النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قوله تعالى: ((قال الذين أوتوا العلم)) سورة النحل .
من حيث لا يشعرون ) إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر، والمعنى : أنهم
اعتمدوا على منصوباتهم ، ثم تولد البلاء منها بأعيانها ، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى : أنه
نزل ذلك السقف عليهم بغتة ، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل
سبيلهم ، ثم بيّن تعالى أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذا القدر ، بل الله تعالى يخزيهم يوم
القيامة ، والخزي هو العذاب مع الهوان ، وفشر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم ( أين
شركائى الذين كنتم تشاقون فيهم ) وفيه أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ قال الزجاج : قوله ( أين شركائي ) معناه : أين شركائي في زعمكم
واعتقادكم . ونظيره قوله تعالى: ( أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ) وقال أيضا ( وقال
شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ) وإنما حسنت هذه الاضافة لأنه يكفي في حسن الاضافة أدنى
سبب ، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة ، خذ طرفك وآخذ طرفي ، فأضيف الطرف اليه .
﴿ البحث الثاني) قوله (تشاقون فيهم ) أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ،
وقيل : المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق الآخر .
﴿ البحث الثالث﴾ قرأ نافع (تشاقون) بكسر النون على الاضافة ، والباقون بفتح
النون على الجمع.
ثم قال تعالى ﴿ قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ وفيه
بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ ( قال الذين أوتوا العلم ) قال ابن عباس: يريد الملائكة ، وقال
آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم والسوء على
الكافرين ، والفائدة فيه أن الكفار ، كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا
الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه
أكمل وحصول الشماتة به أقوى .
﴿ البحث الثاني ﴾ المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن
قوله تعالى: ( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) يدل على أن ماهية الخزى والسوء في يوم
القيامة مختصة بالكافر ، وذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم ، وتأكد هذا بقول
موسى عليه السلام: ( إنا قد أوحي الينا أن العذاب على من كذّب وتولى ) ثم إنه تعالى وصف
عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) قرأ حمزة

٢٢
قوله تعالى ((فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء)) سورة النحل
فَأَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَتَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّرِينَ (
وَقِيلَ لِلَّذِينَ
٢٩
( يتوفاهم الملائكة ) بالياء لأن الملائكة ذكور ، والباقون بالتاء للفظ .
ثم قال ﴿ فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ﴾ وفيه قولان :
﴿ القول الأول ) أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت ، قال ابن
عباس : أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت . وقوله ( ما كنا نعمل من سوء ) أي قالوا ما
كنا نعمل من سوء! والمراد من هذا السوء الشرك ، فقالت الملائكة ردا عليهم وتكذيبا : بلى إن
الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك ، ومعنى بلى ردا لقولهم ( ما كنا نعمل من
سوء ) وفيه قولان :
٤
القول الأول ﴾ أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت .
﴿والقول الثاني﴾ أنه تم الكلام عند قوله (ظالمي أنفسهم) ثم عاد الكلام إلى حكاية
كلام المشركين يوم القيامة ، والمعنى : أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا
من سوء ، ثم ههنا اختلفوا ، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة ، قالوا هذا القول
منهم على سبيل الكذب وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف ، والذين قالوا إن الكذب لا
يجوز عليهم قالوا : معنى الآية ، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا ، وأما بيان
أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى
( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين ) واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم
قالوا ( ما كنا نعمل من سوء قال (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون)، ولا يبعد أن يكون قائل
هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة رداً عليهم وتكذيبا لهم ، ومعنى بلى الرد لقولهم ( ما
كنا نعمل من سوء ) وقوله ( إن الله عليم بما كنتم تعملون) يعنى أنه عالم بما كنتم عليه في
الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب . فانه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم .
ثم صرح بذكر العقاب فقال ﴿ فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها﴾
وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب ، فيكون عقاب بعضهم أعظم من عقاب
بعض ، وإنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم والحزن أعظم .
ثم قال ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء،
وتفسير التكبر قد مرَّ في هذا الكتاب غير مرة ، والله أعلم .

٢٣
قوله تعالى ((فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها)) سورة النحل
أَتَّقَوْأْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ
الْآَنِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ جَنَّتُ عَدٍْ يَدْ خُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَُ
ج
لَهُمْ فِهَمَا يَشَاءُونَ كَلِكَ يَجْزِى الَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣) الَّذِينَ تَتَوَقُّمُ الْمَلَتِكَهُ طَيِِّنَّ
يَقُولُونَ سَلَهُمُّ عَيْكُ ادْخُلُوا ◌ْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٣٢
قوله تعالى ﴿ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا، للذين أحسنوا في هذه الدنيا
حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين، جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها
ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا
الجنة بما كنتم تعملون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا أساطير
الأولين ، وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم ، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي
أنفسهم ، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم ، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب
جهنم ، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا خيرا ، وذكر ما
أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكورا
مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال القاضي: يدخل تحت التقوى أن يكون تاركا لكل المحرمات
فاعلا لكل الواجبات ، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الايمان ، وقال أصحابنا :
يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقول: هذا أولى مما قاله
القاضي ، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله: فلان قاتل أو ضارب، كونه آتيا بقتل واحد وضرب
واحد ، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتيا بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب ،
فعلى هذا قوله ( وقيل للذين اتقوا ) يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا
أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان
تقييد المطلق خلاف الأصل ، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة للأصل ، وأيضا فلأنه تعالى إنما ذكر
هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا ، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر
والشرك ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول: إنه قال في الآية الأولى، (قالوا أساطير الأولين )

٢٤
قوله تعالى ((وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا)) سورة النحل
وفي هذه الاية (قالوا خيرا)، فلم رفع الأول ونصب هذا ؟
أجاب صاحب الكشاف عنه بأن قال : المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب
الجاحد ، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا
مفعولا للانزال فقالوا خيرا أي أنزل خيرا ، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو
أساطير الأولين وليس من الانزال في شيء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم ، يأتي الرجل مكة فيسأل
المشركين عن محمد وأمره فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب ، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد
وما أنزل الله عليه فيقولون: خيرا ، والمعنى: أنزل خيرا . ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه
من الجواب موصوف بأنه خير ، وقولهم خير جامع لكونه حقا وصوابا ، ولكونهم معترفين
بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة ، أن ذلك أساطير الأولين على
وجه التكذيب .
المسألة الرابعة ) قوله ( للذين أحسنوا ) وما بعده بدل من قوله ( خيرا) وهو حكاية
لقول الذين اتقوا ، أي قالوا هذا القول ، ويجوز أيضا أن يكون قوله ( للذين أحسنوا)
إخبارا عن الله ، والتقدير : إن المتقين لما قيل لهم ( ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ) ثم إنه تعالى
أكد قولهم وقال ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) وفي المراد بقوله ( للذين أحسنوا )
قولان ، أما الذين يقولون : إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فانهم يحملونه على قول لا
إله إلا الله مع الاعتقاد الحق ، وأما المعتزلة الذين يقولون : إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون
من النار يحملون قوله ( أحسنوا) على من أتى بالايمان وجميع الواجبات واحترز عن كل
المحرمات . وأما قوله ( في هذه الدنيا ) ففيه قولان :
القول الأول ﴾ أنه متعلق بقوله (أحسنوا) والتقدير : للذين اتقوا بعمل الحسنة في
الدنيا فلهم في الآخرة حسنة ، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم ، وقيل : تلك الحسنة هو أن
ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له .
والقول الثاني ﴾ أن قوله ( في هذه الدنيا) متعلق بقوله ( حسنة ) والتقدير : للذين
أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا القول أولى ، لأنه قال بعده ( ولدار الآخرة
خير ) وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه ، الأول : يحتمل أن
يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه .
والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم ، وباستغنام

٢٥
قوله تعالى ((للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة)) سورة النحل
أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى
الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل
أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات
والمشاهدات والألطاف کقوله تعالى ( والذين اهتدوا زادهم ھدی ).
وأما قوله ﴿ ولدار الآخرة خير﴾ فقد بينا في سورة الأنعام في قوله: ( وللدار الآخرة خير
للذين يتقون ) بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال ( ولنعم دار المتقين ) أي
لنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما
بعدها ، فان وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها
اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد . أما قوله ( جنات عدن ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها،
وأما إن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات عدن مرفوعة باضمار ((هي)) كأنك لما قلت
ولنعم دار المتقين قيل : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت : هي جنات عدن ، وان شئت
قلت : جنات عدن رفع بالابتداء ، ويدخلونها خبره ، وان شئت قلت : نعم دار المتقين
خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين .
﴿ المسألة الثانية ) قوله ( جنات ) يدل على القصور والبساتين وقوله ( عدن ) يدل على
الدوام ، وقوله ( تجري من تحتها الأنهار ) يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون
الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال ( لهم فيها ما يشاؤون ) وفيه بحثان ، الأول : أن
هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله ( فيها ما تشتهي
الأنفس وتلذ الأعين ) لأن هذين القسمين داخلان في قوله ( لهم فيها ما يشاؤن ) مع أقسام
أخرى . الثاني : قوله ( لهم فيها ما يشاؤن ) يعنى هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله
( لهم فيها ما يشاؤن ) يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الانسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا .
ثم قال تعالى: ﴿ كذلك يجزي الله المتقين ﴾ أي هكذا يكون جزاء التقوى ، ثم انه تعالى
عاد إلى وصف المتقين فقال ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ) وهذا مذكور في مقابلة قوله
( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) وقوله ( الذين تتوفاهم الملائكة ) صفة للمتقين في
قوله ( كذلك يجزي الله المتقين ) وقوله ( طيبين ) كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة ، وذلك
لأنه يدخل فيه اتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم
موصوفين بالاخلاق الفاضلة مبرئين عن الاخلاق المذمومة ، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن

٢٦
قوله تعالى ((هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك)) سورة النحل
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَهُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَهُمُ اللهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ () فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا
عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
٣٤
العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض
الارواح ، وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله
لا يتألم بالموت ، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح ، وان كان الحسن
يقول : إنه وفاة الحشر، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة ( ادخلوا الجنة ) فاحتج
الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر، لأنه لا يقال عند قبض الارواح في الدنيا
ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون : إن
الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم : ادخلوا
الجنة ، أي هي خاصة لكم كأنكم فيها .
قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من
قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما
﴾.
کانوا به يستهزؤ ن
اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة ، فانهم طلبوا من النبي صلى الله عليه
وسلم أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال تعالى (هل
ينظرون ) في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك ، ويحتمل أن يقال : إن
القوم لما طعنوا في القرآن بأن قالوا : إنه أساطير الأولين ، وذكر الله تعالى أنواع التهديد والوعيد
لهم ، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا وصدقا وصوابا ، عاد إلى بيان أن
أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها ، بل كانوا لا ينزجرون عن
تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد وأتاهم أمر ربك وهو عذاب
الاستئصال .
واعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) أي كلام
هؤلاء وأفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم .
ثم قال ﴿ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ والتقدير : كذلك فعل الذين
من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل وما ظلمهم الله بذلك ، فانه أنزل بهم ما استحقوه
بكفرهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا ، وكذبوا الرسول فاستوجبوا ما نزل بهم .

٢٧
قوله تعالى ((وقال الذين اشركوا لو شاء الله )) سورة النحل
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَ كُوْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِنْ شَىْ ءٍ نَحْنُ وَلَآ ءَابَآ ؤُنَا وَلَا
◌َّمْنَا مِن دُوِ مِن شَىْءٍ كَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرَّسُلِ إِلَّ الْبَغُ
الْمُبِنُ ﴾ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَاجْتَئِبُواْ الطَّاغُوتَ فِنْهُم
مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّالَّةُ فَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَنظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ إِن تَخْرِضْ عَلَى هُدَنُهُمْ فَإِنَّاللَّهَ لَيَهْدِى مَن يُضِلُ
وَمَا لَهُم مّن نَّصِرِينَ
ثم قال ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ والمراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا ( وحاق
بهم ) أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم ( ما كانوا به يستهزئون ) أي عقاب استهزائهم .
قوله تعالى:﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا
ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد
بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت
عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظر وا كيف كان عاقبة المكذبين، إن تحرص على هداهم فان
الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ﴾
اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة ، وتقريرها : أنهم تمسكوا بصحة القول
بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا : لو شاء الله الايمان لحصل الايمان ، سواء جئت أو لم
تجىء ، ولو شاء الله الكفر فانه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجىء ، وإذا كان الأمر كذلك
فالكل من الله تعالى ، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك ، فكان القول بالنبوة باطلا ، وفي الآية
مسائل :
-
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة
الأنعام في قوله: ( سيقول الذين أشركوا لوشاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء كذلك
كذب الذين من قبلهم )،واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية ، والكلام فيه
استدلال واعتراض عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الاعادة ، ولا بأس بأن نذكر منه القليل .
فنقول : الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا : لما كان الكل من الله تعالى كانت بعثة الأنبياء
عبثا ، فنقول : هذا اعتراض على الله تعالى ، فان قولهم : إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد

٢٨
قوله تعالى ((فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة)) سورة النحل
فائدة في حصول الايمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى ، فهذا القول
جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله ، وذلك باطل ، بل الله تعالى أن يحكم في
ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له : لم فعلت هذا ولم لم تفعل
ذلك؟ والدليل على أن الانكار إنما توجه الى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية
بهذا المعنى فقال. ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فبين تعالى أن
سنته في عبيده إرسال الرسل اليهم ، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت .
ثم قال ﴿ فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ والمعنى : أنه تعالى وإن
أمر الكل بالايمان ونهى الكل عن الكفر ، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض ، فهذه
سنة قديمة لله تعالى مع العباد ، وهي أنه يأمر الكل بالايمان وينهاهم عن الكفر ، ثم يخلق
الايمان في البعض والكفر في البعض . ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق
كل الأنبياء وكل الأمم والملل ، وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلها منزها عن
اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين ، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجبا
الجهل والضلال والبعد عن الله . فثبت أن اللّه تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي
واللعن ، لا لأنهم كذبوا في قولهم ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ) بل لأنهم اعتقدوا أن
كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل ، فلا جرم استحقوا على هذا
الاعتقاد مزيد الذم واللعن . فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب . وأما .
من تقدمنا من المتكلمين والمفسرين فقد ذكروا فيه وجهاً آخر فقالوا : إن المشركين ذكروا هذا
الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) ولو
قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال ( كذلك فعل الذين من
قبلهم ) أي هؤلاء الكفار أبدا كانوا متمسكين بهذه الشبهة .
ثم قال ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) أما المعتزلة فقالوا : معناه أن الله تعالى ما
منع أحدا من الايمان وما أوقعه في الكفر ، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ ، فلما بلغوا
- التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحداً عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة . أما أصحابنا
فقالوا: معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ، فهذا التبليغ واجب عليهم، فأما أن الايمان هل
يحصل أم لا يحصل، فذلك لا تعلق للرسول به، ولکنه تعالى يهدى من يشاء باحسانه ويضل
من يشاء بخذلانه.

٢٩
قوله تعالى ((فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة)) سورة النحل
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا في بيان أن الهدى والضلال من الله بقوله: (ولقد بعثنا
في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وهذا يدل على أنه تعالى كان أبدا في جميع
الملل والأمم آمرا بالايمان وناهيا عن الكفر .
ثم قال ﴿ فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ يعني : فمنهم من هداه
اللّه إلى الايمان والصدق والحق ، ومنهم من أصله عن الحق وأعماه عن الصدق . وأوقعه في
الكفر والضلال ، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته ، بل قد يأمر بالشىء ولا
يريده وينهى عن الشىء ويريده كما هو مذهبنا . والحاصل أن المعتزلة يقولون : الأمر والارادة
متطابقان . أما العلم والارادة فقد يختلفان ، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو : أن الأمر
بالايمان عام في حق الكل ، أما إرادة الايمان فخاصة بالبعض دون البعض .
أجاب الجبائي : بأن المراد ( فمنهم من هدى الله ) لنيل ثوابه وجنته ( ومنهم من حقت
عليه الضلالة ) أي العقاب ، قال : وفي صفة قوله ( حقت عليه ) دلالة على أنها العذاب دون
كلمة الكفر ، لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنهما حق. وأيضا قال تعالى بعده ( فسيروا
في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم
الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب
الاستئصال .
وأجاب الكعبي عنه بأنه قال : قوله ( فمنهم من هدى الله ) أي من اهتدى فكان في
حكم الله مهتديا ، ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) يريد : من ظهرت ضلالته ، كما يقال
للظالم : حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد : حق عليهم من يكون المراد : حق
عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله ( ويضل الله الظالمين ).
واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والاضلال لا يكونان إلا
من الله تعالى فلا فائدة في الاعادة ، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بيّنا ضعفها
وسقوطها مرارا ، فلا حاجة إلى الاعادة ، والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في الطاغوت قولان: أحدهما : أن المراد به : اجتنبوا عبادة ما
تعبدون من دون الله ، فسمى الكل طاغوتا ، ولا يمتنع أن يكون المراد : اجتنبوا طاعة
الشيطان في دعائه لكم .
﴿ المسألة الخامسة) قوله تعالى ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) يدل على مذهبنا ،
لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة ، وإلا لانقلب

٣٠
قوله تعالى ((فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)) سورة النحل
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَ وَعَدَّا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَنْكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
خبر الله الصدق كذبا ، وذلك مجال . ومستلزم المحال محال ، فكان عدم الضلالة منهم محالا ،
ووجود الضلالة منهم واجبا عقلا ، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا من هذه الوجوه الكثيرة
والله أعلم ، ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة )
وقوله ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) وقوله ( لقد حق القول على أكثرهم فهم
لا يؤمنون ) .
ثم قال تعالى ﴿ فسيروا في الأرض فانظر واكيف كان عاقبة المكذبين ) والمعنى: سيروا
في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم ، ثم أكد أن من حقت عليه
الضلالة فانه لا يهتدي ، فقال ( إن تحرص على هداهم ) أي إن تطلب بجهدك ذلك ، فان الله
لا یھدی من يضل ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي (يهدى) بفتح الياء وكسر الدال.
والباقون : ( لا يهتدى) بضم الياء وفتح الدال .
﴿ أما القراءة الأولى﴾ ففيها وجهان: الأول : فان الله لا يرشد أحدا أضله، وبهذا
فسره ابن عباس رضي الله عنهما . والثاني : أن يهدي بمعنى يهتدي . قال الفراء : القرب
تقول : قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى ، والمعنى أن الله إذا أضل أحدا لم يصر ذلك
مهتديا .
﴿وأما القراءة المشهورة﴾ فالوجه فيها أن الله لا يهدي من يضل، أي من يضله،
فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله (ومن يضلل الله فلا هادي له )
وکقوله ( فمن يهديه من بعد الله ) أي من بعد اضلال الله إياه .
ثم قال تعالى ﴿ وما لهم من ناصرين﴾ أي وليس لهم أحد ينصرهم أي يعينهم على
مطلوبهم في الدنيا والآخرة . وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة ، وآخرها مشتمل
على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا ، وأكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين، والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعثُ اللهُ من يموت بلی وعدا علیه حقا ولكن

٣١
قوله تعالى ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم)) سورة النحل
أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ (٣) إِنََّا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ.
٤٠
أكثر الناس لا يعلمون، ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، إنما
قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له کن فیکون ﴾.
وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا: القول بالبعث
والحشر والنشر باطل ، فكان القول بالنبوة باطلا .
﴿ أما المقام الأول﴾ فتقريره أن الانسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة ، فاذا مات
وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه ، لأن الشيء إذا عدم فقد فني
ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه ، فالذي يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول فلا
یکون عينه .
﴿ وأما المقام الثاني﴾ وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من
وجهين ، الأول : أن محمدا كان داعيا إلى تقرير القول بالمعاد ، فاذا بطل ذلك ثبت أنه كان
داعيا الى القول الباطل ، ومن كان كذلك لم يكن رسولا صادقاً. الثاني : أنه يقرر نبوة نفسه
ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب ، وإذا بطل ذلك بطلت
نبوته .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ) معناه
أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فني وصار عدما محضا ، نفيا صرفا ، فانه بعد
هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئا آخر غيره . وهذا القسم واليمين إشارة إلى
أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل ( وأقسموا
بالله جهد أيمانهم ) على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري ، وأما بيان أنه
لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح ، لأنه كلام جلي متبادر
إلى العقول فتركوه لهذا العذر . ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان :
﴿ الوجه الأول﴾ أنه وعد حق على الله تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي
لأجله كان وعدا حقا على الله تعالى ، وهو التمييز بين المطيع ، وبين العاصي ، وبين المحق

٣٢
قوله تعالى ((إنما قولنا لشيء اذا أردناه)) سورة النحل
والمبطل ، وبين الظالم والمظلوم ، وهو قوله ( ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا
أنهم كانوا كاذبين) وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة ( يونس ).
﴿ والوجه الثاني ﴾ في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجدا للأشياء ومكونا لها
لا یتوقفعلی سبق مادة ولا مدة ولا آلة ، وهو تعالی إنما یکوِّنها بمحض قدرته ومشيئته ، ولیس
لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع، فعبّر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله ( إنما قولنا لشىء
إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) وإذا كان كذلك ، فكما أنه تعالى قادر على الايجاد في الابتداء
وجب أن يكون قادرا عليه في الاعادة ، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر
والبعث والقيامة حق وصدق ، والقوم إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا
الأصل ، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضا طعنهم في النبوة والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية ) قوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) حكاية عن الذين أشركوا ، وقوله
(بلى) اثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم، وقوله (وعداً عليه حقاً) مصدر مؤكد أي وعد
بالبعث وعداً حقاً لا خلف فيه، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث ، وقوله (لیبین لهم
الذي يختلفون فيه) من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا
کاذبین فما أقسموا فيه .
ثم قال تعالى ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول: قوله ( كن ) إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال ،
وإن كان خطابا مع الموجود كان هذا أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال .
والجواب : إن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون ، وليس
خطابا للمعدوم ، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الاسراع ، ولو
أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيها من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك ،
ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم .
﴿ المسألة الثانية ) قوله تعالى ( قولنا) مبتدأ و( أن نقول) خبره و( كن فيكون) من
کان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث
فيحدث عقيب ذلك من غير توقف .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ ابن عامر والكسائي (فيكون) بنصب النون ، والباقون بالرفع،
قال الفراء : القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله ( أن نقول له ) كلاما تاما ثم يخبر عنه بأنه
سیکون كما يقال : إن زيدا يكفيه إن أمر فيفعل، فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاما

٣٣١
قوله تعالى ((إنما قولنا لشيء إذا اردناه)) سورة النحل
1
:
مبتدأ ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفا على (أن نقول)، والمعنى : أن نقول كن
فیکون،هذا قول جمیع النحویین.قال الزجاج : ويجوز أن یکون نصباً على جواب ( کن )، قال
أبو على: لفظة ((كن)) وإن كانت على لفظة الامر فليس القصد به ههنا الأمر إنما هو والله أعلم
الاخبار عن كون الشىء وحدوثه ، وإذا كان الامر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على
جواب ( كن ) والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى
( إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شىء
قال له كن فيكون ، فلو كان قوله ( كن ) حادثا لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن . وذلك
يوجب التسلسل وهو محال، فثبت أن كلام الله قديم .
واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة ، وبيانه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن كلمة (إذا) لا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال
لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانيا لم
تطلق طلقة ثانیة فعلمنا أن کلمة إذا لا تفید التكرار ، وإذا کان کذلك ثبت أنه لا يلزم في کل ما
يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل .
والوجه الثاني﴾ أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظة ((كن)) وهذا معلوم
البطلان بالضرورة ، لأن لفظة : (كن)، مركبة من الكاف والنون ، وعند حضور الكاف لم تكن
النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف ، وذلك يدل على أن كلمة كن ، يمتنع كونها
قديمة ، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديما صفة مغايرة للفظة كن ، فالذي تدل عليه الآية لا
يقول به أصحابنا ، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به .
والوجه الثالث ﴾ أن الرجل إذا قال إن فلانا لا يقدم على قول ، ولا على فعل إلا
ويستعين فيه بالله تعالى فان عاقلا لا يقول : إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون
كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل
فكذلك ما قالوه .
﴾ أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه :
والوجه الرابع
الوجه الأول ﴾ أن قوله تعالى (إنما قولنا لشىء إذا أردناه) يقتضي كون القول واقعا
بالارادة ، وما كان كذلك فهو محدث .

٣٤
قوله تعالى ((والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا)) سورة النحل
وَالَّذِينَ هَابَرُواْ فِ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَاتُلُواْ لَنُبَوِثَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَبْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ
لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (٤٦) الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَتَُّونَ (َ)
والوجه الثاني﴾ أنه علق القول بكلمة إذا، ولا شك أن لفظة ((إذا)) تدخل
للاستقبال .
والوجه الثالث ﴾ أن قوله ( أن نقول له) لا خلاف أن ذلك ينبىء عن الاستقبال .
﴿ والوجه الرابع ﴾ أن قوله ( كن فيكون) يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب
قوله ( كن) فتكون كلمة (( كن)) متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد، والمتقدم على
المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا .
والوجه الخامس﴾ أنه معارض بقوله تعالى (وكان أمر الله مفعولا). (وكان أمر الله
قدرا مقدورا). (الله نزل أحسنالحدیث). (فلیأتوا بحدیث مثله ). (وهن قبلهکتاب موسی
إماما ورحمة ).
فان قيل : فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام ، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على
حدوث الكلام فما الجواب عنه ؟
قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف
والأصوات ، ونحن نقول بكونه محدثا مخلوقا ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿والذين هاجر وا في الله من بعد ما ظُلِمُوا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر
الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ﴾.
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث
والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي والجهل والضلال ، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد
إقدامهم على إيذاء المسلمين وضرهم ، وإنزال العقوبات بهم ، وحينئذ يلزم على المؤمنين أن
يهاجروا عن تلك الديار والمساكن ، فذكر تعالى في هذه الآية حكم تلك الهجرة وبيّ ما لهؤلاء
المهاجرين من الحسنات في الدنيا والأجر في الآخرة، من حيث أنهم هاجروا وصبروا وتوكلوا
على الله، وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة الله تعالى. قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه
الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس وجبير، موالي
لقريش فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الاسلام ، أما صهيب فقال لهم : أنا رجل كبير إن كنت

٣٥
قوله تعالى ((ولأجر الآخرة أكبر)) سورة النحل
لکم لم أنفعکم وإن کنت علیکم لم أضرکم فافتدی منهم بما له فلما رآه أبو بكر قال : ربح
البيع يا صهيب ، وقال عمر : نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، وهو ثناء عظيم
يريد لو لم يخلق الله النار لأطاعه فكيف ظنك به وقد خلقها ؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما
أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الاسلام فتركوا عذابهم ، ثم هاجروا فنزلت هذه
الآية ، وبين الله تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة ، ومحل المهاجرين فالوجه فيه ظاهر ، لأن
بسبب هجرتهم ظهرت قوة الاسلام ، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم ، ودل تعالى بقوله
( والذين هاجروا في الله ) ان الهجرة إذا لم تكن لله لم يكن لها موقع ، وكانت بمنزلة الانتقال
من بلد إلى بلد ، وقوله ( من بعد ما ظلموا ) معناه أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار ، لأنهم
کانوا یعذبونهم.
ثم قال ﴿ لُبُوِّتتهم في الدنيا حسنة ) وفيه وجوه، الأول: أن قوله ( حسنة) صفة
للمصدر من قوله ( لنبوثنهم في الدنيا ) والتقدير : لنبوئنهم تبوئة حسنة ، وفي قراءة علي عليه
السلام: ( لنبوئنهم إبواءة حسنة). الثاني : لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل
مكة الذين ظلموهم ، وعلى العرب قاطبة ، وعلى أهل المشرق والمغرب ، وعن عمر أنه كان إذا
أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر
لك في الآخرة أكبر .
والقول الثالث ﴾ لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم،
وهذا قول الحسن والشعبي وقتادة ، والتقدير : لنبوئنهم في الدنيا دارا حسنة أو بلدة حسنة
يعني المدينة .
ثم قال تعالى ﴿ولأجر الآخرة أكبر﴾ وأعظم وأشرف (لو كانوا يعلمون) والضمير إلى
من يعود ؟ فيه قولان : الأول : انه عائد إلى الكفار ، أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء
المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم ، والثاني : إنه راجع إلى المهاجرين ،
أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم .
ثم قال ﴿ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾ وفي محل ( الذين ) وجوه : الأول: إنه
بدل من قوله ( والذين هاجروا )، والثاني : أن يكون التقدير : هم الذين صبروا ، والثالث :
أن يكون التقدير : أعنى الذين صبروا وكلا الوجهين مدح ، والمعنى : أنهم صبروا على
العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله ، وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في
سبيل الله ، وبالجملة فقد ذكر فيه الصبر والتوكل . أما الصبر فللسعي في قهر النفس ، وأما

٣٦
قوله تعالى ((وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى اليهم)) سورة النحل
وَمَا أَرْ سَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِ جَالًا نُّرِحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْعَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
٤٣
بِالْبَيِّنَاتِ وَالْبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الَّلِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَانُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَعَهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ (® أَقَلْمِنَ الَّذِينَ مَكُرُواْ الَّيِّئَاتِ أَنْ يَحِْفَ الله ◌ِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ
أُوْ يَأْخُلَهُمْ فِ تَقَلُّبِهِمْ قَاهُم
٤٥
يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
يُعْجِزِينَ ﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوْفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾
التوكل فللانقطاع بالكلية من الخلق والتوجه بالكلية إلى الحق ، فالأول : هو مبدأ السلوك إلى
الله تعالى ، والثاني : آخر هذا الطريق ونهايته ، والله أعلم ،
قوله تعالى﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي اليهم فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا
تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتُبينٌ للناس ما نُزِّل إلیھم ولعلّھم یتفکر ون، أنامن
الذين مكروا السيئات أن يخسف اللهُ بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو
يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فان ربكم لرؤف رحيم ﴾.
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري النبوة، كانوا يقولون: الله
أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر، بل لو أراد بعثة رسول الينا لكان يبعث
ملكا ، وقد ذكرنا تقرير هذه الشبهة في سورة الأنعام فلا نعيده ههنا ، ونظير هذه الآية قوله
تعالى حكاية عنهم: ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك) وقالوا ( أنؤمن لبشر مثلنا) وقالوا ( ما هذا
إلا بشرمثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشراً مثلكم ) وقال ( أكان
للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم ). (وقالوا لولا أنزل علية ملك فيكون معه نذيرا).
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوچى اليهم )
والمعنى : أن عادة الله تعالى من أول زمان الخلق والتكليف أنه لم يبعث رسولا إلا من البشر،
فهذه العادة مستمرة لله سبحانه وتعالى ، وطعْن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضا طعن
قدیم فلا يُلتفت اليه .
﴿ المسألة الثانية﴾ دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحدا من النساء، ودلت أيضا على
أنه ما أرسل ملكا ، لكن ظاهر قوله ( جاعلُ الملائكة رسلاً) يدل على أن الملائكة رسل الله الى

٣٧
•
قوله تعالى ((فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)) سورة النحل
سائر الملائكة ، فكان ظاهر هذه الآية دليلا على أنه ما أرسل رسولا من الملائكة الى الناس .
قال القاضي : وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث الى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة
الرجال من الملائكة . ثم قال القاضي : لعله أراد أن الملك الذي يرسل الى الأنبياء عليهم
السلام بحضرة أممهم ، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون أيضا بصورة الرجال ، كما
روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبى
وفي صورة سراقة ، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله
تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية المَلَكِيَّة، وقد روي أن النبي صلى الله عليه
وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين ، وعليه تأولوا قوله تعالى
( ولقد رآه نزلة أخرى) ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم
لا تعلمون ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في المراد بأهل الذكر وجوه : الأول: قال ابن عباس رضى الله
عنهما : يريد أهل التوراة ، والذكر هو التوراة ، والدليل عليه قوله تعالى ( ولقد كتبنا في
الزبور من بعد الذكر ) يعني التوراة . الثاني : قال الزجاج : فاسألوا أهل الكتب الذين
يعرفون معاني كتب الله تعالى ، فانهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر، والثالث ، أهل الذكر
أهل العلم بأخبار الماضين ، إذ العالم بالشيء يكون ذاكراً له . والرابع : قال الزجاج : معناه
سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق . وأقول : الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم : الله أعلى
وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر إنما تمسك بها كفارمكة ، ثم إنهم كانوا مقرين بأن
اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود
والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها ، فان اليهودي والنصراني لا بد لهما من
تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها .
المسألة الثانية ﴾ اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ؟ منهم من
حكم بالجواز واحتج بهذه الآية فقال : لما لم يكن أحد المجتهدين عالما وجب عليه الرجوع إلى
المجتهد الآخر الذي يكون عالما لقوله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) فان لم
يَجِب فلا أقل من الجواز .
المسألة الثالثة) احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المُكلَّف إذا نزلت به واقعة فان
كان عالما بحكمها لم يجزله القياس ، وإن لم يكن عالما بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالما
بها لظاهر هذه الآية ، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط
ذلك الحكم بواسطة القياس ، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه

٣٨
قوله تعالى ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)) سورة النحل
الآية فوجب أن لا يجوز ، والله أعلم .
وجوابه : أنه ثبت جواز العمل بالقياس باجماع الصحابة ، والاجماع أقوى من هذا
الدليل ، والله أعلم .
ثم قال تعالى (بالبينات والزبر) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوها، الأول: أن التقدير: وما أرسلنا
من قبلك بالبينات والزبر إلا يوحى اليهم ، وأنكر الفراء ذلك وقال: إن صلة ما قبل (إلا) لا
يتأخر إلى بعد، والدليل عليه: أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته، فما لم يصر هذا
المجموع مذكورا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه. الثاني: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك
إلا رجالا يوحى اليهم بالبينات والزبر، وعلى هذا التقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول
الفراء . قال ونظيره: ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثبُ يقول مر بزيد . الرابع أن
يقال: الذِّكر بمعنى العلم ، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون.
الخامس : أن يكون التقدير : إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر .
﴿ المسألة الثانية ) قوله تعالى ( بالبينات والزبر ) لفظة جامعة لكل ما تتكامل به
الرسالة ، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى
التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر .
ثم قال تعالى ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل اليهم﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول الله
والمفتقر إلى البيان مجمل ، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل ، فلهذا المعنى قال
بعضهم : متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل ،
والدليل عليه هذه الآية ، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل .
والجواب : أن القرآن منه محكم ، ومنه متشابه ، والمحكم يجب كونه مبينا فثبت أن
القرآن ليس كله مجملا بل فيه ما يكون مجملا فقوله ( لتبين للناس ما نزل اليهم ) محمول على
المجملات .
المسألة الثانية ) ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو
المبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين ، فعند هذا قال نفاة القياس: لو كان القياس حجة لما
وجب على الرسول بيان كل ما أنزله الله تعالى على المكلفين من الأحكام ، لاحتمال أن يبين

٣٩
قوله تعالى ((أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم)) سورة النحل
المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس ، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف
والأحكام ، هو الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا أن القياس ليس بحجة .
وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة ، فمن رجع في تبيين
الأحكام والتكاليف إلى القياس ، كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان الرسول صلى الله عليه
وسلم .
ثم قال تعالى ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ المكر في اللغة عبارة عن السعى بالفساد
على سبيل الاخفاء ، ولا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : المكرات السيئات ، والمراد أهل مكة
ومن حول المدينة . قال الكلبى : المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى ، والأقرب أن
المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم واصحابه على سبيل الخفية ، ثم أنه تعالى
ذكر في تهديدهم أمورا أربعة: الأول : أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون .
والثاني : أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ، والمراد أن يأتيهم العذاب من السماء من
حيث يفجؤهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط. والثالث : أن يأخذهم في تقلبهم فما هم
بمعجزين ، وفي تفسير هذا التقلب وجوه : الأول : أنه يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم ، فانه
تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر، وهم لا يعجزون الله
بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله حيث كانوا ، وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى
مأخوذ من قوله تعالى: (لا يغرنك تقلبُ الذين كفروا في البلاد). وثانيهما : تفسير هذا اللفظ
بأنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم وحقيقته في حال
تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم . وثالثها : أن يكون المعنى أو يأخذهم في حال ما
ينقلبون في بقايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل قسراً. كما قال (ولو نشاء
لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يُبصرون) وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ
من قوله (وقلبوا لك الأمور) فانهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها .
والنوع الرابع ﴾ من الأشياء التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على سبيل التهديد
قوله تعالى ( أو يأخذهم على تخوّف ) وفي تفسير التخوف قولان :
﴿ القول الأول﴾ التخوف تفعل من الخوف، يقال خفت الشىء وتخوفته . والمعنى أنه
تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولاً بل يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعده ، وتلك الاخافة هو أنه تعالى
يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون هذا أخذاورداً عليهم بعد أن يمر بهم قبل ذلك زمانا طويلا
في الخوف والوحشة .
.. ...

٤٠
قوله تعالى ((أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء)) سورة النحل
أَوَ لَمْ يَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَفَيَّوُاْ ظِلَالُهُ، عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآبِلِ حُجَّدًا له
وَهُمْ دَائِرُونَ (٨) وَلِّ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَّتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَبِّكَهُ
وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٤٦ ◌َخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمُرُونَ
﴿ والقول الثاني ﴾ أن التخوف هو التنقص قال ابن الأعرابي يقال: تخوفت الشىء
وتخيفته إذا تنقصته ، وعن عمر أنه قال على المنبر : ماتقولون في هذه الآية ؟ فسكتوا فقام شيخ
من هذيل فقال : هذه لغتنا التخوف التنقص ، فقال عمر : هل تعرف العرب ذلك في
أشعارها؟ قال نعم: قال شاعرنا وأنشد:
تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر : أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال: شعر
الجاهلية فيه تفسير كتابكم .
إذا عرفت هذا فنقول : هذا التنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في أطراف
بلادهم كما قال تعالى: (أولاً يَرْونَ أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها) والمعنى أنه تعالى لا
يعاجلهم بالعذاب ولكن ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التى تجاورهم حتى يخلص الأمر
اليهم فحينئذ يهلكهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلا قليلا حتى
يأتي الفناء على الكل فهذا تفسير هذه الأمور الأربعة ، والحاصل أنه تعالى خوفهم بخسف
يحصل في الأرض ، أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة واحدة حال مالا يكونون
عالمين بعلاماتها ودلائلها ، أو بآفات تحدث قليلا قليلا إلى أن يأتى الهلاك على آخرهم، ثم ختم
الآية بقوله ( فان ربكم لرؤف رحيم ) والمعنى أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رؤف رحيم فلا يعاجل
بالعذاب .
قوله تعالى: ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا
لله وهم داخرون، ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا
یستکبر ون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يُؤمر ون ﴾.
في الآية مسائل :