النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
قوله تعالى ((واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)) سورة الحجر
غرض ولا فائدة فحينئذ يطيب قلبه ، وقال أهل السنة اذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع الى
الطاعات كأنه يقول : تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو القيتني في المكروهات ،
وقوله ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) قال ابن عباس رضى الله عنهما : يريد الموت وسمى
الموت باليقين لأنه أمر متيقَّن .
فان قيل : فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه اذا مات سقطت عنه
العبادات ؟
قلنا : المراد منه (واعبد ربك ) في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه
العبادة ، والله أعلم .
تم تفسير هذه السورة ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد وآله وسلم .

٢٢٢
قوله تعالى ((اتى امر الله فلا تستعجلوه)) سورة النحل
(١٦) سُورَة النّجْل ◌َكِيَّة
وَآَيَاتُها مَانِ وَعَشِرُونَ وَمَا يِئَةْ
مکیة غیر ثلاث آيات في آخرها
وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية ، وقال آخرون : من أولها إلى قوله ( كن
فيكون ) مدني وما سواه فمكي ، وعن قتادة بالعكس .
واعلم أن السورة تسمى سورة النعم وهي مائة وعشرون وثمان آيات مكية .
أَنََّ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِلُوهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (* يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَ
بِالرُوجِ مِنْ أَمِْهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنِذِرُوا أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَتَّقُونِ
بسم الله الرحمن الرحيم
أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملائكة بالروح من أمره
على من يشاء من عباده أن أنذر وا أنه لا إله إلا أنا فاتقون
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة:
﴿فالسؤال الأول ﴾ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة
وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر ، وتارة بعذاب يوم القيامة ، وهو الذي
يحصل عند قيام الساعة ، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه

٢٢٣
قوله تعالى ((سبحانه وتعالى عما يشركون)) سورة النحل
وطلبوا منه الاتيان بذلك العذاب وقالوا له ائتنا به . وروى أنه لما نزل قوله تعالى ( اقتربت
الساعة وانشق القمر ) قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن
بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن ، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئا مما تخوفنا به ، فنزل
قوله ( اقترب للناس حسابهم ) فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد ما نرى
شيئا مما تخوفنا به فنزل قوله ( أتى أمر الله ) فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس
رؤسهم، فنزل قوله ( فلا تستعجلوه )، والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب
الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئا نسبوه الى الكذب .
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) وفي تقرير هذا
الجواب وجهان :
الوجه الأول ﴾ أنه وإن لم يأت ذلك العذاب الا أنه كان واجب الوقوع والشىء
أذا كان بهذه الحالة والصفة فانه يقال في الكلام المعتاد انه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه بعد
ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الاغاثة وقرب حصولها : قد جاءك الغوث فلا تجزع .
والوجه الثاني ﴾ وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحکمه به قد أتی وحصل ووقع ،
فأما المحكوم به فانما لم يقع ، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجىء ذلك الوقت لا
يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل : أمر الله وحكمه بنزول العذاب قد حصل ووجد من
الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر الله ، إلا أن المحكوم به والمأمور به انما لم يحصل ، لأنه
تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت .
﴿ السؤال الثاني) قالت الكفار: هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه
تعالى حكم بانزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة ، إلا أنا نعبد هذه الأصنام فانها
شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه
الأصنام .
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) فنزه نفسه عن
شركة الشركاء والأضداد ، والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجسام أن يشفع عنده إلا
بأذنه و( ما ) في قوله ( عما يشركون) يجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير : سبحانه وتعالى عن
اشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى الذي ، أي سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها
شركاء لله ، لأنها جمادات خسيسة ، فأي مناسبة بينها وبين أدنى الموجودات فضلا عن أن يحكم
بكونها شركاء لمدبّر الأرض والسموات .

٢٢٤
قوله تعالى ((ينزل الملائكة بالروح من امره)) سورة النحل
السؤال الثالث﴾ هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء وعلى آخرين بالضراء
ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ، وكيف صرت بحيث تعرف
أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته ؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن
أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) وتقرير هذا الجواب أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من
عبيده ويأمر ذلك العبد بأن يبلغ الى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد
والعبادة وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة ،وإن تمردوا وقعوا في شري الدنيا
والآخرة ، فبهذا الطريق صار مخصوصا بهذه المعارف من دون سائر الخلق ، وظهر بهذا الترتيب
الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه والله أعلم . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي (يُنزِّل) بالياء وكسر الزاي
وتشديدها ، والملائكة بالنصب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( يُنزِل ) بضم الياء وكسر الزاي
وتخفيفها ، والأول من التفعيل ، والثاني من الأفعال ، وهما لغتان :
﴿ المسألة الثانية ) روى عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالملائكة جبريل وحده .
قال الواحدي : وتسمية الواحد باسم الجمع إذا کان ذلك الواحد رئيسا مقدما جائز كقوله تعالى
( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه). (وإنا أنزلناه . وإنا نحن نزلنا الذكر) وفي حق الناس كقوله
( الذين قال لهم الناس ) وفيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ذلك وقوله ( بالروح من أمره ) فيه
قولان :
القول الأول ﴾ أن المراد من الروح الوحي: وهو كلام الله، ونظيره قوله تعالى (وكذلك
أوحينا إليك روحا من أمرنا) وقوله ( يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ) قال أهل
التحقيق الجسد موات كثيف مظلم ، فاذا اتصل به الروح صار حيا لطيفا نورانيا ، فظهرت آثار
النور في الحواس الخمس ، ثم الروح أيضا ظلمانية جاهلة ، فاذا اتصل العقل بها صارت
مشرفة نورانية كما قال تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم
السمع والأبصار والأفئدة ) ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية والصفاء والأشراق حتى
يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد ، وعالم
الدنيا والآخرة ، ثم إن هذه المعارف الشريفة الالهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي
والقرآن .
إذا عرفت هذا فنقول : القرآن والوحي به تكمل المعارف الالهية ، والمكاشفات الربانية

٢٢٥
قوله تعالى ((ان انذروا انه لا إله إلا أنا فاتقون)) سورة النحل
وهذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل ، والعقل به يكمل جوهر الروح ، والروح به
يكمل حال الجسد ، وعند هذا يظهر أن الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن ، لأن به
يحصل الخلاص من رقدة الجهالة ، ونوم الغفلة ، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى
أوج الملكية ، فظهر أن اطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة ، ومما يقوى
ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله ( نزل به الروح الأمين على
قلبك ) وعلى عيسى عليه السلام في قوله ( روح الله ) وإنما حسن هذا الاطلاق ، لأنه حصل
بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا
المعنى ، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى .
والقول الثاني ﴾ في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة إن الروح ههنا جبريل عليه
السلام ، والباء في قوله ( بالروح ) بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه ، أي مع ثيابه وركب
الأمير بسلاحه أي مع سلاحه ، فيكون المعنى : ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل ،
والأول أقرب ، وتقرير هذا الوجه : أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم
جبريل وحده ، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجا من الملائكة ، ألا ترى أن في
يوم بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة ، وكان ينزل
على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال ، وتارة ملك البحار ، وتارة رضوان ،
وتارة غيرهم . وقوله ( من أمره) يعنى أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى ،
ونظيره قوله تعالى ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) وقوله ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون )،
وقوله ( وهم من خشيته مشفقون ) وقوله (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) وقوله
( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون
على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه ، وقوله ( على من يشاء من عباده ) يريد الأنبياء
الذين خصهم الله تعالى برسالته وقوله ( أن أنذروا) قال الزجاج (أن ) بدل من الروح
والمعنى : ينزل الملائكة بأن أنذروا ، أي أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا ، والانذار هو
الاعلام مع التخويف .
﴿ المسألة الثانية ) في الآية فوائد: الفائدة الأولى: أن وصول الوحي من الله تعالى إلى
الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة ، ومما يقوى ذلك أنه تعالى قال في آخر سورة البقرة
( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) فبدأ بذكر الله سبحانه ثم أتبعه بذكر
الملائكة ، لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة ، وذلك الوحي هو
الكتب ، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب الصحيح هو
الفخر الرازي ج١٩م ١٥

٢٢٦
قوله تعالى ((أن انذرواأنه لا إله الا انا فاتقون)) سورة النحل
الابتداء بذكر الله تعالى ، ثم بذكر الملائكة ، ثم بذكر الكتب وفي الدرجة الرابعة بذكر
الرسل .
إذا عرفت هذا فنقول : إذا أوحى الله تعالى إلى الملك فعلم ذلك الملك بأن ذلك الوحي
وحي الله علم ضروري او استدلالي . وبتقدير أن يكون استدلاليا فكيف الطريق اليه ؟ وأيضا
الملك إذا بلِّغ ذلك الوحي إلى الرسول فعلم الرسول بکونه ملکا صادقا لا شيطانا رجپما ضروري
أو استدلالي فان كان استدلاليا فكيف الطريق اليه ؟ فهذه مقامات ضيقة ، وتمام العلم بها لا
يحصل إلا بالبحث عن حقيقة الملك وكيفية وحي الله اليه ، وكيفية تبليغ الملك ذلك الوحي إلى
الرسول . فأما إذا أجرينا هذه الأمور على الكلمات المألوفة صعب المرام وزال النظام ، وذلك
لأن آيات القرآن ناطقة بأن هذا الوحي والتنزيل إنما حصل من الملائكة أو نقول : هب أن
آيات القرآن لم تدل على ذلك إلا أن احتمال كون الأمر كذلك قائم في بديهة العقل .
وإذا عرفت هذا فتقول : لا نعلم كون جبريل عليه السلام صادقا معصوما عن
الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية ، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على أن محمدا صلى
الله عليه وسلم صادق ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله تعالى ، لا من
قبل شيطان خبيث ، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبريل صادق محق مبرأ عن التلبيس
وعن أفعال الشيطان ، وحينئذ يلزم الدور ، فهذا مقام صعب . أما إذا عرفنا حقيقة النبوة
وعرفنا حقيقة الوحي زالت هذه الشبهة بالكلية ، والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ هذه الآية تدل على أن الروح المشار اليها بقوله ( ينزل الملائكة
بالروح من أمره) ليس إلا لمجرد قوله ( لا إله إلا أنا فاتقون) وهذا كلام حق ، لأن مراتب
السعادات البشرية أربعة : أولها : النفسانية ، وثانيها : البدنية ، في المرتبة الثالثة :
الصفات البدنية التي لا تكون من اللوازم وفي المرتبة الرابعة الأمور المنفصلة عن البدن .
أما المرتبة الأولى ﴾ وهي الكمالات النفسانية ، فاعلم أن النفس لها قوتان :
إحداهما : استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب ، وهذه القوة هي القوة المسماة
بالقوة النظرية ، وسعادة هذه القوة في حصول المعارف . وأشرف المعارف وأجلّها معرفة أنه لا
إله إلا هو، واليه الاشارة بقوله ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ) والقوة الثانية للنفس :
استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم ، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية ،
وسعادة هذه القوة في الاتيان بالأعمال الصالحة ، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله
تعالى ، واليه الاشارة بقوله ( فاتقون ) ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية

٢٢٧
قوله تعالى ((خلق السموات والأرض بالحق)) سورة النحل
٣
خَلَقَ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
وسعادة هذه القوة في الإنباء بالأعمال الصالحة واشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى،
واليه الاشارة بقوله (فاتقون) ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله
تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله (لا إله إلا أنا) على كمالات القوة العملية وقوله (فاتقون)
وأما المرتبة الثانية ) وهي السعادات البدنية فهي أيضا قسمان : الصحة الجسدانية ،
وكمالات القوى الحيوانية ، أعنى القوى السبع عشرة البدنية .
وأما المرتبة الثالثة ) وهي السعادات المتعلقة بالصفات العرضية البدنية ، فهي أيضا
قسمان : سعادة الأصول والفروع ، أعني كمال حال الآباء . وكمال حال الأولاد .
وأما المرتبة الرابعة ) وهي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب الأمور
المنفصلة وهي المال والجاه ، فثبت أن اشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية ، وهي
محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية ، فلهذا السبب ذكر الله ههنا أعلى حال هاتين
القوتين فقال ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون).
قوله تعالى: ﴿خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أن معرفة الحق لذاته ، وهي المراد من قوله ( أنه لا إله إلا
أنا) ومعرفة الخير لأجل العمل به وهي المراد من قوله (فاتقون ) روح الأرواح ، ومطلع
السعادات ، ومنبع الخيرات والكرامات ، أتبعه بذكر الدلائل على وجود الصانع الاله تعالى
وكمال قدرته وحكمته .
واعلم أنا بينا أن دلائل الالهيات : إما التمسك بطريقة الامكان في الذوات أو في
الصفات . أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع الامكان
والحدوث في الذوات أو الصفات ، فهذه طرق ستة ، والطريق المذكور في كتب الله تعالى
المنزلة ، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات وتغيرات الأحوال . ثم هذا الطريق يقع على
وجهين : أحدهما : أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقيا إلى الأخفى فالأخفى ، وهذا الطريق
هو المذكور في أول سورة البقرة ، فانه تعالى قال ( اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) فجعل تعالى
تغير أحوال نفس كل واحد دليلا على احتياجه إلى الخالق . ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال
الآباء والأمهات ، وإليه الاشارة بقوله ( والذين من قبلكم ) ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال
الأرض ، وهي قوله ( الذي جعل لكم الأرض فراشا ) لأن الأرض أقرب إلينا من السماء ، ثم

٢٢٨
قوله تعالى ((تعالى عما يشركون)) سورة النحل
ذكر في المرتبة الرابعة قوله ( والسماء بناء ) ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب
السماء بالأرض ، فقال ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم )
﴿ الثاني من الدلائل القرآنية ) أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلا الى الأدنى
فالأدنى ، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة ، وذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاستدلال على
وجود الاله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية ، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الانسان ،
ثم ثلّث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان ، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات ، ثم
خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة ، وهذا الترتيب في غاية الحسن .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول :
النوع الأول ﴾ من الدلائل المذكورة على وجود الاله الحكيم الاستدلال بأحوال
السموات والأرض فقال ( خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ) وقد ذكرنا في
تفسير قوله تعالى ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) إن لفظ الخلق من كم وجه يدل
على الاحتياج إلى الخالق الحكيم ، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا . فنقول : الخلق عبارة
عن التقدير بمقدار مخصوص ، وهذا المعنى حاصل في السموات من وجوه : الأول : أن كل
جسم متناه فجسم السماء متناه ، وكل ما كان متناهيا في الحجم والقدر ، كان اختصاصه بذلك
القدر المعين دون الأزيد والأنقص أمرا جائزا ، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص ، وكل
ما كان مفتقرا إلى الغير فهو محدث، الثاني : وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة ، لأن الحركة تقتضي
المسبوقية بالغير والأزل ينافيه، فالجمع بين الحركة والأزل محال .
إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يقال إن الأجرام والأجسام كانت معدومة في الأزل ، ثم
حدثت أو يقال إنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ساكنة ثم تحركت . وعلى
التقديرين فلحركتها أول ، فحدوث الحركة من ذلك المبدأ دون ما قيله أو ما بعده خلق
وتقدير ، فوجب افتقاره إلى مقدر وخالق ومخصص له . الثالث : أن جسم الفلك مركب من
أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم الفلك وبعضها في سطحه ، والذي حصل في العمق كان
يعقل حصوله في السطح وبالعكس ، وإذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين
أمرا جائزا فيفتقر إلى المخصص والمقدر ، وبقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام .
واعلم أنّه سبحانه لما احتج بالخلق والتقدير على حدوث السموات والأرض قال بعده
( تعالى عما يشركون) والمراد أن القائلين بقدم السموات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكا في كونه
قديما أزليا فنزه نفسه عن ذلك ، وبين أنه لا قديم إلا هو ، وبهذا البيان ظهر أن الفائدة

٢٢٩
قوله تعالى ((خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين)) سورة النحل
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ تُطَفَّةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (3)
المطلوبة من قوله ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ذكر
هذه الكلمة ههنا ، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول : إن الأصنام تشفع للكفار في دفع
العقاب عنهم ، والمقصود هنا إبطال قول من يقول : الأجسام قديمة ، والسموات والأرض
أزلية ، فنزه الله سبحانه نفسه عن أن يشاركه غيره في الأزلية والقدم والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين ﴾.
اعلم أن أشرف الأجسام بعد الافلاك والكواكب هو الانسان ، فلما ذكر الله تعالى
الاستدلال على وجود الاله الحكيم بأجرام الأفلاك ، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب
بالانسان .
واعلم أن الانسان مركب من بدن ونفس ، فقوله تعالى ( خلق الانسان من نطفة )
اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم ، وقوله (فاذا هو خصيم مبين ) اشارة الى
الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم .
﴿ أما الطريق الأول﴾ فتقريره أن نقول: لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء
بحسب الحس والمشاهدة ، الا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة ، وذلك
لأنه انما يتولد من فضلة الهضم الرابع ، فان الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد
هضم ثان ، وفي العروق هضم ثالث ، وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع . ففي
هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة ، وكذا
القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان
الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء ، وذلك هو النطفة ، وعلى هذا التقدير تكون النطفة
جسما مختلف الأجزاء والطبائع .
إذا عرفت هذا فنقول : النطفة في نفسها إما أن تكون جسما متشابه الأجزاء في الطبيعة
والماهية ، أو مختلف الأجزاء فيها ، فان كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد
البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث ، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات
والايجاب لا بالتدبير والاختيار . والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن
يكون فعلها هو الكرة ، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها
الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة ، لوجب أن يكون
شكلها الكرة . وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس

٢٣٠
قوله تعالى ((خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين)) سورة النحل
هو الطبيعة ، بل فاعل مختار ، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار .
:
وأما القسم الثاني ﴾ وهو أن يقال : النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة
والماهية فنقول : بتقدير أن يكون الامر كذلك ، فانه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير
فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، وإذا كان كذلك كانت الأجزاء
الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة ، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل ،
والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون
أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمرا دائما ولا أكثريا ، وحيث كان الأمر كذلك ، علمنا
أن حدوث هذا الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم ..
﴿ والوجه الثاني ﴾ أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع، إلا
أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسما بسيطا ، وإذا
كان الأمر كذلك ، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون
شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض ،
وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات
الأنجم والأفلاك ، لأن تلك التأثيرات متشابهة ، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار
حكيم ، وهو المطلوب ، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الاله المختار ، وهو
المراد من قوله سبحانه وتعالى ( خلق الانسان من نطفة ) وأما الاستدلال على وجود الصانع
المختار الحكيم بأحوال النفس الانسانية فهو المراد من قوله ( فاذا هو خصيم مبين ) وفيه
مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في بيان وجه الاستدلال وتقريره : أن النفوس الانسانية في أول
الفطرة أقل فهماً وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات ، ألا ترى أن ولد الدجاجة حالما يخرج
من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم، ويميز بين الغذاء
الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه اما ولد الانسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم لا يميز البتة
بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع، فظهر أن الانسان في أول الحدوث أنقص حالا
وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الانسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير
بحيث، يقوى على مساحة السموات والأرض، ويقوى على معرفة ذات الله وصفاته، وعلى
معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات، ويقوی علی إیراد

٢٣١
قوله تعالى ((والأنعام خلقها لكم)) سورة النحل
وَالْأَنْعَثَمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِهَادِقٌْ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَ تَأْكُونَ (﴾ وَلَكُمْ فِهَا بَلُّ ◌ِينَ
◌ُيُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿ وَمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيِ إِلَّ بِشِّ
اْأَنْفُسِنَّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَءُوفٌ رَّحِيمُ (®)
الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الانسان
من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقّي
الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار، فهذا هو
المراد من قوله سبحانه وتعالى (خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين).
وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة .
المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى إنما يخلق الانسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة
في القرآن العزيز منها قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في
قرار مكين ) إلا أنه تعالى اختصرههنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات،وقوله
( فاذا هو خصيم مبين ) فيه بحثان :
﴿ البحث الأول ) قال الواحدي: الخصيم بمعنى الخاصم ، قال أهل اللغة خصيمك
الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كائن كالنسيب بمعنى المناسب ، والعشير بمعنى
المعاشر، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلا من خصيم يخصم بمعنى اختصم ،
ومنه قراءة همزة ( تأخذهم وهم يخصمون )
البحث الثاني ﴾ لقوله ( فاذا هو خصيم مبين ) وجهان : أحدهما : فإذا هو منطبق
مجادل عن نفسه ، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة ، وجمادا لا حس له ولا حركة ،
والمقصود منه : أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا
بتدبير مدبر حكيم عليم، والثاني : فاذا هو خصيم لربه ، منكر على خالقه ، قائل ( من يحبي
العظام وهي رميم ) والغرض منه وصف الانسان الافراط في الوقاحة والجهل ، والتمادي في
كفران النعمة ، والوجه الأول أوفق ، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على
وجود الصانع الحكيم ، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر والكفران .
قوله تعالى ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولکم فيها جمال حین
تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم
لرؤف رحيم ﴾.

٢٣٢
قوله تعالى ((لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون)) سورة النحل
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أن أشرف الاجسام الموجودة في العالم السفلى بعد الانسان سائر
الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة ، وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، والشهوة
والغضب ، ثم هذه الحيوانات قسمان : منها ما ينتفع الانسان بها ، ومنهاما لا يكون كذلك ،
والقسم الأول : أشرف من الثاني ، لأنه لما كان الانسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان
يكون انتفاع الانسان به أكمل . وأكثر أن يكون أكمل وأشرف من غيره ، ثم نقول :
والحيوان الذي ينتفع الانسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل واللبس أولا
يكون كذلك ، وانما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها ، والقسم الأول أشرف
من الثاني، وهذا القسم هو الانعام، فلهذا السبب بدأ الله بذكره في هذه الآية، فقال (والأنعام
خلقها لكم)
واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي : الضأن . والمعز . والابل . والبقر ،
وقد يقال أيضا : الأنعام ثلاثة : الابل . والبقر . والغنم ، قال صاحب الكشاف: وأكثر ما
يقع هذا اللفظ على الابل ، وقوله ( والأنعام ) منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله
تعالى ( والقمر قدرناه منازل ) ويجوز أن يعطف على الانسان . أي خلق الانسان والأنعام ،
قال الواحدي : تم الكلام عند قوله (والأنعام خلقها ) ثم ابتدأ وقال ( لكم فيها دفء ) ويجوز
أيضا أن يكون تمام الكلام عند قوله ( لكم ) ثم ابتدأ وقال ( فيها دفء ) قال صاحب النظم :
أحسن الوجهین أن یکون الوقفعند قوله ( خلقها ) والدليل عليه أنه عطفعليه قوله ( ولكم
فيها جمال ) والتقدير لكم فيهادفء ولكم فيها جمال .
﴿ المسألة الثانية﴾ أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك
المنافع ، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية . والله تعالى بدأ بذكر
المنافع الضرورية .
فالمنفعة الأولى ) قوله ( لکم فيها دفء)وقد ذكر هذا المعنی في آية أخرى فقال ( ومن
أصوافها وأوبارها وأشعارها ) والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية ، قال
الأصمعي : ويكون الدفء السخونة . يقال : اقعد في دفء هذا الحائط ، أي في كنه ،
وقرىء ( دف) بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء .
والمنفعة الثانية) قوله (ومنافع) قالوا : المراد نسلها ودرها، وإنما عبر الله تعالى عن
نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم ، لأن النسل والدر قد ينتفع به في

٢٣٣
قوله تعالى ((لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون)) سورة النحل
الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود ، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن
جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل .
والمنفعة الثالثة ) قوله ( ومنها تأكلون )
فان قيل : قوله ( ومنها تأكلون ) يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فانه قد يؤكل من
غيرها ، وأيضا منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس ، فلم أخر منفعته في الذكر ؟
قلنا : الجواب عن الأول : إن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم ،
وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر ، فيشبه غير المعتاد . وكالجاري مجرى
التفكه ، ويحتمل أيضا أن غالب أطعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر، والحب والثمار التي
تأکلونها منها ، وأيضا تكتسبون بإکراء الابل وتنتفعون بألبانها ونتاجها وجلودها ، وتشترون بها
جميع أطعمتكم .
والجواب عن السؤال الثاني : أن الملبوس أكثر بقاء من المطعوم ، فلهذا قدمه عليه في
الذكر .
واعلم أن هذه المنافع الثلاثة هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام . وأما المنافع
الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور :
المنفعة الأولى) قوله تعالى ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) الإراحة
رد الابل بالعشي الى مراحها حيث تأوى اليه ليلا ، ويقال : سرح القوم إبلهم سرحا اذا
أخرجوها بالغداة الى المرعى . قال أهل اللغة : هذه الاراحة أكثر ما تكون أيام الربيع اذا
سقط الغيث وكثر الكلأ وخرجت العرب للنجعة ، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت .
واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي اذا روحها بالعشى وسرْحها بالغداة تزينت عند
تلك الاراحة والتسريح الأفنية ، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ، وفرحت أربابها وعظم وقعهم
عند الناس بسبب كونهم مالكين لها .
فان قيل : لم قدمت الاراحة على التسريح ؟
قلنا : لأن الجمال في الاراحة أكثر ، لأنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ، ثم
اجتمعت في الحظائر حاضرة لأهلها بخلاف التسريح ، فانها عند خروجها الى المرعى تخرج جائعة
عادمة اللبن ثم تأخذ في التفرق والانتشار ، فظهر أن الجمال في الاراحة أكثر منه في التسريح .

٢٣٤
قوله تعالى ((والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه)) سورة النحل
وَأْخَيْلَ وَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْ كَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (چ)
والمنفعة الثانية ) قوله ( وتحمل أثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الأنفس إن
ربكم لرؤف رحيم ) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ الأثقال جمع ثقل وهو متاع المسافر، لم تكونوا بالغيه الا بشق
الأنفس . قال ابن عباس : يريد من مكة إلى المدينة . أو الى اليمن . أو الى الشام . أو الى
مصر. قال الواحدي : هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير ابل لشق عليكم
وخص ابن عباس هذه البلاد ، لأن متاجر أهل مكة كانت الى هذه البلاد ، وقرىء ( بشق
الأنفس ) بكسر الشين وفتحها ، وأكثر القراء على كسر الشين ، والشق المشقة والشق نصف
الشىء ، وحمل اللفظ ههنا على كلا المعنيين جائز فان حملناه على المشقة كان المعنى : لم تكونوا
بالغيه إلا بالمشقة ، وإن حملناه على نصف الشىء كان المعنى : لم تكونوا بالغيه إلا عند ذهاب
النصف من قوتكم أو من بدنكم ويرجع عند التحقيق الى المشقة ، ومن الناس من قال : المراد
من قوله ( والأنعام خلقها ) الابل فقط بدليل أنه وصفها في آخر الآية بقوله ( وتحمل أثقالكم الى
بلد لم تكونوا بالغيه ) وهذا الوصف لا يليق إلا بالابل .
قلنا : المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الانعام فبعض تلك المنافع حاصلة في الكل
وبعضها مختص بالبعض . والدليل عليه : أن قوله ( ولكم فيها جمال ) حاصل في البقر والغنم
مثل حصوله في الابل ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج منكر وكرامات الأولياء بهذه الآية فقالوا: هذه الآية تدل على
أن الانسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس ؛ وحمل الأثقال على الجمال، ومثبتو
الكرامات يقولون : إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غیر تعب
وتحمل مشقة ، فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلا ، ولما بطل القول بالكرامات في
هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور ، لأنه لا قائل بالفرق .
وجوابه : أنا تخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الانسان بها في المنافع الضرورية
والحاجات الأصلية ، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع بها الانسان في المنافع التي ليست
بضرورية ، فقال ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) وفي الآية مسائل :
٠

٢٣٥
قوله تعالى ((ويخلق مالا تعلمون)) سورة النحل
المسألة الأولى ﴾ قوله ( والخيل والبغال والحمير ) عطف على الأنعام ، أي وخلق
الأنعام لكذا وكذا ، وخلق هذه الأشياء للركوب . وقوله ( وزينة ) أي وخلقها زينة ، ونظيره
قوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا) المعنى : وحفظناها حفظا . قال
الزجاج : نصب قوله ( وزينة ) على أنه مفعول له : والمعنى : وخالقها للزينة .
المسألة الثانية﴾ احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية ، فقالوا منفعة الأكل
أعظم من منفعة الركوب ، فلو كان أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر ،
وحيث لم يذكره الله تعالى علمنا أنه يحرم أكله ، ويمكن أيضا أن يقوى هذا الاستدلال من
وجه آخر . فيقال : إنه تعالى قال في صفة الأنعام ( ومنها تأكلون ) وهذه الكلمة تفيد الحصر ،
فيقتضى أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام ، فوجب أن يحرم أكل لحم الخيل بمقتضى هذا
الحصر، ثم إنه تعالى بعد هذا الكلام ذكر الخيل والبغال والحمير وذكر أنها مخلوقة للركوب ،
فهذا يقتضى أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام وغير حاصلة في هذه الأشياء ، ويمكن
الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث وهو أن قوله ( لتركبوها ) يقتضى أن تمام المقصود من خلق
هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة ، ولو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو
الركوب ، بل كان حل أكلها أيضا مقصودا ، وحينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام
المقصود ، بل يصير بعض المقصود .
وأجاب الواحدي بجواب في غاية الحسن فقال : لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذه
الحيوانات لكان تحريم أكلها معلوما في مكة لأجل أن هذه السورة مكية ، ولو كان الامر كذلك
لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر باطلا ، لأن
التحريم لما كان حاصلا قبل هذا اليوم لم يبق لتخصيص هذا التحريم بهذه الشبهة فائدة ،
وهذا جواب حسن متين .
﴿ المسألة الثالثة﴾ القائلون بأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحِكَم، احتجوا
بظاهر هذه الآية فانه يقتضى أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية ، ونظيره قوله:
( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) وقوله ( وما خلقت الجن والانس
إلا ليعبدون ) والكلام فيه معلوم .
المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول لما كان معنى الآية أنه تعالى خلق الخيل والبغال
والحمير لتركبوها وليجعلها زينة لكم فلم ترك هذه العبارة ؟
وجوابه أنه تعالى لو ذكر هذا الكلام بهذه العبارة لصار المعنى أن التزين بها أحد الأمور

٢٣٦
قوله تعالى ((وعلى الله قصد السبيل)) سورة النحل
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ الَّبِيلِ وَمِنْهَا جَاءِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَدَ نَكُمْ أَبْمَعِينَ
المعتبرة في المقصود ، وذلك غير جائز ، لأن التزين بالشىء يورث العجب والتيه والتكبر ، وهذه
أخلاق مذمومة والله تعالى نهى عنها وزجر عنها فكيف يقول إني خلقت هذه الحيوانات
لتحصيل هذه المعاني بل قال : خلقها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء
والمشقة ، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ، ولكنه غير مقصود بالذات ، فهذا هو
الفائدة في اختيار هذه العبارة
واعلم أنه تعالى لما ذكر أولا أحوال الحيوانات التي ينتفع الانسان بها انتفاعا
ضرورياوثانيا : أحوال الحيوانات التي ينتفع الانسان بها انتفاعا غير ضروري بقى القسم
الثالث من الحيوانات وهي الاشياء التي لا ينتفع الانسان بها في الغالب فذكرها على سبيل
الاجمال فقال ( ويخلق مالا تعلمون ) وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن
الحد والاحصاء ولو خاض الانسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبة المجلدات
الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل الاجمال كما ذكر الله تعالى في
هذه الآية ، وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال : إن على يمين العرش نهرا
من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبريل عليه السلام
كل سحر ويغتسل فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله ، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة
تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفا البيت المعمور ، وفي الكعبة
أيضا سبعون ألفا ، ثم لا يعودون اليه إلى أن تقوم الساعة .
قوله تعالى ﴿ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾
اعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد قال ( وعلى الله قصد السبيل ) أي انما ذكرت هذه
الدلائل وشرحتها ازاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيى من حيّ عن بينة
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قالت الواحدي: القصد استقامة الطريق يقال: طريق قصد وقاصد
إذا أداك إلى مطلوبك ، إذا عرفت هذا ففي الآية حذف، والتقدير : وعلى الله بيان قصد
السبيل ، ثم قال ( ومنها جائر ) أي عادل مائل ومعنى الجور في اللغة الميل عن الحق والكناية
في قوله ( ومنها جائر ) تعود على السبيل ، وهي مؤنثة في لغة الحجاز يعنى ومن السبيل ما هو
جائر غير قاصد للحق وهو أنواع الكفر والضلال ، والله أعلم .
المسألة الثانية ) قالت المعتزلة دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى الارشاد والهداية

٢٣٧
قوله تعالى ((هو الذي انزل من السماء ماء لكم منه شراب)) سورة النحل
هُوَ الَِّّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِ تُسِيمُونَ (٨٢) يُنْتُ لَكُم بِهِ
الَّرْعَ وَالَّيْتُونَ وَالَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ ◌َلَّمَرَتِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةُ لِقَوْمُ
يَتَفَكُونَ
إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار، لأنه تعالى قال ( وعلى الله قصد السبيل) وكلمة ((على))
للوجوب قال تعالى ( ولله على الناس حج البيت )، دلت الآية أيضاً على أنه تعالى لا يضل أحدا
ولا يغويه ولا يصده عنه ، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلا للضلال لقال ( وعلى الله قصد
السبيل ) وعليه جائرها قال : وعليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه
عليه ، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال ( ومنها جائر ) دل على أنه تعالى لا يضل عن
الدين أحدا .
أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب
الصحيح فأما أن يبين كيفية الاغواء والاضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( ولو شاء لهداكم أجمعين) يدل على أنه تعالى ما شاء هداية
الكفار ، وما أراد منهم الايمان ، لأن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء شىء لانتفاء شيء غيره قوله ( ولو
شاء لهداكم ) معناه : لو شاء هدايتكم لهداكم ، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم
ما هداهم ، وذلك يدل على المقصود .
وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الايمان لهداكم ، وهذا يدل على أن .
مشيئة الالجاء لم تحصل .
وأجاب الجبائي بأن المعنى : ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب لكنه لا يفعل
ذلك إلا بمن يستحقه ، ولم يُرِد به الهدى إلى الايمان ، لأنه مقدور جميع المكلفين .
وأجاب بعضهم فقال المراد : ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل ، إلا
أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبينَّ ، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل
ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب، والله أعلم .
واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مرارا وأطوارا مع الجواب فلا فائدة في الأعادة .
قوله تعالى:﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسیمون ینبت
لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم
یتفکر و ن

٢٣٨
قوله تعالى ((وهو الذي انزل من السماء ماء لكم)) سورة النحل
اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلى بعد الحيوان النبات ، فلما قرر الله تعالى
الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات ، أتبعه في هذه الآية بذكر
الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات .
واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر ، وأما أن المطر نازل من السحاب أو من
السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مرارا ، والحاصل : أن ماء المطر قسمان : أحدهما : هو
الذي جعله الله تعالى شرابا لنا ولكل حي ، وهو المراد بقوله ( لكم منه شراب ) وقد بين الله تعالى
في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ).
فان قيل : أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر ، أو تقولون قد يكون منه وقد
يكون من غيره وهو الماء الموجود في قعر الأرض ؟"
أجاب القاضي : بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره .
ولقائل أن يقول : ظاهر الآية يدل على الحصر، لأن قوله ( لكم منه شراب ) يفيد
٠
الحصر لأن معناه منه لا من غيره .
إذا ثبت هذا فنقول : لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الارض من جملة ماء المطر
يسكن هناك ، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه
في الارض ) ولا يمتنع أيضاً في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر ، والقسم
الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات وإليه الاشارة بقوله ( ومنه
شجر فيه تسيمون ) الى آخر الآية ، وفيه مباحث :
البحث الأول ﴾ ظاهر هذه الآية يقتضى أن أسامة الشجر ممكنة ، وهذا إنما يصح لو
كان المراد من الشجر الكلأ والعشب ، وههنا قولان :
القول الأول ﴾ قال الزجاج : كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد :
يطعمها اللحم إذا عز الشجر
يعنى أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض ، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد
من الشجر الكلأ ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فانه سحت يعنى الكلأ .
ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال ( والنجم والشجر يسجدان ) والمراد من النجم ما ينجم
من الأرض مما ليس له ساق ، ومن الشجر ماله ساق ، هكذا قال المفسرون ، وبالجملة فلما
عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما ، ويمكن أن يجاب عنه بأن عطف الجنس على

٢٣٩
قوله تعالى ((ينبت لكم به الزرع والزيتون))سورة النحل
النوع وبالضد مشهور وأيضا فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط ، يقال : تشاجر القوم إذا اختلط
أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى ( حتى يحكموك فيما شجر
بينهم ) ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ ، فوجب جواز اطلاق لفظ الشجر عليه .
القول الثاني ﴾ أن الابل تقدر على رعي ورق الاشجار الكبار ، وعلى هذا التقدير
فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول .
البحث الثاني ) قوله ( فيه تسيمون ) أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال: أسمت
الماشية إذا خليتها ترعى ، وسامت هي تسوم سوما إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال
الزجاج : أخذ ذلك من السومة وهي العلامة ، وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات ،
وقال غيره : لأنها تعلم للإِرسال في الرعي ، وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل
عمران في قوله تعالى ( والخيل المسومة ).
أما قوله تعالى ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ ففيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ هو أن النبات الذي ينبته الله من ماء السماء قسمان: أحدهما:
معد لرعي الانعام واسامة الحيوانات ، وهو المراد من قوله ( فيه تسمون ) والثاني : ما كان
مخلوقا لأكل الأنسان وهو المراد من قوله ( ينبت لكم به الزرع والزيتون )
فان قيل : إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات ، وأتبعه بذکر ما
یکون غذاء للانسان ، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الانسان ، ثم بما
يرعاه سائر الحيوانات فقال ( كلوا وارعوا أنعامكم ) فما الفائدة فيه ؟
قلنا : أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام
الانسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه ، وأما الترتيب المذكور في الآية
الأخرى ، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله عليه السلام (( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)).
﴿ البحث الثاني ﴾ قرأ عاصم في رواية أبي بكر ( ننبت ) بالنون على التفخيم والباقون
بالياء ، قال الواحدي : والياء أشبه بما تقدم .
البحث الثالث ﴾ اعلم أن الانسان خلق محتاجا إلى الغذاء ، والغذاء إما أن يكون
من الحيوان أو من النبات . والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي ، لأن تولد أعضاء
الانسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل النبات لأن المشابهة هناك أكمل
وأتم والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات والسعي في تنسيتها بواسطة الرعي ،
وهذا هو الذي ذكره الله تعالى في الاسامة ، وأما الغذاء النباتي فقسمان : حبوب ، وفواكه ،

٢٤٠
قوله تعالى ((ان في ذلك الآية لقوم يتفكرون)) سورة النحل
أما الحبوب فاليها الاشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون ، والنخيل ، والأعناب ،
أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الادهان
كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج ، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه ،
فظاهر معلوم ، وكما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل ، ثم قال في
صفة البقية ( ويخلق ما تعلمون ) فكذلك ههنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات ، قال في
صفة البقية ( ومن كل الثمرات ) تنبيها على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها
ومنافعها لا يمكن ذكره في مجلدات ، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل .
ثم قال ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ وههنا بحثان:
﴿ البحث الاول﴾ في شرح كون هذه الاشياء آيات دالّة على وجود الله تعالى فنقول: إن
الحبة الواحدة تقع في الطين فاذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل
تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها ، فيخرج
من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء ، ومن أسفلها شجرة أخرى
غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة ، ثم إن تلك الشجرة لا تزال
تزداد وتنمو وتقوى ، ثم يخرج منها الاوراق والازهار والأكمام والثمار ، ثم إن تلك الثمرة
تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب ، فان قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان .
ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان .
إذا عرفت هذا فنقول : نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة التأثيرات
الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة . ومع تشابه نسب هذه الاشياء ترى هذه
الاجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة والصفة ، فدل صريح العقل على أن ذلك
ليس إلا لاجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة .
﴿ البحث الثاني ) أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله ( لقوم يتفكرون ) والسبب فيه أنه
تعالى ذكر أنه ( أنزل من السماء ماء فأنبت به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب )
ولقائل أن يقول : لا نسلّم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال : إن هذه
الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر
والكواكب ؟ واذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا
الدليل تاما وافيا بافادة هذا المطلوب ، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقيا ، فلهذا السبب
ختم هذه الآية بقوله ( لقوم يتفكرون )
تم الجزء التاسع عشر، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء العشرون ، وأوله قوله تعالى ﴿وسخر
لكم الليل والنهار ) من سورة النحل. أعاننا الله على إكماله