النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
قوله تعالى ((ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن)) سورة الإسراء
أعمال البر موجبة للثواب تقدم الايمان ، فاذا لم يوجد الشرط لم يحصل المشروط ، ثم إنه تعالى
اخبر أن عند حصول هذه الشرائط يصير السعي والعمل مبرورا .
واعلم أن الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة : اعتقاد كونه محسنا في تلك الأعمال ،
والثناء عليه بالقول ، والاتيان بأفعال تدل على كونه معظما عند ذلك الشاكر ، والله تعالى يعامل
المطيعين بهذه الأمور الثلاثة ، فإنه تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك الأعمال ، وأنه تعالى يثني
عليهم بكلامه وأنه تعالى يعاملهم بمعاملات دالة على كونهم معظمين عند الله تعالى ، واذا كان
مجموع هذه الثلاثة حاصلا كانوا مشكورين على طاعاتهم من قبل الله تعالى ، ورأيت في كتب
المعتزلة ان جعفر بن حرب حضر عنده واحد من أهل السنة وقال : الدليل على أن الايمان
حصل بخلق الله تعالى أنا نشكر الله على الايمان ، ولولم يكن الايمان حاصلا بايجاده لامتنع أن
نشكره عليه ، لأن مدح الانسان وشكره على ما ليس من عمله قبيح، قال الله تعالى ( ويحبون ان
يحمدوا بما لم يفعلوا ) فعجز الحاضرون عن الجواب ، فدخل ثمامة بن الأشرس وقال : إنما
نمدح الله تعالى ونشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب، وإيضاح الدلائل ،
والله تعالى يشكرنا على فعل الايمان . قال تعالى ( فأولئك كان سعيهم مشكورا ) قال فضحك
جعفر بن حرب وقال صعب المسألة فسهلت .
واعلم أن قولنا : مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل كلام واضح ، لأنه تعالى هو
الذي اعطى الموجب التام لحصول الايمان فكان هو المستحق للشكر ، ولما حصل الايمان للعبد
وكان الايمان موجبا للسعادة التامة صار العبد أيضا مشكورا ولا منافاة بين الأمرين .
المسألة الثانية ﴾ اعلم أن كل من أتى بفعل فاما أن يقصد بذلك الفعل تحصيل
خيرات الدنيا ، أو تحصيل خيرات الآخرة ، أو يقصد به مجموعهما ، أو لم يقصد به واحدا
منهما ، هذا هو التقسيم الصحيح ، أما إن قصد به تحصيل الدنيا فقط أو تحصيل الآخرة فقط ،
فالله تعالى ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية .
أما القسم الثالث ﴾ فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، لأنه إما أن يكون طلب الآخرة
راجحا أو مرجوحا ، أو يكون الطلبان متعادلين .
﴿ أما القسم الأول) وهو أن يكون طلب الآخرة راجحا، فهل يكون هذا العمل
مقبولا عند الله تعالى فيه بحث ، يحتمل أن يقال : إنه غير مقبول لما روى أن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه حكى عن رب العزة أنه قال ((أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه
غيري تركته وشريكه )) وأيضا فطلب رضوان الله إما أن يقال : إنه كان سببا مستقلا بكونه باعثا
على ذلك الفعل أوداعيا اليه ، وإما أن يقال : ما كان كذلك ، فإن كان الأول امتنع أن يكون

١٨٢
قوله تعالى ((وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا)) سورة الإسراء
لغيره مدخل في ذلك البعث والدعاء ، لأن الحكم اذا حصل مسندا الى سبب تام كامل امتنع أن
يكون لغيره مدخل فيه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون الحامل على ذلك الفعل والداعي اليه
ذلك المجموع ، وذلك المجموع ليس هو طلب رضوان الله تعالى ، لأن المجموع الحاصل من
الشيء ومن غيره يجب كونه مغايراً لكل واحد من جزئيه فهذا القسم التحق بالقسم الذي كان
الداعي اليه مغايرا لطلب رضوان الله تعالى فوجب أن يكون مقبولا ، ويمكن ان يقال لما كان
طلب الأخرة راجحا على طلب الدنيا تعارض المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب
الآخرة فوجب كونه مقبولا ، وأما إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلین ، أو كان طلب.
الدنيا راجحا فهذا قد اتفقوا على أنه غير مقبول إلا أنه على كل حال خير مما إذا كان طلب الدنيا
خاليا بالكلية عن طلب الآخرة .
وما القسم الرابع ﴾ وهو أن يقال إنه أقدم على ذلك الفعل من غير داع فهذا بناء على
أن صدور الفعل من القادر هل يتوقف على حصول الداعي أم لا ؟ فالذين يقولون إنه متوقف
قالوا هذا القسم ممتنع الحصول ، والذين قالوا إنه يتوقف قالوا هذا الفعل لا أثر له في الباطن
وهو محرم في الظاهر لأنه عبث والله اعلم .
ثم قال تعالى ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين والتنوعين عوض من المضاف اليه
( نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) أي أنه تعالى يمد الفريقين بالأموال ويوسع عليهما في
الرزق مثل الأموال والأولاد وغيرهما من أسباب العز والزينة في الدنيا ، لأن عطائنا ليس
يضيق عن أحد مؤمنا كان أو كافرا لأن الكل مخلوقون في دار العمل ، فوجب إزالة العذر وإزالة
العلة عن الكل وإيصال متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح فبين تعالى أن
عطاءه ليس بمحظور ، أي غير ممنوع يقال حظره يحظره ، وكل من حال بينك وبين شيء فقد
حظره عليك .
ثم قال تعالى ﴿ أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ وفيه قولان :
﴿القول الأول﴾ المعنى: انظر إلى عطائنا المباح إلى الفريقين في الدنيا ، كيف فضلنا
بعضهم على بعض فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر ، وأوصلناه إلى كافر ، وقبضناه
عن كافر آخر ، وقد بين تعالى وجه الحكمة في هذا التفاوت فقال ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم
في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) وقال في آخر
سورة الأنعام ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ).
ثم قال ﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾ والمعنى: أن تفاضل الخلق في

١٨٣
قوله تعالى ((ولا تجعل مع الله إلها آخر)) سورة الإسراء
لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَانَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا تَخْذُولًا
درجات منافع الدنيا محسوس ، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم ، فان نسبة
التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا ، فاذا كان
الانسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى .
القول الثاني ﴾ إن المراد أن الآخرة أعظم وأشرف من الدنيا ، والمعنى أن المؤمنين
يدخلون الجنة ، والكافرين يدخلون النار ، فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين ، ونظيره قوله
تعالى ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقر او احسن مقيلا )
قوله تعالى ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ﴾ الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في بيان وجه النظم، فنقول : إنه تعالى لما بين أن الناس فريقان
منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العقاب والعذاب ، ومنهم من يريد به طاعة الله وهم
أهل الثواب . ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة : أولها : إرادة الآخرة . وثانيها : أن يعمل عملا
ويسعى سعياموافقالطلب الآخرة . وثالثها : أن يكون مؤمنا،لا جرم فصل في هذه الآية تلك
المجملات فبدأ أولا بشرح حقيقة الايمان . وأشرف أجزاء الايمان هو التوحيد ونفي الشركاء
والأضداد فقال ( لا تجعل مع الله إلها آخر ) ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون المقدم
عليها ، والمشتغل بها ساعيا سعيا يليق بطلب الآخرة ، وصار من الذين سعد طائرهم وحسن
بختهم وكملت أحوالهم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال المفسرون : هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ،
ولكن في المعنى عام لجميع المكلفين كقوله ( يا ايها النبي إذا طلقتم النساء ) ويحتمل أيضا أن
يكون الخطاب للانسان كأنه قيل : أيها الانسان لا تجعل مع الله إلها آخر ، وهذا الاحتمال عندي
اولى ، لأنه تعالى عطف عليه قوله (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) إلى قوله ( إما يبلغن عندك
الكبر أحدهما أو كلاهما ) وهذا لا يليق بالنبي عليه السلام ، لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده
فعلمنا أن المخاطب بهذا هو نوع الانسان .
المسألة الثالثة ﴾ معنى الآية أن من أشرك بالله كان مذموما مخذولا ، والذي يدل على
أن الأمر كذلك وجوه : الأول : ان المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذم والخذلان .
الثاني : انه لما ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر ولا مقدر إلا الواحد الأحد ، فعلى هذا التقدير
تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى ، فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير

١٨٤
قوله تعالى ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)) سورة الإسراء
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ
الله تعالى ، مع أن الحق أن كلها من الله ، فحينئذ يستحق الذم ، لأن الخالق تعالى استحق
الشكر باعطاء تلك النعم فلما جحد كونها من الله ، فقد قابل إحسان الله تعالى بالاساءة
والجحود والكفران فاستوجب الذم وإنما قلنا يستحق الخذلان ، لأنه لما أثبت شريكا لله تعالى
استحق أن يفوض أمره إلى ذلك الشريك ، فلما كان ذلك الشريك معدوما بقي بلا ناصر ولا
حافظ ولا معين وذلك عين الخذلان. الثالث: أن الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة ،
فمن أثبت الشريك فقد وقع في جانب النقصان واستوجب الذم والخذلان ، واعلم أنه لما دل
لفظ الآية على أن المشرك مذموم مخذول وجب بحكم الآية أن يكون الموحد ممدوحا منصورا .
والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ القعود المذكور في قوله ( فتقعد مذموما تخذولا ) فيه وجوه :
الأول : أن معناه : المكث أي فتمكث في الناس مذموما مخذولا ، وهذه اللفظة مستعملة في
لسان العرب والفرس في هذا المعنى، فإذا سأل الرجل غيره ما يصنع فلان في تلك البلدة ؟ فيقول
المجيب : هو قاعد بأسوأ حال معناه : المكث سواء كان قائما أو جالسا . الثاني : أن من شأن
المذموم المخذول أن يقعد نادما متفكرا على ما فرط منه . الثالث : أن المتمكن من تحصيل
الخيرات يسعى في تحصيلها ، والسعي إنما يتأتى بالقيام ، وأما العاجز عن تحصيلها فانه لا يسعى
بل يبقى جالسا قاعدا عن الطلب فلما كان القيام على الرجل أحد الأمور التي بها يتم الفوز
بالخيرت ، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة والقدرة لا جرم جعل القيام كناية
عن القدرة على تحصيل الخيرات. والقعود كناية عن العجز والضعف .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الواحدي: قوله ( فتقعد ) انتصب لأنه وقع بعد الفاء جوابا
للنهي وانتصابه باضمار ((أن)) كقولك لا تنقطع عنا فنجفوك ، والتقدير : لا يكن منك انقطاع
فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدمة بحرف الفاء التي هي حرف العطف .
وانما سماه النحويون جوابا لكونه مشابها للجزاء في أن الثاني مسبب عن الأول ، ألا ترى أن
المعنى: إن انقطعت جفوتك، كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلها آخر قعدت مذموما
مخذولا .
قوله تعالى ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه
اعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى ما هو الركن الأعظم في الإيمان ، أتبعه بذكر ما هو من
شعائر الايمان وشرائطه وهي أنواع :

١٨٥
قوله تعالى ((وبالوالدين احسانا اما يبلغن عندك الكبر)) سورة الإسراء
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُ هُمَا أَوْ كِلَا هُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ
وَلَ تَنْهَ هُمَا وَقُل ◌َّهُمَا قَوْلاً كَرِيِمً (﴾ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل
رَّبِّ أَرْتَهُمَا كَمَا رَبََّنِى صَغِيرًا ﴾ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِ نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ
صَْلِحِينَ فَإِنَّهُ، كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا
٢٥
﴿ النوع الأول﴾ أن يكون الانسان مشتغلا بعبادة الله تعالى، وأن يكون محترزا عن
عبادة غير الله تعالى ، وهذا هو المراد من قوله ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) وفيه بحثان :
البحث الأول ﴾ القضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ . والدليل عليه
أن الواحد منا إذا أمر غيره بشيء فانه لا يقال إنه قضى عليه ، أما إذا أمره أمرا جزما وحكم عليه
بذلك الحكم على سبيل البت والقطع ، فههنا يقال : قضى عليه ولفظ القضاء في أصل اللغة
يرجع إلى إتمام الشيء وانقطاعه . وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال : في هذه
الآية كان الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرى ( وقضى ربك ) ثم
قال : ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط ، لأن خلاف قضاء الله ممتنع ، هكذا رواه عنه
الضحاك وسعيد بن جبير ، وهو قراءة علي وعبدالله .
واعلم ان هذا القول بعيدا جدا لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى
القرآن ، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة ولا شك أنه
طعن عظیم في الدين .
البحث الثاني ﴾ قد ذكرنا ان هذه الآية تدل على وجوب عبادة الله تعالى وتدل على
المنع عن عبادة غير الله تعالى وهذا هو الحق ، وذلك لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على
نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الانعام ، ونهاية الانعام عبارة عن
إعطاء الوجود والحياة ، والقدرة والشهوة والعقل ، وقد ثبت بالدلائل أن المعطي لهذه الآشياء
هو الله تعالى لا غيره ، وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله لا غيره ، لا جرم كان المستحق
للعبادة هو الله تعالى لا غيره ، فثبت بالدليل العقلي صحة قوله ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا
إياه ) .
قوله تعالى ﴿ وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف
ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني
صغيرا ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونواصالحين فانه كان للأوابين غفورا ﴾ .

١٨٦
قوله تعالى ((وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر)) سورة الاسراء
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى أمر بعبادة نفسه، ثم أتبعه بالامر ببر الوالدين
وبيان المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى وبين الأمر ببر الوالدين من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن السبب الحقيقي لوجود الانسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده ،
والسبب الظاهري هو الأبوان ، فأمر بتعظيم السبب الحقيق ، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب
الظاهري .
﴿ الوجه الثاني﴾ أن الموجود إما قديم وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الانسان
مع الاله القديم بالتعظيم والعبودية ، ومع المحدث باظهار الشفقة وهو المراد من قوله عليه
السلام ((التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله)) وأحق الخلق بصرف الشفقة اليه هما الأبوان
لكثرة إنعامهما على الانسان فقوله ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) إشارة الى التعظيم لأمر الله
وقوله ( وبالوالدين إحسانا ) إشارة الى الشفقة على خلق الله .
الوجه الثالث ﴾ أن الاشتغال بشكر المنعم واجب ، ثم المنعم الحقيقي هو الخالق
سبحانه وتعالى . وقد يكون أحد من المخلوقين منعما عليك ، وشكره أيضا واجب لقوله عليه
السلام ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) وليس لأحد من الخلائق نعمة على الانسان مثل ما
للوالدين وتقريره من وجوه: أحدها: أن الولد قطعة من الوالدين قال عليه السلام ((فاطمة
بضعة مني)) وثانيها: أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد
كالأمر الطبيعي واحترازهما عن ايصال الضرر اليه كالأمر الطبيعي، ومتى كانت الدواعي إلى
إيصال الخير متوفرة، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير، فوجب أن تكون نعم
الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان . وثالثها : أن الانسان
حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية العجز، يكون في إنعام الأبوين فاصناف نعمهما في ذلك
الوقت واصلة اليه، وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت، ومن المعلوم
أن الانعام إذا كان واقعا على هذا الوجه كان موقعه عظيما. ورابعها : أن إيصال الخير إلى الغير
قد يكون الداعية إيصال الخير اليه وقد يمتزج بهذا الغرض سائر الأغراض، وإيصال الخير إلى
الولد ليس لهذا الغرض فقط، فكان الانعام فيه أتم وأكمل، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين
نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله (وقضى
ربك ألا تعبدوا إلا إياه) ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله (وبالوالدين إحسانا) والسبب
فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الاله الخالق نعمة الوالدين .

١٨٧
قوله تعالى ((وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر)) سورة الإسراء
فان قيل : الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد في الوجود
وحصوله في عالم الآفات والمخافات ، فأي انعام للأبوين على الولد ؟ حكى أن واحدا من
المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد .
وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة ، وقيل لأبي العلاء المعري : ماذا نكتب على قبرك ؟
قال اكتبوا عليه ؛
وما جنيت على أحد
هذا ما جناه أبي علي
وقال في ترك التزوج والولد :
العدم التي سبقت نعيم العاجل
وترکت أولادي وهم في نعمة
ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة
ترمى بهم في موبقات الآجل
وقيل للأسكندر : أستاذك أعظم منة عليك أم والدك ؟ فقال : الاستاذ أعظم منة ،
لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي أرتعني في نور اعلم ، وأما الوالد فانه طلب
تحصيل لذة الوقاع لنفسه ، وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد . ومن الكلمات المشهورة
المأثورة : خير الآباء من علمك .
والجواب : هب أنهما في أول الأمر طلبا لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بايصال الخيرات ،
وفي دفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما
يتخيل من جهات الخيرات والمبرات ، فسقطت هذه الشبهات والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية ) قوله (وبالوالدين إحسانا) قال أهل اللغة : تقدير الآية وقضى ربك
ألا تعبدوا إلا الله وأن تحسنوا ، أو يقال : وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين
إحسانا . قال صاحب الكشاف : ولا يجوز أن تتعلق الباء في ( وبالوالدين ) بالاحسان لأن
المصدر لا تتقدم عليه صلته ثم لم يذكر دليلا على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته .
وقال الواحدي في البسيط: الباء في (وبالوالدين) من صلة الاحسان وقدمت علیه كما تقول بزيد
فامرو، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق، لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه،
المثال المذكور ليس كذلك .
المسألة الثالثة﴾ قال القفال : لفظ الاحسان قد يوصل بحرف الباء تارة، وبحرف إلى
أخرى ، وكذلك الاساءة . يقال: أحسنت به وإليه ، وأسأت به وإليه . قال الله تعالى ( وقد
أحسن بي ) وقال القائل :

١٨٨
قوله تعالى ((إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما)) سورة الإسراء
لدينا ولا مقلية إن تقلت
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة
وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحدمنها يوجب المبالغة في الاحسان إلى
الوالدين : أحدهما : أنه تعالى قال في الآية المتقدمة ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو
مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتلمة على الأعمال التي
بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر بالوالدين ، وذلك يدل على ان هذه
الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة . وثانيها : أنه تعالى بدأ بذكر الأمر
بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى ، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في
تعظيم هذه الطاعة . وثالثها : أنه تعالى لم يقل : وإحسانا بالوالدين ، بل قال ( وبالوالدين
إحسانا ) فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام . ورابعها : أنه قال ( إحسانا ) بلفظ التنكير
والتنكير يدل على التعظيم ، والمعنى : وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا عظيما
كاملا ، وذلك لأنه لما كان إحسانهما اليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك اليهما
كذلك ، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة ، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل
الابتداء وفي الأمثال المشهورة أن البادىء بالبر لا يكافأ .
ثم قال تعالى ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ لفظ ((إما)) لفظة مركبة من لفظتين: إن، وما . أما كلمة إما فهي
للشرط ، وأما كلمة ( ما ) فهي أيضا للشرط كقوله تعالى ( ما ننسخ من آية ) فلما جمع بين هاتين
الكلمتين أفاد التأكيد في معنى الاشتراط ، الا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التأكيد ، لأن
الفعل يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول : إن نون التأكيد إنما يليق بالموضع الذي
يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه ، إلا أن هذا
المعنى لا يليق بهذا الموضع ، لأن قول القائل : الشيء إما كذا وإما كذا ، فالمطلوب منه ترديد
الحكم بين ذينك الشيئين المذكورين ، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق
الجمع بين كلمة إما وبين نون التأكيد ؟
وجوابه : أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا يقع والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ الأكثرون: ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) وعلى
هذا التقدير فقوله ( يبلغن ) فعل وفاعله هو قوله ( أحدهما ) وقوله ( أو كلاهما ) عطف عليه
كقولك : ضرب زيد أو عمرو: ولو أسند قوله ( يبلغن ) إلى قوله ( كلاهما ) جاز لتقدم
الفعل ، تقول قال رجل ، وقال رجلان ، وقالت الرجال ، وقرأ حمزة والكسائي ( يبلغان )

١٨٩
قوله تعالى (( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما)) سورة الإسراء
وعلى هذه القراءة فقوله ( أحدهما ) بدل من ألف الضمير الراجع الى الوالدين وكلام العطف
على أحدهما فاعلا أو بدلا .
فان قيل : لو قيل إما يبلغان كلاما كان كلاهما توكيدا لا بدلا ، فلم زعمتم أنه بدل ؟
قلنا : لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين فانتظم في حكمه ، فوجب
أن یکون مثله في كونه بدلا .
فان قيل : لم لا يجوز أن يقال قوله ( أحدهما ) بدل ، وقوله ( أو كلاهما ) توكيد ،
ويكون ذلك قلنا : العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلا والآخر توكيدا خلاف الاصل
والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أبو الهيثم الرازي، وأبو الفتح الموصلى ، وابو علي الجرجاني :
إن «كلا)) اسم مفرد يفيد معنى التثنية ووزنه فعل ولامه فعل بمنزلة لام حجى ورضى وهي كلمة
: وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الأثنان خاصة ولا تكون الا مضافة. والدليل عليه أنها لو كان
. تثنية لوجب ان يقال في النصب والخفض مررت بکلي الرجلین بکسر الياء كما تقول: بين يدي
الرجل ومن ثلثي الليل، ويا صاحبي السجن وطرفي النهار. ولما لم يكن الأمر كذلك، علمنا
انها ليست تثنية بل هي لفظة مفردة وضعت للدلالة على التثنية كما ان لفظة كل اسم واحد
موضوع للجماعة، فاذن أخبرت عن لفظة كما تخبر عن الواحد كقوله تعالى ( وكلهم آتية يوم
القيامة فردا ) وكذلك اذا أخبرت عن کلا أخبرت عن واحد فقلت کلا إخوتك کان قائما قال
الله تعالى (كلتا الجنتين آتت أكلها) ولم يقل آتتا والله أعلم .
المسألة الرابعة ) قوله ( يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) معناه: أنهما يبلغان
الى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول/العمر.
واعلم انه تعالى لما ذكر هذه الجملة فعند هذا الذكر كلف الانسان في حق الوالدين
بخمسة اشياء :
النوع الأول ﴾ قوله تعالى ( فلا تقل لهما أف) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج : فيه سبع لغات: كسر الفاء وضمها وفتحها ، وكل
هذه الثلاثة بتنوين وبغير تنوين فهذه ستة واللغة السابعة (أفي) بالياء قال الأخفش: كأنه أضاف
هذا القول إلى نفسه فقال: قولي هذا،وذكر ابن الأنباري: من لغات هذه اللفظة ثلاثة زائدة على ما
ذكره الزجاج : ( أف) بكسر الألف وفتح الغاء وافة بضم الألف وادخال الهاء و( أف) بضم

١٩٠
قوله تعالى ((فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما)) سورة الإسراء
الألف وتسكين الفاء .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين ، ونافع
وحفص : بكسر الفاء والتنوين ، والباقون : بكسر الفاء من غير تنوين وكلها لغات ، وعلى هذا
الخلاف في سورة الأنبياء ( أف لكم ) وفي الأحقاف ( أف لكما ) وأقول : البحث المشكل ههنا
أنا لما نقلنا عشرة أنواع من اللغات في هذه اللفظة ، فما السبب في أنهم تركوا أكثر تلك اللغات
في قراءة هذه اللفظة ، واقتصروا على وجوه قليلة منها ؟
﴿ المسألة الثالثة) ذكروا في تفسير هذه اللفظة وجوها : الأول: قال الفراء: تقول
العرب جعل فلان يتأفف من ريح وجدها ، معناه يقول : أف أف. الثاني : قال الاصمعي :
الأف وسخ الأذن ، والتف وسخ الظفر . يقال ذلك عند إستقذار الشيء ، ثم كثر حتى
استعملوا عند كل ما يتأذون به الثالث : قال بعضهم أف معناه قلة ، وهو مأخوذ من الأفيف
وهو الشيء القليل وتف أتباع له ، كقولهم : شيطان ليطان خبيث نبيث . الرابع : روى ثعلب
عن ابن الأعرابي : الأف الضجر . الخامس : قال القتبي : أصل هذه الكلمة أنه اذا سقط
عليك تراب أو رماد نفخت فيه لتزيله والصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قولك أف، ثم
إنهم توسعوا فذكروا هذه اللفظة عند كل مكروه يصل اليهم . السادس : قال الزجاج : أف
معناه النتن وهذا قول مجاهد ، لأنه قال معنى قوله ( ولا تقل لهما أف) أي لا تتقذرهما كما أنهما
لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول ، وفي رواية أخرى عند مجاهد أنه اذا وجدت منهما رائحة
تؤذيك فلا تقل لهما أف .
المسألة الرابعة ﴾ قول القائل : لا تقل لفلان أف، مثل يضرب من كل مكروه وأذية
وإن خف وقل . واختلف الأصوليون في أن دلالة هذا للفظ على المنع من سائر أنواع الايذاء
دلالة لفظية أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس . قال بعضهم : إنها دلالة لفظية ، لأن أهل
العرف اذا قالوا لا تقل لفلان أف عنوا به أنه لا يتعرض له بنوع من أنواع الايذاء والايحاش ،
وجرى هذا مجرى قولهم فلان لا يملك نقيرا ولا قطميرا في أنه بحسب العرف يدل على أنه لا
يملك شيئا .
والقول الثاني ﴾ أن هذا اللفظ إنما يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء بحسب
القياس الجلي، وتقريره أن الشرع اذا نص على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى،
فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت اولى من ثبوته في محل الذكر مثل هذه
أ

١٩١
قوله تعالى ((فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما)) سورة الإسراء
الصورة، فان اللفظ إنما دل على المنع من التأفيف والضرب أولى بالمنع من التأفيف، وثانيها: أن
يكون الحكم في محل السكوت مساويا للحكم في محل الذكر، وهذا هو الذي يسميه الأصليون
القياس فبمعنى الأصل، وضربوا لهذا مثلا وهو قوله عليه السلام ((من أعتق نصيبا له من عبد
قوم عليه الباقي)) فان الحكم في الأمة والعبد متساويان. وثالثها: أن يكون الحكم في محل
السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكبر القياسات .
إذا عرفت هذا فنقول : المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس
الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الاعلى . والدليل عليه : أن التأفيف غير
الضرب ، فالمنع من التأفيف لا يكون منعا من الضرب ، وأيضا المنع من التأفيف لا يستلزم المنع
من الضرب عقلا ، لأن الملك الكبير اذا أخذ ملكا عظيما كان عدوا له ، فقد يقول للجلاد إياك
أن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته ، واذا كان هذا معقولا في الجملة
علمنا أن المنع من التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم أيضا للمنع من الضرب عقلا في
الجملة ، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين
بدليل قوله ( وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) فكانت دلالة المنع من
التأفيف على المنع من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى ، والله أعلم .
﴿ النوع الثاني ﴾ من الاشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين قوله ( لا
تنهرهما ) يقال : نهره وانتهره اذا استقبله بكلام يزجره . قال تعالى ( وأما السائل فلا تنهر ) .
فان قيل : المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى ، فلما قدم المنع من
التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثا . أما لو فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه
بالمنع من التأفيف كان مفيدا حسنا ، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما
السبب فى رعاية هذا الترتيب .
قلنا : المراد من قوله ( فلا تقل لهما أف) المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير ،
والمراد من قوله ( ولا تنهرهما ) المنع من اظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب .
له .
النوع الثالث ) قوله تعالى (وقل لهما قولا كريما) واعلم أنه تعالى لما منع الانسان
بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش ، والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمرا بالقول
الطيب ، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال ( وقل لهما قولا كريما)

١٩٢
قوله تعالى ((فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما)) سورة الإسراء
والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام . قال عمر بن الخطاب رضي
الله عنه: هو أن يقول له : يا أبتاه يا أماه ، وسئل سعيد بن المسيب : عن القول الكريم
فقال : هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ، وعن عطاء أن يقول: هو أن تتكلم معه بشرط أن لا
ترفع عليهما صوتك ولا تشد اليهما نظرك ، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم .
فان قيل : إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلما وكرما وأدبا ، فكيف قال لأبيه
يا آزر على قراءة من قرأ ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) بالضم ( إني أراك وقومك في ضلال
مبين ) فخاطبه بالاسم وهو إيذاء ، ثم نسبه ونسب قومه الى الضلال وهو أعظم أنواع
الايذاء ؟
قلنا : إن قوله تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) يدل على أن
حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين ، فإقدام ابراهيم عليه السلام على ذلك الايذاء إنما كان
تقديما لحق الله تعالى على حق الأبوين .
﴿ النوع الرابع﴾ قوله (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) والمقصود منه المبالغة في
التواضع ، وذكر القفال رحمه الله في تقريره وجهين : الأول : أن الطائر اذا أراد ضم فرخه اليه
للتربية خفض له جناحه ، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية ، فكأنه قال
للولد : اكفل والديك بأن تضمهما الى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك ، والثاني : أن
الطائر اذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحيه واذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض
جناحه ، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه .
فان قيل : کیف أضاف الجناح الی الذل والذل لا جناح له ؟
قلنا : فيه وجهان : الأول : أنه أضيف الجناح الى الذل كما يقال : حاتم الجود فكما أن
المراد هناك حاتم الجواد فكذلك ههنا المراد ، واخفض لهما جناحك الذليل ، أي المذلول ،
والثاني : أن مدار الاستعارة على الخيالات فههنا تخيل للذل جناحا وأثبت لذلك الجناح ضعفا
تكميلا لأمر هذه الاستعارة كما قال لبيد :
إذا أصبحت بيد الشمال زمامها
فأثبت للشمال يدا ووضع زمامها في يد الشمال فكذا ههنا وقوله ( من الرحمة ) معناه :
ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما .
﴿ والنوع الخامس ﴾ قوله ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) وفيه مباحث :

١٩٣
قوله تعالى ((وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)) سورة الإسراء
البحث الأول ﴾ قال القفال رحمه الله تعالى إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على
تعليم الأقوال بل أضاف اليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول ( رب ارحمهما )
ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا . ثم يقول ( كما ربياني صغيرا ) يعني رب
افعل بهما هذا النوع من الاحسان كما أحسنا الي في تربيتهما إياي ، والتربية هي التنمية ، وهي
من قولهم ربا الشيء إذا انتفخ ، ومنه قوله تعالى ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت )
﴿ البحث الثاني﴾ اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال :
القول الأول﴾ أنها منسوخة بقوله تعالى ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا
للمشركين ) فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ، ولا يقول : رب ارحمهما .
﴿ والقول الثاني) أن هذه الآية غير منسوخة، ولكنها مخصوصة في حق المشركين ،
وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ .
﴿ والقول الثالث ﴾ أنه لا نسخ ولا تخصیص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو
لهما بالهداية والارشاد ، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الايمان .
﴿ البحث الثالث) ظاهر الأمر للوجوب فقوله (وقل رب ارحمهما ) أمر وظاهر الأمر لا
يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة ، سئل سفيان : كم
يدعو الانسان لوالديه ؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة ؟ فقال : نرجو أن يجزئه إذا دعا
لهما في أواخر االتشهدات كما أن الله تعالى قال ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ) فكانوا يرون
أن التشهد يجزى عن الصلاة على النبي ◌َ ◌ّر، وكما أن الله تعالى قال ( واذكروا الله في أيام
معدودات) فهم يكررون في أدبار الصلوات .
ثم قال تعالى ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين﴾ والمعنى أنا قد أمرناكم
في هذه الآية باخلاص العبادة لله تعالى وبالاحسان بالوالدين ، ولا يخفى على الله ما تضمر ونه
في أنفسكم من الاخلاص في الطاعة وعدم الاخلاص فيها ، فاعلموا أن الله تعالى مطلع على ما
في نفوسكم بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها ، لأن علوم البشرقد يختلط بها السهو والنسيان
وعدم الاخاطة بالكل ، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال ، وإذا كان الأمر كذلك كان
عالما بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الاخلاص .
ثم قال تعالى ﴿ إن تكونوا صالحين﴾ أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في أحوال
قلوبكم كنتم أوّابين ، أي رجاعين الى الله منقطعين اليه في كل الأعمال وسنة الله وحكمه في
الفخر الرازي ج ٢٠ م١٣
١

١٩٤
قوله تعالى ((وآت ذا القربى حقه)) سورة الإسراء
وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ, وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُنَذِرْ تَبْذِيرًا (٣) إِنَّ الْمُبَذِّرِّينَ كَانُواْ
إِخْوَّنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا (8﴾ وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ
مِن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا (٨)
الأوابين أنه غفور لهم يكفر عنهم سيآتهم ، والأواب هو الذي من عادته وديدنه الرجوع الى أمر
الله تعالى والالتجاء الى فضله ولا يلتجىء الى شفاعة شفيع كما يفعله المشركون الذين يعبدون
من دون الله تعالى جمادا يزعمون أنه يشفع لهم ، ولفظ الأواب على وزن فعال ، وهو يفيد
المداومة والكثرة كقولهم: ﴾ قتّال وضرّاب والمقصود من هذه الآية أن الآية الأولى لما دلت على
وجوب تعظيم الوالدين من كل الوجوه ثم إن الوالد قد يظهر منه نادرة مخلة بتعظيمهما فقال
(ربكم أعلم بما في نفوسكم) يعني أنه تعالى عالم بأحوال قلوبكم فان كانت تلك الهفوة ليست
لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلة البشرية كانت في محل الغفران والله اعلم .
قوله تعالى ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين
كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك
ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ﴾ .
اعلم أن هذا النوع الرابع من أعمال الخير والطاعة المذكورة في هذه الآيات وفيه
مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله (وآت ) خطاب مع من ؟ فيه قولان :
﴿القول الأول ) أنه خطاب للرسول ◌َ ليل فأمره الله أن يؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت
لهم في الفيء والغنيمة ، وأوجب عليه أيضا إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضا من هذين
المثالين .
والقول الثاني ) أنه خطاب للكل والدليل عليه أنه معطوف على قوله ( وقضى ربك
ألا تعبدوا الا إياه) أنك بعد فراغك من بر الوالدين ، يجب ان تشتغل ببر سائر الأقارب،
الأقرب فالأقرب ثم باصلاح أحوال المساكين وأبناء السبيل .
واعلم أن قوله تعالى ( وآت ذا القربى حقه ) مجمل وليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو ،
وعند الشافعي رحمه الله أنه لا يجب الانفاق الا على الوالدين ، وقال قوم يجب الانفاق على
المحارم بقدر الحاجة واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم فلا حق لهم الا الموادة

١٩٥
قوله تعالى ((إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)) سورة الإسراء
والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة في السراء والضراء . أما المسكين وابن السبيل فقد تقدم
وصفهما في سورة التوبة في تفسير آية الزكاة . ويجب أن يدفع الى المسكين ما يفي بقوته وقوت
عياله ، وأن يدفع الى ابن السبيل ما يكفيه من زاده وراحلته الى أن يبلغ مقصده .
ثم قال تعالى ﴿ولا تبذر تبذيرا﴾ والتبذير في اللغة إفساد المال وإنفاقه في السرف، قال
عثمان ابن الأسود : كنت أطوف في المساجد مع مجاهد حول الكعبة فرفع رأسه الى ابي قبيس
وقال : لو أن رجلا أنفق مثل هذا في طاعة الله لم يكن من المسرفين ، ولو انفق درهما واحدا في
معصية الله كان من المسرفين . وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقيل له لا خير في السرف فقال
لا سرف في الخير، وعبد الله بن عمر قال: مر رسول الله وَ ل بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا
السرف يا سعد ؟ فقال : أوفي الوضوء سرف؟ قال نعم : وان كنت على نهر جار ثم نبه تعالى على
قبح التبذير باضافة اياه الى أفعال الشياطين فقال ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) والمراد
من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح ، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء
وأخاله، فيقولون فلان أخو الكرم والجود ، وأخو السفر اذا كان مواظبا على هذه الأعمال ،
وقيل قوله ( إخوان الشياطين ) أي قرناءهم في الدنيا والآخرة كما قال ( ومن يعش عن ذكر
الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) وقال تعالى ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) أي
قرناءهم من الشياطين ، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان فقال ( وكان الشيطان لربه كفورا )
ومعنى كون الشيطان كفورا لربه ، هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي والافساد في الأرض ،
والاضلال للناس . وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالاً أو جاها فصرفه الى غير مرضاة الله تعالى
كان كفورا لنعمة الله تعالى ، والمقصود : أن المبذرين إخوان الشياطين ، بمعنى كونهم موافقين
للشياطين في الصفة والفعل ، ثم الشيطان كفور لربه فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه ، وقال
بعض العلماء : خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال
بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر ، وكان المشركون من قريش وغيرهم
ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الاسلام وتوهين أهله ، وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية
تنبيها على قبح أعمالهم في هذا الباب .
ثم قال تعالى ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها﴾ والمعنى: أنك إن
أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد بسبب الفقر والقلة
( فقل لهم قولا ميسورا) أي سهلا لينا وقوله ( ابتغاء رحمة من ربك ترجوها) كناية عن
الفقر ، لأن فاقد المال يطلب رحمة الله واحسانه . فلما كان فقد المال سببا لهذا الطلب ولهذا
الابتغاء أطلق اسم السبب على المسبب فسمي الفقر بابتغاء رحمة الله تعالى ، والمعنى : أن عند

١٩٦
قوله تعالى ((ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك)) سورة الاسراء
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا ◌َحْسُورًا
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنُّ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرً بَصِيرًا (ي﴾
حصول الفقر والقلة لا تترك تعهدهم بالقول الجميل والكلام الحسن ، بل تعدهم بالوعد
الجميل وتذكر لهم العذر وهو حصول القلة وعدم المال ، أو تقول لهم : الله يسهل ، وفي تفسير
القول الميسور وجوه : الأول : القول الميسور هو الرد بالطريق الأحسن . والثاني : القول
الميسور اللين السهل قال الكسائي : يسرت أيسرله القول أي لينته له . والثالث : قال
بعضهم : القول الميسور مثل قوله ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) قالوا :
والميسور هو المعروف ، لأن القول المتعارف لا يحوج الى تكلف والله أعلم
قوله تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما
محسورا إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما أمره بالانفاق في الآية المتقدمة علمه في هذه الآية أدب الانفاق .
واعلم أنه تعالى شرح وصف عباده المؤمنين في الانفاق في سورة الفرقان فقال ( والذين أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) فههنا أمر رسوله بمثل ذلك الوصف فقال ( ولا تجعل
يدك مغلولة الى عنقك ) أي لا تمسك عن الانفاق بحيث تضيق على نفسك وأهلك في وجوه
صلة الرحم وسبيل الخيرات ، والمعنى : لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من
الانبساط ( ولا تبسطها كل البسط) أي ولا تتوسع في الانفاق توسعا مفرطا بحيث لا يبقى في
يدك شيء . وحاصل الكلام : أن الحكماء ذكروا في كتب الاخلاق أن لكل خلق طر في إفراط
وتفريط وهما مذمومان ، فالبخل إفراط في الامساك ، والتبذير إفراط في الانفاق وهما
مذمومان . والخلق الفاضل هو العدل والوسط كما قال تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ).
ثم قال تعالى ﴿ فتقعد ملوما محسورا﴾ أما تفسير تقعد، فقد سبق في الآية المتقدمة .
وأما كونه ملوما فلأنه يلوم نفسه . وأصحابه أيضا يلومونه على تضييع المال بالكلية وابقاء الأهل
والولد في الضر والمحنة ، وأما كونه محسورا فقال الفراء : تقول العرب للبعير : هو محسور اذا
انقطع سيره وحسرت الدابة اذا سيرها حتى ينقطع سيرها ، ومنه قوله تعالى ( ينقلب اليك البصر
خاسئا وهو حسير ) وجمع الحسير حسرى مثل قتلى وصرعى ، وقال القفال : المقصود تشبيه حال
من أنفق كل ماله ونفقاته بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته ، لأن ذلك المقدار من المال

١٩٧
قوله تعالى ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)) سورة الإسراء
وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْ لَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ثَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًّاً
٣١
كأنه مطية يحمل الانسان ويبلغه الى آخر الشهر أو السنة ، كما أن ذلك البعير يحمله ويبلغه الى
آخر المنزل فإذا انقطع ذلك البعير بقي في وسط الطريق عاجزا متحيرا فكذلك إذا أنفق الانسان
مقدار ما يحتاج اليه في مدة شهر بقي في وسط ذلك الشهر عاجزا متحيرا ومن فعل هذا لحقه اللوم
من أهله والمحتاجين الى انفاقه عليهم بسبب سوء تدبيره وترك الحزم في مهمات معاشه .
ثم قال تعالى ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ والمقصود أنه عرف رسوله ول
كونه ربا . والرب هو الذي يربي المربوب ويقوم باصلاح مهماته ودفع حاجاته على مقدار
الصلاح والصواب فيوسع الرزق على البعض ويضيقه على البعض . والقدر في اللغة
التضييق ، ومنه قوله تعالى ( ومن قدر عليه رزقه ) وقوله تعالى ( وأما اذا ما ابتلاه فقدر عليه
رزقه) أي ضيق وانما وسع على البعض لأن ذلك هو الصلاح لهم قال تعالى ( ولو بسط الله
الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) .
ثم قال تعالى ﴿ إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ﴾ يعني أنه تعالى عالم بأن مصلحة كل
انسان في أن لا يعطيه إلا ذلك القدر ، فالتفاوت في أرزاق العباد ليس لأجل البخل ، بل لأجل
رعاية المصالح .
قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ
کبیرا ﴾
هذا هو النوع الخامس من الطاعات المذكورة في هذه الآيات وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في تقرير النظم وجوه :
الوجه الأول ﴾ أنه تعالى لما بین في الآية أنه هو المتکفل بأر زاق العباد حیث قال ( إن
ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) أتبعه بقوله ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن
نرزقهم وإياكم ) .
﴿ الوجه الثاني﴾ أنه تعالى لما علم كيفية البر بالوالدين في الآية المتقدمة علّم في هذه
الآية كيفية البر بالأولاد ، ولهذا قال بعضهم : ان الذين يسمون بالأبرار انما سموا بذلك لأنهم
بروا الآباء والأبناء وانما وجب بر الآباء مكافأة على ما صدر منهما من أنواع البر بالأولاد . وانما
وجب البر بالأولاد لأنهم في غاية الضعف ولا كافل لهم غير الوالدين .

١٩٨
قوله تعالى ((ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة)) سورة الإسراء
كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً
= و
وَلَا تَقْرَبُواْ آلزِنَّى إِنه,
﴿ الوجه الثالث ﴾ أن امتناع الأولاد من البر بالآباء يوجب خراب العالم ، لأن الآباء
إذا علموا ذلك قلت رغبتهم في تربية الأولاد ، فيلزم خراب العالم من الوجه الذي قررناه ،
فثبت أن عمارة العالم إنما تحصل إذا حصلت المبرة بين الآباء والأولاد من الجانبين .
الوجه الرابع ﴾ أن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظن بالله، وإن كان
لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم ، فالأول ضد التعظيم لأمر الله تعالى ،
والثاني : ضد الشفقة على خلق الله تعالى وكلاهما مذموم . والله أعلم .
الوجه الخامس ﴾ أن قرابة الأولاد قرابة الجزئية والبعضية، وهي من أعظم الموجبات
للمحبة . فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في الروح ، وقسوة في القلب ، وذلك
من أعظم الأخلاق الذميمة ، فرغب الله في الاحسان إلى الأولاد إزالة لهذه الخصلة الذميمة .
المسألة الثانية ) كان العرب يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب ، وقدرة البنين
عليه بسبب إقدامهم على النهب والغارة ، وأيضا كانوا يخافون أن فقرها ينفر كفأها عن الرغبة
فيها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء ، وفي ذلك عار شديد فقال تعالى (ولا تقتلوا
أولادكم ) وهذا لفظ عام للذكور والاناث ، والمعنى : أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه
ولدا ، وهذا المعنى وصف مشترك بين الذكور وبين الاناث ، وأما ما يخاف من الفقر في البنات
فقد يخاف مثله في الذكور في حال الصغر ، وقد يخاف أيضا في العاجزين من البنين .
ثم قال تعالى ﴿ نحن نرزقهم وإياكم ﴾ يعني الأرزاق بيد الله تعالى فكما أنه تعالى فتح
أبواب الرزق على الرجال ، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النساء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الجمهور قرؤا إن قتلهم كان خطأ كبيرا، أي إثما كبيرا يقال خطىء
يخطأ خطأ مثل أثم يأثم إثما . قال تعالى ﴿ إنا كنا خاطئين ) أي آثمين ، وقرأ بن عامر خطأ
بالفتح يقال : أخطأ يخطىء إخطاء وخطأ إذا أتى بما لا ينبغي من غير قصد ، ويكون الخطأ
اسما للمصدر ، والمعنى : على هذه القراءة أن قتلهم ليس بصواب . قال القفال رحمه الله ،
وقرأ ابن كثير ( خطأ ) بكسر الخاء ممدودة ولعلمها لغتان مثل دفع ودفاع ولبس ولباس .
قوله تعالى ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ﴾ .
واعلم وانه تعالى لما أمر بالأشياء الخمسة التي تقدم ذكرها وحاصلها يرجع إلى شيئين:
التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، اتبعها بذكر النهي عن أشياء: أولها: أنه تعالى نهي
عن الزنا، فقال: (ولا تقربوا الزنا)، قال القفال: إذا قيل للإنسان لا تقربوا هذا، فهذا أكد
من أن يقول له، لا تفعله، ثم انه تعالى علّل هذا النهي بكونه (فاحشة وساء سبيلا).

١٩٩
قوله تعالى ((ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)) سورة الإسراء
واعلم أن الناس قد اختلفوا في أنه تعالى إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء فهل يصح إن
يقال إنه تعالى إنما أمر بذلك الشيء أو نهى عنه لوجه عائد اليه أم لا ؟ فقال القائلون بتحسين
العقل وتقبيحه الأمر كذلك . وقال المنكرون : لتحسين العقل وتقبيحه ليس الأمر كذلك ،
احتج القائلون بتحسين العقل وتقبيحه على صحة قولهم بهذه الآية قالوا: إنه تعالى نهى عن
الزنا ، وعلل ذلك النهي بكونه فاحشة فيمتنع أن يكون كونه فاحشة عبارة عن كونه منهيا
عنه . وإلا لزم تعليل الشيء بنفسه وهو محال ، فوجب أن يقال كونه فاحشة وصف حاصل له
باعتبار كونه زنا ، وذلك يدل على أن الأشياء تحسن وتقبح لوجوه عائدة اليها في أنفسها ، ويدل
أيضا على أن نهي الله تعالى عنها معلل بوقوعها في أنفسها على تلك الوجوه ، وهذا الاستدلال
قريب ، والأولى أن يقال إن كون الشيء في نفسه مصلحة أو مفسدة أمر ثابت لذاته لا
بالشرع ، فان تناول الغذاء الموافق مصلحة ، والضرب المؤلم مفسدة ، وكونه كذلك أمر ثابت
بالعقل لا بالشرع .
وإذا ثبت هذا فنقول : تكاليف الله تعالى واقعة على وفق مصالح العالم في المعاش والمعاد
فهذا هو الكلام الظاهري، وفيه مشكلات مائلة ومباحث عميقة نسأل الله التوفيق لبلوغ الغاية فيها .
إذا عرفت هذا فنقول : اشتمل الزنا على أنواع من المفاسد : أولها : اختلاط الأنساب
واشتباهها فلا يعرف الانسان أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره ، فلا يقوم
بتربيته ولا يستمر في تعهده ، وذلك يوجب ضياع الأولاد ، وذلك يوجب انقطاع النسل
وخراب العالم ، وثانيها : أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل أولى بهذه
المرأة من غيره لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل ، وذلك يفضي إلى فتح
باب الهرج والمرج والمقاتلة ، وكم سمعنا وقوع القتل الذريع بسبب إقدام المرأة الواحدة على
الزنا . وثالثها : أن المرأة إذا باشرت الزنا وتمرنت عليه يستقذرها كل طبع سليم ، وكل خاطر
مستقيم ، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ولا يتم السكن والازدواج ، ولذلك فان المرأة إذا
اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع أكثر الخلق . ورابعها : أنه إذا انفتح باب الزنا فحينئذ
لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة ، وكل رجل يمكنه التواثب على كل امرأة شاءت وأرادت .
وحينئذ لا يبقى بين نوع الانسان وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب،وخامسها : أنه ليس
المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته
من المطعوم والمشروب والملبوس ، وأن تكون ربة البيت وحافظة للباب وأن تكون قائمة بأمور
الأولاد والعبيد ، وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد
منقطعة الطمع عن سائر الرجال ، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا وسد هذا الباب بالكلية ،
وسادسها : أن الوطء يوجب الذل الشديد ، والدليل عليه أن أعظم أنواع التستر عند الناس

٢٠٠
قوله تعالى ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق)) سورة الإسراء
وَلَا تَقْتُلُوْ النَّفْسَ الَّتِىِ حَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لَوَلِّهِ
سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا !
ذكر ألفاظ الوقاع ، ولولا أن الوطء يوجب الذل ، وإلا لما كان الأمر كذلك، وأيضا فان جميع
العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا في المواضع المستورة ، وفي الأوقات التي لا يطلع عليهم
أحد ، وأن جميع العقلاء يستنكفون عن ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم لما يقدمون على
وطئهن ، ولولا أن الوطء ذل ، وإلا لما كان كذلك .
وإذا ثبت هذا فنقول : لما كان الوطء ذلا كان السعي في تقليله موافقا للعقول ، فاقتصار
المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعى في تقليل ذلك العمل ، وأيضا ما فيه من الذل يصير
مجبورا بالمنافع الحاصلة في النكاح ، أما الزنا فانه فتح باب لذلك العمل القبيح ولم يصر مجبورا
بشيء من المنافع فوجب بقاؤه على أصل المنع والحجر ، فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة
تقضي على الزنا بالقبح .
واذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى وصف الزنا بصفات ثلاثة كونه فاحشة ومقتا
وساء سبيلا : أما كونه فاحشة فهو إشارة إلى اشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب
العالم وإلى اشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج وهو أيضا يوجب خراب العالم . وأما
المقت : فقد ذكرنا أن الزانية تصير ممقوتة مكروهة ، وذلك يوجب عدم حصول السكن
والازدواج وأن لا يعتمد الانسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه . وأما أنه ساء سبيلا ،
فهو ما ذكرنا أنه لا يبقى فرق بين الانسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالاناث ،
وأيضا يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة من غير أن يصير مجبورا بشيء من المنافع ،
فقد ذكرنا في قبح الزنا ستة أوجه ؛ والله تعالى ذكر ألفاظا ثلاثة ، فحملنا كل واحد من هذه
الالفاظ الثلاثة على وجهين من تلك الوجوه الستة ، والله أعلم بمراده .
ثم قال تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا
لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ﴾ .
هذا هو النوع الثاني مما نهى الله عنه في هذه الآية ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول: إن أكبر الكبائر بعد الكفر بالله القتل ، فما
السبب بأن الله تعالى بدأ أولا بذكر النهي عن الزنا وثانيا بذكر النهي عن القتل ؟