النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
قوله تعالى: ((إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)) سورة الاسراء
إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَِّىِّ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَتِ أَنَّ
لَهُمْ أَبْرًا كَبِيرًا يَ وَأَنَّ الَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِمَا (٣٠)
قال القفال: وإنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني
إسرائيل (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) ثم قال (وإن
عدتم عدنا) أي وإنهم قد عادوا الى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب لمحمد ﴿ وكتمان ما ورد في
التوراة والانجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب. فجرى على بني النضير
وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية
لا ملك لهم ولا سلطان.
ثم قال تعالى ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ والحصير فعيل فيحتمل ان يكون بمعنى
الفاعل، أي وجعلنا جهنم حاصرة لهم، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول، أي جعلناها موضعا
محصورا لهم والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان شديدا قویا إلا أنه قد یتفلت بعض الناس عنه،
والذي يقع في ذلك العذاب يتخلص عنه، إما بالموت وإما بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة فانه
يكون حاصرا للانسان محيطا به لا رجاء في الخلاص عنه، فهؤلاء الأقوام لهم من عذاب الدنيا ما
وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطا بهم من جميع الجهات ولا
يتخلصون منه ابدا.
قوله تعالى ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات
أن لهم اجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما﴾.
اعلم أنه تعالى لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين وهو الاسراء برسول الله الصلاه .
وإيتاء الكتاب لموسى عليه الصلاة والسلام، وما فعله في حق العصاة والمتمردين وهو تسليط
أنواع البلاء عليهم، كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب
كل بلية وغرامة، لا جرم اثنى على القرآن فقال (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).
واعلم ان قوله تعالى (دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا) يدل على كون هذا الدين مستقيما، وقوله
في هذه الآية (للتي هي أقوم) يدل على أن هذا الدين أقوم من سائر الأديان. واقول: قولنا هذا
الشيء أقوم من ذاك، إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم كان حصول معنى
الاستقامة في إحدى الصورتين اكثر وأكمل من حصوله في الصورة الثانية، وهذا محال لأن المراد
الفخر الرازي ج ٢٠ م١١

١٦٢
قوله تعالى: ((إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم)) سورة الاسراء
من كونه مستقيما كونه حقا وصدقا، ودخول التفاوت في كون الشيء حقا وصدقا محال، فكان
وصفه بأنه أقوم مجازا، إلا أن لفظ الأفعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا: الله اكبر أي الله کبیر،
وقولنا: الأشج والناقص أعدلا بني مروان اي عادلا بني مروان، أو يحمل هذا اللفظ على
الظاهر المتعارف. والله أعلم.
﴿البحث الثاني﴾ قوله (للتي هي أقوم) نعت لموصوف محذوف، والتقدير: يهدي للملة
أو الشريعة أو الطريقة التي هي أقوم الملل والشرائع والطرق، ومثل هذه الكناية كثيرة
الاستعمال في القرآن كقوله (ادفع بالتي هي أحسن) أي بالخصلة التي هي أحسن.
أما قوله ﴿ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا﴾ فاعلم أنه تعالى
وصف القرآن بثلاثة أنواع من الصفات:
﴿الصفة الأولى﴾ أنه يهدى للتي هي أقوم، وقد مر تفسيره.
﴿والصفة الثانية﴾ انه يبشر الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير، وذلك لأن الصفة
الأولى لما دلت على كون القرآن هاديا إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح، وجب أن يظهر
لهذا الصواب والصلاح أثر، وذلك هو الأجر الكبير لأن الطريق الأقوم لابد وان يفيد الربح
الأكبر والنفع الأعظم.
﴿والصفة الثالثة) قوله (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما) وذلك لأن
الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح، كما يوجب لفاعله النفع الأكمل الأعظم، فكذلك تركه
يوجب لتاركه الضرر الأعظم الأكمل.
واعلم ان قوله (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة) عطف على قوله (أن لهم أجرا كبيرا)
والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم، ونظيره قوله:
بشرت زيدا أنه سيعطى وبأن عدوه سيمنع .
فان قيل: كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب؟
قلنا: مذكور على سبيل التهكم، او يقال إنه من باب إطلاق اسم الضدين على الآخر،
كقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها).
فان قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود، وهم ما كانوا ينكرون الايمان بالآخرة
، فكيف يليق بهذا الموضع قوله (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما)؟
كـ

١٦٣
قوله تعالى ((ويدع الانسان بالشر وعاده)) سورة الاسرار
وَيَدْعُ الْإِنْسَنُ بِالثَّرِ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَنُ مَجُولًا (٨)
قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين
والثاني: أن بعضهم قال (لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) فهم في هذا القول صاروا
كالمنكرين للآخرة، والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا﴾ وفي الآية
مباحث:
﴿البحث الأول﴾ اعلم أن وجه النظم هو أن الانسان بعد أن أنزل الله عليه القرآن
وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة، قد يعدل عن التمسك بشرائعه والرجوع الى
بياناته، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال (ويدع الانسان بالشردعاءه بالخير).
﴿البحث الثاني﴾ اختلفوا في المراد من دعاء الانسان بالشرعلى أقوال:
﴿القول الأول﴾ المراد منه: النضر بن الحرث، حيث قال (اللهم إن كان هذا هو الحق
من عندك) فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته، فكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله. وآخرون
يقولون : متى هذا الوعد ان كنتم صادقين؟ وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمداً كاذب
فيما يقول.
﴿والقول الثاني﴾ المراد انه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله، ولو
استجيب له في الشركما يستجاب له في الخير لهلك. وروى أن النبي صل دفع الى سودة بنت
زمعة أسيرا فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟ فشکی ألم القد فأرخت له من کتافه، فلما
نامت أخرج يده وهرب ، فلما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام دعا به فأعلم بشأنه، فقال
عليه الصلاة والسلام ((اللهم اقطع يدها)) فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله يدها، فقال
النبي صل﴾ ((إني سألت الله أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذابا من أهلي رحمة لأني بشر
أغضب كما تغضبون، فلترد سودة يدها».
﴿والقول الثالث﴾ أقول: يحتمل ان يكون المراد: أن الانسان قد يبالغ في الدعاء طلبا
لشيء يعتقد ان خيره فيه، مع ان ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره، وهو يبالغ في طلبه لجهله
بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور غير
متفحص عن حقائقها وأسرارها.
﴿البحث الرابع﴾ القياس: إثبات الواو في قوله (ويدع) إلا أنه حذف في المصحف من

١٦٤
قوله تعالى ((وجعلنا الليل والنهار آيتين)) سورة الإسراء
وَجَعَلْنَا أَّيْلَ وَالنَّهَارَءَ ايَتَيْنِ فَحَوْنَاَ ءَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ
فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحَابَ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَهُ تَفْصِيلًا (﴾
الكتابة، لأنه لا يظهر في اللفظ، اما لم تحذف في المعنى لأنها في موضع الرفع، ونظيره (سندع
الزبانية). وسوف يؤت الله المؤمنين. ويوم يناد المناد. (فما تغن النذر) ولو كان بالواو والياء لكان
صوابا، هذا كلام الفراء. وأقول : إن هذا يدل على أنه سبحانه قد عصم هذا القرآن المجيد عن
التحريف والتغيير فان إثبات الياء والواو في اكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتهما في هذه المواضع
المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل كما سمع، وأن أحدا لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوة
عقله .
ثم قال تعالى ﴿وكان الانسان عجولا﴾ وفي هذا الانسان قولان:
﴿القول الأول﴾ آدم عليه السلام، وذلك لأنه لما انتهت الروح إلى سرته نظر إلى جسده
فأعجبه فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قوله (وكان الانسان عجولا).
﴿والقول الثاني) أنه محمول على الجنس، لأن أحدا من الناس لا يعري عن عجلة،
ولو تركها لكان تركها أصلح له في الدين والدنيا، وأقول: بتقدير أن يكون المراد هو القول
الأول، كان المقصود عائدا إلى القول الثاني، لأنا إذا حملنا الانسان على آدم عليه الصلاة
والسلام كان المعنى أن آدم الذي كان أصل البشرلما كان موصوفا بهذه العجلة وجب أن تكون
هذه صفة لازمة للكل، فكان المقصود عائدا إلى القول الثاني والله اعلم.
قوله تعالى ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا
فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾.
في الآية مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ في تقرير النظم وجوه:
﴿الوجه الأول﴾ انه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما اوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو
القرآن أتبعه ببيان ما أوصل اليهم من نعم الدنيا فقال (وجعلنا الليل والنهار آيتين) وكما ان
القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه، فکذلك الدهر مرکب من النهار والليل، فالمحکم کالنهار،

١٦٥
قوله تعالى ((وجعلنا الليل والنهار آيتين)) سورة الإسراء
والمتشابه كالليل، وكما أن المقصود من التكليف لا يتم الا بذكر المحكم والمتشابه، فكذلك
الوقت والزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل.
﴿والوجه الثاني﴾ في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن هذا القرآن يهدي
للتي هي أقوم، وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة، لا جرم أردفه
بذكر دلائل التوحيد، وهو عجائب العالم العلوى والسفلى.
﴿الوجه الثالث﴾ انه لما وصف الانسان بكونه عجولا أي منتقلا من صفة الى صفة ومن
حالة الى حالة، بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك، وهو الانتقال من النور الى الظلمة
وبالضد، وانتقال نور القمر من الزيادة الى النقصان وبالضد. والله اعلم.
﴿المسألة الثانية﴾ في قوله (وجعلنا الليل والنهار آيتين) قولان:
﴿القول الأول﴾ ان يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار، والمعنى: أنه تعالى
جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا. أما في الدين: فلأن كل واحد منهما مضاد
للآخر مغاير له، مع كونهما متعاقبين على الدوام، من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين
لذاتها، بل لابد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة، وأما في الدنيا: فلأن
مصالح الدنيا لا تتم الا بالليل والنهار، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة، ولولا النهار لما
حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش.
ثم قال تعالى ﴿فمحونا آية الليل) وعلى هذا القول: تكون الاضافة في آية الليل والنهار
للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة،
ونظيره قولنا: نفس الشيء وذاته، فكذلك آية الليل هي نفس الليل، ويقال ايضا: دخلت بلاد
خراسان أي دخلت البلاد التي هي خراسان، فكذلك ههنا.
القول الثاني ﴾ أن يكون المراد: وجعلنا فيرى الليل والنهار آيتين يريد الشمس
والقمر، فمحونا آية الليل وهي القمر، وفي تفسير محو القمر قولان :
﴿القول الأول﴾ المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور، فيبدو في
أول الأمر في صورة الهلال، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا، ثم يأخذ في
الانتقاص قليلا قليلا، وذلك هو المحو، إلى أن يعود إلى المحاق .
والقول الثاني ﴾ المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه، يروى أن الشمس

١٦٦
قوله تعالى ((وجعلنا آية النهار مبصرة)) سورة الإسراء
والقمر كانا سواء في النور والضوء ، فأرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام فأمرّ جناحه على
وجه القمر فطمس عنه الضوء . ومعنى المحو في اللغة : إذهاب الأثر ، تقول : محوته أمحوه
وانمحى وامتحى: إذا ذهب أثره ، وأقول : حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى ،
وذلك لأن اللام في قوله ( لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعملوا عدد السنين والحساب ) متغلق بما هو
مذكور قبل ، وهو محوآية الليل . وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل
اللّه إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه ، لأن سبب حصول هذه الحالة يختلف
بأحوال نور القمر ، وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم
في أحوال هذا العالم ومصالحه ، مثل أحوال البحار في المد والجزر ، ومثل أحوال التجربات
على ما يذكره الأطباء في كتبهم ، وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور ،
وبسبب معاودة الشهور تحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلية كما قال تعالى (ولتعلموا
عدد السنين والحساب) فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه أولى. وأقول أيضا: لو حملنا المحو
على الكلف الحاصل في وجه القمر، فهو أيضا برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في
المبدأ والمعاد: أما دلالته على صحة قولهم في المبدأ، فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة،
فوجب أن يكون متشابه الصفات ، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على
أنه ليس بسبب الطبيعة ، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي ،
وبعض أجزائه بالنور الضعيف ، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب
بالذات ، وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه ، أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة
الضوء ، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ، فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوا من جرم
القمر ، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الانسان ، وهذا لا يفيد
مقصود الخصم ، لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الاجرام الظلمانية في
بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ؟ وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب ،
وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه
أولى من حصوله في سائر الجوانب ؟ وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك
الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار ، وكل هذه الدلائل إنما يراد من
تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات والله أعلم .
أما قوله ﴿ وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ ففيه وجهان: الأول : أن معنى كونها مبصرة أي
مضيئة وذلك لأن الاضاءة سبب لحصول الابصار ، فأطلق اسم الابصار على الاضاءة إطلاقا
لاسم المسبب على السبب . والثاني : قال أبو عبيدة يقال : قد أبصر النهار إذا صار الناس
-

١٦٧
قوله تعالى ((وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه)) سورة الإسراء
وَكُلَّ إِنَسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَتَيْرَهُ، فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَبًا يَلْقَهُ مَنْشُورًا
أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾
١٣
يبصرون فيه ، كقوله : رجل محبث إذا كان أصحابه خبثاء ، ورجل مضعف إذا كانت ذراريه
ضعافا ، فكذا قوله : والنهار مبصرا ، أي أهله بصراء .
واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار ، قال ( وجعلنا الليل لباسا
وجعلنا النهار معاشا) وقال أيضا ( جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله )،
ثم قال تعالى ﴿ولتبتغوا فضلا من ربكم ﴾ أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم
( ولتعلموا عدد السنين والحساب ).
واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب : الساعات والأيام والشهور والسنون ،
فالعدد للسنين ، والحساب لمادون السنين ، وهي الشهور والأيام والساعات وبعد هذه المراتب
الأربع لا يحصل الا التكرار ، كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب : الآحاد والعشرات
والمئات والألوف ، وليس بعدها إلا التكرار والله أعلم .
ثم قال ﴿ وكل شيء فصلناه تفصيلا ﴾ والمعنى : أنه تعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل
والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ، ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله
تعالى على أهل الدنيا ، فلما شرح الله تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق
ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق ، كان ذلك تفصيلا نافعا وبيانا كاملا ، فلا جرم قال
( وكل شيء فصلناه تفصيلا ) أي كل شيء بكم اليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم ، فقد
فصلناه وشرحناه ، وهو كقوله تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وقوله ( ونزلنا عليك
الكتاب تبيانا لكل شيء ) وقوله ( تدمر كل شيء بأمر ربها ) وإنما ذكر المصدر وهو قوله
( تفصيلا ) لأجل تأكيد الكلام وتقريره ، كأنه قال : وفصلناه حقا وفصلناه على الوجه الذي لا
مزيد عليه والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائرة في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ .
اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في كيفية النظم وجوه :

١٦٨
قوله تعالى ((وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)) سورة الإسراء
الوجه الأول ﴾ أنه تعالی لما قال ( وکل شيء فصلناه تفصیلا ) کان معناه أن کل ما
يحتاج اليه من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد فقد صار مذكورا . وكل ما يحتاج اليه من شرح
أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، فقد صار مذكورا . وإذا كان الأمر كذلك فقد
أزيحت الاعذار وأزيلت العلل، فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فقد ألزمناه طائره في عنقه
ونقول له ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) .
﴿ الوجه الثاني﴾ أنه تعالى لما بين أنه أوصل الى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في
الدين والدنيا ، مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعما عليهم بأعظم وجوه النعم . وذلك
يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فانه يكون مسؤلا
عن أعماله وأقواله .
﴿الوجه الثالث﴾ في تقرير النظم أنه تعالى لما بين أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته
كما قال (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) فلما شرح أحوال الشمس والقمر والليل
والنهار، كان المعنى: إني إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها فتصيروا متمكنين من الاشتغال
بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته أنه هل أتى بتلك الخدمة
والطاعة، أو تمرد وعصى وبغى، فهذا هو الوجه في تقرير النظم .
﴿ المسألة الثانية﴾ في تفسير لفظ الطائر قولان:
القول الأول ﴾ أن العرب إذا أرادوا الاقدام على عمل من الأعمال وأرادوا أن يعرفوا
أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر اعتبروا أحوال الطير وهو أنه يطير بنفسه ، أو
يحتاج إلى ازعاجه ، وإذا طار فهل يطير متيامنا أو متياسرا أو صاعدا الى الجو الى غير ذلك من
الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة
والنحوسة ، فلما كثر ذلك منهم سمى الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه ونظيره قوله
تعالى في سورة یس:( قالوا إنا تطیرنا بکم ) إلى قوله ( قالوا طائرکم معكم ) فقوله ( وكل انسان
ألزمناه طائره في عنقه ) أي كل انسان ألزمناه عمله في عنقه . وتدل على صحة هذا الوجه قراءة
الحسن ومجاهد ( ألزمناه طيره في عنقه ) .
﴿ القول الثاني ﴾ قال أبو عبيدة : الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه الفرس
البخت ، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر ما طار له من خير وشر، والتحقيق في هذا
الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والعلم ، والعمر
والرزق ، والسعادة والشقاوة . والانسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك القدر وأن ينحرف عنه ،

١٦٩
قوله تعالى ((اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)) سورة الإسراء
بل لا بد وأن يصل الى ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية ، فتلك الأشياء المقدرة كأنها تطير
اليه وتصير اليه ، فبهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر ، فقول
( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) كناية عن أن كل ما قدره الله تعالى ومضى في علمه
حصوله ، فهو لازم له واصل اليه غير منحرف عنه .
واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للانسان وحكم عليه به في
سابق علمه فهو واجب الوقوع ممتنع العدم ، وتقريره من وجهين :
الوجه الأول﴾ أن تقدير الآية: وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه ، فبين تعالى أن
ذلك العمل لازم له ، وما كان لازما للشيء كان ممتنع الزوال عنه واجب الحصول له وهو
المقصود .
﴿ الوجه الثاني﴾ أنه تعالى أضاف ذلك الالزام الى نفسه، لأن قوله ( ألزمناه ) تصريح
بأن ذلك الالزام إنما صدر منه ، ونظيره قوله تعالى ( وألزمهم كلمة التقوى ) وهذه الآية دالة
على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل ، واليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام
((جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة)) والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (في عنقه) كناية عن اللزوم كما يقال : جعلت هذا في عنقك
أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به ، ويقال : قلدتك كذا وطوقتك كذا ، أي صرفته
اليك وألزمته إياك ، ومنه قلده السلطان كذا . أي صارت الولاية في لزومها له في موضع
القلادة ومكان الطوق ، ومنه يقال : فلان يقلد فلانا أي جعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة
على عنقه . قال أهل المعاني : وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى لأن الذي
يكون عليه إما أن يكون خيرا يزينه أو شرا يشينه ، وما يزين يكون كالطوق والحلي ، والذي
يشين فهو كالغل ، فههنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له ، وإن كان من المعاصي كان
كالغل على رقبته .
ثم قال تعالى ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ﴾ قال الحسن: يا ابن آدم
بسطنا لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وشمالك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ
حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، حتى اذا مت طويت صحيفتك وجعلت
معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة . قوله ( ونخرج له ) أي من قبره أن يكون معناه :
نخرج له ذلك لأنه لم ير كتابه في الدنيا فاذا بعث أظهر له ذلك وأخرج من الستر ، وقرأ
يعقوب ( ويخرج له يوم القيامة كتابا) أي يخرج له الطائر أي عمله كتابا منشورا ، كقوله تعالى

١٧٠
قوله تعالى ((اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)) سورة الإسراء
(وإذا الصحف نشرت) وقرأ ابن عامر (يلقاه) من قولهم: لقّيت فلانا الشيء أي استقبلته به.
قال تعالى (ولقاهم نضرة وسرورا) وهو منقول بالتشديد من لقيت الشيء ولقانيه زيد.
ثم قال تعالى ﴿اقرأ كتابك﴾ والتقدير يقال له: وهذا القائل هو الله تعالى على ألسنة
الملائكة (اقرأ كتابك) قال الحسن: يقرؤه أميا كان أو غير أمي، وقال بكر بن عبدالله: يؤتى
للمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها، وسيئاته في
جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى اذا ظن أنها قد أوبقته قال الله تعالى ((اذهب فقد غفرتها لك
فيما بيني وبينك)) فيعظم سروره، ويصير من الذين قال في حقهم (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة
مستبشرة) ثم يقول (هاؤم اقرؤا كتابيه).
وأما قوله ﴿ كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ أي محاسبا . قال الحسن : عدل والله في
حقك من جعلك حسيب نفسك . قال السدى : يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست
بظلام للعبيد ، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك
حسيبا ) والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال حكماء الاسلام، هذه الآية في غاية الشرف، وفيها اسرار
عجيبة في أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير اليه، وذلك لأنه تعالى
قدر لكل أحد فى الأزل مقدارا من الخير والشر، فذلك الحكم الذي سبق في علمه الأزلي
وحكمه الأزلي لا بد وأن يصل اليه ، فذلك الحكم كأنه طائر يطير اليه من الأزل الى ذلك
الوقت ، فاذا حضر ذلك الوقت وصل اليه ذلك الطائر وصولا لاخلاص له البتة ولا انحراف
عنه البتة . واذا علم الانسان في كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طائر طيره الله
اليه على منهج معين وطريق معين ، وأنه لا بد وأن يصل اليه ذلك الطائر ، فعند ذلك عرف أن
الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية .
﴿ والبحث الثاني ﴾ أن هذه التقديرات إنما تقدرت بالزام الله تعالى . وذلك باعتبار أنه.
تعالى جعل لكل حادث حادثا متقدما عليه لحصول الحادث المتأخر ، فلما كان وضع هذه
السلسلة من الله لاجرم كان الكل من الله ، وعند هذا يتخيل الانسان طيورا لا نهاية لها ولا غاية
لأعدادها ، فانه تعالى طيرها من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب ، وأنها صارت وطارت طيرانا
لا بداية له وغاية له ، وكان كل واحد منها متوجها الى ذلك الانسان المعين في الوقت المعين
بالصفة المعينة ، وهذا هو المراد من قوله ( ألزمناه طائره في عنقه ).

١٧١
قوله تعالى (( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)) سورة الإسراء
البحث الثالث ﴾ أن التجربة تدل على أن تكرار الاعمال الاختيارية تفيد حدوث
الملكة النفسانية الراسخة في جوهر النفس ، ألا ترى أن من واظب على تكرار قراءة درس واحد
صار ذلك الدرس محفوظا ، ومن واظب على عمل واحد مدة مديدة صار ذلك العمل ملكة له .
إذا عرفت هذا فنقول : لما كان التكرار الكثير يوجب حصول الملكة الراسخة وجب أن
يحصل لكل واحد من تلك الأعمال أثر ما في جوهر النفس ، فانا لما رأينا أن عند توالي القطرات
الكثيرة من الماء على الحجر حصلت الثقبة في الحجر ، علمنا أن لكل واحد من تلك القطرات
أثرا ما في حصول ذلك الثقب وإن كان ضعيفا قليلا ، وإن كانت الكتابة أيضا في عرف الناس
عبارة عن نقوش مخصوصة اصطلح الناس على جعلها معرفات لألفاظ مخصوصة ، فعلى هذا ،
دلالة تلك النقوش على تلك المعاني المخصوصة دلالة كائنة جوهرية واجبة الثبوت ، ممتنعة
الزوال ، كان الكتاب المشتمل على تلك النقوش أولى باسم الكتاب من الصحيفة المشتملة على
النقوش الدالة بالوضع والاصطلاح .
وإذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول : إن كل عمل يصدر من الانسان كثيرا كان أو قليلا
قويا كان أوضعيفا ، فانه يحصل منه لا محالة في جوهر النفس الانسانية أثر مخصوص ، فان كان
ذلك الأثر أثرا لجذب جوهر الروح من الخلق الى حضرة الحق كان ذلك من موجبات السعادات
والكرامات ، وإن كان ذلك الأثر أثرا لجذب الروح من حضرة الحق إلى الاشتغال بالخلق كان
ذلك من موجبات الشقاوة والخذلان . إلا أن تلك الآثار تخفى ما دام الروح متعلقا بالبدن ،
لأن الروح بتدبير البدن يمنع من انكشاف هذه الأحوال وتجليها وظهورها ، فإذا انقطع تعلق
الروح عن تدبير البدن فهناك تحصل القيامة لقوله عليه الصلاة والسلام ((من مات فقد قامت
قيامته )) ومعنى كون هذه الحالة قيامة أن النفس الناطقة كأنها كانت ساكنة مستقرة في هذا
الجسد السفلي ، فاذا انقطع ذلك التعلق ، قامت النفس وتوجهت نحو الصعود الى العالم
العلوي ، فهذا هو المراد من كون هذه الحالة قيامة ، ثم عند حصول القيامة بهذا المعنى زال
الغطاء وانكشف الوطاء ، وقيل له ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) وقوله ( ونخرج
له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) معناه : ونخرج له عند حصول هذه القيامة من عمق البدن
المظلم كتابا مشتملا على جميع تلك الآثار الحاصلة بسبب الأحوال الدنيوية ، ويكون هذا
الكتاب في هذا الوقت منشورا ، لأن الروح حين كانت في البدن كانت هذه الأحوال فيه مخيفة
فكانت كالمطوية ، أما بعد انقطاع التعلق الجسداني ظهرت هذه الأحوال وجلت وانكشفت
فصارت كأنه مكشوفة منشورة بعد أن كانت مطوية ، وظاهرة بعد أن كانت مخفية ، وعند ذلك
تشاهد القوة العقلية جميع تلك الآثار مكتوبة بالكتابة الذاتية في جوهر الروح فيقال له في تلك

١٧٢
قوله تعالى (( من اهتدى فانما يهتدي لنفسه)) سورة الإسراء
مَّنِ أَهْتَدَى فَإِنََّا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَلا ◌َزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى وَمَا كُّ مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا (
١٥
الحالة ( اقرأ كتابك ) ثم يقال له ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) فان تلك الآثار إن كانت
من موجبات السعادة حصلت السعادة لا محالة ، وإن كانت من موجبات الشقاوة حصلت
الشقاوة لا محالة ، فهذا تفسير هذه الآية بحسب الأحوال الروحانية .
واعلم أن الحق أن الأحوال الظاهرة التي وردت فيها الروايات حق وصدق لا مرية
فيها ، واحتمال الآية لهذه المعاني الروحانية ظاهر أيضا ، والمنهج القويم والصراط المستقيم هو
الاقرار بالكل ، والله أعلم بحقائق الأمور .
قوله تعالى ﴿ من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزر وازرة
وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما قال في الآية الأولى (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه )
ومعناه : أن كل أحد مختص بعمل نفسه ، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب الى الأفهام
وأبعد عن الغلط فقال ( من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ) يعني أن
ثواب العمل الصالح مختص بفاعله ، ولا يتعدى منه إلى غيره ، ويتأكد هذا بقوله ( وأن ليس
للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ) قال الكعبي : الآية دالة على أن العبد متمكن من
الخير والشر، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلا لأن قوله ( من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن
ضل فانما يضل عليها ) إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد ، أما المجبور
على أحد الطرفين ، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به .
المسألة الثانية ) أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عمل نفسه بقوله (ولا
تزر وازرة وزر أخرى) قال الزجاج : يقال وزر يزر فهو وازر ، ووزر ووزرا وزرة ،
ومعناه : أثم يأثم قال : وفي تأويل الآية وجهان : الأول : أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره ،
وأيضاً غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه . والثاني : أنه لا ينبغي أن يعمل
الإِنسان بالإثم ، لأن غيره عمله كما قال الكفار ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم
مقتدون )
واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة :

١٧٣
قوله تعالى ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) سورة الإسراء
((الحكم الاول))
قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر بائهم ، وإلا لكان
الطفل مؤاخذا بذنب أبيه ، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية .
((الحكم الثاني))
روى ابن عمر عن النبي ◌َ ◌ّ أنه قال ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله)) فعائشة طعنت في
صحة هذا الخبر ، واحتجت على صحة ذلك الطعن بقوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى )
فان تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للانسان بجرم غيره ، وذلك خلاف هذه الآية .
((الحكم الثالث))
قال القاضي : دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى . وبيانه من
وجوه : أحدها : أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره .
وثانيها: أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلا، لأن الوزر إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختارا
يمكنه التحرز، ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بهذا.
((الحكم الرابع))
أن جماعة من قدماء الفقهاء امتنعوا من ضرب الدية على العاقلة، وقالوا: لأن ذلك
يقتضي مؤاخذة الانسان بسبب فعل الغير، وذلك على مضادة هذه الآية.
وأجيب عنه بأن المخطىء ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل، فكيف يصير مؤاخذا بسبب
ذلك الفعل، بل ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء من الله تعالى.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أصحابنا: وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع ،
والدليل عليه قوله تعالى ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وجه الاستدلال أن الوجوب لا
تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية، فوجب أن
لا يتحقق الوجوب قبل الشرع. ثم أكدوا هذه الآية بقوله تعالى (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا
يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وبقوله ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا
لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آیاتك من قبل أن نذل ونخزى).
ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال ضعيف ، وبيانه من وجهين : الأول : أن نقول :
لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي البتة ، وهذا باطل فذاك باطل بيان

١٧٤
قوله تعالى ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) سورة الإسراء
الملازمة من وجوه :
أحدها : أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبيا من عند الله تعالى وأظهر المعجزة ، فهل
يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أولا يجب ؟ فان لم يجب فقد بطل القول
بالنبوة ، وإن وجب فاما أن يجب بالعقل أو بالشرع فان وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب
العقلي ، وإن وجب بالشرع فهو باطل ، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو
غيره ، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام الى أن ذلك الرجل يقول : الدليل على أنه يجب
قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي ، وهذا إثبات للشيء بنفسه ، وإن كان ذلك الشارع
غيره كان الكلام فيه كما في الأول : ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان . وثانيها : أن
الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال ، وحرم بعضها فلا معنى للايجاب والتحريم ، إلا أن
يقول : لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو
لا يجب ، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب البتة ، وهذا باطل
فذاك باطل ، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع ، فان
وجب بالعقل فهو المقصود ، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب
العقاب عليه ، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال . وثالثها : أن مذهب
أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت
ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب ، فلم يبق إلا أن يقال : إن ماهية الواجب إنما تتقرر
بسبب حصول الخوف من العقاب ، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل ، فثبت أن ماهية
الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف ، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل ، فلزم أن
يقال : الوجوب حاصل بمحض العقل .
فان قالوا : ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم.
قلنا : إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم ، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب
حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل ، فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا
مکن دفعه.
وإذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن نجري الآية على ظاهرها ،
ونقول : العقل هو رسول الله إلى الخلق ، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من
الأنبياء ، فالعقل هو الرسول الأصلي ، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول
العقل . والثاني : أن نخصص عموم الآية فنقول : المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا

١٧٥
قوله تعالى ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها)) سورة الإسراء
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةٌ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا لَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَفَرْنَهَا
تَدْمِيراً ﴾ وَكَمْ أَهْلَكَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحَ وَكَ بِّكَ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِرّاً
بَصیراً،
DV
سبيل الى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع ، وتخصيص العموم وإن کان عدولا عن
الظاهر إلا أنه يجب المصير اليه عند قيام الدلائل ، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة ، على أنا لو
نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي والله أعلم .
واعلم أن الذي نرتضيه ونذهب اليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا فعل ما ينتفع
به ، وترك ما يتضرر به ، أما مجرد العقل لا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء . وذلك لأنا
مجبولون على طلب النفع والاحتراز عن الضرر ، فلا جرم كان العقل وحده كافیا في الوجوب في
حقنا والله تعالى منزه عن طلب النفع والهرب من الضرر ، فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب
فعل أو ترك فعل والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول
فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا
بصيرا ﴾.
في الآية مسائل :
المسألة الأولى) قوله ( أمرنا مترفيها ) في تفسير هذا الأمر قولان :
القول الأول﴾ أن المراد منه الأمر بالفعل ، ثم إن لفظ الآية لا يدل على أنه تعالى
بماذا يأمرهم فقال الأكثرون : معناه أنه تعالى يأمرهم بالطاعات والخيرات ، ثم إنهم يخالفون
ذلك الأمر ويفسقون، وقال صاحب الكشاف : ظاهر اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق
فيفسقون ، إلا أن هذا مجاز ومعناه أنه فتح عليهم أبواب الخيرات والراحات فعند ذلك تمردوا
وطعنوا وبغوا،قال: والدليل على أن ظاهر اللفظ يقتضي ما ذكرناه ، أن المأمور به إنما حذف لأن
قوله ( ففسقوا ) يدل عليه، يقال: أمرته فقام ، وأمرته فقرأ لا يفهم منه ، إلا أن المأمور به قيام
أو قراءة فكذا ههنا لما قال ( أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق
ففسقوا لا يقال يشكل هذا بقولهم أمرته فعصاني أو فخالفني فان هذا لا يفهم منه أني أمرته
بالمعصية والمخالفة ؛ لأنا نقول : إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له ، فكذلم أمرته ففسق

١٧٦
قوله تعالى ((ففسقوا فيها فحق عليها القول)) سورة الإسراء
يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الاتيان بضد المأمور به فكونه فسقا
ينافي كونه مأمورا به ، كما أن كونها معصية ينافي كونها مأمورا بها ، فوجب أن يدل هذا اللفظ
على أن المأمور به ليس بفسق ، وهذا الكلام في غاية الظهور فلا أدري لم أصر صاحب
الكشاف على قوله مع ظهور فساده ، فثبت أن الحق ما ذكره الكل وهو أن المعنى أمرناهم
بالأعمال الصالحة وهي الايمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر عنادا واقدموا على الفسق .
القول الثاني ﴾ في تفسير قوله (أمرنا مترفيها ) أي أكثرنا فساقها . قال الواحدي :
العرب تقول امر القوم إذا كثروا ، وأمرهم الله إذا كثرهم . وآمرهم أيضا بالمد ، روى الجرمى
عن أبي زيد أمر الله القوم وآمرهم ، أي كثرهم . واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله
وَل﴿ ((خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة)) والمعنى مهرة قد كثر نسلها يقولون: أمر الله المهرة
أي كثر ولدها ومن الناس من أنكر أن يكون أمر بمعنى كثر. وقالوا أمر القوم إذا كثروا وآمرهم
الله بالمد أي كثرهم ، وحملوا قوله عليه الصلاة والسلام ((مهر مأمورة )) على أن المراد كونها
مأمورة بتكثير النسل على سبيل الاستعارة . وأما المترف : فمعناه في اللغة المتنعم الذي قد
أبطرته النعمة وسعة العيش ( ففسقوا فيها ) أي خرجوا عما أمرهم الله ( فحق عليها القول )
يريد : استوجبت العذاب ، وهذا كالتفسير لقوله تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )
وقوله ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ) وقوله ( ذلك أن لم يكن ربك
مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) فلما حكم تعالى في هذه الآيات أنه تعالى لا يهلك قرية
حتى يخالفوا أمر الله ، فلا جرم ذكر ههنا أنه يأمرهم فاذا خالفوا الأمر ، فعند ذلك استوجبوا
الاهلاك المعبر عنه بقوله ( فحق عليها القول ) وقوله ( فدمرناها تدميرا) أي أهلكناها إهلاك
الاستئصال . والدمار هلاك على سبيل الاستئصال .
﴿ المسألة الثانية ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجوه : الأول :
أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد إيصال الضرر اليهم ابتداء ثم توسل الى إهلاكهم بهذا
الطريق . الثاني : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما خص المترفين بذلك الامر لعلمه بأنهم
يفسقون، وذلك يدل على أنه تعالى أراد منهم الفسق، والثالث: أنه تعالى قال (فحق عليها
القول) بالتعذيب والكفر، ومتى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الايمان منهم ، لأن ذلك
يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبا وذلك محال، والمفضي الى المحال محال . قال
الكعبي : إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا يبتدىء بالتعذيب والاهلاك لقوله (إن الله لا
يغيرما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وقوله (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) وقوله (وما
كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) فكل هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يبتدىء

١٧٧
قوله تعالى (( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح)) سورة الإسراء
بالاضرار ، وأيضا ما قبل هذه الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله (من اهتدى فانما يهتدي لنفسه
ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن
تناقض، فثبت أن الآيات التي تلوناها محكمة، وكذا الآية التي نحن في تفسیرها، فيجب حمل
هذه الآية على تلك الآيات هذا ما قاله الكعبي، واعلم ان أحسن الناس كلاما في تأويل هذه
الآية على وجه يوافق قول المعتزلة: القفال. فانه ذكر فيه وجهين :
﴿ الوجه الأول ﴾ قال إنه تعالى أخبر أنه لا يعذب أحدا بما يعلمه منه ما لم يعمل به،
أي لا يجعل علمه حجة على من علم إنه إن أمره عصاه بل يأمره فاذا ظهر عصيانه للناس
فحينئذ يعاقبه فقوله (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها) معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق
من القضاء باهلاك قوم أمرنا المتنعمين المتعززين الظانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد
عنهم بأسنا بالايمان بي والعمل بشرائع ديني على ما بلغهم عني رسولي، ففسقوا فحينئذ يحق
عليهم القضاء السابق باهلاكهم لظهور معاصيهم فحينئذ دمرناها، والحاصل ان المعنى: وإذا
أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية لم نكتف في تحقيق ذلك
الاهلاك بمجرد ذلك العلم، بل أمرنا مترفيها ففسقوا ، فاذا ظهر منهم ذلك الفسق فحينئذ نوقع
عليهم العذاب الموعود به.
والوجه الثاني ﴾ في التأويل أن تقول: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور
المعاصي من أهلها لم نعاجلهم بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم ، بل أمرنا مترفيها
بالرجوع عن تلك المعاصي ، وإنما خص المترفين بذلك الأمر ، لأن المترف هو المتنعم ومن
كثرت نعم الله عليه كان قيامه بالشكر أوجب ، فاذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرة بعد أخرى مع
أنه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم بل يزيدها حالا بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم
وبعدهم عن الرجوع عن الباطل الى الحق ، فحينئذ يصب الله البلاء عليهم صبا ، ثم قال
القفال : وهذان التأويلان راجعان الى أن الله تعالى أخبر عباده أنه لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة
حتی یعذر الیهم غاية الاعذار الذي يقع منه الیاس من إيمانهم ، کما قال في قوم نوح ( ولا یلدوا
إلا فاجرا كفارا) وقال ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) وقال في غيرهم ( فما كانوا
ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) فأخبر تعالى أولا أنه لا يظهر العذاب إلا بعد بعثة الرسول عليه
الصلاة والسلام . ثم أخبر ثانيا في هذه الآية أنه اذا بعث الرسول أيضا فكذبوا لم يعاجلهم
بالعذاب ، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ، فان بقوا مصرين على الذنوب فهناك ينزل
الفخر الرازي ج ٢٠ م١٢

١٧٨
قوله تعالى ((وكم اهلكنا من القرون من بعد نوح)) سورة الإسراء
عليهم عذاب الاستئصال ، وهذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق الآية على قول المعتزلة لم
يتيسر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله .
وأجاب الجبائي بأن قال: ليس المراد من الآية انه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا
ويستحقوا، وذلك لأنه ظلم وهو على الله محال، بل المراد من الارادة قرب تلك الحالة فكان
التقدير وإذا قرب وقت إهلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وهو كقول القائل: إذا أراد
المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدة، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة،
وليس المراد أن المريض يريد أن يموت، والتاجر يريد ان يفتقر وإنما يعنون أنه سيصير كذلك
فكذا ههنا.
واعلم ان جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية ، لا شك أن كلها
عدول عن ظاهر اللفظ، وأما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليما عن الطعن والله اعلم.
﴿المسألة الثالثة﴾ المشهور عند القراء السبعة (أمرنا مترفيها) بالتخفيف غير ممدودة
الألف، وروى برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس (آمرنا) بالمد، وعن أبي عمرو (أمرنا)
بالتشديد فالمد على الكثير يقال: أمر القوم بكسر الميم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد، أي كثرهم
الله. والتشديد على التسليط ، أي سلطنا مترفيها ومعناه التخلية وزوال المنع بالقهر والله
أعلم.
أما قوله تعالى ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح﴾ فاعلم أن المراد أن الطريق
الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون ويتمردون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد
نوح. وهم عاد وثمود وغيرهم، ثم إنه تعالى خاطب رسوله بما يكون خطابا لغيره وردعا وزجرا
للكل فقال (وکفی بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) وفيه بحثان :
﴿البحث الأول﴾ أنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات فلا يخفى عليه
شيء من أحوال الخلق، وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادرا على إيصال الجزاء إلى كل
أحد بقدر استحقاقه، وأيضا أنه منزه عن العبث والظلم، ومجموع هذه الصفات الثلاث أعني
العلم التام، والقدرة الكاملة، والبراءة عن الظلم بشارة عظيمة لأهل الطاعة. وخوف عظيم
لأهل الكفر والمعصية .
﴿البحث الثاني﴾ قال الفراء: لو ألغيت الباء من قولك بربك جاز، وانما يجوز دخول
الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم. كقولك: كفاك به. وأكرم به رجلا. وطاب
بطعامك طعاما. وجاد بثوبك ثوبا، أما إذا لم يكن مدحا أوذما لم يجز دخولها، فلا يجوز أن
يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك والله اعلم.

١٧٩
قوله تعالى ((من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها)) سورة الإسراء
مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ مَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن ◌ُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ، جَهَنَّمَ يَصْلَهَا
مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ﴾ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَمَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ
كَانَ سَعْيُهُ مَّشْكُورًا (٥ ◌ُا ◌ُمِدُّ هَنَوْلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَّ وَمَا كَانَ
أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَِرَةُ أَكْبَرُ
عَطَآءُ رَبِّكَ مَخْطُورًا (
دَرَجَتٍ وَأَكْبُ تَفْضِيلًا
٣١
قوله تعالى ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم
يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم
مشکورا کلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا
بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تقضيلا﴾.
في الآية مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ قال القفال رحمه الله: هذه الآية داخلة في معنى قوله (وكل انسان
ألزمناه طائره في عنقه) ومعناه: أن الكمال في الدنیا قسمان، فمنهم من یر ید بالذي يعمله الدنیا
ومنافعها والرياسة فيها، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدخول في
طاعتهم والاجابة لدعوتهم، اشفاقا من زوال الرياسة عنه، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤما لأنه
في قبضة الله تعالى فيؤتيه الله في الدنيا منها قدرا لا كما يشاء ذلك الانسان، بل كما يشاء الله إلا
أن عاقبته جهنم يدخلها فيصلاها بحرّها مذموما ملوما مدحورا منفيا مطرودا من رحمة الله
تعالى. وفي لفظ هذه الآية فوائد.
﴿الفائدة الاولى﴾ أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالاهانة والذم بشرط أن تكون
دائمة وخالية عن شوب المنفعة، فقوله (ثم جعلنا له جهنم يصلاها) إشارة إلى المضرة العظيمة،
وقوله (مذموما) إشارة إلى الاهانة والذم، وقوله (مدحورا) إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة
الله، وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة وتفيد كونها دائمة وخالية عن
التبدل بالراحة والخلاص.
الفائدة الثانية﴾ : إن من الجهال من إذا ساعدته الدنیا اغتّر بها وظنّ أن ذلك لأجل
كرامته على الله تعالى، وأنه تعالى بينّ أن مساعدة الدنيا لا ينبغي أن يستدل بها على رضى الله

١٨٠
قوله تعالى ((ومن اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن)) سورة الإسراء
تعالى، لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها هي المصير إلى عذاب الله وإهانته، فهذا الإنسان
أعماله تشبه طائر السوء في لزومها له وكونها سائقة له إلى أشد العذاب
﴿الفائدة الثالثة) قوله تعالى (لمن نريد) يدل على أنه لا يحصل الفوز بالدنيا لكل أحد،
بل كثير من الكفار والضالين يعرضون عن الدين في طلب الدنيا، ثم يبقون محرومين من الدنيا
وعن الدين، وهذا أيضا فيه زجر عظيم لهؤلاء الكفاروالضالين الذين يتركون الدين لطلب
الدنيا، فانه ربما فاتتهم الدنيا فهم الأخسرون اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم
يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
﴿ وأما القسم الثاني ﴾ وهو قوله تعالى (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن)
فشرط تعالى فيه شروطا ثلاثة :
﴿الشرط الأول﴾ أن يريد بعمله الآخرة أي ثواب الآخرة فانه إن لم يحصل هذه
الارادة، وهذه النية لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) ولقوله
عليه الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنيات)) ولأن المقصود من الأعمال استنارة القلب بمعرفة الله
تعالى ومحبته، وهذا لا يحصل إلا إن نوى بعمله عبودية الله تعالى وطلب طاعته.
والشرط الثاني ﴾ قوله ( وسعى لها سعيها) وذلك هو ان يكون العمل الذي يتوصل
به إلى الفوز بثواب الآخرة من الأعمال التي بها ينال ثواب الآخرة ، ولا يكون كذلك إلا اذا
كان من باب القرب والطاعات ، وكثير من الناس يتقربون الى الله تعالى بأعمال باطلة ، فان
الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان ، ولهم فيه تأويلان :
التأويل الأول ﴾ يقولون: إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا على
إظهار عبوديته وخدمته فليس لنا هذا القدر والدرجة ولكن غاية قدرنا أن نشتغل بعبودية بعض
المقربين من عباد الله تعالى ، مثل أن نشتغل بعبادة كوكب أو عبادة ملك من الملائكة ، ثم إن
الملك والكوكب يشتغلون بعبادة الله تعالى ، فهؤلاء يتقربون الى الله تعالى بهذا الطريق ، إلا
أنه لما كان فاسدا في نفسه لا جرم لم يحصل الانتفاع به .
التأويل الثاني لهم﴾ أنهم قالوا : نحن اتخذنا هذه التماثيل على صور الأنبياء
والأولياء ، ومرادنا من عبادتها أن تصير أولئك الأنبياء والأولياء شفعاء لنا عند الله تعالى .
وهذا الطريق أيضا فاسد ، وأيضا نقل عند الهند : أنهم يتقربون الى الله تعالى بقتل أنفسهم
تارة وباحراق أنفسهم أخرى ويبالغون في تعظيم الله تعالى ، إلا أنه لما كان الطريق فاسدا لا
جرم لم ينتفع به ، وكذلك القول في جميع فرق المبطلين الذين يتقربون الى الله تعالى بمذاهبهم
الباطلة وأقوالهم الفاسدة وأعمالهم المنحرفة عن قانون الصدق والصواب .
والشرط الثالث ﴾ قوله تعالى (وهو مؤمن) وهذا الشرط معتبر ، لأن الشرط في كون