النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّازى
الشََّهُ بِالَّغِيرِ الكبيرِ وَمَفَع الغَيب
للإمَام محمّالرَّزى معمر الدّين إبن العلامة ضياءالدين عمر
الشّهر بخطِ الرّى نَفَعَ اللّه السّمين
٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الجُزْءُ العُشْرُون
دار الفكر
للطباعة والنشر وَالتوزيع

قوله تعالى ((وسخر لكم الليل والنهار)) سورة النحل
بِسْطِ لِلّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتْ بِأَمْرِهِةٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ
آَيَاتٍ لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ (﴾ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ ، إِنَّ فِ ذَالِكَ
لٌآَيَةٌ لَّقَوْمِ يَذَّ كَّرُونَ (
قوله تعالى ﴿ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، إن
في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم
يذكرون﴾ .
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن الله تعالى لما أجاب في الآية عن السؤال الذي ذكرناه من
وجهين : الأول أن نقول : إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات
الفلكية.، والتشكلات الكوكبية ، إلا أنه لا بد لحركاتها واتصالاتها من أسباب ، وأسباب
تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور مغايرة لها ، والأول باطل لوجهين : الأول : أن الأجسام
متماثلة، فلو كان الجسم علة بصفة لكان كل جسم واجب الإتصاف بتلك الصفة وهو محال،
والثاني : أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من
الحركة بدوام تلك الذات ، ولو كان كذلك ، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير
أصلا، وذلك یوجب کونه ساکنا، ويمنع من کونه متحرکا، فثبت أن القول بأن الجسم متحركا
لذاته يوجب كونه ساكنا لذاته وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلا، فثبت أن القول بأن الجسم
متحرك لذاته يوجب كونه ساكنا لذاته وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلا ، فثبت أن الجسم
يمتنع أن یکون متحركا لكونه جسما ، فبقي أن يكون متحركا لغيره ، وذلك الغير إما أن يكون
ساريا فيه أو مباينا عنه، والاول باطل، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لما
اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فثبت أن محرك أجسام الافلاك والكواكب أمور
مباينة عنها ، وذلك المباين إن كان جسما أو جسمانيا عاد التقسم الأول فيه ، وإن لم يكن جسما
ولا جسمانيا فاما أن يكون موجبا بالذات أو فاعلا مختارا والأول باطل، لأن نسبة ذلك الموجب
بالذات الى جميع الأجسام على السوية، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى

٣
قوله تعالى ((والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره)) سورة النحل
من بعض، ولما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك والكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن
كونه جسما وجسمانيا، وذلك هو الله تعالى، فالحاصل أنا لو حكمنا بإسناد حوادث العالم
السفلى الى الحركات الفلكية والكوكبية، فهذه الحركات الكوكبية والفلكية لا يمكن إسنادها إلى
أفلاك أخرى وإلا لزم التسلسل وهو محال ، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو
الله تعالى، وإذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية ، وثبت أن الحركات
الفلكية حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه، فكان هذا اعترافا بأن الكل من الله تعالى
وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من قوله (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر) يعني
إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل تعاقب الليل والنهار وحركات الشمس والقمر ، فهذه
الأشياء لا بد وأن يكون حدوثها بتخليق الله تعالى وتسخيره قطعا للتسلسل، ولما تم هذا الدليل
في هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) يعنى أن كل من كان
عاقلا علم أن القول بالتسلسل باطل ولا بد من الانتهاء في آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير
فهذا تقرير أحد الجوابين .
والجواب الثاني عن ذلك السؤال أن نقول : نحن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن
يكون حدوث النبات والحيوان لأجل تأثير الطباع والأفلاك والأنجم ، وذلك لأن تأثير الطبائع
والأفلاك والأنجم والشمس والقمر بالنسبة الى الكل واحد ، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان
قشره على طبع وعجمه على طبع ولحمه على طبع ثالث وماؤه على طبع رابع ، بل نقول : إنانرى
في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة ، والوجه الثاني من تلك
الورقة في غاية الحمرة وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة ، ونعلم بالضرورة أن نسبة
الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة ، نسبة واحدة ، والطبيعة الواحدة في المادة
الواحدة لا تفعل إلا فعلا واحدا ، ألا ترى أنهم قالوا : شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير
الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابها ، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه
هو الكرة ، وأيضا إذا وضعنا الشمع فاذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد
الجوانب ، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب ، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن
تتشابه نسبتها الى كل الجوانب .
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع إلى
وجهي تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة ، وثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها
واحدة كان الأثر متشابها ، وثبت أن الأثر غير متشابه ، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية
الصفرة ، والوجه الثاني في غاية الحمرة ، فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات
والألوان والأحوال ليس هو الطبيعة ، بل المؤثّر فيها هو الفاعل المختار الحكيم ، وهو الله

٤
قوله تعالى ((وماذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه)) سورة النحل
سبحانه وتعالى ، وهذا هو المراد من قوله ( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه )
وأعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة يجب أن
يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة ، فلما دلَّ الحسُّ في هذه الأجسام النباتية على اختلاف صفاتها
وتنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجبا بالذات بل فاعلا مختارا فهذا تمام تقرير هذه الدلائل
وثبت أن ختم الآية الأولى بقوله ( لقوم يتفكرون ) والآية الثانية بقوله ( لقوم يعقلون ) والآية
الثالثة بقوله ( لقوم يذكَّرون ) هو الذي نبه على هذه الفوائد النفيسة والدلائل الظاهرة والحمد
لله على ألطافه في الدين والدنيا .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن عامر (والشمس والقمر والنجوم) كلها بالرفع على
الابتداء ، والخبر هو قوله ( مسخَّرات ) وقرأ حفص عن عاصم ( والنجوم ) بالرفع على أن
يكون قوله ( والنجوم ) ابتداء وإنما حملها على هذا لئلا يتكرر لفظ التسخير ، إذ العرب لا تقول :
سخّرت هذا الشىء مسخرا فجوابه أن المعنى أنه تعالى سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرة
تحت قدرته وإرادته ، وهذا هو الكلام الصحيح ، والتقدير : أنه تعالى سخر للناس هذه
الأشياء وجعلها موافقة لمصالحهم حال كونها مسخرة تحت قدرة الله تعالى وأمره وإذنه ، وعلى
هذا التقدير فالتكرير الخالي عن الفائدة غير لازم والله أعلم . بقى في الآية سؤالات :
السؤال الأول ﴾ التسخير عبارة عن القهر والقسر، ولا يليق ذلك إلا بمن هو قادر
يجوز أن يقهر ، فكيف يصح ذلك في الليل والنهار وفي الجمادات والشمس والقمر ؟
والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لما دبر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة
لمصالح العباد صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع ، فلهذا المعنى أطلق على هذا النوع من
التدبير لفظ التسخير . وعن الوجه الثاني في الجواب : وهو لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب
علم الهيئة ، وذلك لأنهم يقولون : الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى
المشرق والله تعالى يحرك هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب ،
فكانت هذه الحركة قسرية ، فلهذا السبب ورد فيها لفظ التسخير.
السؤال الثاني ﴾ إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس
كان ذِكر النهار والليل مُغنيا عن ذكر الشمس .
والجواب : أن حدوث النهار والليل ليس بسبب حركة الشمس ، بل حدوثهما بسبب
حركة الفلك الأعظم الذي دللّنا على أن حركته ليست إلا بتحريك الله سبحانه ، وأما حركة
الشمس فانها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم .

قوله تعالى ((وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحما طريا)) سورة النحل
وَهُوَ الَّذِىِ سَخَّ الْبَحْرَلِتَأْكُلُوْ مِنْهُ لَّمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْمَةٌ تَلْبُونَهَاَ
وَتَرَىَ الْفُلْكَ مَوَانِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (قال)
السؤال الثالث﴾ ما معنى قوله (مسخرات بأمره) والمؤثِّر في التسخير هو القدرة لا
الأمر .
والجواب : أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات أم لا ، وأكثر
المسلمين متفقون على أنها جمادات، فلا جُرم حملوا الأمر في هذه الآية على الخلق والتقدير، ولفظ
الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير، قال تعالى (إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)،
ومن الناس من يقول إنها ليست جمادات فههنا يحمل الأمر على الإذن والتكليف والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية
تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ﴾.
اعلم إنه تعالى لما احتج على إثبات الاله في المرتبة الأولى بأجرام السموات ، وفي المرتبة
الثانية ببدن الإنسان ونفسه ، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات ، وفي المرتبة الرابعة
بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال
العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء .
واعلم أن علماء الهيئة قالوا : ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء ، وذلك هو البحر
المحيط وهو كلية عنصر الماء، وحصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال بعده
( والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ) والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار ،
ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو
بالغوص .
واعلم أن منافع البحار كثيرة ، والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع :
﴿ المنفعة الأولى ) قوله تعالى ( لتأكلوا منه لحما طريا) وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال ابن الأعرابي: لحم طري غير مهموز ، وقد طرو يطر وطراوة ،
وقال الفراء : طرا يطرا طراء ممدودا وطراوة كما يقال شقى يشقى شقاء وشقاوة .
واعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة ، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحا ، لما عرف به
.

٦
قوله تعالى ((وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا)) سورة النحل
من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فانه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه
في غاية العذوبة، علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة ، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر
الضد من الضد.
﴿ المسألة الثانية) قال أبو حنيفة رحمه الله: لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك
لا يحنث، قالوا : لأن لحم السمك ليس بلحم ، وقال آخرون : إنه يحنث لأنه تعالى نص على
كونه لحما في هذه الآية وليس فوق بيان الله بيان . روي أن أبا حنيفة رحمه الله لما قال بهذا
القول وسمعه سفيان الثورى فأنكر عليه ذلك ، واحتج عليه بهذه الآية، بعث اليه رجلا وسأله
عن رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض هل يحنث أم لا ؟ قال سفيان : لا يحنث
فقال السائل : أليس أن الله تعالى قال ( والله جعل لكم الأرض بساطا ) قال فعرف سفيان أن
ذلك كان بتلقين أبي حنيفة .
ولقائل أن يقول : هذا الكلام ليس بقوي ، لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا العمل
بظاهر القرآن في لفظ البساط للدليل الذي قام عليه فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية
أخرى والفرق بين الصورتين من وجهين : الأول : أنه لما حلف لا يصلي على البساط فلو
أدخلنا الأرض تحت لفظ البساط لزمنا أن نمنعه من الصلاة ، لأنه إن صلى على الأرض المفروشة
بالبساط لزمه الحنث لا محالة ، ولو صلى على الأرض التي لا تكون مفروشة لزمه الحنث أيضا
على تقدير أن يدخل الأرض تحت لفظ البساط ، فهذا يقتضى منعه من الصلاة ، وذلك مما لا
سبيل اليه بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم ، لأنه ليس في منعه من أكل
اللحم على الاطلاق محذور فظهر الفرق . الثاني : أنا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة أن
وقوع اسم البساط على الأرض الخالصة مجاز، أما وقوع اسم اللحم على لحم السمك فلم يعرف
أنه مجاز ، فظهر الفرق والله أعلم .
وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن مبنى الأيمان على العادة ، وعادة الناس إذا ذكر اللحم
على الاطلاق أن لا يفهم منه لحم السمك بدليل أنه إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم
لحما فجاء بالسمك كان حقيقا بالانكار .
والجواب : إنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ وتارة تعتبرون العُرف ، وما
رأيناكم ذكرتم ضابطا بين القسمين والدليل عليه أنه إذا قال لغلامه اشتر بهذه الدرام لحما فجاء
بلحم العصفور كان حقيقا بالانكار عليه ، مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور ،
فثبت أن العُرف مضطرب ، والرجوع إلى نص القرآن متعين . والله أعلم .
المنفعة الثانية﴾ من منافع البحر قوله تعالى: (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) والمراد
بالحلية اللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) والمراد : يلبسهم لبس

١
٧
قوله تعالى ((وألقى في الأرض رواسي ان تميل بكم وأنهارا)) سورة النحل
وَأَلْقَ فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِدَ بِكُرْ وَأَنْهَرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٢) وَعَّمَتِ
٠٠٠.
١٠٠٠٠١
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (
١٦
نسائهم لأنهن من جملتهم ، ولأن إقدامهن على التزين بها إنما يكون من أجلهم فكأنها زينتهم
ولباسهم ، ورأيت بعض أصحابنا تمسكوا في مسألة أنه لا يجب الزكاة في الحلي المباح بحديث
عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا زكاة في الحلي)) فقلت هذا الحديث ضعيف
الرواية وبتقدير الصحة فيمكن أن يقال فيه لفظ الحلي لفظ مفرد محلى بالألف واللام ، وقد بينا في
أصول الفقه أن هذا اللفظ يجب حمله على المعهود السابق ، والحلي الذي هو المعهود السابق هو
الذي ذكره الله تعالى في كتابه في هذه الآية وهو قوله : ( وتستخرجون منه حلية تلبسونها ) فصار
بتقدير صحة ذلك الخبر لا زكاة في اللآلئ، وحينئذ يسقط الاستدلال به . والله أعلم .
﴿ المنفعة الثالثة) قوله تعالى (وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله) قال أهل
اللغة : محر السفينة شقها الماء بصدرها وعن الفراء : أنه صوت جري الفلك بالرياح .
إذا عرفت هذا فقول ابن عباس ( مواخر ) أي جواري ، إنما حسن التفسير به ، لأنها لا
تشق الماء إلا إذا كانت جارية . وقوله تعالى ( ولتبتغوا من فضله ) يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا
الربح من فضل الله ، وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره ، والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون،
وعلامات وبالنجم هم يهتدون ﴾ .
اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر بعض النّعم التي خلقها الله تعالى في الأرض
فالنعمة الأولى ﴾ قوله (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (أن تميد بكم) يعني لئلا تميد بكم على قول الكوفيين.
وكراهة أن تميد بكم على قول البصريين ، وذكرنا هذا عند قوله تعالى ( يبين الله لكم أن
تضلُّوا ) والميد: الحركة والاضطراب يمينا وشمالا . يقال : ماد يميد ميداً.
﴿ المسألة الثانية ﴾ المشهور عن الجمهور في تفسير هذه الآية انهم قالوا: إن السفينة إذا
ألقيت على وجه الماء ، فانها تميد من جانب إلى جانب ، وتضطرب ، فاذا وضعت الأجرام
الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فاستوت . قالوا فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض
على وجه الماء اضطربت ومادت ، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه

٨
قوله تعالى «والقی في الأرض رواسي ان تميد بكم وأنهارا)) سورة النحل
الماء بسبب ثقل هذه الجبال .
ولقائل أن يقول : هذا يشكل من وجوه : الأول : إن هذا التعليل إما أن يذكر مع
تسليم كون الأرض والماء ثقيلة بالطبع ، أو مع المنع من هذا الأصل ومع القول بأن حركات
هذه الأجسام بطباعها أو ليست بطباعها بل هي واقعة بتخليق الفاعل المختار ، أما على التقدير
الأول فهذا التعليل مشكل ، لأن على هذا الأصل لا شك أن الأرض أثقل من الماء ، والأثقل
من الماء يغوص في الماء ولا يبقى طافيا عليه ، وإذا لم يبق طافيا عليه امتنع أن يقال : إنها تميد
وتميل وتضطرب ، وهذا بخلاف السفينة لأنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات
مملوءة من الهواء ، فلهذا السبب تبقى الخشبة طافية على الماء فحينئذ تضطرب وتميد وتميل على
وجه الماء ، فاذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق ، وأما على التقدير
الثاني وهو أن يقال : ليس للأرض ولا للماء طبائع توجب الثقل والرسوب والأرض إنما تنزل ،
لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك وإنما صار الماء محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة ،
وليس ههنا طبيعة للأرض ولا للماء توجب حالة مخصوصة . فنقول : فعلى هذا التقدير علة
سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هي أن الله تعالى
يخلق فيها الحركة ، وعلى هذا التقدير فانه يفسد القول بأن الأرض كانت مائلة فخلق الله الجبال
وأرساها عليها لتبقى ساكنة ، لأن هذا إنما يصح إذا كانت طبيعة الأرض توجب الميدان .
وطبيعة الجبال توجب الارساء والثبات ، ونحن إنما نتكلم الآن على تقدير نفي الطبائع الموجبة
لهذه الأحوال ، فثبت أن هذا التعليل مشكل على كل التقديرات.
﴿ السؤال الثاني ﴾ هو أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على
وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب ، وهذا إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت
الأرض على وجهه واقفا . فنقول : فما المقتضى لسكون ذلك الماء ووقوفه في حيزه المخصوص ،
فان قلت : المقتضى لسكونه في ذلك الحيز المخصوص هو أن طبيعته المخصوصة توجب وقوفه في
ذلك المعين ، فلم لا تقول مثله في الأرض وهو أن الطبيعة المخصوصة التي للأرض توجب
وقوفها في ذلك الحين المعين ، وذلك يفيد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى
أرساها بالجبال . فان قلت : المقتضى لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله تعالى سكن الماء
بقدرته في ذلك الحيز المخصوص ، فلم لا تقول : مثله في سكون الأرض ، وحينئذ يفسد هذا
التعليل أيضا .
﴿ السؤال الثالث﴾ أن مجموع الأرض جسم عظيم، فبتقدير أن تميد كليتها وتضطرب
على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس .

٩
قوله تعالى ((والقى في الأرض رواسي ان تميد بكم وأنهارا)) سورة النحل
فان قيل : أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل وتظهر
تلك الحركات للناس ؟ فبم تنكرون على من يقول: إنه لولا الجبال لتحركت الأرض ، إلا أنه
تعالى لما أرساها بالجبال الثقال لم تقو الرياح على تحريكها ؟
قلنا : تلك البخارات إنما احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض . فلما حصلت
الحركة في تلك القطعة الصغيرة ظهرت تلك الحركة. قال القائلون بهذا القول : إن ظهور
الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضو معين من بدن
الانسان ، أما لو حركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركة ، ألا ترى ان الساكن في السفينة لا
يحس بحركة كلية السفينة وإن كانت واقعة على أسرع الوجوه وأقواها فكذا ههنا، فهذا ما في
هذا الموضع من المباحث الدقيقة العميقة والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال ثبت
بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة، وتبقى أن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى
خشونات تحصل على وجه هذه الكرة .
إذا ثبت هذا فنقول : لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت الأرض
كرة حقيقية خالية عن الخشونات والتضریسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب
لأن الجرم البسيط المستدير إما أن يجب كونه متحركا بالاستدارة على نفسه وإن لم يجب ذلك
عقلا إلا أنه بأدنى سبب يتحرك على هذا الوجه ، أما لما حصل على ظاهر سطح كرة الأرض
هذه الجبال وكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه
بطبعه نحو مركز العالم، وتوجه ذلك الجبل نحو مركر العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون
جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة ، فكان تخليق هذه الجبال على وجه
الارض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها من الحركة المستديرة ، فكانت مانعة للارض من
الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض من الحركة المستديرة ، فهذا ما وصل إليه
بحثي في هذا الباب ، والله أعلم بمراده .
النعمة الثانية﴾ من النعم التي أظهرها الله تعالى على وجه الأرض هي أنه تعالى
أجرى الانهار على وجه الأرض . واعلم أنه حصل ههنا بحثان:
البحث الأول ﴾ أن قوله (وأنهارا) معطوف على قوله ( وألقى في الأرض رواسي)
والتقدير: وألقى رواسي وأنهارا . وخلق الأنهار لا يبعد أن يسمى بالإلقاء فيقال : ألقى الله في

١٠
قوله تعالى ((وعلامات وبالنجم هم يهتدون)) سورة النحل
الأرض أنهارا كما قال: ( وألقى فيها رواسي ) والالقاء معناه الجعل، ألا ترى أنه تعالى قال في آية
أخرى ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها ) والالقاء يقارب الانزال ، لأن الالقاء يدل
على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل ، إلا أن المراد من هذا الالقاء الجعل والخلق قال تعالى:
( وألقيت عليك محبة مني )
﴿ البحث الثاني﴾ إنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في
الجبال فلهذا السبب لما ذكر الله تعالى الجبال أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار .
النعمة الثالثة ) قوله ( وسبلا لعلكم تهتدون ) وهي أيضا معطوفة على قوله ( وألقى
في الارض رواسي ) والتقدير : وألقى في الأرض سبلا ومعناه : أنه تعالى أظهرها وبيَّنها لأجل
أن تهتدوا بها في أسفاركم ونظيره قوله تعالى في آية أخرى: ( وَسَلَكَ لكم فيها سُبلا ) وقوله
( لعلكم تهتدون ) أى لكي تهتدوا .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات
مخصوصة حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال
( وعلامات ) وهي أيضا معطوفة على قوله ( في الأرض رواسي ) والتقدير : وألقى في الأرض
رواسي وألقى فيها أنهارا وسبلا وألقى فيها علامات، والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي
الاشياء التي بها يهتدى ، وهذه العلامات هي الجبال والرياح، ورأيت جماعة يشمون التراب
وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق، قال الاخفش: تم الكلام عند قوله ( وعلامات )، وقوله
( وبالنجم هم يهتدون) كلام منفصل عن الأول ، والمراد بالنجم الجنس كقولك : كثر
الدرهم في أيدي الناس . وعن السدى هو الثريا ، والفرقدان ، وبنات نعش ، والجدى ،
وقرأ الحسن ( وبالنجم ) بضمتين وبضمة فسكون ، وهو جمع نجم کرهن ورهن والسكون
تخفيف . وقيل : حذف الواو من النجم تخفيفا .
فان قيل : قوله ( أن تميد بكم ) خطاب الحاضرين وقوله ( وبالنجم هم يهتدون )
خطاب للغائبين فما السبب فيه ؟
قلنا : إن قريشا كانت تكثر أسفارها لطلب المال ، ومن كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع
الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم فقوله ( وبالنجم هم يهتدون ) إشارة إلى قريش
للسبب الذي ذكرناه . والله أعلم .
واختلف المفسرون فمنهم من قال قوله ( وبالنجم هم يهتدون ) مختص بالبحر ، لأنه

١١
قوله تعالى ((أفمن يخلق كما لا يخلق أفلا تذكرون)) سورة النحل
أَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَ كُّونَ (٢) وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨ وَالهُ يَعْلَمُ مَا تُبِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٨) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللهِلَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (2) أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْبَاٍَّ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
تعالى لما ذكر صفة البحر وما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه يهتدون بالنجم ، ومنهم من
قال : بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر والبحر وهذا القول أولى ، لأنه أعم في كونه
نعمة . ولأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في الوقتين معا ، ومن الفقهاء من يجعل ذلك دليلا على
أن المسافر إذا عميت عليه القبلة فانه يجب عليه أن يستدل بالنجوم وبالعلامات التي في
الارض ، وهي الجبال والرياح ، وذلك صحيح ، لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في
معرفة الطرق والمسالك فكذلك يمكن الاستدلال بها في معرفة طلب القبلة .
واعلم أن اشتباه القبلة إما أن يكون بعلامات لائحة أولا يكون ، فان كانت لائحة
وجب أن يجب الاجتهاد ويتوجه إلى حيث غلب على الظن أنه هو القبلة ، فان تبين الخطأ وجب
الإعادة ، لأنه كان مقصرا فيما وجب عليه ، وان لم تظهر العلامات فههنا طريقان :
﴿ الطريق الأول ) أن يكون مخيرا في الصلاة إلى أي جهة شاء لأن الجهات لما تساوت
وامتنع الترجيح لم يبق إلا التخيير .
﴿ والطريق الثاني﴾ أن يصلي إلى جميع الجهات فحينئذ يعلم بيقين أنه خرج عن
العهدة وهذا كما يقوله الفقهاء : فيمن نسي صلاة لا يعرفها بعينها أن الواجب عليه في القضاء
أن يأتى بالصلوات الخمس ليكون على يقين من قضاء ما لزمه ، ومنهم من يقول : الواجب
منها واحدة فقط وهذا غلط لأنه لما لزمه أن يفعل الكل كان الكل واجبا . وان كان سبب وجوب
كل هذه الصلوات فوت الصلاة الواحدة والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكَّرون، وان تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها إن
الله لغفور رحيم،والله يعلم ما تُسرّون وما تُعلنون والذین یدعون من دون الله لا يخلقون شيئا
وهم يخلقون أموات غیر أحياء وما یشعر ون أیان يُبعثون
في الآية مسائل :

١٢
قوله تعالى ((أفمن یخلق کمن لا يخلق أفلا تذكرون)) سورة النحل
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على وجود القادر الحكيم على
الترتيب الاحسن والنظام الاكمل وكانت تلك الدلائل كما أنها كانت دلائل ، فكذلك أيضا
كانت شرحا وتفصيلا لانواع نعم الله تعالى وأقسام احسانه أتبعه بذكر إبطال عبادة غير الله تعالى
والمقصود أنه لما دلت هذه الدلائل الباهرة ، والبينات الزاهرة القاهرة على وجود إله قادر
حكيم ، وثبت أنه هو المولى لجميع هذه النعم ، والمعطي لكل هذه الخيرات فكيف يحسن في
العقول الاشتغال بعبادة موجود سواه لاسيما إذا كان ذلك الموجود جمادا لا يفهم ولا يقدر ، فلهذا
الوجه قال بعد تلك الآيات ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) والمعنى : أفمن يخلق
هذه الأشياء التي ذكرناها كمن لا يخلق بل لا يقدر البتة على شيء أفلا تذكرون فان هذا القدر
لا يحتاج إلى تدبر وتفكر ونظر ، ويكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق
إلا بالمنعم الأعظم ، وأنتم ترون في الشاهد إنساناً عاقلا فاهما ينعم بالنعمة العظيمة ، ومع
ذلك فتعلمون أنه يقبح عبادته فهذه الأصنام جمادات محضة ، وليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار
فكيف تقدمون على عبادتها ، وكيف تجوزون الاشتغال بخدمتها وطاعتها .
المسألة الثانية ﴾ المراد بقوله ( من لا يخلق ) الاصنام ، وأنها جمادات فلا يليق بها لفظة
(من )) لأنها لأولي العلم ، وأ جيب عنه من وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ أن الكفار لما سموها آلهة وعبدوها، لا جرم أجريت مجرى أولي
العلم ألا ترى إلى قوله على أثره ( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يُخُلَقون )
﴿ والوجه الثاني في الجواب﴾ إن السبب فيه المشاكلة بينه وبين من يخلق.
﴿ والوجه الثالث ) أن يكون المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم
فكيف من لا علم عنده كقوله (ألهمْ أرجل يمشون بها ) يعني أن الآلهة التي تدعونها حالهم
منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب ، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف يصح
منهم عبادتها ، وليس المراد أنه لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا .
فان قيل : قوله ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) المقصود منه إلزام عبدة الأوثان ، حيث
جعلوا غير الخالق مثل الخالق في التسمية بالاله ، وفي الاشتغال بعبادتها ، فكان حق الالزام أن
يقال : أفمن لا يخلق كمن يخلق؟
والجواب : المراد منه أن من يخلق هذه الأشياء العظيمة ويعطي هذه المنافع الجليلة كيف
يُسوَّى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية باسم الاله ، وفي الاشتغال بعبادتها
والإِقدام على غاية تعظيمها فوقع التعبير عن هذا المعنى بقوله ( أفمن يخلق كمن لا يخلق )؟

١٣
قوله تعالى ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) الآية
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه
فقال : إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا يعبدونها بصفة الخالقية لان قوله:( أفمن
يخلق كمن لا يخلق ) الغرض منه بيان كونه ممتازا عن الانداد بصفة الخالقية، وأنه إنما استحق
الالهية والمعبودية بسبب كونه خالقا ، فهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقا لبعض الاشياء لوجب
كونه إلها معبودا ، ولما كان ذلك باطلا، علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والايجاد ، قالت
المعتزلة : الجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والارض والانسان
والحيوان والنبات والبحار والنجوم والجبال كمن لا يقدر على خلق شيء أصلا ، فهذا يقتضى
أن من كان خالقا لهذه الاشياء فانه يكون إلها ولم ولم يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن
يكون إلها .
والوجه الثاني ﴾ إن معنى الآية: أن من كان خالقا كان أفضل ممن لا يكون
خالقا ، فوجب امتناع التسوية بينهما في الالهية والمعبودية ، وهذا القدر لا يدل على أن كل من
كان خالقا فانه يجب أن يكون إلها ، والدليل عليه قوله تعالى ( ألهم أرجل يمشون بها) ومعناه:
أن الذي حصل له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشى بها ،
وهذا يوجب أن يكون الانسان أفضل من الصنم ، والأفضل لا يليق به عبادة الأخس ، فهذا
هو المقصود من هذه الآية ، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي بها أن يكون
إلها ، فكذلك ههنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل من غير الخالق ، فيمتنع
التسوية بينهما في الالهية والمعبودية ، ولا يلزم منه أن بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلها .
والوجه الثالث في الجواب ﴾ أن كثيرا من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد.
قال الكعبى في تفسيره أنا لا نقول : إنا نخلق أفعالنا، قال: ومن أطلق ذلك فقد أخطأ ، إلا في
مواضع ذكرها الله تعالى كقوله: ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) وقوله ( فتبارك الله أحسن
الخالقين ).
واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد ، حتى أن أبا عبد الله
البصير بالغ وقال إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز ، لأن الخلق عبارة عن
التقدير ، وذلك عبارة عن الظن والحسبان . وهو في حق العبد حاصل وفي حق الله تعالى
محال .
واعلم أن هذه الأجوبة قوية والاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس بقوي ،

١٤
قوله تعالى ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) الآية
والله أعلم.
أما قوله تعالى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لمّا بينّ بالآية المتقدمة أن الاشتغال بعبادة غير الله
باطل وخطأ، بين بهذه الآية أن العبد لا يمكنه الاتيان بعبادة الله تعالى وشكر نعمه ، والقيام
بحقوق كرمه على سبيل الكمال والتمام ، بل العبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات
والعبادات ، وبالغ في شكر نعمة الله تعالى فانه يكون مقصرا ،وذلك لأن الاشتغال بشكر النعم
مشروط بعلمه بتلك النعم على سبيل التفصيل والتحصيل ، فان من لا يكون متصورا ولا
مفهوما ولا معلوما امتنع الاشتغال بشكره ، إلا أن العلم بنعم الله تعالى على سبيل التفصيل غير
حاصل للعبد ، لأن نعم الله تعالى كثيرة وأقسامها وشعبها واسعة عظيمة ، وعقول الخلق قاصرة
عن الاحاطة بمباديها فضلا عن غاياتها أنها غير معلومة على سبيل التفصيل ، وما كان كذلك
امتنع الاشتغال بشكره على الوجه الذي يكون ذلك الشكر لائقا بتلك النعم . فهذا هو المفهوم
من قوله ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) يعنى : إنكم لا تعرفونها على سبيل التمام والكمال،
وإذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها على سبيل التمام والكمال ، وذلك يدل على أن شكر
الخلق قاصر عن نعم الحق ، وعلى أن طاعات الخلق قاصرة عن ربوبية الحق وعلى أن معارف
الخلق قاصرة عن كنه جلال الحق ، ومما يدل قطعا على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام
نعم الله تعالى،أن كل جزء من أجزاء البدن الانساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على
الانسان ، ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل . ثم إنه تعالى يدبر أحوال
بدن الانسان على الوجه الأكمل الأصلح ، مع أن الانسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا
بكيفية مصالحه ولا بدفع مفاسده ، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك ، ثم تأمل في جميع ما
خلق الله في هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان ، وجعلها مهيأة لانتفاعك بها ، حتى تعلم
أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الانسان فضلا عن سائر وجوه الفضل
والاحسان .
فإن قيل : فلما قررتم أن الاشتغال بالشكر موقوف على حصول العلم بأقسام النعم ،
ودللتم على أن حصول العالم بأقسام النعم محال أو غير واقع ، فكيف أمر الله الخلق بالقيام
بشكر النعم ؟
قلنا : الطريق إليه أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها ، فهذا هو
الطريق الذي به يمكن الخروج عن عهدة الشكر . والله أعلم .

١٥
قوله تعالى ((والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً)) سورة النّخْل
المسألة الثانية﴾ قال بعضهم: إنه ليس لله على الكافر نعمة. وقال الأكثرون: لله
على الكافر والمؤمن نعم كثيرة . والدليل عليه : إن الإنعام بخلق السموات والأرض والانعام
بخلق الانسان من النطفة ، والانعام بخلق الأنعام وبخلق الخيل والبغال والحمير ، وبخلق
أصناف النعم من الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ، وبتسخير البحر ليأكل الانسان منه لحما
طريا ويستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن والكافر ، ثم أكد تعالى ذلك
بقوله تعالى: (وإن تعدُّو نعمة الله لا تحصوها ) وذلك يدل على أن كل هذه الأشياء نِعم من
الله تعالى في حق الكل، وهذا يدل على أن نعم الله واصلة إلى الكفار ، والله أعلم .
أما قوله ﴿ إن الله لغفور رحيم﴾ اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم (وإن تعدوا
نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار)، وقال ههنا (إن الله لغفور رحيم ) والمعنى:
إنه لما بين أن الإنسان لا يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل. قال ( إن الله لغفور
رحيم ) أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه ، رحيم بكم حيث لم يقطع
نعمه عليكم بسبب تقصيركم .
أما قوله ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ ففيه وجهان : الأول : إن الكفار كانوا
مع اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى يسرون ضروبا من الكفر في مكايد الرسول عليه السلام فجعل
هذا زجرا لهم عنها . والثاني : أنه تعالى زيف في الآية أيضا عبادتها بسبب أن الاله يجب أن
يكون عالما بالسر والعلانية ، وهذه الاصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلا فكيف تحسن
عبادتها ؟
أما قوله ﴿ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون﴾ فاعلم أنه تعالى
وصف هذه الاصنام بصفات كثيرة .
فالصفة الأولى ﴾ أنهم لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، قرأ حفص عن عاصم يسرون
ويعلنون ويدعون كلها بالياء على الحكاية عن الغائب ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ( يدعون )
بالياء خاصة على المغايبة ، وتسرون وتعلنون بالتاء على الخطاب ، والباقون كلها بالتاء على
الخطاب عطفا على ما قبله.
فان قيل : أليس أن قوله في أول الآية ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) يدل على أن هذه
الاصنام لا تخلق شيئا، وقوله ههنا ( لا يخلقون شيئا) يدل على نفس هذا المعنى ، فكان هذا
محض التكرير .
وجوابه : أن المذكور في أول الآية أنهم لا يخلقون شيئا ، والمذكور ههنا أنهم لا يخلقون

١٦
قوله تعالى: ((والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا)) سورة النحل
شيئا وأنهم مخلوقون لغيرهم ، فكان هذا زيادة في المعنى . وكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في
ذواتهم وصفاتهم فبين أولاً أنها لا تخلق شيئا ، ثم ثانياً أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة
لغيرها .
والصفة الثانية ) قوله ( أموات غير أحياء) والمعنى : أنها لو كانت آلهة على الحقيقة
لكانوا أحياء غير أموات ، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى،وأمر
هذه الأصنام على العكس من ذلك .
فان قيل : لمَّا قال ( أموات ) علم أنها غير أحياء فما الفائدة في قوله ( غير أحياء)؟
والجواب من وجهين : الأول : إن الاله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته موت ،
وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها الحياة . والثاني : أن هذا الكلام مع الكفار الذين
يعبدون الأوثان ، وهم في نهاية الجهالة والضلالة ، ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن
أن يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة ، وغرضه منه الاعلام بكون ذلك المخاطب في
غاية الغباوة وأنه إنما يعيد تلك الكلمات لكون ذلك السامع في نهاية الجهالة ، وأنه لا يفهم
المعنى المقصود بالعبارة الواحدة .
الصفة الثالثة ) قوله (وما يشعرون أيان يبعثون) والضمير في قوله (وما يشعرون)
عائد إلى الأصنام، وفي الضمير في قوله (يبعثون) قولان: أحدهما: أنه عائد إلى العابدين
للأصنام يعني أن الأصنام لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا
يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم. والثاني: أنه عائد إلى
الأصنام يعني أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى، قال ابن عباس: إن الله يبعث
الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بها إلى النار.
فان قيل : الأصنام جمادات ، والجمادات لا توصف بأنها أموات ؛ ولا توصف بأنهم لا
يشعرون كذا وكذا .
والجواب عنه من وجوه : الأول : إن الجماد قد يوصف بكونه ميتا قال تعالى ( يُخُرج
الحي من الميت ). الثاني : إن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالالهية والمعبودية قيل لهم : ليس
الأمر كذلك ، بل هي أموات ولا تعرف شيئا ، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم .
والثالث : أن يكون المراد بقوله ( والذين يدعون مِن دون الله ) الملائكة ، وكان أناس من
الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء ، أي غير باقية حياتهم

١٧
قوله تعالى ((إلهكم إله واحد)) سورة النَّحْل
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَيُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (
لَجَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَايُسِرُونَ وَمَا يُعلنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ (﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُم
مَاذَا أَنْزَّلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيُ الأَوَّلِينَ ﴾ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ
الْقِيَدْمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِالَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرٍ عِلْمٍ أَ سَآءَ مَا يَزِّرُونَ هُ
( وما يشعرون أيان يبعثون ) أي لا علم لهم بوقت بعثهم والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم مُنكرة وهم مستكبر ون
لا جَرَم أن الله يعلم ما يُسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكيرين﴾.
اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان والأصنام وبين فساد مذهبهم
بالدلائل القاهرة قال: ( إلهكم إله واحد ) ثم ذكر تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك
وإنكار التوحيد فقال: (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون )،والمعنى أن
الذين يؤمنون بالآخرة ويرغبون في الفوز بالثواب الدائم ويخافون الوقوع في العقاب الدائم إذا
سمعوا الدلائل والترغيب والترهيب ، خافوا العقاب فتأملوا وتفكروا فيما يسمعونه ، فلا جَرَمَ
ينتفعون بسماع الدلائل ، ويرجعون من الباطل إلى الحق ، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة
وينكرونها فانهم لا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون
منكرين لكل كلام يخالف قولهم ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم ، فلا جرم يبقون
مصرين على ما كانوا عليه من الجهل والضلال .
ثم قال تعالى: ﴿ لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ والمعنى أنه تعالى يعلم أن
إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروها أو إشكال تخيلوه ، بل ذلك
لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق والشغف بنصرة مذاهب الأسلاف والتكبر والنخوة .
فلهذا قال : ( إنه لا يحب المستكبرين ) وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين .
قوله تعالى ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين، ليحملوا أوزارهم
كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ﴾.

١٨
قوله تعالى ((ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة)) سورة النَّحْل
اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب
عبدة الأصنام ، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها:
فالشبهة الأولى﴾ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة نفسه
يكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا : إنه أساطير الأولين ، وليس هو من جنس
المعجزات ، وفى الآية مسائل :
٠
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن ذلك السائل من كان ؟ قيل هو كلام بعضهم لبعض ،
وقيل هو قول المسلمين لهم ، وقيل : هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفّرون
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحجّ عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
﴿ المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول: كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين ؟
وجوابه من وجوه : الأول : أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم ( إن
رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون)، وقوله ( يا أيها الذي نزِّل عليه الذكرُ إنك لمجنون)
وقوله ( يا أيها الساحر ادع لنا ربك ). الثاني : أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل
من ربكم هو أساطير الأولين . الثالث : يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون
مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق .
واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ) اللام في
ليحملوا لام العاقبة ، وذلك لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا
الأوزار ، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله: ( فالتقطه آل فرعون ليكون
لهم عدوا وحزنا ) وقوله ( كاملة ) معناه : أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئا ، بل يوصل ذلك
العقاب بكليته إليهم ، وأقول : هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين ،
إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا
التكميل وقوله (ومن أوزار الذين يضلونهم) معناه : ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع ،
والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( أيما داع دعا الى الهدى فاتُبعَ
كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه
مثل وَزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء ))
واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع الى الرؤساء ،
وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى: ( وأن ليس للإنسان إلا ما

١٩
قوله تعالى ((قد مكر الذين من قبلهم)) سورة النحل
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَّى اللهُ بُنْيَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن
فَوْقِهِمْ وَأَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٨) ثُمَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْرِيِمْ وَيَقُولُ
أَيْنَ ثُرَكَوِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَّتَقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أَوْتُوْاَلْعِلَمَ إِنَّ أَثْرِىَ أَلْيَوْمَ
وَاُلُّوَءَ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴿ الَّذِينَ تَتَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَواْ السَّلَمَ
سعى ) وقوله ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) بل المعنى : أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم
عقابه ، حتى أن ذلك العقاب يكون مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع ، قال
الواحدي : ولفظة ( من ) في قوله ( ومن أوزار الذين يضلونهم ) ليست للتبعيض ، لأنها لو
كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم ، وذلك غير جائز ، لقوله عليه السلام (( من
غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) ولكنها للجنس ، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع .
وقوله ( بغير علم ) يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون في هذا الاضلال جهلا منهم بما
يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الاضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله ( ألا ساء ما
يزرون ) والمقصود المبالغة في الزجر .
فان قيل : إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عنها ، بل اقتصر على محض
الوعيد ؛ فما السبب فيه ؟
قلنا : السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين : الأول : أنه صلى الله
عليه وسلم تحداهم بكل القرآن ، وتارة بعشر سور ، وتارة بسورة واحدة ، وتارة بحديث
واحد ، وعجزوا عن المعارضة ، وذلك يدل على كونه معجزا . الثاني : أنه تعالى حكى هذه
الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله: ( اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) وأبطلها بقوله ( قل
أنزله الذي يعلم السرَّ في السموات والأرض ) ومعناه أن القرآن مشتمل على الإخبار عن
الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالما بأسرار السموات والأرض ، فلما ثبت كون القرآن
معجزاً بهذين الطريقين ، وتكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة . لا جرم اقتصر في هذه الآية
على مجرد الوعيد ، ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرً عليهم السقف
من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي
الذين كنتم تشاقون فيهم، قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين الذين

٢٠
قوله تعالى ((فخرًّ عليهم السقف من فوقهم)) سورة النحل
مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْءٍ بَلَ إِنَّ الَّ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء، بلى إن الله عليم بما كنتم
تعملون ﴾.
اعلم أن المقصود من الاية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وفي المراد بالذين من
قبلهم قولان :
﴿ القول الأول) وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمرود بن كنعان بني صرحا
عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع ، وقيل فرسخان ، ورام منه الصعود الى السماء ليقاتل
أهلها ، فالمراد بالمكر ههنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء .
والقول الثاني ﴾ وهو الأصح ، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق
الضرر والمكر بالمحقين .
أما قوله تعالى ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ أن الإتيان والحركة على الله محال، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله
بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس .
﴿ المسألة الثانية) في قوله ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) قولان :
﴿ القول الأول) إن هذا محض التمثيل ، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها
أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنيانا وعمدوه
بالأساطين فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم . ونظيره
قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه .
﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد منه ما دل عليه الظاهر، وهو أنه تعالى أسقط عليهم
السقف وأماتهم تحته ، والأول أقرب إلى المعنى .
أما قوله تعالى ﴿فخرَّ عليهم السقفُ من فوقهم ﴾ ففيه سؤال: وهو أن السقف لا يخر
إلا من فوقهم ، فما معنى هذا الكلام ؟
وجوابه من وجهين : الأول : أن يكون المقصود التأكيد ، والثاني : ربما خر السقف ،
ولا يكون تحته أحد ، فلما قال ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) دل هذا الكلام على أنهم كانوا
تحته ، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها . وقوله (وأتاهم العذاب