النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قوله تعالى (( يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل)) سورة النحل ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما خوَّف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب،أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي . وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة والقوة الغير المتناهية، لا يعجز عن إيصال العذاب اليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة والكسائي (أولم تروا) بالناء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت ( أولم تروا أن الله يبدأ الخلق ثم يعيده ) بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات ، وأيضا أن ما قبله غيبة وهو قوله ( أن يخسف اللهُ بهم الأرض أو يأتيهم العذاب أو يأخذهم ) فكذا قوله ( أولم يروا ) وقرأ أبو عمرو وحده ( تتفيؤ ) بالتاء والباقون بالياء ، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (أولم يروا إلى ما خلق الله) لما كانت الرؤية ههنا بمعنى النظر وصلت بإلى ، لأن المراد به الاعتبار والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله ، وقوله ( إلى ما خلق الله من شيء ) قال أهل المعاني : أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم ، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد ، لأن قوله ( من شيء يتفيؤ اظلاله عن اليمين والشمائل ) يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض ، وقوله ( يتفيؤا ظلاله ) اخبار عن قوله ( شيء ) وليس بوصف له ، ويتفيأ يتفعل من الفىء يقال : فاء الظل يفيء فيئا إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس ، وأصل الفيء الرجوع ومنه فيء المولى ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى ( فان فاؤا فان الله غفور رحيم ) وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم ، ومنه قوله تعالى ( ما أفاء الله على رسوله منهم ) وأصل هذا كله من الرجوع . إذا عرفت هذا فنقول : إذا عدى فاء فانه يعدى إما بزيادة الهمزة أو بتضعيف العين ، أما التعدية بزيادة الهمزة فكقوله ( ما أفاء الله ) وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطلوع فيأ . قال الأزهري : تفيؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار ، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس،والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كما قال الشاعر : ولا الفىء من برد العشى تذوق فلا الظل من برد الضحى تستطيعه قال ثعلب : أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل ، ومنهم من أنكر ذلك ، فان أبا زيد أنشد ٤٢ قوله تعالى (( يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل )) سورة النحل للنابغة الجعدي : فسلام الاله يغدو عليهم وفيوء الغروس ذات الظلال فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس ، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلا بسبب نور الشمس، وتقول العرب في جمع فيء أفياء وهي للعدد القليل ، وفيوء للكثير كالنفوس والعيون ، وقوله ( ظلاله ) أضاف الظلال إلى مفرد ، ومعناه الاضافة إلى ذوي الظلال ، وإنما حسن هذا ، لأن الذي عاد اليه الضمير وإن كان واحدا في اللفظ وهو قوله الى ما خلق الله ، إلا أنه كثير في المعنى ، ونظيره قوله تعالى ( لتستووا على ظهوره ) فأضاف الظهور وهو جمع ، الى ضمير مفرد ، لأنه يعود الى واحد أريد به الكثرة وهو قوله ( ما تركبون ) هذا كله كلام الواحدي ، وهو بحث حسن . أما قوله ( عن اليمين والشمائل ) ففيه بحثان : و البحث الأول ﴾ في المراد باليمين والشمائل قولان : القول الأول ﴾ أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب ، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الانسان يمينه ، ومنه تظهر الحركة القوية ، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق الى المغرب ، لا جرم كان المشرق يمين الفلك ، والمغرب شمال . اذا عرفت هذا فنقول : إن الشمس من عند طلوعها الى وقت انتهائها الى وسط الفلك تقع الاظلال الى الجانب الغربي ، فاذا انحدرت الشمس من وسط الفلك الى الجانب الغربي وقع الاظلال في الجانب الشرقي ، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين الى الشمال وبالعكس ، وعلى هذا التقدير : فالأظلال في أول النهار تبتدىء من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض ، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدىء الأظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض . ﴿ القول الثاني﴾ أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل ، فان في الصيف تحصل الشمس على يسارها ، وحينئذ يقع الاظلال على يمينهم ، فهذا هو المراد من انتقال الأظلال عن الايمان إلى الشمائل وبالعكس . هذا ما حصلته في هذا الباب ، وكلام المفسرين فيه غير ملخص . البحث الثاني ﴾ لقائل أن يقول : ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد ، ٤٣ قوله تعالى (( يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل )) سورة النحل والشمائل بصيغة الجمع ؟ وأجيب عنه بأشياء : أحدها : أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه ، اقتصر في اللفظ على الواحد كقوله تعالى ( ويولون الدبّر). وثانيها : قال الفراء : كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الاظلال ، وإذا جمع ذهب إلى كلها ، وذلك لأن قوله ( ما خلق الله من شيء ) لفظه واحد ، ومعناه : الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين . وثالثها : أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبَّرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى ( وجعل الظلمات والنور ) وقوله ( ختم الله قلوبهم وعلى سمعهم ) ورابعها : أنا إذا فسرَّنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها ، فكانت اليمين واحدة ، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة ، فلذلك عبر اللّه تعالى عنها بصيغة الجمع والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ أما قوله (سجدا لله) ففيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد . يقال : سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب ، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل . ويقال : أسجد لقرد السوء في زمانه، أي اخضع له. قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجدا للحوافر أي متواضعة ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى دبر النيرات الفلكية ، والأشخاص الكوكبية بحيث تقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة . ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء ، وتلك الأظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير الله تعالى وتقديره ، فنشاهد أن الشمس اذا طلعت وقعت للأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض ، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعا وارتفاعا ، ازدادت تلك الأظلال تقلصا وانتقاصا الى الجانب الشرقي الى أن تصل الشمس الى وسط الفلك ، فاذا انحدرت الى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي ، وكلما ازدادت الشمس انحدارا ازدادت الأظلال تمددا وتزايدا في الجانب الشرقي . وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد ، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة ، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس ، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها ، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره ، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين ، علمنا أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره ، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة . ٤٤ قوله تعالى ((ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض)) سورة النحل فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس ، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره ؟ قلنا : قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركا لذاته ، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة ، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته ، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة ، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكونا لا حركة ، فالقول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكنا لذاته وأنه محال ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا ، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركا لذاته ، وأيضا فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لا بد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم . إذا ثبت هذا فنقول : هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس ، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلا على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه ، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع ، ونظيره قوله ( والنجم والشجر يسجدان ) وقوله ( وظلالهم بالغدو والآصال ) قد مر بيانه وشرحه . والقول الثاني ﴾ في تفسير هذا السجود ، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد . قال أبو العلاء المعري في صفقة واد : بحرف يطيل الجنح فيه سجوده وللأرض زيّ الراهب المتعبد فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين، أطلق الله عليها هذا اللفظ ، وكان الَحَسَنُ يقول : أما ظلك فسجد لربك ، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت ، وقال مجاهد : ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي ، وقيل : ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجدا أم لا . واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية ، والثاني أقرب الى الشبهات الظاهرة . ﴿ المسألة الخامسة) قوله (سجدا) حال من الظلال وقوله ( وهم داخرون ) أي صاغرون ، يقال : دخر يدخر دخورا ، أي صغر يصغر صغارا ، وهو الذي يفعل ما تأمره شاء أم أبى ، وذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره وقوله ( وهم داخرون ) ٤٥ قوله تعالى (( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)) سورة النحل حال أيضا من الظلال . فان قيل : الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون ؟ قلنا : لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء . أما قوله تعالى ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض مِنْ دابة والملائكةُ ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى ، وسجود هو عبارة عن الانقياد لله تعالى والخضوع ، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنه في نفس ممكن الوجود والعدم قابل لهما ، وأنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لرجَّح . إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد ، والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ومنهم من قال : المراد بالسجود ههنا هو المعنى الأول ، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات ، والنباتات ، والجمادات ، ومنهم من قال : السجود لفظ مشترك بين المعنيين ، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز ، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معا ، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع ، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى ، وهذا القول ضعيف ، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز . ﴿ المسألة الثانية ) قوله ( من دابة) قال الأخفش: يريد من الدواب. وأخبر بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله ، وما أتاني من الرجال مثله ، وقال ابن عباس : يريد كل ما دبَّ على الأرض . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر؟ فيقول فيه وجوه : ﴿ الوجه الأول﴾ إنه تعالى بينَّ في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى، وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى ، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة ، قلما بينَّ في أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى . ٤٦ قوله تعالى ((يخافون ربهم من فوقهم)) سورة النحل والوجه الثاني ﴾ قال حكماء الاسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب ، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية ، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب ، فلما بينَّ الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب، بل هي أرواح محضة مجردة، ويمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) والله أعلم . أما قوله تعالى ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يُؤْمَر ون ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب ، لأن قوله ( وهم لا يستكبرون ) يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم ، وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور ، ونظيره قوله تعالى ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) وقوله ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) وأما قوله ( ويفعلون ما يؤمرون ) فهذا أيضا يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به ، وذلك يدل على عصمتهم من كل الذنوب . فان قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فَلِمَ قلتم أنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه ؟ قلنا : لأن كل من نهي عن شيء فقد أمر بتركه ، وحينئذ يدخل في اللفظ ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب ، وثبت أن إبليس ما كان معصوما من الذنوب بل كان كافرا ، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة . ﴿ والوجه الثاني ﴾ في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة ( وهم لا يستكبرون ) ثم قال لابليس ( أستكبرت أم كنت من العالين ) وقال أيضا له ( اخرج منها فما یکون لك أن تتکبر فیھا ) فثبت أن الملائکة لا یستکبرون ، وثبت أن إبليس تکبر واستکبر ، فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضا لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة ، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل، فان الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة، والله اعلم. واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا إنه تعالى وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الاقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف . ٤٧ قوله تعالى (( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)) سورة النحل والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) وهم لهذا الخوف يتركون الذنب . والثاني : وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الاجلال هكذا نُقِل عن ابن عباس رضى الله عنهما ، والدليل على صحته قوله تعالى ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم ، كان الخوف منه أعظم ، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الاجلال والكبرياء والله الأعلم . المسألة الثانية ﴾ قالت المُشبِّهة: قوله تعالى ( يخافون ربهم من فوقهم ) هذا يدل على أن الله تعالى فوقهم بالذات . واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) والذي نزيده ههنا أن قوله ( يخافون ربهم من فوقهم ) معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم ، وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى سقط قولهم ، وأيضا يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله ( وإنا فوقهم قاهرون ) والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال ( يخافون ربهم من فوقهم ) وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يُشعِر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف . إذا ثبت هذا فنقول : هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف ، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة . ﴿ المسألة الثالثة ) دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلَّفون من قِبَل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين ، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه: الوجه الأول﴾ إنه تعالى قال (ولله يسجدُ ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكةُ) وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبها على الباقي ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى . ٤٨ قوله تعالى ((وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين)) سورة النحل وَلَهُوِ مَا فِى وَقَالَ اللَّهُ لَ تَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ فَإِنْىَ فَأَرْهَبُونِ ٥١ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَِّ نَتَّقُونَ (7﴾ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُ الوجه الثاني ﴾ أن قوله تعالى(وهم لا يستكبرون) يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله ( ويفعلون ما يؤمرون ) يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية ، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الاخلاق الفاسدة والافعال الباطلة، وأما البشرفليسوا كذلك، ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى (قُتِلَ الانسان ما أكفره) وهذا الحُكم عام في الانسان، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الانسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة ، وأما الخبر فقوله عليه السلام (( ما منا إلا وقد عصى أو همَّ بالمعصية غير يحي بن زكريا)) ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أوهمّ بها . ﴿ الوجه الثالث﴾ إنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة ، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة ، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين: الأول: قوله عليه السلام: ((الشيخ في قومه كالنبي في أمته، فضَّلَ الشيخَ على الشاب، وما ذاك إلا لأنه لمَّا كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل. والثاني: أنهِ﴿ قال: ((من سنَّ سُنَّ حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة)) فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشرفيها ، لزم أن يقال إنهم هم. الذين سنوا هذه السنة الحسنة ، وهي طاعة الخالق القديم الرحيم ، والبشر إنما جاؤا بعدهم واستنوا سنتهم، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم . ﴿ الوجه الرابع﴾ في دلالة الآية على هذا المعنى قوله (يخافون ربهم من فوقهم) وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة ، فظاهر الآية يدل على أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى ، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فایاي فارهبون، وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم ٤٩ قوله تعالى ((وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين)) سورة النحل ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الفُرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُم بِرَيْهِمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْعَرُونَ يُشْرِكُونَ (٣٨) لِبَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ فَتَمَتِّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَّمُونَ الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضرَّ عنكم إذا فريق منكم !بربهِّم يُشركون ليكفر وابما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾. اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام ، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه ، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وأنه غني عن الكل فقال: ( لا تتخذوا إلهين اثنين آنما هو إله واحد) وفي الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ لقائل أن يقول: إن الالهين لا بد وأن يكونا اثنين ، فما الفائدة في قوله ( إلهين اثنين ) وجوابه من وجوه : أحدهما : قال صاحب النظم : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تتخذوا اثنين إلهين . وثانيها : وهو الأقرب عندي أن الشيء اذا كان مستنكرا مستقبحا ، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالى تلك العبارات سببا لوقوف العقل على ما فيه من القبح . إذا عرفت هذا فالقول بوجود الالهين قول مستقبح في العقول ، ولهذا المعنى فان أحدا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال ، فقوله ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح . وثالثها : أن قوله ( إلهين ) لفظ واحد يدل على أمرين : ثبوت الاله وثبوت التعدد ، فاذا قيل : لا تتخذوا إلهين ، لم يُعْرَف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الاله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما . فلما قال ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) ثبت أن قوله ( لا تتخذوا إلهين ) نهي عن إثبات التعدد فقط ، ورابعها : أن التثنية منافية للالهية ، وتقريره من وجوه : الأول : أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجبا لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فكل واحد منها مركب من جزأين، وكل مركب فهو ممكن ، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود . الثاني : أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني ، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة ٥٠ قوله تعالى ((إنما هو إله واحد فاياي فارهبون)) سورة النحل أصلا ولا التفاوت أصلا ، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني ، واذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية ، واذا ثبت هذا فاما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال ، أولا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما البتة ، فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزا والعاجز لا يكون إلها ، فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلها . الثالث : أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر ، فان قدر ذاك إله والآخر ضعيف ، وإن لم يقدر فهو ضعيف. والرابع : وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر ، أو لا يقوى عليه فان لم يقو عليه فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف . فثبت أن الاثنينية والالهية متضادتان . فقوله ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الالهية وبين التثنية، والله أعلم . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال ( إنما هو إله واحد ) والمعنى : أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الاله ، وثبت أن القول بوجود الالهين محال ، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد . ثم قال بعده ﴿ فاياي فارهبون ﴾ وهذا رجوع من الغيبة الى الحضور ، والتقدير: أنه لما ثبت أن الاله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله ، فحينئذ ثبت أنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام ، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة الى الحضور ، ويقول ( فاياي فارهبون ) وفيه دقيقة أخرى وهي أن قوله ( فاياي فارهبون ) يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق الا منه ، وأن لا يرغبوا الا في فضله وإحسانه ، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم الذي هو الاله فهو واحد ، وأما ما سواه فمحدث ، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبايجاده ، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا اليه ولا رهبة إلا منه ، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات . ثم قال بعده﴿ وله ما في السموات والأرض ) وهذا حق ، لأنه لما كان الاله واحدا ، والواجب لذاته واحدا ، كان كل ما سواه حاصلا بتخليقه وتكوينه وإيجاده ، فثبت بهذا البرهان صحة قوله: ( وله ما في السموات والأرض ) واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ، فوجب أن تكون أفعال العباد الله تعالى ، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته ، لأن فيها ٥١ قوله تعالى (( وله الدين واصبا)) سورة النحل المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة ، لا لغرض الطاعة ، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب . ثم قال بعده ﴿ وله الدين واصبا ﴾ الدين ههنا الطاعة، والواصب الدائم . يقال: وصب الشىء يصب وصوبا إذا دام ، قال تعالى ( ولهم عذاب واصب) ويقال : واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم ، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها ، ويقال للعليل واصب ، لكون ذلك المرض لازما له . قال ابن قتيبة : ليس من أحد يدان لصه ويطاع ، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه ، فان طاعته واجبة أبدا . واعلم أن قوله ( واصبا) حال ، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل . وأقول : الدين قد يعنى به الانقياد . يقال : يا من دانت له الرقاب أي انقادت . فقوله ( وله الدين واصبا ) أي انقياد كل ما سواه له لازم أبدا ، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته ، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجا الى السبب في طرفي الوجود والعدم . والماهيات يلزمها الامكان لزوما ذاتيا ، والامكان يلزمه الاحتياج الى المؤثر لزوما ذاتيا ، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج الى المؤثر لزوما ذاتيا ، فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى اتصافا دائما واجبا لازما ممتنع التغير. وأقول: في الآية دقيقة أخرى ، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج الى السبب المرجح ، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج الى السبب ؟ قال المحققون : إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الامكان ، والامكان من لوازم الماهية فيكون حاصلا للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه ، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها . اذا عرفت هذا فقوله ( وله ما في السموات والأرض ) معناه : أن كل ما سوى الحق فانه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود الى العدم الى مرجح ومخصص ، وقوله ( وله الدين واصبا ) معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائما أبداً ، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغنى عن المرجح والمخصص ، وهذه دقائق من أسرار العلوم الالهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة . ثم قال تعالى ﴿أفغير الله تتقون) والمعنى: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج اليه في وقت حدوثه ، ومحتاج اليه أيضا في وقت دوامه وبقائه ، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للانسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى ؟ فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب ( أفغير الله تتقون )! ٥٢ قوله تعالى ((وما بكم من نعمة فمن الله)) سورة النحل ثم قال ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل أن لا يتقى غير الله، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى ، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة ، وكل نعمة حصلت للانسان فهي من الله تعالى لقوله ( وما بكم من نعمة فمن الله ) فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحدا إلا الله وأن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الايمان حصل بخلق الله تعالى فقالوا:الايمان نعمة ، وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله ( وما بكم من نعمة فمن الله )، ينتج أن الايمان من الله وإنما قلنا : إن الإيمان نعمة ، لأن المسلمين مطبقون على قولهم : الحمد لله على نعمة الإيمان ، وأيضا فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعا به ، وأعظم الأشياء في النفع هو الايمان ، فثبت أن الايمان نعمة . وإذا ثبت هذا فنقول : وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله) وهذه اللفظة تفيد العموم ، وأيضا مما يدل على أن كل نعمة فهي من الله ، لأن كل ما كان موجودا فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى ، والممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان واجبا لذاته كان حصول ذلك الممكن بايجاد الله تعالى وإن كان ممكنا لذاته عاد التقسيم الأول فيه ، ولا يذهب إلى التسلسل ، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذاته ، فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من الله تعالى. ﴿ المسألة الثالثة﴾ النعم إما دينية، وإما دنيوية، أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به ، وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية وإما بدنية، وإما خارجية، وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) والاشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مرارا فلا نعيدها . ﴿ المسألة الرابعة﴾ إنما دخلت الفاء في قوله ( فمن الله) لأن الباء في قوله ( بكم ) متصلة بفعل مضمر ، والمعنى : ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله . ثم قال تعالى ﴿ ثم إذا مسكم الضرُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة ( فاليه تجأرون ) أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة ، وتتضرعون اليه بالدعاء يقال : جأر يجأر جؤارا وهو الصوت الشديد كصوت البقرة ، وقال الأعشى يصف راهبا : طورا سجودا وطورا جؤارا يراوح من صلوات المليك ٥٣ قوله تعالى ((ليكفروا بما آتيناهم)) سورة النحل والمعنى : إنه تعالى بينَّ أن جميع النعم من الله تعالى ، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شىء من تلك النعم فإلى الله يجأر ، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو ، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة ؟ ثم قال بعده ( ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منك بربهم يشركون ) فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضرَّ في أن لا يفزع إلا إلى الله تعالى ، وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره ، وهذا جهل وضلال ، لأنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته الغريزية عند نزول البلاء والضراء والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد ولا مستغاث إلا الواحد، فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد ، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى ، وعند زوال البلاء يثبت الاضداد والشركاء ، فهذا جهل عظيم وضلال كامل . ونظير هذه الآية قوله تعالى ( فلما نجَّاهم إلى البَرَّ إذا هم يشركون ). ثم قال تعالى ﴿ ليكفروا بما آتيناهم﴾ وفي هذه اللام وجهان: الأول: أنها لام كي والمعنى أنهم أشركوا بالله غيره في كشف ذلك الضرعنهم . وغرضهم من ذلك الاشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى ، ألا ترى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع ، فاذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني ، وهذا أكثر أحوال الخلق . وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله : في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة اثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة ، وهدة عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع ، فلما سكتت وطاب الهواء ، وحسن أنواع الوقت نسوا في الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة ، وكأن هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الانسان . والقول الثاني ﴾ أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) يعني أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر . واعلم أن المراد بقوله ( بما آتيناهم ) فيه قولان : الأول : أنه عبارة عن كشف الضر وإزالة المكروه . والثاني : قال بعضهم : المراد به القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة والشرائع . واعلم أنه تعالى توعّدهم بعد ذلك فقال ( فتمتعوا) وهذا لفظ أمر ، والمراد منه التهديد ، كقوله ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وقوله ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ) ٥٤ قوله تعالى ((ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم)) سورة النحل وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِبِبًا تِمَّا رَزَقْتَهُمْ تَِّ لَتُسْعَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ وَيَجْعَلُونَ بِّهِ الْبَتِ سُبْحَانَهُ ، وَهُمْ مَّ يَشْتَهُونَ (﴿ وَإِذَا بُثِرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَّدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٨) يَتَوَرَىُ مِنَ الْقَوْمِمِن سُوََّ مَا بُثِّرَ بِ أَيْسِكُ عَلَ هُوٍ أَمْ يَدُّهُ فِ التَّبِ أَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٨٦) لِلَّذِينَ لَيُؤْمِنُونَ بِْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِِّ الْعَثَلُ الْأَعْلَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ثم قال تعالى ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون الله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بُشرَّ أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشَّر به أيمسكه على هَوْن أم يدسُّه في التراب ألاساء ما يحكمون، للذين لا يؤمنون بالآخرة مَثَل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ﴾. اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه ، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبينَّ فسادها وسخافتها . ﴿ فالنوع الأول ﴾ من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيبا وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ الضمير في قوله (لَما لا يعلمون) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : إنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله ( إذا فريق منكم بربهم يشركون ) والمعنى أن المشركين لا يعلمون. والثاني: أنه عائد إلى الأصنام أي لا تعلم الأصنام ما يفعل عبادها، قال بعضهم : الأول أولى لوجوه : أحدها : أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز . وثانيها : أن الضمير في قوله ( ويجعلون ) عائد إلى المشركين فكذلك في قوله ( لما لا يعلمون ) يجب أن يكون عائد إليهم. وثالثها: أن قوله ( لما لا يعلمون) جمع بالواو والنون ، وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات ، ومنهم من قال بل القول الثاني أولى لوجوه : قوله تعالى ((تالله لتسألن عما كنتم تفترون)) سورة النحل الأول : أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار ، فان التقدير : ويجعلون لما لا يعلمون إلها ، أو لما لا يعلمون كونه نافعا ضارا ، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام ، لم نفتقر إلى الاضمار لأن التقدير : ويجعلون لما لا علم لها ولا فهم . والثاني: أنه لو كان العلم مضافا إلى المشركين لفسد المعنى ، لأن من المحال أن يجعلوا نصيبا من رزقهم لما لا يعلمونه ، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر . واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الاضمار ، وذلك يحتمل وجوها : أحدها : ويجعلون لما لا يعلمون له حقا ، ولا يعلمون في طاعته نفعا ولا في الاعراض عنه ضررا ، قال مجاهد : يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيبا . وثانيها : ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها . وثالثها : ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة . ورابعها : المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ في تفسير ذلك النصيب احتمالات: الأول: المراد منه أنهم جعلوا لله نصيبا من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به ، ونصيبا إلى الأصنام يتقربون به اليها ، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام . والثاني : أن المراد من هذا النصيب ، البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وهو قول الحسن . والثالث : ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل باعانة بعض تلك الأصنام ، كما أن المنجمين يوزِّعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة ، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات ، وللمشتري أشياء أخرى فكذا ههنا . واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال ( تالله لتُسألن ) وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة بمنزلة قوله ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم ، وهذا تهديد منه شديد ، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد ، وفي وقت هذا السؤال احتمالان : الأول : أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب ، وقيل عند عذاب القبر . والثاني : أنه يقع ذلك في الآخرة ، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة فهو إلى الوعيد أقرب . النوع الثاني ﴾ من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون الله البنات، ونظيره قوله تعالى (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله . أقول أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات . وأيضا قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن ٥٦ قوله تعالى ((و يجعلون لله البنات سبحانه))سورة النحل العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل ، ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال: (سبحانه) وفيه وجوه: الأول: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد اليه. والثاني : تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى. والثالث: قيل في التفسير معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول . ثم قال تعالى ﴿ ولهم ما يشتهون﴾ أجاز الفراء في ((ما)) وجهين: الأول: أن يكون في محل النصب على معنى : ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون . والثاني : أن يكون رفعا على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله ( سبحانه ) ثم ابتدأ فقال: ( ولهم ما يشتهون ) يعني البنين وهو كقوله ( أم له البنات ولكم البنون ) ثم أختار الوجه الثاني وقال : لو كان نصيبا ، لقال ولأنفسهم ما يشتهون ، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا وكذا ، ولا تقول جعلت لك ، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول، وقال (( ما)) في موضع رفع لا غير ، والتقدير : ولهم الشيء الذي يشتهونه ، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي ، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعنى نفسه . ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه لله تعالى؟ فقال: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه . فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين ، ويتأكد هذا بقوله ( فبشرَّهم بعذاب أليم ) ومنهم من قال : المراد بالتبشير ههنا الاخبار ، والقول الأول أدخل في التحقيق. أما قوله ﴿ ظل وجهه مسودا ﴾ فالمعنى أنه يصير متغيرا تغير مغتم، ويقال لمن لقي مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم ، وذلك لأن الانسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب ، ووصل إلى الأطراف، ولاسيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد ، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار ، وأما إذا قوي غم الانسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه ، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة ، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده ، فلهذا السبب جعل بياض الوجه وإشراقه كناية عن الفرح وغبرته كمودته ٥٧ قوله تعالى ((يتوارى من القوم من سوء ما بشر به)) سورة النحل وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية ، ولهذا المعنى قال (ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) أي ممتلىء غما وحزنا . ثم قال تعالى ﴿ يتوارى من القوم من سوء ﴾ أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به ، قال المفسرون : كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما یولد له فان كان ذكرا ابتهج به ، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياما يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها ؟ وهو قوله ( أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ) والمعنى : أيحبسه ؟ والامساك ههنا بمعنى الحبس كقوله ( أمسك عليك زوجك ) وإنما قال ( أيمسكه ) ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على ((ما)) في قوله ( ما بشربه ) والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونا وهوانا ، وأهنته هونا وهوانا ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله ( عذاب الهون ) وفي أن هذا الهون صفة من ؟ قولان : الأول : أنه صفة المولودة ، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها ، والثاني . قال عطاء عن ابن عباس : أنه صفة للأب ، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه . ثم قال ﴿ أم يدسُّه في التراب ﴾ والدس إخفاء في الشىء. يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت . وروي عن قيس بن عاصم أنه قال : يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام ((أعتق عن كل واحدة منهن رقبة)) فقال : يا نبی الله إني ذو إبل ، فقال (( اهد عن کل واحدة منهن هدیا )) وروي أن رجلا قال يا رسول الله: ما أجد حلاوة الاسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تَّزيّنها فأخرجتها إلى فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه ، فقالت : يا أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شىء ، فقال عليه السلام ((ما كان في الجاهلية فقد هدمه الاسلام وما كان في الاسلام يهدمه الاستغفار)): واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها ، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية ، وتارة خوفا من الفقر والفاقة ولزوم النفقة ، ثم إنه قال ( ألاساء ما يحكمون ) وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات ، فأولها : أنه يسود وجهه ، وثانيها : أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت ، وثالثها : أن الولد محبوب بحسب الطبيعة ، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها ، وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنکاف عنها قد بلغ مبلغا لا يزداد عليه . إذا ثبت هذا فالشىء الذي بلغ الاستنكاف عنه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس المتعالي عن مشابهة جميع المخلوقات ؟ ونظير هذه الآية قوله تعالى ٥٨ قوله تعالى ((ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم)) سورة النحل وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْبِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَّةٍ وَكِن يُؤَنِعُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَعِْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ج وَيَّصِفُ أَلِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ ◌َهُمُ الْحُسْتَّى لَا بَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأنَّهُمْ مُفْرَُّونَ ( ٦٣ ( ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضِيزَى). ﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الخبر. لأنهم يضيفون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف الى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه ، فحكمهم في ذلك مشابه لحكم هؤلاء المشركين ، ثم قال : بل أعظم ، لأن إضافة البنات اليه إضافة قبح واحد ، وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى . فيقال القاضي : إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفه الله تعالى بذکر هذا الوجه الاقناعي ، وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى . ألا ترى أن رجلا زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن ، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فان هذا بالاتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل الخلق ، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبينة على العرف ، إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية ، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله ، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الاقناعية . أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى ، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب ؟ والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ للذين لا يؤمنون بالآخرة مَثَلُ السوء ولله المثل الأعلى ﴾ والمثل السوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد ، وكراهتهم الاناث خوف الفقر والعار ( ولله المثل الأعلى ) أي الصفة العالية المقدسة ، وهي كونه تعالى منزها عن الولد . فان قيل : كيف جاء ( ولله المثل الأعلى ) مع قوله ( فلا تضربوا لله الأمثال ) . قلنا : المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخّرهم الى أجل مسمى فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ويجعلون الله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى، لا جَرَمَ أن لهم النار وأنهم مفرطون، تالله لقد أرسلنا إلى قوله تعالى ((ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة)) سورة النحل ٥٩ تَِّ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَّهُمْ فَهُوَ وَلُِّهُمُ اَلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾ وَمَا أَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أَخْتَلَفُواْ فِيِهِ وَهُدَى أمم من قبلك فزيَّن لهم الشيطان أعمالهم فهو وليُّهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾. اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة ، إظهاراً للفضل والرحمة والكرم ، وفي الآية مسائل : و المسألة الأولى﴾ احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ) من وجهين : الأول : أنه قال ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ) فأضاف الظلم الى كل الناس ، ولا شك أن الظلم من المعاصي ، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيا بالذنب والمعصية ، والأنبياء عليهم السلام من الناس ، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية ، والثاني : أنه تعالى قال : ما ترك على ظهرها من دابة . وهذا يقتضى أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب ، حتى يلزم من إفناء كل من كان ظالما إفناء كل الناس . أما إذا قلنا : الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم ، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس ، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة ، ولما لزم علمنا أن كل البشرظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك . والجواب : ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ، ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم ، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون . وإذا ثبت هذا فنقول : الناس المذكورون في قوله ( ولو يؤاخذ الله الناس ) إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات، وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال ، والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل في المضار الحرمة ، فقال : لو كان الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أولا على هذا الوجه ، والقسمان باطلان ، فوجب أن لا يكون مشروعا أصلا . ٦٠ قوله تعالى ((ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم)) سورة النحل أما بيان فساد القسم الأول ، فلقوله تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. والاستدلال به من وجهين: الأول: أن كلمة ((لو)) وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ، يقتضى أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة . والثاني : أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة ، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين ، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم ، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم . ﴿وأما القسم الثاني﴾ وهو أن يكون مشروعا ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق ، فهذا باطل بالاجماع ، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقا ، ويتأكد هذا أيضا بآيات أخرى كقوله تعالى ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) وكقوله ( وما جعل عليكم في الدين من حَرَج ) وكقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وكقوله عليه السلام ((لا ضرر ولا ضرار في الاسلام)) وكقوله ((ملعون من ضرمسلما)» فثبت بمجموع هذه الآيات والأحاديث أن الأصل في المضار الحرمة، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه ، فان وجدنا نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه . ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الانسان وجب أن يكون مشروعا في حقه ، لأن المنع منه ضرر ، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الانسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع ، فثبت أن هذا الأصل يتناول جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة ، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في اثبات الأحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها ، والأول باطل ؛ لأن هذا الأصل يغني عنه ، والثاني باطل ؛ لأن النص راجح على القياس والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة) قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلا لله تعالى.، بل تكون أفعالا للعباد ، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم ، وما أضافه إلى نفسه . فقال ( ولو يؤاخذ اللهُ الناسَ بظلمهم) وأيضا فلو كان خُلَقاً لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من الله تعالى ، ولما منع الله تعالى العباد من الظلم في هذه الآية ؛ فبأن يكون منزها عن الظلم كان أولى ، قالوا : ويدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أن قوله ( بظلمهم ) الباء فيه تدل على العلية كما في قوله ( ذلك بأنهم شاقوا الله ). واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده . والله أعلم .