أمر ببعضها ونهى عن
بعضها ، فلوحكم على الكل بكونه سيئة لزم كون المأمور به سيئة وذلك لا يجوز ، أما اذا قرأناه
بالاضافة كان المعنى أن ما كان من تلك الأشياء المذكورة سيئة فهو مكروه عند الله واستقام
الكلام .
والوجه الثاني ﴾ أنا لو حكمنا على كل ما تقدم ذكره بكونه سيئة لوجب أن يقال : انها
مكروهة وليس الأمر كذلك لأنه تعالى قال ( مكروها ) أما إذا قرأناه بصيغة الاضافة كان المعنى
أن سيء تلك الأقسام يكون مكروها ، وحينئذ يستقيم الكلام . أما قراءة نافع وابن كثير وأبي
عمرو : فيها وجوه : الأول : أن الكلام تم عند قوله ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) ثم ابتدأ
وقال ( ولا تقف ما ليس لك به علم). (ولا تمش في الأرض مرحا) .
ثم قال ﴿ كل ذلك كان سيئه﴾ والمراد هذه الأشياء الأخيرة التي نهى الله عنها.
والثاني : أن المراد قوله ( كل ذلك ) أي كل ما نهى الله عنه فيما تقدم . وأما قوله ( مكروها )
فذكروا في تصحيحه على هذه القراءة وجوها : الأول : كل ذلك كان سيئة وكان مكروها .
الثاني : قال صاحب الكشاف : السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والاثم زال عنه حكم
الصفات فلا إعتبار بتأنيثه ، ولا فرق بين من قرأ سيئة ومن قرأ سيئه . ألا ترى أنك تقول :
الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة ، فلا تفرق بين إسنادها الى مذكر ومؤنث . الثالث : فيه
تقديم وتأخير ، والتقدير : كل ذلك كان مكروها وسيئة عند ربك . الرابع : أنه محمول على
المعنى لأن السيئة هى الذنب وهو مذكر .

٢١٤
قوله تعالى ((ذلك مما أوحى اليك ربك من الحكمة)) سورة الإسراء
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهَاءَاشَرَ فَتُلْقَى
فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْ حُورًا (8) أَ فَأَصْفَتَكُمْ رَبُّكُمْ بِأَلْبِيْنَ وََّ مِنَ الْمَلَبِكَةِ إِنَّ إِنَّكُرْ
لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًاً
٤٠
﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضي: دلت هذه الآية على أن هذه الأعمال مكروهة عند الله
تعالى ، والمكروه لا يكون مراد له ، فهذه الأعمال غير مرادة الله تعالى فبطل قول من يقول :
كل ما دخل في الوجود فهو ((مراد الله تعالى . وإذا ثبت انها ليست بارادة الله تعالى وجب أن لا
تكون مخلوقة له لأنها لو كانت مخلوقة لله تعالى لكانت مرادة له لا يقال : المراد من كونها مكر وهة
أن الله تعالى نهى عنها ، وأيضا معنى كونها مكر وهة أن الله تعالى كره وقوعها وعلى هذا التقدير
فهذا لا يمنع أن الله تعالى أراد وجودها ، لأن الجواب عن الأول أنه عدول عن الظاهر ، وأيضا
فكونها سيئة عند ربك يدل على كونها منهيا عنها فلو حملنا المكروه على النهي لزم التكرار .
والجواب عن الثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الزجر عن هذه الأفعال ،
ولا يليق بهذا الموضع أن يقال : إنه يكره وقوعها هذا تمام هذا الاستدلال .
والجواب : أن المراد من المكروه المنهي عنه ولا بأس بالتكرير لأجل التأكيد والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال القاضي: دلت هذه الآية على أنه تعالى كما أنه موصوف بكونه
مريدا ، فكذلك أيضا موصوف بكونه كارها . وقال أصحابنا : الكراهية في حقه تعالى محمولة
إما على النهي أو على إرادة العدم . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ذلك مما أوحى اليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها أخر فتلقى في
جهنم ملوما مدحورا أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا
عظيما ﴾ .
اعلم أنه تعالى جمع في هذه الآية خمسة وعشرين نوعا من التكاليف . فأولها : قوله ( ولا
تجعل مع الله إلها آخر ) وقوله ( وقضى ربك ألا تعبدوا الا إياه ) مشتمل على تكليفين : الأمر
بعبادة الله تعالى ، والنهي عن عبادة غير الله ، فكان المجموع ثلاثة . وقوله ( وبالوالدين
- إحسانا) هو الرابع ، ثم ذكر في شرح ذلك الاحسان خمسة أخرى وهي : قوله ( فلا تقل لهما
أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما ) فيكون
المجموع تسعة ، ثم قال ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) وهو ثلاثة فيكون

٢١٥
قوله تعالى ((ولا تجعل مع الله إلها آخر)) سورة الإسراء
المجموع اثنى عشر ، ثم قال ( ولا تبذر تبذيرا ) فيصير ثلاثة عشر، ثم قال ( وإما تعرضن عنهم
ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسروا) وهو الرابع عشرثم قال ( ولا تجعل يدك
مغلولة الى عنقك ) الى اخر الآية وهو الخامس عشر، ثم قال (لا تقتلوا أولادكم) وهو السادس
عشر، ثم قال ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) وهو السابع عشر، ثم قال ( ومن قتل
مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) وهو الثامن عشر، ثم قال ( فلا يسرف في القتل ) وهو التاسع
عشر، ثم قال ( وأوفوا بالعهد ) وهو العشرون ثم قال ( وأوفوا الكيل اذا كلتم ) وهو الحادي
والعشرون ، ثم قال ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) وهو الثاني والعشرون ، ثم قال ( ولا تقف
ما ليس لك به علم ) وهو الثالث والعشرون ، ثم قال ( ولا تمش في الأرض مرحا ) وهو الرابع
والعشرون ، ثم قال ( ولا تجعل مع الله إلها آخر ) وهو الخامس والعشرون ، فهذه خمسة
وعشرون نوعا من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواه جمعها الله تعالى في هذه الآية وجعل
فاتحتها قوله ( ولا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ) وخاتمتها قوله ( ولا تجعل مع الله
إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ) .
إذا عرفت هذا فنقول : ههنا فوائد :
الفائدة الأولى ﴾ قوله (ذلك) اشارة إلی کل ما تقدم ذكره من التكاليف وسماها
حكمة، وإنما سماها بهذا الاسم لوجوه : أحدها : ان حاصلها يرجع الى الأمر بالتوحيد وانواع
الطاعات والخيرات والاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة، والعقول تدل على صحتها ،
فالآتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعيا الى دين الشيطان بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون
داعيا الى دين الرحمن، وتمام تقرير هذا ما نذكره في سورة الشعراء في قوله (هل أنبئكم على من
تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم) وثانيا: أن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع
واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحكمة من هذا
الاعتبار، وثالثها: أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فالأمر
بالتوحيد عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب الانسان
عليها ولا ينحرف عنها، فثبت أن هذه الأشياء المذكورة في هذه الآيات عين الحكمة ، وعن ابن
عباس : أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه الصلاة والسلام : أولها (لا تجعل مع الله
إلها آخر) قال تعالى (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء) .
﴿والفائدة الثانية﴾ من فوائد هذه الآية أنه تعالى بدأ في هذه التكاليف بالأمر
بالتوحيد ، والنهي عن الشرك وختمها بعين المعنى ، والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل
وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر التوحيد . وآخره يجب أن يكون ذكر التوحيد ، تنبيها

٢١٦
قوله تعالى ((ولا تجعل مع الله إلها آخر)) سورة الإسراء
على أن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والاستغراق فيه ، فهذا التكرير حسن
موقعه لهذه الفائدة العظيمة ثم إنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يوجب أن يكون صاحبه
مذموما مخذولا وذكر في الآية الأخيرة ان الشرك يوجب أن يلقي صاحبه في جهنم ملوما
مدحورا ، فاللوم والخذلان يحصل في الدنيا ، وإلقاؤه في جهنم يحصل يوم القيامة ويجب أن
نذكر الفرق بين المذموم المخذول ، وبين الملوم المدحور . فنقول : أما الفرق بين المذموم وبين
الملوم ، فهو أن كونه مذموما معناه : أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر ، فهذا
معنى كونه مذموما ، وإذا ذكر له ذلك فبعد ذلك يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل ، وما الذي
حملك عليه ، وما استفدت من هذا العمل إلا إلحاق الضرر بنفسك ؟ وهذا هو اللوم ، فثبت أن
أول الأمر هو أن يصير مذموما ، وآخره أن يصير ملوما ، وأما الفرق بين المخذول وبين
المدحور فهو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال : تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت ، وأما
المدحور فهو المطرود . والطرد عبارة عن الاستخفاف والاهانة قال تعالى ( ويخلد فيه مهانا )
فكونه مخذولا لا عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه ، وكونه مدحورا عبارة عن إهانته
والاستخفاف به ، فثبت أن أول الأمر أن يصير مخذولا ، وآخره أن يصير مدحورا والله أعلم
بمراده .
وأما قوله ( أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ) فاعلم أنه تعالى لما نبه على
فساد طريقة من أثبت لله شريكا ونظيرا نبه على طريقة من أثبت له الولد وعلى كمال جهل هذه
الفرقة ، وهي أنهم اعتقدوا أن الولد قسمان : فأشرف القسمين البنون ، وأخسهما البنات .
ثم إنهم أثبتوا البنين لأنفسهم مع علمهم بنهاية عجزهم ونقصهم وأثبتوا البنات الله مع علمهم
بأن الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له والجلال الذي لا غاية له ، وذلك يدل على
نهاية جهل القائل بهذا القول ونظيره قوله تعالى ( أم له البنات ولكم البنون ) وقوله ( ألكم
الذكر وله الأنثى) وقوله ( أفأصفاكم ) يقال أصفاه بالشيء إذا آثر به ، ويقال للضياع التي
يستخصها السلطان بخاصية الصوافي . قال أبو عبيدة في قوله ( أفأصفاكم ) أفخصكم ،
وقال المفضل : أخلصكم . قال النحويون هذه الهمزة همزة تدل على الانكار على صيغة
السؤال عن مذهب ظاهر الفساد لا جواب لصاحبه إلا بما فيه اعظم الفضيحة .
ثم قال تعالى ﴿إنكم لتقولون قولا عظيما﴾ وبيان هذا التعظيم من وجهين: الأول:
أن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض ، وذلك يقدح في كونه قديما
واجب الوجود لذاته . وذلك عظيم من القول ومنكر من الكلام . والثاني : أن بتقدير ثبوت
الولد فقد جعلتم أشرف القسمين لأنفسكم وأخس القسمين لله ، وهذا أيضا جهل عظيم .

٢١٧
قوله تعالى ((ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا)) سورة الإسراء
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِىِ هَاذَا الْقُرَّانِ لِيَذَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٦) قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ
◌َالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بْتَغَوْاْإِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا (٢) سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا
ووح
◌َج ◌ُّحُ لَهُ السَّمَنْتُ الَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِنَّ وَإِن مِّنْ شَىْء
يَقُولُونَ عَلَوَا كَبِيرًا
إِلَّ يُسِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن ◌َّا تَفْقَّهُونَ تَسِْحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا،
٤
قوله تعلى ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا قل لو كان معه
آلهة كما يقولون إذا لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له
السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون
تسبيحهم إنه كان حلما غفورا ﴾
اعلم أن التصريف في اللغة عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة ، نحو تصريف
الرياح وتصريف الأمور هذا هو الأصل في اللغة ، ثم جعل لفظ التصريف كناية عن التبيين ،
لأن من حاول بيان شيء فانه يصرف كلامه من نوع إلى نوع آخر ومن مثال إلى مثال آخر ليكمل
الايضاح ويقوي البيان فقوله ( ولقد صرفنا ) أي بينا ومفعول التصريف محذوف وفيه وجوه :
أحدها: ولقد صرفنا في هذا القرآن ضروبا من كل مثل. وثانيها: أن تكون لفظة ((في)) زائدة
كقوله ( وأصلح لي في ذريتي ) أي أصلح لي ذريتي . أما قوله ( ليذكروا ) ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الجمهور (ليذكروا) بفتح الذال والكاف وتشديدهما ،
والمعنى : ليتذكروا فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما ، وقرأ حمزة والكسائي ليذكروا
ساكنة الذال مضمومة الكاف ، وفي سورة الفرقان مثله من الذكر الي يحل بعد البيان . ثم
قال : وأما قراءة حمزة والكسائي ففيها وجهان : الأول : أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر
كقوله تعالى ( خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ) والمعنى : وافهموا ما فيه . والثاني : أن
یکون المعنى صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن ليذكر وه بألسنتهم فان الذكر باللسان قد يؤدي
إلى تأثر القلب بمعناه .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الجبائي: قوله (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا) يدل على
أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن، وإنما أكثر فيه من ذكر الدلائل لأنه تعالى أراد منهم فهمها

٢١٨
قوله تعالى ((وما يزيدهم إلا نفورا)) سورة الإسراء
والايمان بها ، وهذا يدل على أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية ، ويدل على أنه تعالى أراد
الايمان من الكل سواء آمنوا أو كفروا والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿وما يزيدهم إلا نفورا ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الأصم: شبههم بالدواب النافرة ، أي ما ازدادوا من الحق إلا
بعدا وهو كقوله ( فزادتهم رجسا)
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى ما أراد الايمان من الكفار، وقالوا
إنه تعالى عالم بأن تصريف القرآن يزيدهم إلا نفورا، فلو أراد الايمان منهم لما أنزل عليهم ما
يزيدهم نفرة ونبوة عنه، لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني
يصير سببا لمزيد النفرة والنبوة عنه ، فانه عند ما يحاول تحصيل ذلك المقصود يحترز عما يوجب
مزيد النفرة والنبوة . فلما أخبر تعالى أن هذا التصريف يزيدهم نفورا ، علمنا أنه ما أراد
الايمان منهم . والله اعلم .
أما قوله تعالى ﴿قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ﴾ ففيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ في تفسيره وجهان :
الوجه الأول﴾ أن المراد من قوله (إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) هو أنا لو
فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى لغلب بعضهم بعضا ، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع وقد شرحناه
في سورة الأنبياء في تفسير قوله ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) فلا فائدة في الاعادة .
الوجه الثاني ﴾ أن الكفار كانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى ، فقال
الله لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها أيضا قربة
إلى الله تعالى وسبيلا اليه ولطلبت لأنفسها المراتب العالية ، والدرجات الشريفة من الأحوال
الرفيعة ، فلما لم تقدر أن تتخذ لانفسها سبيلا إلى الله فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله .
﴿ المسألة الثانية) قرأ ابن كثير كما يقولون وعما يقولون ويسبح بالياء في هذه الثلاثة ،
والمعنى كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه فهو مثل قوله ( قل للذين كفروا ستغلبون
وتحشرون ) وقرأ حمزة والكسائي كلها بالتاء ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم
في الأول بالتاء على الخطاب وفي الثاني والثالث بالياء على الحكاية. وقرأ حفص عن عاصم
الأولين بالياء، والأخير بالتاء، وقرأ أبو عمرو الأول والأخير بالتاء والأوسط بالياء.

٢١٩
قوله تعالى ((سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا)) سورة الإسراء
ثم قال تعالى ﴿ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ لما اقام الدليل القاطع على كونه منزها عن الشركاء، وعلى أن القول
باثبات الآلهة قول باطل ، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال ( سبحانه ) وقد
ذكرنا أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا يليق به ، ثم قال ( وتعالى ) والمراد من هذا
التعالي الارتفاع وهو العلو ، وظاهر أن المراد من هذا التعالي ليس هو التعالي في المكان والجهة ،
لأن التعالي عن الشريك والنظير والنقائص والآفات لا يمكن تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة ،
فعلمنا أن لفظ التعالي في حق الله تعالى غير مفسر بالعلو بحسب المكان والجهة .
﴿ المسألة الثانية) جعل العلو مصدر التعالي فقال تعالى (علوا كبيرا) وكان يجب أن
يقال تعالى تعاليا كبيرا إلا أن نظيره قوله تعالى ( والله أنبتكم من الأرض نباتا )
فان قيل : ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير؟
قلنا : لأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء
والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها ، لأن المنافاة
بين الواجب لذاته والممكن لذاته ، وبين القديم والمحدث ، وبين الغني والمحتاج منافاة لا
تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير .
ثم قال تعالى ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن الحي المكلف يسبح لله بوجهين: الأول: بالقول كقوله
باللسان سبحان الله . والثاني : بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى وتقديسه وعزته ، فأما
الذي لا يكون مكلفا مثل البهائم ، ومن لا يكون حيا مثل الجمادات فهي انما تسبح لله تعالى
بالطريق الثاني ، لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل إلا مع الفهم والعلم والادراك والنطق
وكل ذلك في الجماد محال ، فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني .
واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالما متكلما لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى
عالما قادرا على كونه حيا وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حيا وذلك كفر فانه يقال : إذا جاز
في الجمادات ان تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا
يلزم من کون الشيء عالما قادرا متكلما کونه حیا فلم يلزم من كونه تعالى عالما قادرا كونه حيا
وذلك جهل وكفر ، لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالما قادرا متكلما ، هذا
هو القول الذي أطبق العلماء المحققون عليه ، ومن الناس من قال : إن الجمادات وأنواع

٢٢٠
قوله تعالى ((تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن)) سورة الإسراء
النبات والحيوان كلها تسبح الله تعالى، واحتجوا على صحة قولهم بأن قالوا : دل هذا
النص على كونها مسبحة الله تعالى ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله
تعالى وحكمته لأنه تعالى قال ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) فهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء
غير معلوم لنا . ودلالتها على وجود قدرة الله وحكمته معلوم ، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم
فدل على أنها تسبح الله تعالى وأن تسبيحها غير معلوم لنا ، فوجب أن يكون التسبيح المذكور
في هذه الآية مغايرا لكونها دالة على وجود قدرة الله تعالى وحكمته .
والجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من
الأجزاء التي لا تتجزأ ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الاله ، ولكل
واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة
والحيز والجهة ، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجازئات فلا يحصل
ذلك الاختصاص إلا بتخصيص قادر حكيم .
إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الاله
وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضا دليل تام على وجود الاله تعالى ،
ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم ، وأحوال تلك الصفات غير معلومة ، فلهذا المعنى قال تعالى
( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) .
والوجه الثاني ﴾ هو أن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم باثبات إله العالم إلا أنهم
ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل ، ولهذا المعنى قال تعالى ( وكأين من آية في السموات
والأرض يمرون عليها وهم عنا معرضون ) فكان المراد من قوله ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم )
هذا المعنى .
﴿ والوجه الثالث ) أن القوم وان كانوا مقرين بألسنتهم باثبات إله العالم إلا أنهم ما
كانوا عالمين بكمال قدرته . ولذلك فانهم استبعدوا كونه تعالى قادرا على الحشر والنشر فكان المراد
بذلك . وأيضا فانه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم ( قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذا
لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) فهم ما كانوا عاليمن بهذا الدليل فلما ذكر هذا الدليل قال
( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن)، فتسبيح السموات والأرض ومن فيهن يشهد
بصحة هذا الدليل وقوته، وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه ، بل نقول : إن القوم
كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والعدل ، والنبوة والمعاد ، فكان المراد من قوله ( ولكن لا