النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
قوله تعالى (((وإنا لنحن نحي ونميت)) سورة الحجر
) وَلَقَدْ عَلَمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلْنَا
٢٣
وَإِنَّا لَنَحْنُ نَّحِيءٍ وَنَمِيتُ وَنَحْنُ الْوَرِثُونَ (
الْمُسْتَفْخِرِينَ ﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَخْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمُ ـ
شرابا طهورا ) وفي قوله ( والذي هو يطعمني ويسقين ) قال أبو علي : سقيته حتى روى
واسقیته نهرا ، أي جعلته شربا له وقوله ( فأسقينا كموه ) أي جعلناه سقيا لكم، وربما قالوا في
أسقى سقى كقول لبيد يصف سحابا :
يحط السيب من قلل الجبال
أقول وصوبه منى بعيد
نميرا والقبائل من هلال
سقى قومى بني نجد وأسقى
فقوله : سقی قومي ليس يريد به ما يروي عطاشهم ولكن يريد رزقهم سقيا لبلادهم
يخصبون بها ، وبعيد أن يسأل لقومه ما يروي العطاش ولغيرهم ما يخصبون به ، وأما سقيا
السَّقِيَّة فلا يقال فيها أسقاه وأما قول ذي الرمة :
تكلمني أحجاره وملاعبه
وأسقیه حتى كاد مما أبنه
فمعنى أسقيه أدعوله بالسقاء ، وأقول سقاه الله وقوله ( وما أنتم له بخازنين) يعنى
به ذلك الماء المنزل من السماء يعني لستم له بحافظين .
قوله تعالى ﴿وإنا لنحن نحيى ونميت ونحن الوارثون ولقد علمنا المستقدمين منكم
ولقد علمنا المستأخرين وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾.
اعلم أن هذا هو النوع السادس من دلائل التوحيد وهو الاستدلال بحصول الإحياء
والاماتة لهذه الحيوانات على وجود الاله القادر المختار .
أما قوله ﴿وإنا لنحن نحيى ونميت﴾ ففيه قولان: منهم من حمله على القدر المشترك
بين إحياء النبات والحيوان ومنهم من يقول : وصف النبات بالاحياء مجاز فوجب تخصيصه
باحياء الحيوان ولما ثبت بالدلائل العقلية أنه لا قدرة على خلق الحياة الا للحق سبحانه،كان
حصول الحياة للحيوان دليلا قاطعا على وجود الاله الفاعل المختار ، وقوله ( وإنا لنحن نحبى
ونميت ) يفيد الحصر أي لا قدرة على الاحياء ولا على الاماتة إلا لنا ، وقوله ( ونحن الوارثون )
معناه : انه اذا مات جميع الخلائق ، فحينئذ يزول ملك كل أحد عند موته ويكون الله هو
الباقي الحق المالك لكل المملوكات وحده . فكان هذا شبيهاً بالارث فكان وارثا من هذا
الوجه .

١٨٢
قوله تعالى ((ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حما مسنون)) سورة الحجر
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِنْ صَلْصَْلٍ مِّنْ حَلِ مَّسْنُونٍ (﴾ وَالْحَانَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ
مِن نَّارِ أَّهُوِمِ (
وأما قوله ﴿ ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ﴾ ففيه وجوه :
الأول : قال ابن عباس رضى الله عنهما في رواية عطاء : المستقدمين يريد أهل طاعة الله تعالى
والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعة الله . الثاني : أراد بالمستقدمين الصف الأول من أهل
الصلاة ، وبالمستأخرين الصف الآخر ، روى أنه صلى الله عليه وسلم رغَّب في الصف الأول
في الصلاة ، فازدحم الناس عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : أنا نجزيهم على
قدر نياتهم . الثالث : قال الضحاك ومقاتل : يعنى في وصف القتال . الرابع : قال ابن عباس
في رواية أبي الجوزاء كانت امرأة حسناء تصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان
قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها وأذا ركعوا
جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فأنزل الله تعالى هذه الآية . الخامس : قيل المستقدمون
هم الأموات . والمستأخرون هم الأحياء . وقيل المستقدمون هم الأمم السالفة ،
والمستأخرون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال عكرمة : المستقدمون من خلق
والمستأخرون من لم يخلق .
واعلم أنه تعالى لما قال ( وإنا لنحن نحبى ونميت ) أتبعه بقوله ( ولقد علمنا المستقدمين
منكم ولقد علمنا المستأخرين ) تنبيها على أنه لا يخفى على الله شىء من أحوالهم . فيدخل فيه
علمه تعالى بتقدمهم وتأخرهم في الحدوث والوجود . وبتقدمهم وتأخرهم في أنواع الطاعات
والخيرات . ولا ينبغى أن نخص الآية بحالة دون حالة .
وأما قوله ﴿وإن ربك هو يحشرهم﴾ فالمراد منه التنبيه على أن الحشر والنشر والبعث
والقيامة أمر واجب وقوله ( إنه حكيم عليم ) معناه : أن الحكمة تقتضى وجوب الحشر والنشر
على ما قررناه بالدلائل الكثيرة في أول سورة يونس عليه السلام .
قوله تعالى ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حما مسنون والجان خلقناه من قبل من
نار السموم﴾ .
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد فإنه تعالى لما استدل

قوله تعالى ((ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حما مسنون)) سورة الحجر ١٨٣
بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه بالاستدلال بتخليق الانسان على
هذا المطلوب .
﴿ المسألة الثانية ﴾ ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها ،
واذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث ، وإذا كان كذلك
فلا بد من انتهاء الناس الى إنسان هو أول الناس ، واذا کان کذلك فذلك الانسان الأول غير
مخلوق من الأبوين، فيكون مخلوقا لا محالة بقدرة الله تعالى . فقوله ( ولقد خلقنا الانسان ) إشارة
الى ذلك الانسان الأول ، والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام ، ونقل في
كتب الشيعة عن محمد بن على الباقر عليه السلام أنه قال : قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا.
ألف ألف آدم أو أکثر وأقول : هذا لا يقدح في حدوث العالم بل لأمر کیف کان ، فلا بد من
الانتهاء الى إنسان أول هو أول الناس ، وإما أن ذلك الانسان هو أبونا آدم ، فلا طريق الى
إثباته إلا من جهة السمع .
واعلم أن الجسم محدث ، فوجب القطع بأن آدم عليه السلام وغيره من الأجسام يكون
مخلوقا عن عدم محض ، وأيضاً دل قوله تعالى ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من
تراب ) على أن آدم مخلوق من تراب ، ودلت آية أخرى على أنه مخلوق من الطين ، وهي قوله:
( إني خالق بشراً من طين ) وجاء في هذه الآية أن آدم عليه السلام مخلوق من صلصال من حماً
مسنون ، والأقرب أنه تعالى خلقه أولاً من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال
كالفخار ، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان ، بل هو قادر على
خلقه ابتداء ، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة
ومصلحتهم ومصلحة الجن ، لأن خلق الانسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشىء من
شكله وجنسه .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ في الصلصال قولان : قيل الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل
وهو غير مطبوخ ، واذا طبخ فهو فخار ، قالوا : إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل ، واذا
توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة . قال المفسرون : خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين
فصوره وترکه في الشمس أربعين سنة ، فصار صلصالاً كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به ،
ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح . وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من
طين على صورة الانسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة فلذلك سماه الله
تعالى صلصالا .
﴿والقول الثاني﴾ الصلصال هو المنتن من قولهم صل اللحم وإصل إذا نتن وتغير، وهذا

١٨٤
قوله تعالى ((والجان خلقناه من قبل)) سورة الحجر
القول عندي ضعيف ، لأنه تعالى قال( من صلصال من حما مسنون ) وکونه حما مسنونا يدل على
النتن والتغير، وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون فوجب أن
يكون كونه صلصالا مغايراً لكونه حما مسنونا ، ولو كان كونه صلصالا عبارة عن النتن والتغير
لم يبق بين كونه صلصالا ، وبين كونه حماً مسنونا تفاوت ، وأما الحمأ فقال الليث، الحمأة بوزن
فعلة ، والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن ، وقال أبو عبيدة والأكثرون حمأة بوزن كماة
وقوله ( مسنون ) فيه أقوال : الأول . قال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول في قوله
( مسنون ) أي متغير، قال أبو الهيثم يقال سن الماء فهو مسنون أي تغير ، والدليل عليه قوله
تعالى ( لم يتسنه ) أي لم يتغير . الثاني : المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا
حككته عليه ، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمّ المسن مسناً لأن الحديد يسن
عليه . والثالث : قال الزجاج : هذا اللفظ مأخوذ من أن موضوع على سنن الطريق لأنه متى
كان كذلك فقد تغير . الرابع : قال أبو عبيدة : المسنون المصبوب ، والسن والصب يقال سن
الماء على وجهه سنا . الخامس : قال سيبويه : المسنون المصور على صورة ومثال ، من سنة
الوجه وهي صورته ، السادس : روي عن ابن عباس أنه قال : المسنون الطين الرطب ،
وهذا يعود الى قول أبي عبيدة ، لأنه اذا كان رطبا يسيل وينبسط على الأرض ، فيكون مسنونا
بمعنى أنه مصبوب .
أما قوله تعالى ﴿والجان خلقناه﴾ فاختلفوا في أن الجان من هو؟ فقال عطاء عن ابن
عباس : يريد إبليس ، وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة . وقال ابن عباس في رواية أخرى :
الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين ، وسمى جانّاً لتواريه عن الأعين ، كما سمى الجنين
جنينا لهذا السبب ، والجنين متوار في بطن أمه ، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك : جن
الشىء اذا ستره ، فالجان المذكور ههنا يحتمل أنه سمى جانا لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم ،
أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول ، كما يقال : في لا بن وتامر وماء دافق وعيشة
راضية ، واختلفوا في الجن فقال بعضهم : إنهم جنس غير الشياطين ، والأصح أن الشياطين
قسم من الجن ، فكل من كان منهم مؤمنا فانه لا يسمى بالشيطان ، وكل من كان منهم كافرا
يسمى بهذا الاسم ، والدليل على صحة ذلك : أن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، فكل من
کان کذلك کان من الجن ،وقوله تعالى ( خلقناه من قبل )،قال ابن عباس : یرید من قبل خلق
آدم ، وقوله ( من نار السموم) معنى السموم في اللغة : الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون
بالليل ، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار ، على ما ورد في الخبر أنها لفح
جهنم . قيل : سميت سموماً لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن ، وهي الخروق الخفية التي
تكون في جلد الانسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه . قال ابن مسعود : هذه السموم جزء من

١٨٥
قوله تعالى ((وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا)) سورة الحجر
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَنَبِكَةِ إِ خَلِقْ بَشَرًا مِنِ صَلَصَدٍ مِنْ ◌َإِ مَّسْنُونٍ (﴾ فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوِى فَقَعُوْ لَهُ سَتِجِدِينَ (٨) فَسَجَدَ الْمَلَبِّكُ كُلُّهُمْ أَبْمَعُونَ
(ج) إِلَّ إِبْلِسَ أَبَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الَّتِجِدِينَ ﴾ قَالَ يَ بْلِسُ مَالَكَ أَلَّا تَكُونَ
مَعَ الَِّدِينَ ﴾ قَالَ لَمْ أَكُنَ لِأَتْجُدَ لِبَشٍَ خَلَقْتَهُ، مِنْ صَلّصَِلٍ مِنْ خَرٍ مَّسْنُونٍ ◌َ
قَالَ فَأَنْحُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيم
٣٥
وَإِنَّ عَلَيْكَ اَلَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِالدِینِ
٣٤
ـفـ
سبعين جزأ من السموم التي خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية .
فإن قيل : كيف يعقل خلق الجان من النار ؟
قلنا : هذا على مذهبنا ظاهر ، لأن البنية عندنا ليست شرطا لإمكان حصول الحياة ،
فالله تعالى قادر على خلق الحياة والعلم في الجوهر الفرد ، فكذلك يكون قادرا على خلق الحياة
والعقل في الجسم الحار ، واستدل بعضهم على أن الكواكب يمتنع حصول الحياة فيها، قال: لأن
الشمس في غاية الحرارة وما كان كذلك امتنع حصول الحياة فيه، فننقضه عليه بقوله تعالى:
( والجان خلقناه من قبل من نار السموم) بل المعتمد في نفي الحياة عن الكواكب الإجماع .
قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فاذا
سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا ابليس أبى
أن يكون مع الساجدين، قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين؟ قال لم أكن لأسجد لبشر
خلقته من صلصال من حما مسنون قال فاخرج منها فانك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم
الدین ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر حدوث الانسان الأول واستدل بذكره على وجود الاله القادر
المختار ذكر بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له فأطاعوه إلا ابليس فانه أبى
وتمرد ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ما تفسیر کونه بشراً ، فالمراد منه کونه جسما كثيفاً يباشر ويلاقي،
والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أجسام البشر، والبشرة ظاهر الجلد من كل

١٨٦
قوله تعالى ((قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين)) سورة الحجر
حيوان وأما كونه صلصالا من حمأ مسنون فقد تقدم ذكره . وأما قوله ( فاذا
سويته ) ففيه قولان : الأول : فاذا سويت شكله بالصورة الانسانية والخلقة البشرية .
والثاني : فاذا سويت أجزاء بدنه باعتدال الطبائع وتناسب الأمشاج كما قال تعالى ( إنا خلقنا
الانسان من نطفة أمشاج )
وأما قوله ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ ففيه مباحث: الأول : أن النفخ اجراء الريح
في تجاويف جسم آخر ، وظاهر هذا اللفظ يشعر بأن الروح هي الريح ، وإلا لما صح وصفها
بالنفخ إلا أن البحث الكامل في حقيقة الروح سيجيء في قوله تعالى ( قل الروح من أمر
ربي ) وإنما أضاف الله سبحانه روح آدم إلى نفسه تشريفا له وتكريما . وقوله ( فقعوا له
ساجدين ) فيه مباحث : أحدها : أن ذلك السجود كان لآدم في الحقيقة أو كان آدم كالقبلة
لذلك السجود ، وهذا البحث قد تقدم ذكره في سورة البقرة . وثانيها : أن المأمورين بالسجود
لآدم عليه السلام هم كل ملائكة السموات أو بعضهم أو ملائكة الأرض ، من الناس من لا
يجوِّز أن يقال : إن أكابر الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم عليه السلام ، والدليل عليه
قوله تعالى في آخر سورة ( الأعراف) في صفة الملائكة: ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن
عبادته ويسبحونه وله يسجدون ) فقوله ( وله يسجدون ) يفيد الحصر، وذلك يدل على أنهم لا
يسجدون إلا لله تعالى وذلك ينافي كونهم ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير الله تعالى،
أقصى ما في الباب أن يقال : إن قوله تعالى ( فقعوا له ساجدين ) يفيد العموم ، إلا أن الخاص
مقدم على العام . وثالثها : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في آدم عليه السلام
وجب على الملائكة أن يسجدوا له ، لأن قوله ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين ) مذكور بفاء التعقيب وذلك يمنع من التراخي، وقوله (فسجد الملائكة كلهم
أجمعون ) قال الخليل وسيبويه قوله ( كلهم أجمعون) توكيد بعد توكيد ، وسئل المبرد عن هذه
الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة، احتمل أن يكون سجد بعضهم ، فلما قال ( كلهم ) زال
هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ، ثم بعد هذا بقى احتمال آخر . وهو أنهم سجدوا
دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر، فلما قال ( أجمعون ) ظهر أن الكل سجدوا
دفعة واحدة ، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال : وقول الخليل وسيبويه أجود ، لأن
(أجمعين) معرفة فلايكون حالا، وقوله ( إلا ابليس ) أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود
لآدم ، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا ؟ وقد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في
سورة البقرة وقوله ( أبى أن يكون مع الساجدين ) استئناف وتقديره أن قائلا قال : هلاّ سجد؟
فقيل : أبی ذلك واستكبر عنه.

١٨٧
قوله تعالى ((قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين)) سورة الحجر
أما قوله ﴿ قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين﴾ فاعلم انهم أجمعوا على أن
المراد من قوله ( قال يا إبليس ) أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضى أنه تعالى تكلم معه ،
فعند هذا قال بعض المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض
رسله ، إلا أن هذا ضعيف ، لأن ابليس قال في الجواب ( لم أكن لأسجد لبشر خلقته من
صلصال ) فقوله ( خلقته ) خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، وظاهره يقتضى أن الله تعالى
تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة ، وكيف يعقل هذا مع
أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب ، فكيف يعقل حصوله
لرأس الكفرة ورئيسهم ، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كان
على سبيل الاكرام والتعظيم ، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا ، وقوله ( لم أكن
لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماً مسنون ) ففيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ اللام في قوله ( لأسجد) لتأكيد النفي ، ومعناه : لا يصح مني أن
أسجد لبشر.
البحث الثاني ﴾معنى هذا الكلام أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو كان
روحانيا لطيفا ، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه ، كأنه يقول : البشر جسماني
كثيف له بشرة ، وأنا روحاني لطيف ، والجسماني الكثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف ،
والأدنى كيف يكون مسجودا للأعلى ، وأيضا أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ
مسنون ، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر، فكان
أصل إبليس أشرف من أصل آدم، فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم ، والأشرف يقبح أن
يؤمر بالسجود والأدنى ، فالكلام الأول اشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية ،
وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني اشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل ،
فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى ( قال فاخرج منها فانك رجيم ) فهذا ليس جوابا عن تلك
الشبهة على سبيل التصريح ، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه . وتقريره أن الذي قاله الله
تعالى نص ، والذي قاله إبليس قياس ، ومن عارض النص بالقياس كان رجيما ملعونا ، وتمام
الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف ، وقوله ( فاخرج منها ) قيل المراد من
جنة عدن ، وقيل من السموات ، وقيل من زمرة الملائكة ، وتمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم
قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله ( وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين )،قال ابن عباس يريد
يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم مثل قوله ( مالك يوم الدين ).

١٨٨
قوله تعالى ((قال رب فأنظرني الى يوم يبعثون)) سورة الحجر
قَالَ رَبٍّ فَأْتِظِرِنِّ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ: (﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينُ (#) إِلَى يَوْمِ
الْوَقْتِ الْمَعْلُوِ (﴾ قَالَ رَبِّ ◌ِمَا أَغْوَيْقَنِى لَأُذَ يِقَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَّهُمْ
أَجْعِينَ ﴿ إِلَّعِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصِينَ (٣) قَالَ هَذَا صِرَاءً عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ
٤١
فان قيل : كلمة ( إلى ) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم
القيامة ، وعند قيام القيامة يزول اللعن .
أجابوا عنه من وجوه : الأول : المراد منه التأبيد ، وذكر القيامة أبعد غاية يذكرها
الناس في كلامهم كقولهم ( ما دامت السموات والأرض ) في التأبيد . والثاني : أنك مذموم
مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب، فاذا جاء ذلك اليوم
عذب عذاباً ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه .
قوله تعالى ﴿ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت
المعلوم قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين
قال هذا صراط على مستقيم
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ( فأنظرني) متعلق بما تقدم . والتقدير: إذا جعلتني رجما
ملعونا إلى يوم الدين . فأنظرني فطلب الابقاء من الله تعالى عند اليأس من الآخرة إلى وقت قيام
القيامة . لأن قوله ( إلى يوم يبعثون ) المراد منه يوم البعث والنشور وهو يوم القيامة ، وقوله
( فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم )، اعلم أن إبليس استنظر إلى يوم البعث والقيامة ،
وغرضه منه أن لا يموت لأنه اذا كان لا يموت قبل يوم القيامة ، وظاهره أن بعد قيام القيامة لا
يموت أحد ، فحينئذ يلزم منه أن لا يموت البتة . ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب وقال:
( إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) واختلفوا في المراد منه على وجوه : أحدها : أن
المراد من يوم الوقت المعلوم وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ، وإنما سمى هذا الوقت
بالوقت المعلوم ؟ لأن من المعلوم أن يموت كل الخلائق فيه . وقيل : إنما سماه الله تعالى بهذا
الاسم ، لأن العالم بذلك الوقت هو الله تعالى لا غيره قال تعالى ( إنما علمها عند ربي لا
يجلّيها لوقتها إلا هو )،وقال (إن الله عنده علم الساعة ) وثانيها : أن المراد من يوم الوقت
المعلوم هو الذي ذكره إبليس وهو قوله ( إلى يوم يبعثون ) وإنما سماه تعالى بيوم الوقت المعلوم ؟

١٨٩
قوله تعالى ((قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض)) سورة الحجر
لأن إبليس لما عينه وأشار اليه بعينه صار ذلك كالمعلوم .
فإن قيل : لما أجابه الله تعالى الى مطلوبه لزم أن لا يموت الى وقت قيام الساعة وبعد قيام
القيامة لا يموت أيضا ، فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكلية .
قلنا : يحمل قوله ( إلی یوم یبعثون ) الى ما يكون قريبا منه ، والوقت الذي يموت فیه کل
المكلفين قريب من يوم البعث ، وعلى هذا الوجه فيرجع حاصل هذا الكلام الى الوجه الأول ،
وثالثها : أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلا الله تعالى ، وليس المراد منه يوم القيامة .
فإن قيل : إنه لا يجوز أن يعلم المكلف متى يموت ، لأن فيه إغراء بالمعاصي ، وذلك لا
يجوز على الله تعالى .
أجيب عنه بأن هذا الالزام إنما يتوجه إذا كان وقت قيام القيامة معلوما للمكلف . فأما إذا
علم أنه تعالى أمهله إلى وقت قيام القيامة إلا أنه تعالى ما أعلمه الوقت الذي تقوم القيامة فيه
فلم يلزم منه الاغراء بالمعاصي .
وأجيب عن هذا الجواب بأنه وإن لم يعلم الوقت الذي فيه تقوم القيامة على التعيين إلا
أنه علم في الجملة أن من وقت خلقه آدم عليه الصلاة والسلام إلى وقت قيام القيامة مدة طويلة
فكأنه قد علم أنه لا يموت في تلك المدة الطويلة .
أما قوله تعالى ﴿ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ﴾ ففيه
بحثان :
البحث الأول ﴾ الباء في ( بما أغويتني) للقسم وما مصدرية ، وجواب القسم
لأزينن ، والمعنى: أقسم باغوائك إياي لأزينن لهم ، ونظيره قوله تعالى ( فبعزتك لأغوينهم
أجمعين ) إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله ، وهي من صفات الذات ، وفي قوله ( بما
أغويتني) أقسم باغواء الله وهو من صفات الأفعال ، والفقهاء قالوا : القسم بصفات الذات
صحيح ، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه ، ونقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا :
الباء ههنا بمعنى السبب ، أي بسبب كوني غاويا لأزينن، كقول القائل : أقسم فلان بمعصيته
ليدخلن النار ، وبطاعته ليدخلن الجنة .
﴿ البحث الثاني ﴾ اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق
الكفر في الكافر ويصده عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه : الأول : أن إبليس استمهل
وطلب البقاء الى قيام القيامة ، مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الامهال والابقاء لإغواء بنى آدم

١٩٠
قوله تعالى ((قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض)) سورة الحجر
وإضلالهم ، وأنه تعالى أمهله وأجابه الى هذا المطلوب ، ولو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين
في الدين لما امهله هذا الزمان الطويل ، ولما مكنه من الاغواء والاضلال والوسوسة . الثاني :
أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدِّون ومجتهدون في إرشاد الخلق الى الدين الحق ، وأن إبليس
ورهطه وشيعته مجدون ومجتهدون في الضلال والاغواء ، فلو كان مراد الله تعالى هو الارشاد
والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين ، وحيث فعل
بالضد منه ، علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر . الثالث : أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على
الكفر وأنه ملعون الى يوم الدين كان ذلك اغراء له بالكفر والقبيح ، لأنه أيس عن المغفرة
والفوز بالجنة؟ يجترىء حينئذ على أنواع المعاصى والكفر . الرابع: أنه لما سأل الله تعالى هذا
العمر الطويل ، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر
والمعصية ، وبسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الامهال سببا
لمزيد عذابه ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه . الخامس : أنه صرح
بأن الله أغواه فقال ( رب بما أغويتني ) وذلك تصريح بأن الله تعالى أغواه، لا يقال: هذا كلام
إبليس وهو ليس بحجة ، وأيضا فهو معارض بقول إبليس ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين )
فأضاف الاغواء الى نفسه ، لأنا نقول :
﴿ أما الجواب عن الأول ﴾ فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فان الله تعالى ما أنكره عليه وذلك
يدل على أنه كان صادقا فيما قال .
وأما الجواب عن الثاني ﴾ فهو أنه قال في هذه الآية ( رب بما أغويتني لأزينن لهم)
فالمراد ههنا من قوله ( لأزينن لهم ) هو المراد من قوله في تلك الآية ( لأغوينهم أجمعين ) إلا أنه
بين في هذه الآية أنه انما أمكنه أن يزيّن لهم الأباطيل لأجل أن الله تعالى أغواه قبل ذلك ، وعلى
هذا التقدير فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره الله تعالى حكاية عن الشياطين في سورة
القصص ( هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا )
﴿ السؤال السادس﴾ انه قال (رب بما أغويتني) وهذا اعتراف بأن الله تعالى أغواه
فنقول : إما أن يقال : إنه كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه ، أو ما عرفذلك ، فان كان قد
عرف بأن الله تعالى أغواه امتنع كونه غاويا،لأنه انما يعرف أن الله تعالى أغواه إذا عرف أن الذي
هو عليه جهل وباطل ، ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة ، وأما إن قلنا : بأنه
ما عرف أن الله أغواه فكيف أمكنه أن يقول ( رب بما أغويتني ) فهذا مجموع السؤلات الواردة
في هذه الآية .
: أما السؤال الأول والثاني﴾ فللمعتزلة فيهما طريقان:

١٩١
قوله تعالى ((قال رب بما أغويتني لأزيننن لهم في الأرض)) سورة الحجر
﴿ الطريق الأول) وهو طريق الجبائي أنه تعالى انما أمهل ابليس تلك المدة الطويلة،
لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته ، فبتقدير عدم وجود ابليس ولا
وسوسته فإن ذلك الكافر والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية ، فلما كان الأمر كذلك .
لا جرم أمهله هذه المدة .
﴿ الطريق الثاني) وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال: إنه تعالى علم أن
أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية ، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر
والمعصية ، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية ، أقصى ما في
الباب أن يقال : الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها ، إلا أن
على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات ، وذلك لا يمنع الحكيم من
فعله . كما أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات، صار سببا لمزيد الشبهات، ومع ذلك فلم يمتنع
فعله فكذا ههنا .
﴿وأما السؤال الثالث والرابع﴾ وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة
على المعاصي والاكثار منها، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله
على الزيادة في المعاصي. أما إذا علم الله تعالى من حاله أن ذلك لا يجوب التفاوت البتة،
فالسؤال زائل.
وأما السؤال الخامس ﴾ وهو أن إبليس صرح بأن الله تعالى أغواه وأضله عن الدين ،
فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى : أحدها : المراد بما خيبتني من رحمتك
لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك . وثانيها : المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضا
عنه بالدعاء إلى المعصية . وثالثها : أن يكون المراد بالاغواء الأول الخيبة ، والثاني الاضلال .
ورابعها : أن المراد باغواء الله تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه ، يعنى
أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار ابليس ، فاما أن يقال : إن ذلك الأمر صار موجبا لذاته
لحصول ذلك الغي ، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، هذا جملة كلّام القوم في هذا الباب وكله
ضعيف ، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة ابليس فنقول : هذا باطل ، ويدل عليه
القرآن والبرهان ، أما القرآن فقوله تعالى ( فأزلها الشيطان ) فأفضى تلك الزلة إلى الشيطان ،
وقال ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) فأضاف الاخراج اليه ، وقال موسى عليه السلام (هذا
من عمل الشيطان ) وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثرا ، وأما البرهان
فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغُّبه أبدا في القبائح .
وينفره عن الخيرات ، مثل شخص كان حاله بالضد منه ، والعلم بهذا التفاوت ضروري .

١٩٢
قوله تعالى ((إلا عبادك منهم المخلصين)) سورة الحجر
وأما قوله إن وجوده يصير سبباً لزيادة المشقة في الطاعة فنقول : تأثير زيادة المشقة إنماهو في كثرة
الثواب على أحد التقديرين ، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني وهو التقدير
الأكثر والأغلب، وكل من يراعي المصالح ، فان رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية
التقدير الأول ، لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى
حصوله أصلا ، ولما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة ، وأما
قوله المراد من قوله ( رب بما أغويتني ) الخيبة عن الرحمة أو الاضلال عن طريق الجنة فنقول :
كل هذا بعيد ، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة ،
لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة ، وأضل نفسه عن طريق الجنة
فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى . فثبت أن الاشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة . والله
أعلم .
وأما قوله ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن إبليس استثنى المخلصين، لأنه علم أن كيده لا يعمل
فيهم ولا يقبلون منه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر هذا الاستثناء أن
لا يصير كاذباً في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة .
﴿ المسألة الثانية ) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ( المخلصين ) بكسر اللام في كل
القرآن ، والباقون بفتح اللام . وجه القراءة الأولى أنهم الذين اخلصوا دينهم وعبادتهم عن
كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد ، ومن فتح اللام فمعناه : الذين أخلصهم الله بالهداية
والايمان والتوفيق والعصمة ، وهذه القراءة تدل على أن الاخلاص والايمان ليس إلا من
الله تعالى .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الاخلاص جعل الشىء خالصا عن شائبة الغير. فنقول : كل من
أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به لله فقط ، أو لغير الله فقط ، أو لمجموع الأمرين ، وعلى
هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان الله راجحا أو مرجوحا أو معادلا ، والتقدير :
الرابع أن يأتي به لالغرض أصلا وهذا محال ، لأن الفعل بدون الداعية محال .
﴿ أما الأول﴾ فهو الاخلاص في حق الله تعالى، لأن الحامل له على ذلك الفعل طلب
رضوان الله ، وما جعل هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن شوائب الغير ،
فهذا هو الاخلاص .
﴿وأما الثاني﴾ وهو الاخلاص في حق غير الله ، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصاً في

١٩٣
قوله تعالى ((إن عبادى ليس لك عليهم سلطان)) سورة الحجر
إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٍّ إِلَّا مَنِ أَتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (
٤٢
لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (َ لَا سَبْعَةُ أَبُوَبٍ لِكُلِ بَلٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّقُومُ
وَإِنَّ جَهَنْمَ
حق الله تعالى .
وأما الثالث ) وهو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب الله يكون راجحا ، فهذا
يرجى أن يكون من المخلصين ، لأن المثل يقابله المثل ، فيبقى القدر الزائد خالصا عن
الشوب .
﴿ وأما الرابع والخامس﴾ فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق الله تعالى . والحاصل
أن القسم الأول : اخلاص في حق الله تعالى قطعا . والقسم الثاني : يرجى من فضل الله أن
يجعله من قسم الاخلاص وأما سائر الأقسام فهو خارج عن الاخلاص قطعا والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿ قال هذا صراط عليّ مستقيم﴾ ففيه وجوه: الأول : أن ابليس لما قال
( إلا عبادك منهم المخلصين ) فلفظ المخلص يدل على الاخلاص ، فقوله هذا عائد إلى
الاخلاص ، والمعنى : أن الاخلاص طريق على وإلى ، أي أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي ،
وقال الحسن : معناه هذا صراط إلى مستقيم ، وقال آخرون : هذا صراط من مرّ عليه ، فكأنه
مر عليّ وعلى رضواني وكرامتي وهو كما يقال طريقك عليّ . الثاني: أن الاخلاص طريق
العبودية فقوله ( هذا صراط عليّ مستقيم ) أي هذا الطريق في العبودية طريق على مستقيم .
الثالث : قال بعضهم : لما ذكر إبليس أنه يغوي بنى آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا
الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته فقال تعالى ( هذا صراط على ) أي تفويض
الأمور إلى إرادتي ومشيئتي طريق على مستقيم، الرابع معناه : هذا صراط على تقريره وتأكيده ،
وهو مستقيم حق وصدق ، وقرأ يعقوب ( صراط على ) بالرفع والتنوين على أنه صفة لقوله
(صراط) أي هو على بمعنى أنه رفيع مستقيم لا وج فيه . قال الواحدي : معناه أن طريق
التفويض الى الله تعالى والايمان بقضاء الله طريق رفيع مستقيم .
قوله تعالى ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم
لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾.
اعلم أن إبليس لما قال ( لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم
الفخر الرازي ج١٩م١٣

١٩٤
قوله تعالى ((وإن جهنم لموعدهم أجمعين)) سورة الحجر
المخلصين ) أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين يكونون من المخلصين ، فبين
تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا
مخلصين ، بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار متبعا له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا
ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها، والحاصل في هذا القول : أن
إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر أنه ليس له على
أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا ، ونظير هذه الآية قوله تعالی حکایة عن إبليس أنه قال ( وما
کان لي علیکم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) وقال تعالى في آية أخرى ( إنه ليس له
سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به
مشركون ) قال الجبائى : هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم
صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة، وربمانسبوا ذلك إلى السحرة، قال: وذلك خلافما
نص الله تعالى عليه ، وفي الآية قول آخر ، وهو أن إبليس لما قال ( إلا عبادك منهم المخلصين )
فذكر أنه لا يقدر على اغواء المخلصين صدّقه الله في هذا الاستثناء فقال ( إن عبادى ليس لك
عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين ) فلهذا قال الكلبى : العباد المذكورن في هذه الآية
هم الذين استثناهم ابليس .
واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله ( إلا من اتبعك ) استثناء ، لأن
المعنى : ان عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فان لك عليهم سلطانا
بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي .
وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء ، بل تكون لفظة ( إلا ) بمعنى لكن ،
وقوله ( إن جهنم لموعدهم أجمعين ) قال ابن عباس : على يد إبليس وأشياعه ، ومن اتبعه من
الغاوين .
ثم قال تعالى ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ وفيه قولان :
﴿ القول الأول﴾ إنها سبع طبقات: بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات
بالدركات ، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى ( إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ).
﴿ والقول الثاني﴾ إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام: ولكل قسم باب ، وعن ابن
جريج: أولها : جهنم . ثم لظى . ثم الحطمة . ثم السعير. ثم سقر . ثم الججيم . ثم
الهاوية . قال الضحاك : الطبقة الأولى . فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم
يخرجون . والثانية : لليهود . والثالثة : للنصارى والرابعة : للصابئين . والخامسة :

١٩٥
قوله تعالى ((ان المتقين في جنات وعيون)) سورة الحجر
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَّدٍ وَعُونٍ (٣٢) أَدْخُلُوهَا بِسَاِءَامِنِينَ (٤٦) وَزَعْنَا مَافِى صُدُورِهِم
مِنْ غِلّ إِخْوَنًا عَلَى سُرٍُ مُتَقَلِينَ (٢﴾ لَا يَسُهُمْ فِيهَا نَصَبُ وَمَاهُم ◌ِنْهَا بِمُخْرَجِينَ
٤٨
-
للمجوس . والسادسة : للمشركين . والسابعة : للمنافقين . وقوله ( لكل باب منهم جزء
مقسوم ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم في روية أبي بكر ( جزء مقسوم) والباقون ( جز)
بتخفيف الزاي . وقرأ الزهري ( جز ) بالتشديد ، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على
الزاي ، كقولك : خب في خبء ، ثم وقف عليه بالتشديد .
﴿ المسألة الثانية) الجزء بعض الشىء، والجمع الأجزاء ، وجزأته جعلته أجزاء،
والمعنى : أنه تعالى يجزئ أتباع إبليس أجزاء ، بمعنى أنه يجعلهم أقساما وفرقا ، ويدخل في
كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف . والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة
بالغلظ والخفة ، فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين، ونزعنا ما في صدورهم
من غل إخوانا على سرر متقابلين، لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعة بصفة أهل الثواب ، وفي الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (إن المتقين ) قولان :
: القول الأول ﴾ قال الجبائي وجمهور المعتزلة القائلون بالوعيد: المراد بالمتقين هم
الذين اتقوا جميع المعاصي . قالوا : لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك .
﴿ والقول الثاني ﴾ وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وهو المنقول عن ابن عباس أن
المراد الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به . وأقول : هذا القول هو الحق الصحيح ،
والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة ، كما أن الضارب هو الآتي
بالضرب مرة واحدة ، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة ، فكما أنه ليس من شرط الوصف
كونه ضاربا وقاتلا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب والقتل ، فكذلك ليس من شرط صدق

١٩٦
قوله تعالى ((ان المتقين في جنات وعيون)) سورة الحجر
الوصف بكونه متقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى ، والذي يقوّى هذا الكلام أن الآتي بفرد
واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى ، لأن كل فرد من أفراد الماهية فانه يجب كونه
مشتملا على تلك الماهية ، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقيا ، فثبت أن الآتي بفرد واحد من
أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقيا ، ولهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد
التكرار .
إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله ( إن المتقين في جنات وعيون ) يقتضى حصول الجنات
والعيون لكل من اتقى عن شىء واحد ، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في
حصول هذا الحكم ، وأيضا فان هذه الآية وردت عقيب قول إبليس ( إلا عبادك منهم
المخلصين ) وعقيب قول الله تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ) فلأجل هذه الدلائل
اعتبرنا الايمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيدُ فيه قيد آخر ، لأن تخصيص العام لما كان
بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر ، فثبت أن قوله
( إن المتقين في جنات وعيون ) يتناول جميع القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولاً واعتقادا
سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بيِّنٌ ، وكلام ظاهر .
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (في جنات وعيون) أما الجنات فأربعة لقوله تعالى ( ولمن
خاف مقام ربه جنتان ) ثم قال ( ومن دونهما جنتان ) فيكون المجموع أربعة وقوله ( ولمن خاف
مقام ربه جنتان ) يؤكد ما قلناه . لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف من الله تعالى وقوله
( ولمن خاف) يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة ، وأما العيون فيحتمل أن يكون
المراد منها ما ذكر الله تعالى في قوله ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها اأنهار من ماء غير آسن
وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفَّى ) ويحتمل أن
يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار .
فان قيل : أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون ، أو تجرى تلك العيون من
بعض إلى بعض؟ قيل: لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به
كل من في خدمته من الحور والولدان ، ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب
شهواتهم ، ويحتمل أن يكون يجرى من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد
وقوله ( ادخلوها بسلام آمنين ) يحتمل أن القائل لقوله ( ادخلوها ) هو الله تعالى وأن يكون
ذلك القائل بعض ملائكته ، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون ،
وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم ( أدخلوها )؟

١٩٧
قوله تعالى ((ونزعنا ما في صدورهم من غل)) سورة الحجر
والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها( أدخلوها
بسلام ) الثاني : لعل المراد لمَّا ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى
قيل لهم ادخلوها، وقوله ( ادخلوها بسلام آمنين ) المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات
في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها .
ثم قال تعالى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ والغل: الحقد الكامن في القلب وهو
مأخوذ من قولهم : أغل في جوفه وتغلغل ، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله
ذلك من قلوبهم وطيّب نفوسهم ، وعن عليّ علیه السلام أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان
وطلحة والزبير منهم ، وحكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالسا عند عليّ عليه السلام إذ
دخل زكريا بن طلحة فقال له عليّ : مرحبا بك يا ابن أخي ، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا
وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) فقال الحرث : كلا بل الله
أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد . قال عليه السلام : فلمن هذه الآية ؟ لا أم لك
يا أعور ، وروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض ، ثم يؤمر بهم
إلى الجنة ، وقد نقَّى الله قلوبهم من الغل والغش ، والحقد والحسد ، وقوله ( إخوانا ) نصب
على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال ( الأخِلّاءُ
يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) وقوله ( على سرر متقابلين ) السرير معروف والجمع أسرة
وسرر، قال أبو عبيدة يقال : سرُر وسرّر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فان جمعه فعل
وفعل نحو: سُرُر وسَرَر، وجدُد وجدَد، قال المفضل : بعض تميم وكلب يفتحون ، لأنهم
يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد وقال بعض أهل المعاني : السرير مجلس
رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور . قال الليث : وسرير العيش مستقره الذي
اطمأن اليه في حال سروره وفرحه،قال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد
والدر والياقوت ، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ، وقوله ( متقابلين ) التقابل
التواجه ، وهو نقيض التدابر ، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله ( لا يمسهم فيها
نصب ) النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب ( وما هم منها بمخرجين ) والمراد به كونه
خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء ، وكمالا بلا نقصان ، وفوزا بلا حرمان .
واعلم أن للثواب أربع شرائط : وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن
الشوائب دائمة .
أما القيد الاول ﴾ وهو كونها منفعة فإليه الاشارة بقوله (إن المتقين في جنات وعيون )

١٩٨
قوله تعالى ((نبىء عبادي اني انا الغفور الرحيم)) سورة الحجر
٥٠
نَبِئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٦﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
﴿ وأما القيد الثاني ﴾ وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الاشارة بقوله ( ادخلوها بسلام
آمنين ) لأن الله سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم وغاية الاجلال .
﴿ وأما القيد الثالث ) وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر، فاعلم أن
المضار إما أن تكون روحانية ، وإما أن تكون جسمانية ، أما المضار الروحانية فهي الحقد ،
والحسد ، والغل ، والغضب ، وأما المضار الجسمانية فكالاعياء والتعب فقوله ( ونزعنا ما في
صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين ) اشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله ( لا يمسهم
فيها نصب ) اشارة الى نفي المضار الجسمانية .
﴿ وأما القيد الرابع ﴾ وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فاليه الاشارة بقوله
( وما هم منها بمخرجين ) فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية
الثواب ولحكماء الاسلام في هذه الآية مقال ، فإنهم قالوا : المراد من قوله ( ونزعنا ما في
صدورهم من غل ) اشارة الى أن الأرواح القدسية الناطقة نقية مطهرة عن علائق القوى
الشهوانية والغضبية ، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال ، وقوله ( إخوانا على سرر متقابلين )
معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام،
ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الالهية ، وتلألأت بتلك الأصواء
الصمدية ، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الأخر مثل المرايا المتقابلة المتحاذية ،
فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله ( إخوانا على سرر متقابلين ) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾.
في الآية مسألتان :
المسألة الأولى﴾ أثبتت الهمزة الساكنة في ( نبىء) صورة، وما أثبتت في قوله
( دفء . وجزء ) لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرا وتلقى حركتها على الساكن قبلها ، ف
( نبىء ) في الخط على تحقيق الهمزة ، وليس قبل همزة (نبىء ) ساكن فاجروها على قياس
الأصل .
﴿ المسألة الثانية) اعلم أن عباد الله قسمان: منهم من يكون متقيا ، ومنهم من لا
يكون كذلك ، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة ، ذكر أحوال غير المتقين في
هذه الآية فقال ( نبیء عبادی ).

١٩٩
قوله تعالى ((ونبئهم عن ضيف ابراهيم)) سورة الحجر
وَنَِّنْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ (٦ْ إِذْ دَ خَلُواْ عَيْهِ فَقَالُوْسَلَما قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَِلُونَ
قَالُواْ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِعُلٍَ عَلِيٍ ﴿﴾ قَالَ أَبَّرْتُونِ عَ أَنْ مَّسَِّىَ الْكِبَرُ
٥٢
فَ تُبَشِّرُونَ (3﴾ قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِنَ الْقَنِطِينَ (َّ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ
مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِةٍ إلَّا الضَّالُونَ (
واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك
الوصف علة لذلك الحكم ، فههنا وصفهم بكونهم عباداً له ، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف
الحكم بكونه غفورا رحيما ، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كون الله
غفورا رحيما ومن أنكر ذلك كان مستوجبا للعقاب الاليم . وفي الآية لطائف: إحداها : أنه
أضاف العباد إلى نفسه بقوله ( عبادى ) وهذا تشريف عظيم . ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف
محمداصلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد على قوله ( سبحان الذي أسرى بعبده )، ثانيها :
أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: قوله ( اني ) وثانيها : قوله ( أنا)
وثالثها : ادخال حرف الألف واللام على قوله ( الغفور الرحيم ) ولما ذكر العذاب لم يقل اني أنا
المعذب وما وصف نفسه بذلك بل قال ( وأن عذابي هو العذاب الأليم ) وثالثها : أنه أمر
رسوله أن يبلغ اليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة .
ورابعها : أنه لما قال ( نبیء عبادى) كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتى ، وهذا كما
يدخل فيه المؤمن المطيع ، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي ، وكل ذلك يدل على تغليب
جانب الرحمة من الله تعالى. وعن قتادة قال: بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( لو
يعلم العبد قدر عفو الله تعالى ما تورَّع من حرام ، ولو علم قدر عقابه لبخع نفسه )) أي قتلها،
وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه، وهم يضحكون فقال ((أتضحكون
والنار بين أيديكم)) فنزل قوله ( نبىء عبادى أني أنا الغفور الرحيم ) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ونبئهم عن ضيف ابراهيم اذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم
وجلون، قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم، قال أبشر تموني على أن مسَّنى الكبر فيم
تبشرون، قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين، قال ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون﴾
فى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ) اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقریر أمر النبوة ثم أردفه یذکر دلائل

٢٠٠
قوله تعالى ((قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم)) سورة الحجر
التوحيد ، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء ، أتبعه بذكر قصص الأنبياء
عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء ، ومحذراً عن
المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء ، فبدأ أولاً بقصة إبراهيم عليه السلام ، والضمير في قوله
( ونبئهم ) راجع إلى قوله ( عبادى ) والتقدير : ونبىء عبادى عن ضيف إبراهيم ، يقال :
أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة اذا أخبرتهم، وذكر تعالى في الآية أن ضيف ابراهيم عليه السلام
بشروه بالولد بعد الكبر ، وبانجاء،المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضا بأنه تعالى
سیعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك یقوی ما ذكره من أنه غفور رحيم
للمؤمنين ، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار .
المسألة الثانية ﴾ الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف اذا أتى إنسانا لطلب القرى ،
ثم سُمي به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة .
فان قيل : كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل ؟
قلنا : لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك . وقيل
أيضا : إن من یدخل دار الانسان ویلتجیء الیه یسمی ضیفا وإن لم يأكل ، وقوله تعالى ( إذ
دخلوا عليه فقالوا سلاما ) أي نسلم عليك سلاما أو سلمت سلاما ، فقال إبراهيم ( إنا منكم
وجلون ) أي خائفون ، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل . وقيل : لأنهم دخلوا عليه بغير إذن
وبغير وقت وقرأ الحسن ( لا توجل ) بضم التاء من أوجله يوجله اذا أخافه . وقرىء لا تأجل
ولا تواجل من واجله بمعنى أوجله ، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود ،
وقوله ( قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ) فيه أبحاث :
﴿البحث الأول﴾ قرأ حمزة: ( إنا نبشرك) بفتح النون، وتخفيف الباء ، والباقون :
( نبشرك ) بالتشديد .
البحث الثاني﴾ قوله ( إنا نبشرك ) استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل ،
والمعنى : انك بمثابة الآمن المبشّر فلا توجل .
﴿ البحث الثالث ) قوله ( إنا نبشرك بغلام عليم ) بشروه بأمرين : أحدهما : أن الولد
ذكر والآخر أنه يصير عليما ، واختلفوا في تفسير العليم ، فقيل : بشروه بنبوته بعده . وقيل :
بشروه بأنه عليم بالدين . ثم حكى الله تعالى عن ابراهيم عليه السلام أنه قال : أبشرتموني على
أن مسنى الكبر فيم تبشرون ، فمعنى ( على ) ههنا للحال أي حالة الكبر ، وقوله ( فبم
تبشرون ) فيه مسألتان :