النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١٠ قوله تعالى: ((ادع إلى سبيل ربك)) سورة النحل المذكورة في هذه الآية . إذا عرفت هذا فنقول : أهل العلم ثلاث طوائف : الكاملون الطالبون للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل القطعية اليقينية وهي الحكمة ، والقسم الثاني الذين تغلب على طباعهم المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية ، والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الافحام والالزام ، وهذان القسمان هما الطرفان . فالأول : هو طرف الكمال . والثاني : طرف النقصان . وأما القسم الثالث ﴾ فهو الواسطة ، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين ، وفي النقصان والرذالة الى حد المشاغبين المخاصمين ، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية، وما بلغوا الى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالموعظة الحسنة، وأدناها المجادلة، وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققون، وأوسطهم عامة الخلق وهم أرباب السلامة ، وفيهم الكثرة والغلبة، وأدنى المراتب، الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة، فقوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة) معناه ادع الأقوياء الكاملين الى الدين الحق بالحكمة ، وهي البراهين القطعية اليقينية وعوام الخلق بالموعظة الحسنة، وهي الدلائل اليقينية الاقناعية الظنية، والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل . ومن لطائف هذه الآية أنه قال ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين ، لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة ، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة ، أما الجدل فليس من باب الدعوة ، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الالزام والافحام ، فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن ، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيها على أنه لا يحصل الدعوة ، وإنما الغرض منه شيء آخر ، والله أعلم . واعلم أن هذه المباحث تدل على أنه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار العالية الشريفة مع أن أكثر الخلق کانوا غافلين عنها ، فظهر أن هذا الكتاب الکریم لا يهتدي الى ما فيه من الأسرار إلا من كان من خواص أولي الأبصار. ثم قال تعالى ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمعنى: أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة ، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك ، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين ، والذي عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس 1 ١٤٢ قوله تعالى ((وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)) سورة النحل ١٢٦ وَإِنْ تَقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِثْلِ مَاعُوقِبْتُ بِهِ وَلَيْنِ صَبَتُ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَِّينَ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللّهِ وَلَ نَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَاتَكُ فِ ضَيٍْ فِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ البشرية مختلفة بالماهية، فبعضها نفوس مشرقة صافية قليلة التعليق بالجسمانيات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات، وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات عديمة الالتفات الى الروحانيات، ولما كانت هذه الاستعدادت من لوازم جواهرها ، لا جرم يمتنع انقلابها وزوالها، فلهذا قال تعالى: اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكل، فانه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة وباشراق النفوس المشرقة الصافية، فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة، كما قال (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) والله أعلم . قوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدي: هذه الآية فيها ثلاثة أقوال :. ﴿القول الأول) وهو الذي عليه العامة أن النبي وي ليه لما رأى حمزة وقد مثلوا به قال: ((والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك)) فنزل جبريل عليه السلام بخواتيم سورة النحل فكف رسول الله ﴿ وأمسك عما أراد. وهذا قول ابن عباس رضى الله عنهما في رواية عطاء وأبى بن كعب والشعبي، وعلى هذا قالوا إن سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاث. ﴿ والقول الثاني ﴾ أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد ، حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدؤا بالقتال وهو قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) وفي هذه الآية أمر الله بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا . ﴿والقول الثالث ﴾ أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم ، وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين،قال ابن سيرين : إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله ، وأقول : إن حمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء ١٤٣ قوله تعالى ((وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)) سورة النحل الترتيب في كلام الله تعالى وذلك يطرق الطعن اليه وهو في غاية البعد ، بل الأصوب عندي أن يقال: المراد أنه تعالى أمر محمدا ه أن يدعو الخلق الى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالطريق الأحسن ، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم ، وبالاعراض عنه والحكم عليه بالكفر والضلالة وذلك مما يشوش القلوب ويوحش الصدور ، ويحمل أكثر المستمعين على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة ، وبالضرب ثانيا وبالشتم ثالثا ، ثم إن ذلك المحق إذا شاهد تلك السفاهات ، وسمع تلك المشاغبات لا بد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب ، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والانصاف وترك الزيادة ، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه . فان قيل : فهل تقدحون فيما روي أنه عليه السلام ترك العزم على المثلة وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية ؟ قلنا : لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية ، لأنا نقول : تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية ، انما الذي ينازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية على هذه الواقعة ، لأن ذلك يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى . المسألة الثانية ) اعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والانصاف في هذه الآية ورتب ذلك على أربع مراتب : ﴿ المرتبة الأولى﴾ قوله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) يعني إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ، فان استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته وفي قوله ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) دليل على أن الأولى له أن لا يفعل ، كما أنك إذا قلت للمريض : إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح ، كان معناه أن الأولى بك أن لا تأكله ، فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض على أن الأولى تركه . المرتبة الثانية﴾ الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله ( ولئن صبرتم لهو خير الصابرين) وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام، لأن الرحمة أفضل من القسوة والإنفاع أفضل من الايلام . ﴿ المرتبة الثالثة) وهو ورود الأمر بالجزم بالترك وهو قوله (واصبر ) لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى ، وفي هذه المرتبة الثالثة صرح بالأمر بالصبر ، ولما كان الصبر في هذا المقام شاقا شديدا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال ( وما صبرك إلا بالله ) أي بتوفيقه ١٤٤ قوله تعالى ((واصبر وما صبرك إلا بالله)) سورة النحل ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر وفي حصول جميع أنواع الطاعات . ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال: ( ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) وذلك لأن إقدام الانسان على الانتقام وعلى إنزال الضرر بالغير، لا يكون إلا عند هيجان الغضب . وشدة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين : أحدهما : فوات نفع كان حاصلا في الماضي واليه الاشارة بقوله ( ولا تحزن عليهم ) قيل معناه : ولا تحزن على قتلى أحد ، ومعناه لا تحزن بسبب فوت أولئك الأصدقاء . ويرجع حاصله الى فوت النفع . والسبب الثاني : لشدة الغضب توقع ضرر في المستقبل ، واليه الاشارة بقوله ( ولا تك في ضيق مما يمكرون ) ومن وقف على هذه اللطائف عرف أنه لا يمكن كلام أدخل في الحسن والضبط من هذا الكلام، بقي في لفظ الآية مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن كثير (ولا تك في ضيق) بكسر الضاد ، وفي النمل مثله ، والباقون : بفتح الضاد في الحرفين . أما الوجه في القراءة المشهورة فأمور : قال أبو عبيدة : الضيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن ، وما كان في القلب فانه الضيق . وقال أبو عمرو : الضيق بالكسر الشدة والضيق بفتح الضاد الغم ، وقال القتيبي : ضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولَين . وبهذا الطريق قلنا إنه تصح قراءة ابن كثير . ﴿ البحث الثاني ) قرىء ( ولا تكن في ضيق ) ﴿ البحث الثالث ﴾ هذا من الكلام المقلوب ، لأن الضيق صفة، والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلا في الصفة ، فكان المعنى فلا يكن الضيق فيك ، الا أن الفائدة في قوله ( ولا تك في ضيق ) هو أن الضيق اذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالانسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به ، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى والله أعلم . ﴿ المرتبة الرابعة) قوله (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز ، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز الى التصريح وهو قوله ( ولئن صبرتم لهو خير الصابرين ) وفي المرتبة الثالثة: أمرنا بالصبر على سبيل الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال ( إن الله مع الذين اتقوا) عن استيفاء الزيادة ( والذين هم محسنون ) في ترك أصل الانتقام ، فان أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين . ومن وقف على هذا الترتيب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة ، ولما ١٤٥ قوله تعالى (( والذين هم محسنون )) سورة النحل قال الله لرسوله ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) ذكر هذه المراتب الأربعة ، تنبيها على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه ، وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (إن الله مع الذين اتقوا) معيته بالرحمة والفضل والرتبة ، وقوله ( الذين اتقوا) إشارة الى التعظيم لأمر الله تعالى ، وقوله (والذين هم محسنون ) إشارة الى الشفقة على خلق الله ، وذلك يدل على أن كمال السعادةللإنسان في هذين الأمرين أعني التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، وعبر عنه بعض المشايخ فقال : كمال الطريق صدق مع الحق . وخُلق مع الخَلق،، وقال الحكماء : كمال الانسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وعن هرم ابن حيان أنه قيل له عند القرب من الوفاة أوص ، فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي ، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل . المسألة الرابعة﴾ قال بعضهم : إن قوله تعالى ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير الصابرين ) منسوخ بآية السيف ، وهذا في غاية البعد ، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى ، وترك التعدي وطلب الزيادة ، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف ، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ ، ولا أرى فيه فائدة والله أعلم بالصواب . قال المصنف رحمه الله : ثم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة بزمان معتدل ، وقال رحمه الله : الحق عزيز . والطريق بعيد . والمركب ضعيف. والقرب بعد . والوصل هجر. والحقائق مصونة. والمعاني في غيب الغيب محصونة. والأسرار فيما وراء العز مخزونة، وبيد الخلق القيل والقال. والكمال ليس الا لله ذي الاكرام والجلال ، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم . الفخر الرازي ج ٢٠ م١٠ ١٤٦ "قوله تعالى ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)) سورة الإسراء ـس- (١٧) سُوْرَةُ الإِسْرَاءِ مَكِيَّة وَأَيَاتِهَا إِحْرِفْ عَشِرَة وَمَانَّمْ بني إسرائيل ﴾ عن ابن عباس أنها مكية ، غير قوله ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ) إلى قوله ( واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) فانها مدنيات ، نزلت حين جاء وفد ثقيف . 12 بِسُـ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَبْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِىِ بَرَكَ حَلَهُ لِغُرِيُّ مِنْ ءَِّنَآ إِنَّهُهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ((بسم الله الرحمن الرحيم )) ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾. فى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال النحويون: (سبحان) اسم علم للتسبيح. يقال : سبحت الله تسبيحا وسبحانا ، فالتسبيح هو المصدر . وسبحان: اسم علم للتسبيح كقولك : كفّرت اليمين تكفيرا او كفرانا وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء . قال صاحب النظم : السبح في اللغة: التباعد ، يدل عليه قوله تعالى ( إن لك في النهار سبحا ) أي تباعدا ، فمعنى : سبح الله تعالى ، أي بعّده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد ، وقد جاء في لفظ التسبيح معان أخرى : أحدها : أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة ، ومنه قوله تعالى ( فلولا أنه كان من المسبحين ) أي من المصلين ، والسبحة: الصلاة النافلة ، وإنما قيل للمصلي: مسبح ؛ لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي . وثانيها : ١٤٧ قوله تعالى ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)) سورة الإسراء ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى ( قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون ) أي تستثنون وتأويله أيضا يعود الى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته . وثالثها : جاء في الحديث ((لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء )) قيل: معناه نور وجهه ، وقيل سبحات وجهه ، نور وجهه الذي اذا رآه الرائي قال : سبحان الله، وقوله ( أسرى ) قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان ، وقوله ( بعبده) أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام ، وسمعت الشيخ الامام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ الامام ابا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه الى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج أوحى الله تعالى اليه: يا محمد بم أشرفك؟ قال (( يا رب بأن تنسبني الى نفسك بالعبودية )) فأنزل الله فيه ( سبحان الذي أسرى بعبده) وقوله ( ليلا ) نصب على الظرف . فان قيل : الاسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ قلنا : أراد بقوله ( ليلا ) بلفظ التنكير تقليل مدة الاسراء . وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة ، ونقل صاحب الكشاف عن أنس والحسين أنه كان ذلك قبل البعثة ، وقوله ( من المسجد الحرام ) اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه . وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن ، وروي عن النبي ◌َ ير أنه قال:(( بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان *إذا أتى جبريل بالبراق)) وقيل أسرى به من دار أم هانىء بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام: الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس:الحرم كله مسجد ، وهذا قول الأكثرين وقوله ( إلى المسجد الأقصى ) اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس . وسمى بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله ( الذي باركنا حوله ) قيل بالثمار والأزهار ، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة . واعلم أن كلمة ( الى ) لانتهاء الغاية فمدلول قوله ( الى المسجد الأقصى ) أنه وصل الى حد ذلك المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه ، وقوله ( لنريه من آياتنا ) يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى . فان قالوا : قوله ( لنريه من آياتنا) يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات ، لأن كلمة ( من ) تفيد التبعيض ، وقال في حق إبراهيم ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) فيلزم أن يكون معراج ابراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد كلية . ١٤٨ قوله تعالى (( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)) سورة الإسراء قلنا: الذي رآه ابراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد مج له بعض آيات الله تعالى ، ولا شك أن آيات الله أفضل . ثم قال ﴿ إنه هو السميع البصير﴾ أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء، مقرونة بالصدق والصفاء ، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات، وقيل: المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر، بصير بما يعملون في هذه الواقعة . ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلف في كيفية ذلك الاسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله وسطه، والأقلون قالوا: إنه ما أسرى إلا بروحه، حكي عن محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال: ذلك رؤيا .. أنه ما فقد جسد رسول اللّه وَّهِ، وإنما أسرى بروحه، وحكى هذا القول أيضا عن عائشة رضى الله عنها، وعن معاوية رضى الله عنه . واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين : أحدهما : في إثبات الجواز العقلي . والثاني : في الوقوع . أما المقام الأول﴾ وهو إثبات الجواز العقلي. فنقول : الحركة الواقعة في السرعة الى هذا الحد ممكنة في نفسها . والله تعالى قادر على جميع الممكنات ، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع ، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين : المقدمة الأولى ﴾ في إثبات أن الحركة الواقعة الى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه : الوجه الأول ﴾ أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد الى الدور نسبة الواحد الى ثلاثة وسبع ، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر الى نصف الدور نسبة الواحد الى ثلاثة وسبع . وبتقدير أن يقال: إن رسول الله ◌َو ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتجرك إلا بمقدار نصف القطر، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالامكان ، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه ، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالامكان والله أعلم . ﴿ الوجه الثاني﴾ وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة . ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع ، وذلك يدل ١٤٩ قوله تعالى ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)) سورة الإسراء على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه . ﴿ الوجه الثالث﴾ أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم الى ما فوق العرش ، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش الى مركز العالم ، فان كان القول بمعراج محمد لط في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول ، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش الى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة الى هذا الحد ، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة من العرش الى مكة ، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه أيضا باطلا . فان قالوا : نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان الى مكان ، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام . قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء ، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم . وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك الى مكة ، وإذا كان كذلك كان الالزام المذكور قويا ، روى أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل ، وذهبوا الى أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر : إن كان قد قال ذلك فهو صادق ، قم جاء الى رسول الله وي ليه فذكر الرسول له تلك التفاصيل ، فكلما ذكر شيئا قال أبو بكر صدقت ، فلما تمم الكلام قال أبو بكر أشهد أنك رسول الله حقا ، فقال له الرسول : وأنا أشهد أنك الصديق حقا ، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضى الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا ؟ الوجه الرابع ﴾ أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون بوجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق الى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم ، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى ، وهذا الالزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني ، فهذا الالزام غير وارد عليهم ، إلا أن أكثر أرباب ١٥٠ قوله تعالى ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)) سورة الإسراء الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل . فان قالوا : هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة ، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها ، أما الانسان فانه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه ؟ قلنا : نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة الى هذا الحد ممكن في نفس الأمر ، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الانساني، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى . الوجه الخامس﴾ إنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفة مسير سليمان عليه الصلاة والسلام: ( غدوها شهر ورواحها شهر ) بل نقول : الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة ، وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة . ﴿ الوجه السادس﴾ ان القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن الى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى:( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك ) واذا كان ممكنا في حق بعض الناس ، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود . ﴿ الوجه السابع ﴾ إن من الناس من يقول: الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا الى رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا الى رجل في تلك اللحظة اللطيفة ، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السرعة من الممكنات لا من الممتنعات ، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة الى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه . ﴿ المقدمة الثانية ) في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد ◌ّه ممتنعا، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام ، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد وليد أمر ممكن الوجود في نفسه . ١٥١ قوله تعالى ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)) سورة الإسراء وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد ◌ّ# ممكن ، فوجب كونه تعالى قادرا عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه ، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب ، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام ، بل هو حاصل في جميع المعجزات ، فانقلاب العصا ثعبانا تبلع سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت: أمر عجيب ، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم ، واظلال الجبل العظيم في الهواء: عجيب ، وكذا القول في جميع المعجزات فان كان مجرد التعجب يوجب الانكار والدفع ، لزم الجزم بفساد القول باثبات المعجزات ، واثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وان كان مجرد التعجب لا يوجب الانكار والابطال فكذا ههنا ، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع والله أعلم . المقام الثاني ﴾ في البحث عن وقوع المعراج قال أهل التحقيق : الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد ◌ّه وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر: أما القرآن فهو هذه الآية ، وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح ، فوجب أن يكون الاسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح . واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الانسان هو الروح وحده أو الجسد وحده أو مجموع الجسد والروح ، أما القائلون بأن الانسان هو الروح وحده ، فقد احتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الانسان شيء واحد باق من أول عمره الى آخره ، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال، والباقي غير متبدل فالانسان مغاير لهذا البدن . وثانيها : أن الانسان قد يكون عارفا بذاته المخصوصة حال ما يكون غافلا عن جميع أجزائه البدنية ، والمعلوم مغاير للمغفول عنه ، فالانسان مغاير لهذا البدن، وثالثها : أن الانسان يقول بمقتضى فطرته السليمة يدي ورجلي ودماغي وقلبي ، وكذا القول في سائر الأعضاء فيضيف كلها الى ذاته المخصوصة . والمضاف غير المضاف إليه فذاته المخصوصة وجب أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء . فان قالوا: أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته، وهذا محال. قلنا: نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه، بل إنما نتمسك بمحض العقل، فان صريح العقل يدل على أن الانسان موجود واحد، وذلك الشيء الواحد يأخذ بآلة ٠ ١٥٢ قوله تعالى ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً)) سورة الاسراء اليد ويبصر بآلة العين، ويسمع بآلة الأذن، فالانسان شيء واحد، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال، وذلك يدل على أن الانسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات، فثبت بهذه الوجوه أن الانسان شيء مغاير لهذه البنية ولهذا الجسد. إذا ثبت هذا فنقول (سبحان الذي أسرى بعبده) المراد من العبد جوهر الروح وعلى هذا التقدير فلم يبق في الآية دلالة على حصول الاسراء بالجسد. فان قالوا: فالاسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة، فلا يليق به أن يقال (سبحان الذي أسرى بعبده). قلنا: هذا ايضا بعيد، لأنه لا يبعد أن يقال: إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره البتة، فلا جرم كان هذا الكلام لائقا به، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معا. والجواب: أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد، والدليل عليه قوله تعالى (ارأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) ولا شك ان المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد. وقال أيضا في سورة الجن (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) والمراد مجموع الروح والجسد فكذا ههنا، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه الى السموات، واحتج المنكرون له بوجوه: أحدها: بالوجوه العقلية وهي ثلاثة: أولها : أن الحركة البالغة في السرعة الى هذا الحد غير معقولة. وثانيها: أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول. وثالثها: أن صعوده الى السموات يوجب انخراق الأفلاك، وذلك محال. ﴿والشبهة الثانية) أن هذا المعنى لوصح لكان أعظم من سائر المعجزات. وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة، فاما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد، فانه يكون ذلك عبثا، وذلك لا يليق بالحكيم. ﴿والشبهة الثالثة) تمسكوا بقوله (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) وما تلك الرؤيا الا حديث المعراج، وإنما كان فتنة للناس لأن كثيرا ممن آمن له لما سمع هذا الكلام كذبه وكفربه فكان حديث المعراج سببالفتنة الناس، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام. ﴿الشبهة الرابعة﴾ أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بماء زمزم وهو بعيد، لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير ١٥٣ قوله تعالى: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)) سورة الاسراء لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد، لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة الى البراق، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ثم إن محمدالرّلو لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن أعاد الخمسين الى خمس بسبب شفقة موسى عليه الصلاة والسلام. قال القاضي: وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وانه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال، فثبت ان ذلك الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله فکان مردودا. والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها. ﴿والجواب عن الشبهة الثانية﴾ ما ذكره الله تعالى وهو قوله (لنريه من آياتنا) وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه: الأول: أن خيرات الجنة عظيمة، وأهوال النار شديدة ، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال النار، اما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما، وحينئذ يتفرغ للشفاعة. الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة، صارت سببا لتكامل مصلحته او مصلحتهم. الثالث: أنه لا يبعد أنه اذا صعد الفلك وشاهد احوال السموات والكرسي والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة الى الله تعالى أكمل. وقلة التفاته الى أعداء الله تعالى اقوى. يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره الا أضعاف ما يكون عليه حال من لم یعاین. واعلم ان قوله تعالى (لنريه من آياتنا) كالدلالة على ان فائدة ذلك الاسراء مختصة به وعائدة اليه على سبيل التعيين . ﴿والجواب عن الشبهة الثالثة) أنا عند الانتهاء الى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين ان تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام. ﴿والجواب عن الشبهة الرابعة﴾ لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والله اعلم. ﴿المسألة الرابعة﴾ أما العروج الى السموات والى ما فوق العرش، فهذه الآية لا تدل عليه، ومنهم من استدل عليه بأول سورة(والنجم))، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى (لتركبن ١٥٤ قوله تعالى: ((وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى)) سورة الأسراء وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِيّ إِسْرَاءِيلَ أَلَّ ◌َخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا (جَ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَلْنَا مَعَ نُوجِ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (چ) طبقاعن طبق ) وتفسيرهما مذكور في موضعه، وأما دلالة الحديث فكما سلف والله أعلم. قوله تعالى ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني اسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ﴾ . في الآية مسائل: ﴿المسألة الأولى﴾ اعلم ان الكلام في الآية التي قبل هذه الآية، وفيها انتقل من الغيبة الى الخطاب ومن الخطاب الى الغيبة. لأن قوله (سبحان الذي أسرى) فيه ذكر الله تعالى على سبيل الغيبة وقوله (باركنا حوله لنريه من آياتنا) فيه ثلاثة ألفاظ دالة على الحضور،وقوله (إنه هو السميع البصير) يدل على الغيبة وقوله (وآتينا موسى الكتاب) الخ يدل على الحضور وانتقال الكلام من الغيبة الى الحضور وبالعكس يسمى صنعه الالتفات. ﴿المسألة الثانية﴾ ذكر الله تعالى في الآية الأولى إكرامه محمداێ بأنه أسرى به، وذکر في هذه الآية أنه أكرم موسى عليه الصلاة والسلام قبله بالكتاب الذي آتاه فقال (وآتينا موسى الكتاب) يعني التوراة (وجعلناه هدى) أي يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق وقوله (ألا تتخذوا من دوني وكيلا) وفيه أبحاث :. ﴿البحث الأول﴾ قرأ أبو عمرو (ألا يتخذوا) بالياء خبرا عن بني اسرائيل، والباقون بالتاء على الخطاب، أي قلنا لهم لا تتخذوا . ﴿البحث الثاني﴾ قال ابو علي الفارسي: إن قوله (ألا تتخذوا) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون (أن) ناصبة للفعل فيكون المعنى: وجعلناه هدى لئلا تتخذوا. وثانيها: أن تكون (أن) بمعنى أي التي للتفسير ، وانصرف الكلام من الغيبة الى الخطاب في قراءة العامة كما انصرف منها إلى الخطاب. والأمر في قوله (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) فكذلك انصرف من الغيبة الى النهي في قوله (ألا تتخذوا) وثالثها: أن تكون (أن) زائدة ويجعل تتخذوا على القول المضمر والتقدير: وجعلناه هدى لبني اسرائيل فقلنا لا تتخذوا من دوني وكيلا. ﴿البحث الثالث﴾ قوله (وکیلا) أي ربا تكلون امورکم اليه. اقول حاصل الكلام في الآية: أنه تعالى ذكر تشريف محمد ط بالاسراء، ثم ذكر عقيبه تشريف موسى عليه الصلاة ! ١٥٥ قوله تعالى: ((وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى)) سورة الاسراء وَقَضَيْنَآَ إِلَى بَنِّ إِسْرَءِيلَ فِى الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا والسلام بانزال التوراة عليه، ثم وصف التوراة بكونها هدى، ثم بين أن التوراة إنما كان هدى لاشتماله على النهي عن اتخاذ غير الله وكيلا، وذلك هو التوحيد، فرجع حاصل الكلام بعد رعاية هذه المراتب انه لا معراج أعلى ولا درجة أشرف ولا منقبة أعظم من أن يصير المرء غرقا في بحر التوحيد وأن لا يعول في امر من الأمور إلا على الله، فان نطق، نطق بذكر الله، وإن تفكر، تفكر في دلائل تنزيه الله تعالى، وان طلب، طلب من الله، فيكون كله لله وبالله ثم قال (ذرية من حملنا مع نوح) وفي نصب ذرية وجهان: ﴿الوجه الأول﴾ ان يكون نصبا على النداء يعني: يا ذرية من حملنا مع نوح وهذا قول مجاهد لأنه قال: هذا نداء،قال الواحدي: وانما يصح هذا على قراءة من قرأ التاء كأنه قيل لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث. فالناس كلهم من ذرية اولئك، فكان قوله يا ذرية من حملنا مع نوح، قائما مقام قوله (يا أيها الناس). ﴿الوجه الثاني﴾ في نصب قوله (ذرية) أن الاتخاذ فعل يتعدى إلى مفعولين كقوله (واتخذ الله ابراهيم خليلا) والتقدير: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا، ثم إنه تعالى أثنى على نوح فقال (إنه كان عبدا شكورا) أي كان كثير الشكر، روى أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أكل قال ((الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني)) وإذا ◌ُشرب قال ((الحمد لله الذي أسقاني ولو شاء أظمأني)) واذا اكتسى قال ((الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني)) وإذا احتذى قال ((الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني)) وإذا قضى حاجته قال ((الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه)) وروى أنه كان إذا أراد الافطار عرض طعامه على من آمن به فان وجده محتاجا آثره به . فان قيل: قوله (إنه كان عبدا شكورا) ما وجه ملائمة لما قبله؟ قلنا: التقدير كأنه قال: لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي، لأن نوحا عليه الصلاة والسلام كان عبدا شكورا، وإنما يكون العبد شكورا لو كان موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله. وأنتم ذرية قومه فاقتدوا بنوح عليه السلام، كما أن آباءكم اقتدوا به والله أعلم. قوله تعالى ﴿وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ١٥٦ قوله تعالى: وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن)) سورة الاسراء كَبِيرًا ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَهُمَا بَعَنْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآَ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ بَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكَم ٠/٠٤٠١ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ( ٦ کبیرا فاذا جاء وعد أولا هما بعثنا علیکم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾. اعلم أنه تعالى لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بانزال التوراة عليهم ، وبأنه جعل التوراة هدى لهم، بين أنهم ما اهتدوا بهداه، بل وقعوا في الفساد فقال (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) وفي الآية مسائل : ﴿المسألة الأولى﴾ القضاء في اللغة عبارة عن قطع الأشياء عن احكام، ومنه قوله تعالى (فقضاهن سبع سموات) وقول الشاعر: وعلیھما مسرودتان قضاهما داود فقوله (وقضينا) أي أعلمناهم وأخبرناهم بذلك وأوحينا اليهم. ولفظ (إلى) صلة للايحاء، لأن معنى قضينا:أوحينا اليهم كذا. وقوله (لتفسدن) يريد المعاصي وخلاف أحكام التوراة وقوله (في الارض) يعني ارض مصر وقوله (ولتعلن علوا كبيرا) يعني أنه يكون استعلاؤكم على الناس بغير الحق استعلاء عظيما، لأنه يقال لكل متجبر: قد علا وتعظم، ثم قال (فإذا جاء وعد أولاهما) يعني أولى المرتين (بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد) والمعنى: أنه إذا جاء وعد الفساق في المرة الأولى ارسلنا عليكم قوما أولى بأس شديد، ونجدة وشدة، والبأس: القتال، ومنه قوله تعالى (وحين البأس) ومعنى بعثنا عليكم ارسلنا عليكم وخلينا بينكم وبينهم خاذلين إياكم، واختلفوا في أن هؤلاء العباد من هم؟ قيل: ان بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء، وذلك أول الفسادين فسلط الله عليهم بختنصر، فقتل منهم أربعين ألفا ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية إلى أرض نفسه فبقوا هناك في الذل إلى أن قيض الله ملكا آخر غزا أهل بابل واتفق أن تزوج بامرأة من بني اسرائيل فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك ان يرد بني اسرائيل الى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا، فهو قوله (ثم رددنا لكم الكرة عليهم). ﴿والقول الثاني﴾ ان المراد من قوله (بعثنا عليكم عبادا لنا) أن الله تعالى سلط عليهم ١٥٧ قوله تعالى: ((وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن)) سورة الاسراء جالوت حتى أهلكهم وأبادهم وقوله (ثم رددنا لكم الكرة) هو أنه تعالى قوى طالوت حتى حارب جالوت ونصر داود حتى قتل جالوت فذاك هو عود الكرة. ﴿والقول الثالث) ان قوله (بعثنا عليكم عبادا لنا) هو انه تعالى ألقى الرعب من بني اسرائيل في قلوب المجوس، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم. واعلم انه لا يتعلق كثير غرض في معرفة اولئك الأقوام بأعيانهم، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم. ثم قال تعالى ﴿فجاسوا خلال الديار) قال الليث: الجوس والجوسان التردد خلال الديار والبيوت في الفساد، والخلال هو الانفراج بين الشيئين، والديار ديار بيت المقدس، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير جاسوا فعن ابن عباس: فتشوا وقال أبو عبيدة: طلبوا من فيها. وقال ابن قتيبة: عاثوا وأفسدوا، وقال الزجاج: طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه؟ قال الواحدي : الجوس هو التردد والطلب وذلك محتمل لكل ما قالوه. ثم قال تعالى ﴿وكان وعدا مفعولا﴾ اي كان قضاء جزما حتما لا يقبل النقض والنسخ، ثم قال تعالى ( ثم رددنا لكم الكرة) اي اهلكنا أعداءكم ورددنا الدولة والقوة عليكم، (وجعلناكم أكثر نفيرا) النفير العدد من الرجال وأصله من نفر مع الرجل من عشيرته وقومه، والنفير والنافر واحد، كالقدير والقادر، وذكرنا معنى نفر عند قوله (فلولا نفر من كل فرقة) وقوله (انفروا خفافا). ﴿المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة القضاء والقدر من وجوه: الاول انه تعالى قال (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) وهذا القضاء أقل احتمالاته: الحكم الجزم، والخبر الحتم، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبرا جزما حتما لا يقبل النسخ، لأن القضاء معناه الحكم الجزم على ما شرحناه. ثم إنه تعالى اكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال (وكان وعدا مفعولا). اذا ثبت هذا فنقول: عدم وقوع ذلك الفساد عنهم يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبا، وإنقلاب حكمه الجازم باطلا ، وانقلاب علمه الحق جهلا، وكل ذلك محال، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالا ، فكان إقدامهم عليه واجبا ضروريا لا يقبل النسخ والرفع، مع انهم كلفوا بتركه ولعنوا على فعله، وذلك يدل على قولنا: ان الله يأمر بشيء ويصد عنه، وقد ١٥٨ قوله تعالى إن احسنتم احسنتم لأنفسكم)) سورة الأسراء إِنْ أَحْسَفْتُمْ أَحْسَنُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لُِّنَّعُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُنَبِرُواْ مَا عَلَوْ تَلْبِيراً ٧ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْمَكُمْ وَ إِنْ عُدُ عُدْنًا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَّفِرِينَ حَضِيرًا ( ينهى عن شيء ويقضي بتحصيله، فهذا أحد وجوه الاستدلال بهذه الآية. ﴿الوجه الثاني) في الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى (بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد) والمراد اولئك الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنهب والأسر، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل، ولا شك ان قتل بني اسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملا على الظلم الكثير والمعاصي العظیمة. ثم إنه تعالى أضاف کل ذلك إلى نفسه بقوله (ثم بعثنا عليكم) وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى. أجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: المراد من (بعثنا عليكم) هو أنه تعالى أمر أولئك الأقوام بغزو بني اسرائيل لما ظهر فيهم من الفساد، فأضيف ذلك الفعل إلى الله تعالى من حيث الأمر، والثاني: ان يكون المراد خلينا بينهم وبين بني اسرائيل، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم. وحاصل الكلام أن المراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع . واعلم أن الجواب الأول ضعيف؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظ التوراة لا يجوز أن يقال إنهم فعلوا ذلك بأمر الله تعالى. والجواب الثاني أيضا ضعيف، لأن البعث على الفعل عبارة عن التقوية عليه وإلقاء الدواعي القوية في القلب، وأما التخلية فعبارة عن عدم المنع، والأول فعل، والثاني ترك، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدين بالآخر وأنه لا يجوز، فثبت صحة ما ذكرناه والله أعلم. قوله تعالى ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ . وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى حكي عنهم أنهم لما عصوا سلط عليهم أقواما قصدوهم ١٥٩ قوله تعالى ((إن احسنتم احسنتم لأنفسكم)) سورة الأسراء بالقتل والنهب والسبي، ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة وأعاد عليهم الدولة، فعند ذلك ظهر أنهم إن اطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصروا على المعصية فقد اساؤا إلى أنفسهم، وقد تقرر في العقول أن الاحسان إلى النفس حسن مطلوب، وأن الاساءة إليها قبيحة، فلهذا المعنى قال تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها). ﴿المسألة الثانية﴾ قال الواحدي: لابد ههنا من إضمار، والتقدير: وقلنا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، والمعنى: إن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث أن ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات، وإن أسأتم بفعل المحرمات أسأتم الى أنفسكم من حيث أن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم ابواب العقوبات. ﴿المسألة الثالثة﴾ قال النحويون: إنما قال (وإن أسأتم فلها) للتقابل والمعنى: فاليها أو فعلیها مع ان حروف الاضافة یقوم بعضها مقام بعض، کقوله تعالی (يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحی لها) أي اليها. ﴿المسألة الرابعة﴾ قال أهل الاشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله تعالى غالبة على غضبه بدليل أنه لما حكى عنهم الاحسان أعاده مرتين فقال (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) ولما حكى عنهم الاساءة اقتصر على ذكرها مرة واحدة فقال (وإن أسأتم فلها) ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا لما کان کذلك. ثم قال تعالى ﴿فاذا جاء وعد الآخرة) وفيه مسائل: ﴿المسألة الأولى﴾ قال المفسرون: معناه وعد المرة الاخيرة، وهذه المرة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام. قال الواحدي: فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه اليه فسبى بني اسرائيل وقتل وخرب بيت المقدس اقول: التواريخ تشهد بأن بختنصر كان قبل وقت عيسى عليه الصلاة والسلام ويحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام بسنين متطاولة. ومعلوم أن الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له: قسطنطين الملك، والله أعلم بأحوالهم، ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الاقوام. ﴿المسألة الثانية﴾ جواب قوله (فاذا جاء) محذوف تقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوؤا وجوهكم وانما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من قوله (بعثنا عليكم عبادا لنا) ثم ١٦٠ قوله تعالى إن احسنتم احسنتم لأنفسكم)) سورة الاسراء قال( ليسوؤا وجوهكم) وفيه مسألتان: ﴿المسألة الأولى﴾ يقال: ساءه يسوءه أي أحزنه، وانما عزا الاساءة الى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب انما تظهر على الوجه، فان حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والاشراق والإِسفار في الوجه ، وان حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه، فلهذا السبب عزيت الاساءة الى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى كثير فى القرآن . ﴿المسألة الثانية﴾ قرأ العامة: ليسوؤا على صيغة المغايبة، قال الواحدي: وهي موافقة للمعنى وللفظ أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم في الحقيقة ، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله (وليدخلوا المسجد) وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة (ليسوء) على إسناد الفعل الى الواحد، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة: إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله: ثم ردنا وأمددنا، وكل ذلك ضمير عائد الى الله تعالى، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله (بغثنا) والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم) وقال الزجاج: ليسوء الوعد وجوهكم، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على اسناد الفعل الى الله تعالى کقوله: بعثنا علیکم وأمددنا. ثم قال تعالى ﴿وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾ يقال: تبر الشيء تبرا اذا هلك وتبره أهلكه. قال الزجاج: كل شيء جعلته مكسرا ومفتتا فقد تبرته، ومنه قيل: تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره، ومنه قوله تعالى (إن هؤلاء متبر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون) وقوله (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) وقوله (ما علوا) يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين، أي ما دام سلطانهم جاريا على بني اسرائيل، وقوله (تتبيرا) ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله (وكلم الله موسى تكليما) أي حقا، والمعنى: وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه . ثم قال تعالى ﴿عسى ربكم أن يرحمكم﴾ والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل. ثم قال ﴿وإن عدتم عدنا﴾ يعني: أن بعثنا عليكم من بعثنا، ففعلوا بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي، ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم، فان عدتم مرة أخرى الى المعصية عدنا الى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى.