النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى ((ونبئهم عن ضيف ابراهيم)) سورة الحجر
﴿ المسألة الأولى ﴾ لفظ ما ههنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال: بأي أعجوبة
تبشروني ؟
فان قيل : في الأية اشكالان : الأول : أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد
منه في زمان الكبر وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر . الثاني : كيف قال ( فيم
تبشرون ) مع أنهم قد بينوا ما بشروه به ، وما فائدة هذا الاستفهام ؟ قال القاضي : أحسن ما
قيل في الجواب عن ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة
الشيخوخة أو يقلبه شابا ، ثم يعطيه الولد ، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه
لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب .
فان قيل : فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من
القانطين .
قلنا : إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقولهم : فلا
تكن من القانطين: لا يدل على أنه كان كذلك ، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه
ليس كذلك فقال ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون )، وفيه جواب آخر ، وهو أن الانسان
إذا كان عظيم الرغبة في شىء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فاذا
بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوى کالمدهش له والمزيل لقوة
فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة من ذلك الفرح في ذلك الوقت ، وقيل أيضا : إنه
يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلباً
للالتذاذ بسماع تلك البشارة ، وطلبا لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله ( ولكن ليطمئن قلبي )
وقيل أيضا : استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم وأجتهادكم ؟
﴿ المسألة الثانية) قرأ نافع (تبشرون ) بكسر النون خفيفة في كل القرآن ، وقرأ ابن
كثير بكسر النون وتشديدها ، والباقون بفتح النون خفيفة ، أما الكسر والتشديد فتقديره
تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الاضافة ، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع
استثقالا لاجتماع المثلين وطلباً للتخفيف، قال أبو حاتم: حذف نافع الياء مع النون . قال :
وإسقاط الحرفين لا يجوز ، وأجيب عنه : بأنه أسقط حرفا واحدا وهي النون التي هي علامة
المرفع ، وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع ( ولا تك ) وفي موضع ( ولا تكن)
فأما فتح النون فعلى غير الاضافة والنون علامة الرفع وهي مفتوحة أبدا ، وقوله ( بشرناك
بالحق ) قال ابن عباس : يريد بما قضاه الله تعالى، والمعنى: أن الله تعالى قضى أن يخرج من

٢٠٢
قوله تعالى ((قال فما خطبكم ايها المرسلون)) سورة الحجر
قَالُواْ إِنَّ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (﴾ إِلَّ
قَالَ فَمَا خَطَبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُوُهُمْ أَجْمَعِينَ (#) إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَذَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ (ّ
صُلب ابراهيم اسحقَ عليه السلام ، ويخرج من صلب اسحق مثل ما أخرج من صلب آدم
فانه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب اسحق أكثر الأنبياء، فقوله ( بالحق ) اشارة إلى هذا المعنى
وقوله ( فلا تکن من القانطین ) نهي لا براهیم علیه السلام عنالقنوط، وقد ذكرنا کثیرا أن نهى
الانسان عن الشىء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهى عنه كما في قوله ( ولا تطع الكافرين
والمنافقين) ثم حكى تعالى عن ابراهيم عليه السلام أنه قال (ومن يقنط من رحمة ربه إلا
الضالون ) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ هذا الكلام حق ، لأن القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند
الجهل بأمور : أحدها : أن يجهل كونه تعالى قادرا عليه . وثانيها : أن يجهل كونه تعالى عالما
باحتياج ذلك العبد اليه . وثالثها : أن يجهل كونه تعالى منزها عن البخل والحاجة والجهل،فكل
هذه الأمور سبب للضلال ، فلهذا المعنى قال ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ).
﴿ المسألة الثانية) قرأ أبو عمرو والكسائي (يقنط) بكسر النون ولا تقنطوا كذلك،
والباقون بفتح النون وهما لغتان : قنط يقنط ، نحو ضرب يضرب ، وقنط يقنط نحو علم يعلم ،
وحكى أبو عبيدة : قنط يقنط بضم النون ، قال أبو على الفارسي : قنط يقنط بفتح النون في
الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله ( من بعد ما
قنطوا ) وحكاية أبي عبيدة تدل أيضاً على أن قنط بفتح النون أكثر ، لأن المضارع من فعل
يجيء على يفعل ويفعل مثل فسق يفسق ويفسق ولا يجىء مضارع فعل على يفعل . والله
أعلم .
/ قوله تعالى ﴿قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلاءآل لوط إنا
لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدَّرنا إنها لمن الغابرين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى) قوله ( فما خطبكم ) سؤال عما لأجله أرسلهم الله تعالى ، والخطب
والشأن والأمر سواء ، إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال .
فان قيل : إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك ( فما
خطبكم أيها المرسلون )؟

٢٠٣
قوله تعالى ((الا امرأته قدرنا انها لمن الغابرين)) سورة الحجر
قلنا : فيه وجوه : الأول : قال الأصم : معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى .
الثاني : قال القاضي : إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من
الملائكة كافيا ، فلما رأى جمعا من الملائكة علم أن لهم غرضا آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم
قال ( فما خطبكم أيها المرسلون ) الثالث : يمكن أن يقال إنهم إنما قالوا : إنا نبشرك بغلام
عليم ، في معرض إزالة الخوف والوجل ، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف
قالوا له : لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم . ولو كان تمام المقصود من المجىء هو ذكر تلك البشارة
لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة ، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه
الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم
سألهم عن ذلك الغرض فقال ( فما خطبكم أيها المرسلون )
ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) وانما اقتصروا على
هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لا هلاكهم
واستئصالهم وأيضا فقولهم (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين) يدل على أن المراد بذلك الإرسال
إهلاك القوم.
أما قوله تعالى ﴿ إلا آل لوط﴾ فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه .
فان قيل : قوله ( إلا آل لوط) هل هو استثناء منقطع أو متصل ؟
قلنا قال صاحب الكشاف : إن كان هذا الاستثناء استثناء من ( قوم ) كان منقطعا ، لأن
القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوطما كانوا مجرمين ، فاختلف الجنسان ، فوجب أن يكون
الاستثناء منقطعا . وان كان استثناء من الضمير في ( مجرمين) كان متصلا كأنه قيل : إلى قوم
قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )، ثم قال
صاحب الكشاف: ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين ، وذلك لأن آل لوط
يخرجون في المنقطع من حكم الأرسال ، لأن الملائكة على هذا التقدير أرسلوا إلى القوم
المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلا ، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا اليهم جميعا
ليُهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء وأما قوله ( إنا لمنجوهم أجمعين ) فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائى
( منجوهم ) خفيفة ، والباقون مشددة وهما لغتان .
أما قوله تعالى ﴿إلا امرأته﴾ قال صاحب الكشاف: هذا استثناء من الضمير المجرور
في قوله ( لمنجوهم ) وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء ، لأن الاستثناء من الاستثناء
انما يكون فيما اتحد الحكم فيه ، كما لو قيل : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته ، وكما لو قال:

٢٠٤
قوله تعالى ((فلما جاء آل لوط المرسلون)) سورة الحجر
قَالُواْ بَلْ جِئْنَكَ بِمَا
٦٣
قَالَ إِنَّكُرْ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ
فَلَّا جَآءَ ءَالَ لُوطِ الْمُرْسَلُونَ
كَانُواْ فِهِ يَمْتَرُونَ (﴾ وَأَتَيْنَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ (g)
المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة ، وكما إذا قال : المقر لفلان على عشرة
دراهم إلا ثلاثة إلا درهما ، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان ، لأن قوله ( إلا آل لوط )
متعلق بقوله (أرسلنا) وبقوله ( مجرمين) وقوله ( إلا امرأته ) قد تعلق بقوله ( منجوهم ) فكيف
یکون هذا استثناء من استثناء؟
وأما قوله ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن معنى التقدير في اللغة : جعل الشىء على مقدار غيره .
يقال : قدر هذا الشىء بهذا أي اجعله على مقداره ، وقدّر الله تعالى الأقوات أي جعلها على
مقدار الكفاية ، ثم يفسر التقدير بالقضاء ، فقال : قضى الله عليه كذا ، وقدره عليه أي جعله
على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى ( قدرنا ) كتبنا . قال الزجاج : دبرنا . وقيل
قضينا ، والكل متقارب .
المسألة الثانية﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم ( قدرنا) بتخفيف الدال ههنا وفي النمل ،
وقرأ الباقون فيهما بالتشديد . قال الواحدي يقال : قدرت الشىء وقدرته ، ومنه قراءة ابن كثير
( نحن قدرنا بينكم الموت ) خفيفا ، وقراءة الكسائى ( والذي قدر فهدى ) ثم قال : والمشددة
في هذا المعنى أكثر استعمالا لقوله تعالى ( وقدر فيها أقواتها ) وقوله ( وخلق كل شىء فقدره
تقديرا )
﴿ المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه
الله تعالى ، ولِمَ لَمْ يقولوا : قدر الله تعالى ؟
والجواب : إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما يقول
خاصة الملك دبَّرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبِّر والآمر هو الملك لا هم.، وإنما يريدون بذكر هذا
الكلام اظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك ، فكذا ههنا والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قوله (إنها لمن الغابرين) في موضع مفعول التقدير قضينا أنها
تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون . ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى
النجاة والله اعلم .
قوله تعالى ﴿فلما جاءء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا
فیه یمتر ون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون

٢٠٥
قوله تعالى ((فأسر باهلك بقطع من الليل)) سورة الحجر
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ الَّيْلِ وَّبِعْ أَدْبَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُرْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ
١٠٠٠
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَنَؤُلاءِ مَقْطَوعٌ مَصْبِحِينَ
٦٥
تُؤْمُرُونَ
اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين
ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وإلى آله، وأن لوطا وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله، فلهذا قال لهم
(إنكم قوم منكرون) وفي تأويله وجوه: الأول: أنه إنما وصفهم بأنهم منكرون، لأنه عليه
الصلاة والسلام ما عرفهم، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل
شريوصلونه اليه، فقال هذه الكلمة. والثاني: أنهم كانوا شبابا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن
يهجم قومه عليه بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة. والثالث: أن النكرة ضد المعرفة فقوله (إنكم
قوم منكرون) أي لا أعرفكم، ولا أعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم على،
فعند هذه الكلمة قالت الملائكة: بل جئناك بما كانوا فيه يمترون، أي بالعذاب الذي كانوا
يشكون في نزوله، ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم (وأتيناك بالحق) قال الكلبي: بالعذاب، وقيل
باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم
(وإنا لصادقون).
قوله تعالى ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا
حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾.
قرىء ( فأسر) بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى . وروى صاحب الكشاف عن
صاحب الاقليد فسر (من ) السير والقطع آخر الليل . قال الشاعر :
افتحي الباب وانظري في النجوم
کم علینا من قطع لیل ہہیم
وقوله ( واتبع أدبارهم ) معناه : اتبع آثار بناتك وأهلك . وقوله ( ولا يلتفت منكم
أحد ) الفائدة فيه أشياء : أحدها : لئلا يتخلف منكم أحد فيناله العذاب . وثانيها : لئلا
يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء ، وثالثها : معناه الاسراع وترك الاهتمام لما خلف وراءه كما
تقول : امض لشأنك ولا تعرِّج على شىء، ورابعها : لو بقى منه متاع في ذلك الموضع ، فلا
يرجعن بسببه البتة . وقوله ( وامضوا حيث تؤمرون ) قال ابن عباس : يعنى الشام . قال

٢٠٦
قوله تعالى ((وجاء اهل المدينة يستبشرون)) سورة الحجر
٦٨
قَالَ إِنَّ هََؤُلَاءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحَوْنِ
وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
٠َ قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِىّ إِن
قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ
٦٩
وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ
كُنُمْ فَفِينَ ﴿٨َّ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣) فَأَخَلَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
بَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ سِلِ (٣) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيْتِ
لِلْمُتَوَِّينَ لَّهِ وَإِنَّهَ لَسَبِلٍ مُقِيمِ ﴾ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(
W
المفضل : حيث يقول لكم جبريل . وذلك لأن جبريل عليه السلام أمرهم أن يمضوا إلى قرية
معينة ما عمل أهلها مثل عمل قوم لوط . وقوله (وقضينا اليه ) عدَّى قضينا بإلى ، لأنه ضمن
معنى أوحينا ، كأنه قيل : وأوحيناه اليه مقضيا مبتوتا ، ونظيره قوله تعالى ( وقضينا إلى بنى
إسرائيل ) وقوله ( ثم اقضوا إلي ) ثم إنه فسر بعد ذلك القضاء المبتوت بقوله ( أن دابر هؤلاء
مقطوع ) وفي إبهامه أولا ، وتفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم له . وقرأ الأعمش ( إن )
بالكسر على الاستئناف كأن قائلا قال أخبرنا عن ذلك الأمر ، فقال إن دابر هؤلاء ، وفي قراءة
ابن مسعود ، وقلنا ( ان دابر هؤلاء) ودابرهم آخرهم، يعنى يستأصلون عن آخرهم حتى
لا يبقى منهم أحد وقوله ( مصبحين ) أي حال ظهور الصبح .
قوله تعالى ﴿وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفى فلا تفضحون واتقوا
الله ولا تخزون قالوا أو لم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم
لفى سكرتهم يعمهون، فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة
من سجيل، إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين ؟
اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط ، وليس في الآية دليل على المكان الذي جاؤه، إلا
أن القصة تدل على أنهم جاؤا دار لوط. قيل : إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر
خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط . وقيل : أمرأة لوط أخبرتهم بذلك ، وبالجملة فالقوم قالوا
نزل بلوط ثلاثة من المراد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار لوط
طلباً منهم لأولئك المرد، والاستبشار إظهار السرور فقال لهم لوط لما قصدوا ضيوفه كلأمين :
﴿ الكلام الأول ﴾ قال (إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ) يقال فضحه يفضحه فضحا

٢٠٧
قوله تعالى ((إن في ذلك لآيات للمتوسمين)) سورة الحجر
وفضيحة اذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار ، والمعنى أن الضيف يجب اكرامه فاذا قصدتموهم
بالسوء كان ذلك اهانة بي ، ثم أكد ذلك بقوله ( واتقوا الله ولا تخزون ) فأجابوه بقولهم (أولم
ننهك عن العالمين ) والمعنى : ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه
بالفاحشة .
والكلام الثاني ﴾ مما قاله لوط قوله ( هؤلاء بناتي أن كنتم فاعلين) قيل المراد بناته من
صلبه ، وقيل : المراد نساء قومه ، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى ( النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) وفي قراءة أبي وهو أب لهم ، والكلام في هذه
المباحث قد مرّ بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام .
أما قوله ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ العمر والعمر واحد وسمی الرجل عمراً تفاؤلاً أن يبقى، ومنه قول
ابن أحمر
ذهب الشباب وأخلق العمر
وعمر الرجل يعمر عمرا وعمرا ، فاذا أقسموا به قالوا : لعمرك وعمرك فتحوا العين لا
غير. قال الزجاج : لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمرى ولعمرك فالتزموا
الأخف .
﴿ المسألة الثانية) في قوله ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) قولان: الأول : أن
المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) أي في غوايتهم
يعمهون ، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ، ويلتفتون إلى نصيحتك . والثاني : أن
الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد ،
وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى، قال النحويون : ارتفع قوله ( لعمرك ) بالابتداء
والخبر محذوف ، والمعنى : لعمرك قسمي وحذف الخبر ، لأن في الكلام دليلا عليه وباب القسم
يحذف منه الفعل نحو: بالله لأفعلن ، والمعنى : أحلف بالله فيحذف لعلم المخاطب بأنك
حالف .
ثم قال تعالى ﴿فأخذتهم الصيحة ﴾ أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل المعاني :
ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام، فان ثبت ذلك بدليل قويّ
قيل به وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة، وقوله ( مشرقين )
يقال شرق الشارق يشرق شروقاً لكل ما طلع من جانب الشرق ، ومنه قولهم ماذر شارق أي

٢٠٨
قوله تعالى ((وان كان أصحاب الآيكة لظالمين)) سورة الحجر
وَإِن كَانَ أُصْحَبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِينَ (٧٨) فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنْهَمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ
ء
٠٬٠٠٠٠
طلع طالع فقوله ( مشرقين ) أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق ،
وهو بزوغ الشمس .
واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب : أحدها : الصيحة
الهائلة المنكرة . وثانيها : أنه جعل عاليها سافلها . وثالثها : أنه أمطر عليهم حجارة من
سجّل ، وكل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود .
ثم قال تعالى ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ يقال توسمت في فلان خيراً أي رأيت
فيه أثرا منه وتفرسته فيه ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل : المتفرسين ،
وقيل الناظرين ، وقيل المتفكرين ، وقيل المعتبرين ، وقيل المتبصرين . قال الزجاج : حقيقة
المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشىء وصفته وعلامته ، والمتوسم
الناظر في السمة الدالة، تقول : توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه .
ثم قال ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ الضمير في قوله (وإنها ) عائد إلى مدينة قوم لوط ، وقد
سبق ذكرها في قوله ( وجاء أهل المدينة ) وقوله ( لبسبيل مقيم ) أي هذه القرى وما ظهر فيها
من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف، والذين يمرون من الحجاز
إلى الشام يشاهدونها .
ثم قال ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف
أن ذلك انما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال ، أما الذين لا يؤمنون
بالله فانهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه ،. وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات
الفلكية والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ﴾.
اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة . فأولها: قصة آدم
وإبليس . وثانيها : قصة ابراهيم ولوط. وثالثها : هذه القصة ، وأصحاب الأيكة هم قوم
شعيب عليه السلام كانوا أصحاب غياض فكذبوا شعيبا فأهلكهم الله تعالى بعذاب يوم
الظّلة ، وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء ، والأيكة الشجر الملتف يقال : أيكة
وأيك كشجرة وشجر . قال ابن عباس : الأيك هو شجر المقل ، وقال الكلبي : الأيكة

٢٠٩
قوله تعالى ((ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلون)) سورة الحجر
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَمْحَبُ الْحِجْرِ اَلْمُرْسَلِينَ ﴾ وَءَاتَيْنَئُهُمْءَايَتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا
مُعْرِضِينَ ﴿ وَكَانُوْ يَظْتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتَّاءَامِنِينَ ﴿٨) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّبْحَةُ
مُصْبِحِينَ (® ◌َآَ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (10)
الغيضة ، وقال الزجاج : هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر . قال الواحدي : ومعنى إن واللام
للتوكيد وان ههنا هي المخففة من الثقيلة ، وقوله ( فانتقمنا منهم ) قال المفسرون : اشتد الحر
فيهم أياما ، ثم اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا عن آخرهم وقوله ( وإنهما ) فيه قولان :
القول الأول ﴾ المراد قرى قوم لوط عليه السلام والأيكة .
والقول الثاني ﴾ الضمير للايكة ومديّن لأن شعيبا عليه السلام كان مبعوثاً إليهما فلما
ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضمير هما وقوله ( لبإمام مبين ) أي بطريق واضح
والإِمام اسم ما يؤتم به . قال الفراء والزجاج : انما جعل الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع . قال ابن
قتيبه : لأن المسافر يأتم به حتى يصير الى الموضع الذي يريده وقوله ( مبین ) يحتمل أنه مبين في
نفسه ويحتمل أنه مبين لغيره، لأن الطريق يهدي إلى المقصد .
قوله تعالى ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين،
وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأخذتهم الصيحة مصبحين فما أغنى عنهم ما كانوا
یکسبون
هذه هي القصة الرابعة ، وهي قصة صالح قال المفسرون : الحجر اسم واد كان يسكنه
ثمود وقوله ( المرسلين ) المراد منه صالح وحده ، ولعل القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل
وقوله ( وآتيناهم آياتنا ) يريد الناقة ، وكان في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظم
خلقها وظهور نتاجها عند خروجها ، وكثرة لبنها، وأضاف الايتاء اليهم وإن كانت الناقة آية
لصالح لأنها آيات رسولهم ، رقوله ( فكانوا عنها معرضين ) يدل على أن النظر والاستدلال
واجب وأن التقليد مذموم، وقوله ( وكانوا ينحتون من الجبال ) قد ذكرنا كيفية ذلك النحت في
سورة الأعراف وقوله ( آمنين ) يريد من عذاب الله ، وقال الفراء ( آمنين ) أن يقع سقفهم
عليهم وقوله ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) أي ما دفع عنهم الضر والبلاء ما كانوا
يعملون من نحت تلك الجبال ومن جمع تلك الأموال . والله أعلم .
الفخر الرازي ج ١٩

٢١٠
قوله تعالى ((وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق)) سورة الحجر
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَنَوَتِ وَاْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَّتِيَةٌ
فَأَصْفَجِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (َ﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ ﴾
قوله تعالى ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية
فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار فكأنه قيل : كيف يليق الاهلاك والتعذيب
بالرحيم الكريم ؟ فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فاذا
تركوهاوأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير وجه الأرض منهم ، وهذا النظم
حسن إلا أنه إنما يستقيم على قول المعتزلة ، قالٍ الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى ما خلق
السموات والأرض وما بينهما إلا حقا وبكون الحق لا يكون الباطل ، لأن كل ما فعل باطلا
وأريد بفعله كون الباطل لا يكون حقا ولا يكون مخلوقا بالحق ، وفيه بطلان مذهب الجبرية
الذين يزعمون أن أكثر ما خلقه الله تعالى بين السموات والأرض من الكفر والمعاصى باطل .
واعلم أن أصحابنا قالوا هذه الآية تدل على أنه سبحانه هو الخالق لجميع أعمال
العباد ، لأنها تدل على أنه سبحانه هو الخالق السموات والأرض ولكل ما بينهما ، ولا شك أن
أفعال العباد بينهما فوجب أن يكون خالقها هو الله سبحانه ، وفي الآية وجه آخر في النظم وهو
أن المقصود من ذكر هذه القصص تصبير الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام على سفاهة قومه،
فانه إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله تعالى بمثل هذه المعاملات الفاسدة سهل
تحمل تلك السفاهات على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه تعالى لما بين أنه أنزل العذاب
على الأمم السالفة فعند هذا قال لمحمد صلى الله عليه وسلم ( وإن الساعة لآتية ) وإن الله
لينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم ، فإنه ما خلق السموات
والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل والإِنصاف، فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك ؟ ثم إنه تعالى
لما صبره على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم فقال ( فاصفح الصفح الجميل )
أي فأعرض عنهم ، واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم وإغضاء ، وقيل . هو منسوخ
بآية السيف وهو بعيد ، لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح ، فكيف
يصير منسوخا.
ثم قال ﴿ إن ربك هو الخلاق العليم ) ومعناه أنه خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم
وتفاوت أحوالهم مع علمه بكونهم كذلك ، وإذا كان كذلك فإنما خلقهم مع هذا التفاوت ،

٢١١
قوله تعالى ((ولقد آتيناك سبعاً من المثاني)) سورة الحجر
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَ انَ الْعَظِيمَ (﴿هَ لَا تَحُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى
مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨)
ومع العلم بذلك التفاوت ، أما على قول أهل السنة فلمحض المشيئة والارادة . وأما على قول
المعتزلة فلأجل المصلحة والحكمة ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به
از واجا منهم ولا تحزن علیهم واخفض جناحك للمؤمنين ﴾.
اعلم أنه تعالى لما صبره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ذلك بذکر
النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بها ، لأن الانسان إذا تذكر كثرة
نعم الله عليه سهل عليه الصفح والتجاوز ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى) اعلم أن قوله ( آتيناك سبعاً) يحتمل أن يكون سبعا من الآيات وأن
يكون سبعا من السوروأن يكون سبعا من الفوائد ، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين . وأما
المثاني : فهو صيغة جمع ، واحدة مثناة ، والمثناة كل شىء يثنى ، أي يجعل اثنين مثل قولك :
ثنيت الشىء إذا عطفته أو ضممت اليه آخر ، ومنه يقال : لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني ، لأنها
تثنى بالفخذ والعضد ، ومثاني الوادي معاطفه .
إذا عرفت هذا فنقول : سبعا من المثاني مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى
ولا شك أن هذا القدر مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل وللناس فيه أقوال :
الأول : وهو قول أكثر المفسرين : إنه فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي
هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة ، وروى أن النبي صلى
الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال: (هي السبع المثاني)) رواه أبو هريرة ، والسبب في قوع هذا
الاسم على الفاتحة أنها سبع آيات ، وأما السبب في تسميتها بالمثاني فوجوه : الأول : أنها تثنى
في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة ، والثاني : قال الزجاج : سميت مثاني لأنها يثنى
بعدها ما يقرأ معها ، الثالث : سميت آيات الفاتحة مثاني ، لأنها قسمت قسمين اثنين ،
والدليل عليه ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله تعالى قسمت الصلاة
بيني وبين عبدي نصفين)) والحديث مشهور ، الرابع : سميت مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء ،
وأيضا النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء ، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء ،
الخامس : سميت الفاتحة بالمثاني ، لأنها نزلت مرتين مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن ومرة

٢١٢
قوله تعالى ((ولقد آتيناك سبعا من المثاني)) سورة الحجر
بالمدينة ، السادس : سميت بالمثاني ، لأن كلماتها مثناة مثل ( الرحمن الرحيم إياك نعبد
وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) وفي قراءة عمر ( غير
المغضوب عليهم وغير الضالين ) السابع : قال الزجاج : سميت الفاتحة بالمثاني لاشتمالها على
الثناء على الله تعالى وهو حمد الله وتوحيده وملكه .
واعلم أنا إذا حملنا قوله ( سبعا من المثاني ) على سورة الفاتحة فههنا أحكام :
الحكم الاول
نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال : كان ابن مسعود يكتب في مصحفه فاتحة
الكتاب رأى أنها ليست من القرآن . وأقول : لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو
الفاتحة ، فإنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب
أن يكون السبع المثاني غير القرآن ، إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى ( وإذ أخذنا من النبيين
ميثاقهم ومنك ومن نوح ) وكذلك قوله ( وملائكته وجبريل وميكال ) وللخصم أن يجيب : بأنه
لا يبعد أن يذكر الكل ، ثم يعطف عليه ذكر بعض أجزائه وأقسامه لكونه أشرف الأقسام . أما
اذا ذكر شىء ثم عطف عليه شىء آخر كان المذكور أولا مغايراً للمذكور ثانيا ، وههنا ذكر السبع
المثاني ، ثم عطف عليه القرآن العظيم ، فوجب حصول المغايرة .
والجواب الصحيح : أن بعض الشىء مغاير لمجموعه ، فلم لا يكفي هذا القدر من
المغايرة في حسن العطف ، والله أعلم .
الحكم الثاني
أنه لما كان المراد بقوله ( سبعا من المثاني ) هو الفاتحة ، دل على أن هذه السورة أفضل
سور القرآن من وجهين : أحدهما : أن إفرادها بالذكر مع كونها جزءا من أجزاء القرآن ، لا بد
وأن يكون لاختصاصها بمزيد الشرف والفضيلة ، والثاني : أنه تعالى لما أنزلها مرتين دل ذلك
على زيادة فضلها وشرفها .
وإذا ثبت هذا فنقول : لما رأينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واظب على قراءتها في

٢١٣
قوله تعالى ((ولقد آتيناك سبعا من المثاني)) سورة الحجر
جميع الصلوات طول عمره ، وما أقام سورة أخرى مقامها في شىء من الصلوات دل ذلك على
أنه يجب على المكلف أن يقرأها في صلاته وأن لا يقيم سائر آيات القرآن مقامها وأن يحترز عن
هذا الابدال فان فيه خطرا عظيما، والله أعلم .
القول الثاني ﴾ في تفسير قوله ( سبعا من المثاني ) إنها السبع الطوال وهذا قول ابن
عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد وهي : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ،
والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة معا . قالوا : وسميت هذه السور مثاني؛
لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر ثنيت فيها، وأنكر الربيع هذا القول وقال هذه الآية
مكية وأكثر هذه السور السبعة مدنية . وما نزل شىء منها في مكة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية
عليها .
وأجاب قوم عن هذا الاشكال : بأن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا ، ثم
أنزله على نبيه منها نجوما ، فلما أنزله الى السماء الدنيا ، وحكم بانزاله عليه ، فهو من جملة ما
آتاه ، وإن لم ينزل عليه بعد .
ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) وهذا الكلام انما يصدق
اذا وصل ذلك الشىء الى محمد صلى الله عليه وسلم ، فأما الذي أنزله الى السماء الدنيا وهو لم
يصل بعد إلى محمد عليه السلام ، فهذا الكلام لا يصدق فيه . وأما قوله بأنه لما حكم الله تعالى
بانزاله على محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك جاريا مجرى ما نزل عليه فهذا أيضا ضعيف ،
لأن اقامة ما لم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف للظاهر .
﴿ والقول الثالث ﴾ في تفسير السبع المثاني إنها هي السور التي هي دون الطوال والمئين
وفوق المفصل ، واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المئين مكان الانجيل ،
وأعطاني المثاني مكان الزبور ، وفضلني ربى بالمفصّل قال الواحدي : والقول في تسمية هذه
السور مثاني كالقول في تسمية الطوال مثاني . وأقول إن صح هذا التفسير عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم فلا غبار عليه وإن لم يصح فهذا القول مشكل ، لأنا بينا أن المسمى بالسبع
المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور ، وأجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني
ليست أفضل من غيرها ، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور .
والقول الرابع ﴾ أن السبع المثاني هو القرآن كله ، وهو منقول عن ابن عباس في
بعض الروايات ، وقول طاوس قالوا : ودليل هذا القول قوله تعالى ( كتابا متشابها مثاني )

٢١٤
قوله تعالى ((لأتمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم) سورة الحجر
فوصف كل القرآن بكونه مثاني ثم اختلف القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع ، وما
المراد بالمثاني ؟ أما السبع فذكر فيه وجوها : أحدها : أن القرآن سبعة أسباع . وثانيها : أن
القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم . التوحيد ، والنبوة ، والمعاد ، والقضاء والقدر ،
واحوال العالم ، والقصص ، والتكاليف . وثالثها : أنه مشتمل على الأمر والنهي ، والخبر
والاستخبار ، والنداء ، والقسم ، والأمثال . وأما وصف كل القرآن بالمثاني ، فلأنه كرر فيه
دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف ، وهذا القول ضعيف أيضا ، لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني
القرآن ، لكان قوله ( والقرآن العظيم ) عطفاً للشىء على نفسه ، وذلك غير جائز .
وأجيب عنه بأنه إنما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر :
وليث الكتيبة في المزدحم
الى الملك القرم وابن الهمام
وأعلم أن هذا وإن كان جائزا لأجل وروده في هذا البيت ، الا أنهم أجمعوا على أن
الأصل خلافه.
﴿والقول الخامس﴾ يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة ، لأنها سبع آيات ، ويكون
المراد بالمثاني كل القرآن ويكون التقدير : ولقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة وهي من جملة
المثاني الذي هو القرآن وهذا القول عين الأول والتفاوت ليس إلا بقليل والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ لفظة ((من)) في قوله (سبعا من المثاني) قال الزجاج فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون للتبعيض من القرآن أي ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى
بها على الله تعالى وآتيناك القرآن العظيم قال ويجوز أن تكون من صلة ، والمعنى : آتيناك سبعا
هي المثاني كما قال ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) المعنى : اجتنبوا الأوثان ، لا أن بعضها
رجس والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿ لا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم ﴾ فاعلم أنه لما عرف رسوله
عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين ، وهو أنه آتاه سبعا من المثاني والقرآن العظيم ، نهاه عن
الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه اليها رغبة فيها وفي مد العين أقوال :
القول الأول ﴾ كأنه قيل له إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك
بالالتفات إلى الدنيا ومنه الحديث ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن )) وقال أبو بكر:من أوتى
القرآن فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى فقد صغَّر عظيما وعظمّ صغيراً، وقيل :
وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بنى قريظة والنضير ، فيها أنواع البز والطيب والجواهر

٢١٥
قوله تعالى ((وقل إنى انا النذير المبين)) سورة الحجر
وَقُلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (﴿ كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى الْمُفْتَسِمِينَ (٢﴾ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَ انَ
وسائر الأمتعة ، فقال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله تعالى
فقال الله تعالى لهم لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع .
القول الثاني ﴾ قال ابن عباس ( لا تمدن عينيك ) أي لا تتمنَّ ما قضلنا به أحدا من
متاع الدنيا ، وقرر الواحدي هذا المعنى فقال : إنما يكون ماداً عينيه إلى الشىء إذا أدام النظر
ونحوه ، وإدامة النظر إلى الشىء تدل على استحسانه وتمنيه ، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظر
إلى ما يستحسن من متاع الدنيا ، وروى أنه نظر إلى نعم بنى المصطلق ، وقد عبست في أبوالها
وأبعارها فتقنع في ثوبه وقرأ هذه الآية وقوله عبست في أبوالها وأبعارها هو أن تجف أبوالها
وأبعارها على أفخادها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما
تكون .
﴿ والقول الثالث ﴾ قال بعضهم ( ولا تمددن عینیك ) أي لا تحسدن أحدا على ما أوتى
من الدنيا قال القاضي : هذا بعيد ، لأن الحسد من كل أحد قبيح ، لأنه إرادة لزوال نعم
الغير عنه ، وذلك يجري مجرى الاعتراض على الله تعالى والاستقباح لحكمه وقضائه ، وذلك من
كل أحد قبيح ، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم به ؟
أما قوله تعالى ﴿ أزواجا منهم﴾ قال ابن قتيبة أي أصنافا من الكفار، والزوج في
اللغة الصنف ثم قال ( ولا تحزن عليهم ) إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الاسلام وينتعش بهم
المؤمنون . والحاصل أن قوله ( ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم ) نهى له عن
الالتفات الى أموالهم وقوله ( ولا تحزن عليهم ) نهي له عن الالتفات اليهم وأن يحصل لهم في
قلبه قدر وَوَزن .
ثم قال ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض : معناه في اللغة نقيض الرفع ، ومنه
قوله تعالى في صفة القيامة ( خافضة رافعة ) أي أنها تخفض أهل المعاصي ، وترفع أهل
الطاعات ، فالخفض معناه الوضع ، وجناح الانسان يده . قال الليث : يدا الانسان جناحاه ،
ومنه قوله ( واضمم اليك جناحك من الرَّهب ) وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق
والتواضع ، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات الى أولئك الأغنياء من الكفار أمره
بالتواضع لفقراء المسلمين ، ونظيره قوله تعالى ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) وقال في
صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ).
قوله تعالى ﴿ وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن

٢١٦
قوله تعالى ((كما أنزلنا على المقتسمين)) سورة الحجر
عضينَ (40)
٠٠
عضين ﴾
اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا ، وخفض الجناح للمؤمنين ، أمره بأن
يقول للقوم ( إني أنا النذير المبين ) فيدخل تحت كونه نذيرا ، كونه مبلَّغًا لجميع التكاليف ، لأن
كل ما كان واجبا ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراما ترتب على فعله عقاب فكان الاخبار
بحصول هذا العقاب داخلا تحت لفظ النذير ، ويدخل تحته أيضا كونه شارحا لمراتب الثواب
والعقاب والجنة والنار ، ثم أردفه بكونه مبينا ، ومعناه كونه آتيا في كل ذلك بالبيانات الشافية
والبينات الوافية ، ثم قال بعده ( كما أنزلنا على المقتسمين ) وفيه بحثان :
البحث الأول ﴾ اختلفوا في ان المقتسمين من هم؟ وفيه أقوال:
﴿القول الأول ﴾ قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن
الايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال مقاتل بن
سليمان : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقبات مكة
وطرقها يقولون لمن يسلكها لاتغتروا بالخارج منا ، والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون
الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم خزيا فماتوا شرَّميتة، والمعنى :
أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين .
﴿ والقول الثاني) وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما في بعض الروايات أن
المقتسمين هم اليهود والنصارى ، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين ؟ فقيل لأنهم
جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي . وقال عكرمة : لأنهم اقتسموا
القرآن استهزاء به ، فقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال
مقاتل بن حبان : اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر ، وقال بعضهم شعر ، وقال بعضهم
كذب ، وقال بعضهم : أساطير الأولين .
والقول الثالث ﴾ في تفسير المقتسمين . قال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه
وأهله ، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم ، فعلى هذا ، الاقتسام من القسم لا من
القسمة ، وهو اختيار ابن قتيبة .
البحث الثالث ﴾ أن قوله ( كما أنزلنا على المقتسمين ) يقتضى تشبيه شى ء بذلك فما
ذلك الشيء ؟

٢١٧
كما انزلنا على المقتسمين )) سورة الحجر
والجواب عنه من وجهين :
﴿ الوجه الأول﴾ التقدير: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على
أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين ، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه
حق موافق التوراة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل .
فان قيل : فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله ( ولا تمدن عينيك ) إلى
آخره ؟
قلنا : لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم ،
اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهى عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم .
والوجه الثاني ﴾ أن هذا الكلام يتعلق بقوله (وقل إني أنا النذير المبين).
واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين : إما التزام إضمار أو التزام حذف ، أما
الاضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذابا كما أنزلناه على المقتسمين ، وعلى هذا
الوجه ، المفعول محذوف وهو المشبه ، ودل عليه المشبه به ، وهذا كما تقول : رأيت كالقمر في
الحسن ، أي رأيت انسانا كالقمر في الحسن ، وأما الحذف فهو أن يقال : الكاف زائدة
محذوفة ، والتقدير : إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين ، وزيادة الكاف له نظير وهو
قوله تعالى ( ليس كمثله شىء ) والتقدير: ليس مثله شىء ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى
الاضمار والحذف، والتقدير : إني أنا النذير أي أنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على
المقتسمين وقوله ( الذين جعلوا القرآن عضين ) فيه بحثان :
البحث الأول ﴾ في هذا اللفظ قولان : الأول: أنه صفة للمقتسمين . والثاني :
أنه مبتدأ ، وخبره هو قوله ( لنسألهم ) وهو قول ابن زيد .
البحث الثاني ﴾ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين:
﴿القول الأول﴾ أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة، وأصلها عضوة من عضيت
الشىء اذا فرقته ، وكل قطعة عضة ، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل ، والتعضية التجزئة
والتفريق ، يقال : عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها ، وفي الحديث
(( لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة)) أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة
والسيف. فقوله ( جعلوا القرآن عضين ) يريد جزؤه أجزاء ، فقالوا : سحر وشعر وأساطير
الأولين ومفترى .

٢١٨
قوله تعالى ((فوربك لنسألهم أجمعين)) سورة الحجر
، فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (
فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنْهُمْ أَجْمَعِينَ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (8) إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ (٢) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهَاءَانَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
والقول الثاني ﴾ أن واحدها عضة وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين،
فقالوا عضة كما قالوا شفة ، والأصل شفهة بدليل قولهم : شافهت مشافهة ، وسنة وأصلها
سنهة في بعض الأقوال ، وهو مأخوذ من العضه بمعنى الكذب ، ومنه الحديث (( إياكم
والعضة)) وقال ابن السكيت : والعضة بأن يعضه الانسان ويقول فيه ما ليس فيه ، وهذا قول
الخليل فيما روى الليث عنه ، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى ( جعلوا القرآن عضين ) أي
جعلوه مفترى . وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف ، فجعل الجمع بالواو والنون
عوضا مما لحقها من الحذف .
قوله تعالى: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون فاصدع بما تؤمر وأعرض عن
المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ﴾.
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (فوربك لنسألنهم أجمعين) يحتمل أن يكون راجعا الى
المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى ، ويكون التقدير
أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر
المعاصى ، ويحتمل أن يكون راجعا الى جميع المكلفين لأن ذکرهم قد تقدم في قوله ( وقل إني أنا
النذير المبین) أي جميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنین وذکر الكافرين ، فيعود قوله ( فوربك
لنسألهم أجمعين ) على الكل ، ولا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن
الايمان ، بل السؤال واقع عنهما وعن جميع الأعمال ، لأن اللفظ عام فيتناول الكل .
فان قيل : کیف الجمع بين قوله ( لنسألنهم أجمعين ) وبين قوله ( فيومئذ لا يسئل عن
ذنبه إنس ولا جان ) أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : لا يسئلون سؤال الاستفهام لانه
تعالى عالم بكل أعمالهم ، وإنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا ؟
ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف ، لأنه لو كان المراد من قوله ( فيومئذ لا يسئل
٤٠٠

٢١٩
قوله تعالى ((فوربك لنسألهم أجمعين)) سورة الحجر
عن ذنبه إنس ولا جان ) سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن
مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل الأوقات .
﴿ والوجه الثاني ﴾ في الجواب أن يصرف النفي الى بعض الأوقات ، والاثبات الى وقت
آخر ، لأن يوم القيامة يوم طويل .
ولقائل أن يقول : قوله ( فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) هذا تصريح بأنه لا
يحصل السؤال في ذلك اليوم ، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل
التناقض .
﴿ والوجه الثالث ) أن نقول : قوله ( فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) يفيد
عموم النفي وقوله ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) عائد إلى المقتسمين وهذا خاص، ولا شك أن
الخاص مقدم على العام . أما قوله ( فاصدع بما تؤمر ) فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق
والفصل ، وأنشد ابن السكيت لجرير :
بالحق يصدع ما في قوله حيف
هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم
فقال يَصْدع یفصل ، وتَصَدّع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قوله تعالى ( يومئذ يصدعون ) قال
الفراء : يتفرقون . والصدع في الزجاجة الابانة ، أقول ولعل ألم الرأس إنما سمى صداعا
لأن قحف الرأس عند ذلك الألم كأنه ينشق . قال الأزهرى : وسمى الصبح صديعا كما
يسمى فلقا ، وقد انصدع وانفلق الفجر وانفطر الصبح .
إذا عرفت هذا فقول ( فاصدع بما تؤمر ) أي فرق بين الحق والباطل ، وقال الزجاج :
فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا كقولك صرح بها ، وهذا في
الحقيقة يرجع أيضا الى الشق والتفريق ، أما قوله ( بما تؤمر ) ففيه قولان : الأول : أن يكون
((ما )) بمعنى الذي أي بما تؤمر به من الشرائع ، فحذف الجار كقوله :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
الثاني: أن تكون ((ما)) مصدرية أي فاصدع بأمرك وشأنك . قالوا : وما زال النبي
صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية.
ثم قال تعالى ﴿وأعرض عن المشركين﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على
إظهار الدعوة . قال بعضهم : هذا منسوخ بآية القتال وهو ضعيف ، لأن معنى هذا الاعراض
ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخا .

٢٢٠
قوله تعالى ((ولقد نعلم أنك يضيق صدرك)) سورة الحجر
وَقَدْ نَعْلُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (8﴾ فَسَبِّحْ مَهْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ
اَلَّجِدِينَ ﴾ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْبَقِينُ
ثم قال ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قيل : كانوا خمسة نفر من المشركين: الوليد بن المغيرة
والعاص بن وائل وعدى بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث قال جبريل لرسول
الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أكفيكهم فأومأ الى عقب الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم
فلم ينعطف تعظما لأخذه فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات ، وأومأ إلى أخمص العاص بن
وائل فدخلت فيها شوكة فقال لدغت لدغت وانتفخت رجله حتى صارت كالرحا ومات ،
وأشار إلى عينى الأسود بن المطلب فعمى ، وأشار إلى أنف عدى بن قيس ، فامتخط قيحا
فمات وأشار الى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجرة
ويضرب وجهه بالشوك حتى مات .
واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين وفي أسمائهم وفي كيفية طريق
استهزائهم ، ولا حاجة إلى شىء منها ، والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشركة ورياسة لأن
أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم
في علوّ قدره وعظيم منصبه ، ودل القرآن على أن الله تعالى أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم ،
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من
الساجدین، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه ولاسيما أولئك المقتسمون وأولئك
المستهزؤن قال له، ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) لأن الجبلَّة البشرية والمزاج
الانساني يقتضي ذلك، فعند هذا قال له ( فسبح بحمد ربك ) فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح
والتحميد والسجود والعبادة، واختلف الناس في أنه كيف صار الاقبال على هذه الطاعات سببا
لزوال ضيق القلب والحزن ؟ فقال العارفون المحققون اذا اشتغل الانسان بهذه الأنواع من
العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية ،ومتى حصل ذلك الانكشافصارت الدنيا بالكلية
حقيرة ، واذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها فلا يستوحش من فقدانها ولا
يستريح بوجدانها ، وعند ذلك يزول الحزن والغم . وقالت المعتزلة : من اعتقد تنزيه الله
تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق ، فانه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير