النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ قوله تعالى (( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ))سورة ابراهيم اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام ، أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا ﴿لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا﴾ والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما اخراجكم وإما عودتكم الى ملتنا ، والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان قليلون ، وأهل الباطل يكونون كثيرين ، والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين ، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة . فان قيل : هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها، قلنا : الجواب من وجوه : الوجه الأول ﴾ أن أولئك الانبياء عليهم السلام انما نشؤا في تلك البلاد وكانوا من تلك القبائل وفي أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار ، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير اظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾. الوجه الثاني﴾ أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه . ﴿ الوجه الثالث﴾ لعل الخطاب وان كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال : إنهم كانوا قبل ذلك الوقت على دين أولئك الكفار . ﴿ الوجه الرابع﴾ قال صاحب الكشاف: العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب . ﴿الوجه الخامس﴾ لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل ارسالهم على ملة من الملل، ثم إنه تعالى أوحى اليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى . وبقي الأقوام على تلك الشريعة التى صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر ، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا الى تلك الملة . ﴿ الوجه السادس﴾ لا يبعد أن يكون المعنى: أو لتعودن في ملتنا، أي الى ما كنتم عليه قبل ادّعاء الرسالة من السكوت عن ذكر عيوب ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل والله أعلم . ١٠٢ قوله تعالى ((واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد )) سورة ابراهيم واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى ﴿ فأوحى اليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ قال صاحب الكشاف ﴿ لنهلكن الظالمين ) حكاية تقتضي اضمار القول أو إجراء الايحاء مجرى القول لأنه ضرب منه ، وقرأ أبو حيدة ﴿ليهلكن الظالمين وليسكننكم ﴾ بالياء اعتباراً لأوحى فان اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن ، والمراد بالأرض أرض الظالمين وديارهم ونظيره قوله ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها). (وأورثكم أرضهم وديارهم﴾ وعن النبي وَلّ ((من آذى جاره أورثه الله داره )) واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه . ثم قال تعالى ﴿ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ فقوله ذلك اشارة الى أن ما قضى الله تعالى به من اهلاك الظالمين واسكان المؤمنين ديارهم اثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه: الأول: المراد بـ مقامي موقفي وهو موقف الحساب، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، ونظيره قوله ﴿وأما من خاف مقام ربه﴾ وقوله ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾. الثاني: أن المقام مصدر كالقيامة، يقال: قام قياما ومقاما، قال الفراء: ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾، الثالث ﴿ذلك لمن خاف مقامي﴾ أي إقامتي على العدل والصواب فانه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل والصواب لا يميل عنه ولا ينحرف البتة، الرابع، : ﴿ذلك لمن خاف مقامي﴾ أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر الى المفعول، الخامس : ﴿ذلك لمن خاف مقامي﴾ أي لمن خافني، وذكر المقام ههنا مثل ما يقال: سلام الله على المجلس الفلاني العالى، والمراد: سلام الله على فلان فكذا ههنا. ثم قال تعالى ﴿وخاف وعيد﴾ قال الواحدي: الوعيد اسم من أوعد إيعادا وهو التهديد . قال ابن عباس : خاف ما أوعدت من العذاب . ٠ واعلم أنه تعالى ذكر أولا قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي ﴾ ثم عطف قوله ﴿وخاف وعيد ﴾ فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايرا للخوف من وعيد الله، ونظيره : أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله ، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق . ثم قال ﴿ واستفتحوا ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ للاستفتاح ههنا معنيان: أحدهما: طلب الفتح بالنصرة، فقوله ١٠٣ قوله تعالى «واستفتحوا، و خاب كل جبار عنيد)) سورة ابراهيم واستفتحوا ﴾ أي واستنصروا الله على اعدائهم، فهو كقوله ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ والثاني: الفتح الحكم والقضاء ، فقول ربنا ﴿واستفتحوا ﴾ أي واستحكموا الله وسألوه القضاء بينهم ، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق إذا عرفت هذا فنقول : كلا القولين ذكره المفسرون . أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل ، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم ﴿ قال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديّارا﴾ وقال موسى ﴿ربنا اطمس) الآية. وقال لوط ﴿ رب انصرني على القوم المفسدين﴾. وأما على القول الثالث: وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل. صادقين فعذبنا ، ومنه قول كفار قريش : (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء)، وكقول آخرين (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين). المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: قوله ﴿واستفتحوا﴾ معطوف على قوله ! فأوحى إليهم﴾ وقرىء واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله ﴿لنهلكن﴾ أي أوحى اليهم ربهم ، وقال لهم ﴿ لنهلكن﴾ وقال لهم ﴿ استفتحوا ﴾ ثم قال تعالى ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ إن قلنا: المستفتحون هم الرسل، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا ﴿ وخاب كل جبار عنيد﴾ وهم قومهم؛ وإن قلنا : المستفتحون هم الكفرة ، فكان المعنى : أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل . المسألة الثانية) الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله تعالى وعبادته . ومنه قوله تعالى ولم يكن جبارا عصيًا ﴾ قال ابو عبيدة عن الأحمر: يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة ، وحكى الزجاج : الجبرية والجبر بكسر الجيم والجبارة والجبرياء ، قال الواحدي : فهي ثمان لغات في مصدر الجبار، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي ◌ّلتر فأمرها أمرا فأبت عليه فقال ((دعوها فانها جبارة)) أي مستكبرة ، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه، قال النضر بن شميل : العنود الخلاف والتباعد والترك ، وقال غيره : أصله من العند وهو الناحية يقال : فلان يمشي عندا ، أي ناحية ، فمعنى عاند وعند . أخذ في ناحية معرضا ، ١٠٤ قوله تعالى (( من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد )) سورة ابراهيم وعاند فلان فلانا إذا جانبه وكان منه على ناحية . إذا عرفت هذا فنقول : كونه جبارا متكبرا إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيدا إشارة الى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ، وهو كونه مجانباً عن الحق منحرفا عنه ، ولا شك أن الانسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق ، كان خائبا عن كل الخيرات . خاسرا عن جميع أقسام السعادات . واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جبارا عنيدا ، وصف كيفية عذابه بأمور : الأول : قوله ﴿ من ورائه جهنم) وفيه إشكال وهو أن المراد: أمامه جهنم ، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدّام والأمام ؟ وأجابوا عنه من وجوه: الأول: أن لفظ ((وراء)) اسم لما يُوارى عنك، وقدّام وخلف متوار عنك، فصح إطلاق لفظ ((وراء )) على كل واحد منهما . قال الشاعر : عسی الکرب الذي أمسيت فيه یکون وراءه فرج قریب ويقال أيضا: الموت وراء كل أحد، الثاني : قال أبو عبيدة وابن السكيت : الوراء من الاضداد يقع على الخلف والقدام ، والسبب فيه أن كل ما كان خلفا فانه يجوز أن ينقلب قداما وبالعكس ، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام ، ومنه قوله تعالى ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ﴾ أي أمامهم، ويقال: الموت من وراء الانسان. الثاني: قال ابن الأنباري ((وراء)) بمعنى بعد . قال الشاعر : وليس وراء الله للمرء مذهب أي وليس بعد الله مذهب . اذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله ﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ ثم قال ﴿ من ورائه جهنم ﴾ أي ومن بعد الخيبة يدخل جهنم . ﴿النوع الثاني ﴾ مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله ﴿ ويسقى من ماء صدید يتجرعه ولا یکاد یسیغه ﴾ وفيه سؤالات : ﴿ السؤال الأول ﴾ علام عطف ﴿ ويسقى ﴾ الجواب : على محذوف تقديره : من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد . قوله تعالى ((ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه)) سورة ابراهيم ١.٥ السؤال الثاني ﴾ عذاب أهل النار من وجوه كثيرة ، فلم خص هذه الحالة بالذكر ؟ الجواب : يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله ویأتیه الموت من كل مكان وما هو مميِّت ﴾ السؤال الثالث ﴾ ما وجه قوله ﴿ من ماء صدید الجواب : أنه عطف بيان والتقدير: أنه لما قال ﴿ويُسقى من ماء﴾ فكأنه قيل: وما ذلك الماء؟ فقال ﴿صديد ﴾ والصديد ما يسيل جلود أهل النار . وقيل : التقدير ويسقى من ماء كالصديد . وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ، وهو أيضا يكون في نفسه صديدا ، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله ﴿وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم): ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ السؤال الرابع ﴾ ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه . الجواب : التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار ، ويقال : ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا وأساغه إساغة . واعلم أن ﴿ يكاد ﴾ فيه قولان : ﴿ القول الأول﴾ أن نفيه اثبات، واثباته نفي، فقوله ﴿ولا يكاد يسيغه ﴾ أي ويسيغه بعد ابطاء لأن العرب تقول : ما كدت أقوم ، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ يعني فعلوا بعد إبطاء، والدليل على حصول الاساغة قوله تعالى ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ ولا يحصل الصهر إلا بعد الاساغة، وأيضا فان قوله ﴿ يتجرعه) يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده أنه يسيغه البتة . ﴿ والقول الثاني﴾ إن كاد للمقاربة فقوله ( لا يكاد ) لنفي المقاربة يعني: ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإِساغة كقوله تعالى (لم يكد يراها ) أى لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها . فان قيل : فقد ذكرتم الدليل على حصول الاساغة ، فكيف الجمع بينه وبين هذا الوجه . قلنا : عنه جوابان : أحدهما : أن المعنى : ولا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض وما ساغ الجميع . الثاني : أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف ٠ ١٠٦ قوله تعالى «مثل الذين كفروا بربهم)) سورة ابراهيم مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرِهِمْ أَعْمَلُهُمْ لَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِ يَوْمِ تَصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ بِّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ أَه أَمْ ثَرَ أَنَّ الَهَ خَلَقَ السَّمَلُوَّتِ ءَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَّأَيُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (3) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِ يٍ ٢٠ الكافر ، إلا أن ذلك ليس بإساغة، لأن الاساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه ، أي لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة والله أعلم . ﴿ النوع الثالث ﴾ مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله ( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ) والمعنى : أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ، ومع ذلك فانه لا يموت وقيل من كل جزء من أجزاء جسده . ﴿النوع الرابع﴾ قوله (ومن ورائه عذاب غليظ) وفيه وجهان: الأول : أن المراد من العذاب الغليظ كونه دائما غير منقطع . الثاني : أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله . قال المفضل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ مثل الذین کفر وا بر بهم أعمالهم کرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شىء ذلك هو الضلال البعيد، ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشىء منها . وعند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعاً باطلا ، وذلك هو الخسران الشديد . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في ارتفاع قوله (مثل الذين) وجوه : الأول : قال سيبويه : التقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم ، وقوله ( كرماد ) جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم فقيل : أعمالهم كرماد . الثاني : قال الفراء : التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتمادا على ١٠٧ قوله تعالى ((مثل الذين كفروا بربهم)) سورة ابراهيم ذكره بعد المضاف اليه وهو قوله ( أعمالهم)،ومثله قوله تعالى ( الذي أحسن كلَّ شيء خلقه ) أي خلق كل شىء ، وكذا قوله ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . الثالث : أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم کرماد ، كقولك صفة زيد عرضه مصون ، وماله مبذول . الرابع : أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله ( مثل الذين كفروا) والتقدير : مثل أعمالهم وقوله ( كرماد ) هو الخبر . الخامس : أن يكون المثل صلة وتقديره : الذين كفروا أعمالهم . ﴿ المسألة الثانية) اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر ، فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر ، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه : ﴿ الوجه الأول﴾ أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع ، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم ، ولولا كفرهم لا نتفعوا بها . ﴿والوجه الثاني﴾ أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيماناً وطريقاً إلى الخلاص ، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالاً عليهم . ﴿ والوجه الثالث﴾ أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت ، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضا وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى ( ذلك هو الضلال البعيد ) . ﴿ المسألة الثالثة) قرىء الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم ، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك : يوم ماطر وليلة ساكرة ، وإنما السكور لريحها قال الفراء : وإن ١٠٨ قوله تعالى ((وما ذلك على الله بعزيز)) سورة ابراهيم شئت قلت في يوم ذي عصوف، وان شئت قلت : في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكورا قبل ذلك ، وقرىء في يوم عاصف بالاضافة . ﴿ المسألة الرابعة ) قوله ( لا يقدرون مما كسبوا على شىء) أي لا يقدرون مما كسبوا على شىء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد ، وهذه الآية دالة علی کون العبد مكتسبا لأفعاله. واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال (ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة، بین أن ذلك البطلان والاحباط انما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله واعراضهم عن العبودية فان الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصین ابتداء ، وکیفیلیق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالی ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب . المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة والكسائى ( خالق السموات والأرض ) على اسم الفاعل على أنه خبرأن، والسموات والأرض على الاضافة كقوله ( فاطر السموات والأرض). (فالق الاصباح). (وجاعل الليل سكنا) والباقون خلق على فعل الماضى ( السموات والأرض) بالنصب لأنه مفعول . المسألة الثالثة ) قوله ( بالحق ) نظير لقوله في سورة يونس ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) ولقوله في آل عمران (ربنا ما خلقت هذا باطلا) ولقوله في ص ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا )، أما أهل السنة فيقولون (إلا بالحق) وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، وأما المعتزلة فيقولون : إلا بالحق ، أي لم يخلق ذلك عبثا بل لغرض صحيح . ثم قال تعالى ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ والمعنى: أن من كان قادرا على خلق السموات والأرض بالحق ، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى ، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادرا على الأسهل الأضعف أولى . قال ابن عباس : هذا الخطاب مع كفار مكة ، يريد أميتكم يا معشر الكفار ، وأخلق قوما خيرا منكم وأطوع منكم . ثم قال ﴿ وما ذلك على الله بعزيز﴾ أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم ١٠٩ قوله تعالى ((وبرزوا لله جميعا)) سورة ابراهيم وَبَرَزُواْلِلَّهِ جَميعًا فَقَالَ الضُّعَفَتَوُاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوَاْ إِنَّا كُّ لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَنَا اللَّهُ لَدَيْنَكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أُمْ صَبَرْنَا مَالَنَا مِن غَيِصٍ ( ٢١ وإيجاده بأن يكون قادراً على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى ، والله أعلم . قوله تعالى: ﴿وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص ﴾. اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ، ذكر في هذه الآية كيفية خجلهم عند تمسك أتباعهم وكيفية افتضاحهم عندهم . وهذا إشارة الى العذاب الروحاني الحاصل بسبب الفضيحة والخجل ، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء . ومنه يقال للمكان الواسع: البراز لظهوره ، وقيل في قوله ( وترى الأرض بارزة ) أي ظاهرة لا يسترها شىء ، وامرأة برزة اذا كانت تظهر للناس . ويقال : برز فلان على أقرانه اذا فاقهم وسبقهم ، وأصله في الخيل اذا سبق أحدها ، قيل برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر . إذا عرفت هذا فنقول : ههنا أبحاث : البحث الأول ﴾ قوله (وبرزوا) ورد بلفظ الماضى وان كان معناه الاستقبال ، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره قوله ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ). ﴿ البحث الثاني ﴾ قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار وهذا في حق الله تعالي محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه : الأول : أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله تعالى ، فاذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية . الثاني : أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه . الثالث : وهو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت ١١٠ قوله تعالى ((فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء)) سورة ابراهيم الجسد فكأنه زال الغطاء والوطاء وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله . البحث الثالث﴾ قال أبو بكر الأصم قوله (وبرزوا لله) هو المراد من قوله في الآية السابقة ( ومن ورائه عذاب غليظ). واعلم أن قوله ( وبرزوا لله ) قريب من قوله ( يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر) وذلك لأن البواطن تظهر في ذلك اليوم والاحوال الكامنة تنكشف فان كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم بصفاتهم القدسية ، وأحوالهم العلوية ، ووجوههم المشرقة ، وأرواحهم الصافية المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال ؛ ويعظم فيها اشراق عالم القدس، فما أجلّ تلك الاحوال. وان كانوا من الاشقياء برزوا لموقف العظمة ، ومنازل الكبرياء ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة ، ومذلة الفضيحة ، وموقف المهانة والفزع ، نعوذ بالله منها . ثم حكى الله تعالى أن الضعفاء يقولون للرؤساء : هل تقدرون على دفع عذاب الله عنا ؟ والمعنى : أنه انما اتبعناكم لهذا اليوم ، ثم إن الرؤساء يعترفون بالخزى والعجز والذل، قالوا ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من عذاب الله من محيص ) ومن المعلوم أن اعتراف الرؤساء والسادة والمتبوعين بمثل هذا العجز والخزى والنكال يوجب الخجالة العظيمة والخزى الكامل التام ، فكان المقصود من ذكر هذه الآية : استيلاء عذاب الفضيحة والخجالة والخزى عليهم مع ما تقدم ذكره من سائر وجوه أنواع العذاب والعقاب نعوذ بالله منها ، والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ كتبوا الضعفاء بواو قبل الهمزة في بعض المصاحف، والسبب فيه أنه كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها الى الواو ، ونظيره علماء بنى إسرائيل . المسألة الثالثة ﴾ الضعفاء: الأتباع والعوام ، والذين استكبروا هم السادة والكبراء. قال ابن عباس: المراد أكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله تعالى ( إنا كنا لكم تبعا ) أي في الدنيا. قال الفراء وأكثر أهل اللغة : التبع تابع مثل خادم وخدم وباقر وبقر وحارس وحرس وراصد ورصد . قال الزجاج: وجائز أن يكون مصدرا سمى به ، أى كنا ذوى تبع . واعلم أن هذه التبعية يحتمل أن يقال : المراد منها التبعية في الكفر ، ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا ( فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ) أى هل یمکنکم دفع عذاب الله عنا. فان قيل : فما الفرق بين من في قوله ( من عذاب الله ) وبينه في قوله ( من شىء ) ١١١ قوله تعالى ((وقال الشيطان لما قضى الأمر)) سورة ابراهيم وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ آلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَ كُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَثُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ ◌ِيَ عَلَيْكُمِنِ سُلْطٍَّ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَ تَلُومُونِ وَلُوا أَنفُسَكُمَّ أَنَاْ يُصْرِخُكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِىَّ إِى كَفَرْتُ بِمَا أَثْرَ كْتُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّلِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ٢٢ قلنا : كلاهما للتبعيض بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شىء هو عذاب الله أيبعض عذاب الله . وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا ( لو هدانا الله لهديناكم) وفيه وجوه الأول: قال ابن عباس: معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم ، قال الواحدى : معناه انهم انما دعوهم إلى الضلال ، لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم فدعوا أتباعهم الى الضلال . ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى قال صاحب الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفونلكم). واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول منه مخالفاً لأصول مشايخه فلا يقبل منه ، الثاني : قال صاحب الكشاف : يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم الى الايمان ، وذكر القاضى هذا الوجه وزيفه بأن قال : لا يجوز حمل هذا على اللطف ، لأن ذلك قد فعله الله تعالى . والثالث : أن يكون المعنى لو خلصنا الله من العقاب وهدانا الى طريق الجنة لهديناكم ، والدليل على أن المراد من الهدى هذا الذى ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه ، فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى . ثم قال ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ أي مستو علينا الجزع والصبر، والهمزة وأم للتسوية ونظيره ( اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ) ثم قالوا : ما لَنَا من محيص ، أي منجى ومهرب ، والمحيص قد يكون مصدرا كالمغيب والمشيب ، ومكانا كالمبيت والمضيق ، ويقال حاص عنه وحاض بمعنى واحد ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿وقال الشيطان لما قُضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي،فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إنى كفرت بما أشركتمونٍ من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ١١٢ قوله تعالى ((ان الله وعدكم وعد الحق)) سورة ابراهيم اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التى وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الانس . أردفها بالمناظرة التى وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الانس فقال تعالى ( وقال الشيطان لما قضى الأمر ) وفي المراد بقوله ( لما قضي الأمر ) وجوه : القول الأول ﴾ قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم في النار فيما بينهم خطيبا ويقول ما أخبر الله عنه بقوله ( وقال الشيطان لما قضى الأمر ). ﴿ القول الثاني﴾ أن المراد من قوله (قضى الأمر ) لما انقضت المحاسبة، والقول الأول أولى ، لأن آخر أمر أهل القيامة استقرار المطيعين في الجنة واستقرار الكافرين في النار ، ثم يدوم الأمر بعد ذلك . ﴿ والقول الثالث ) وهو أن مذهبنا أن الفساق من أهل الصلاة يخرجون من النار ويدخلون الجنة فلا يبعد أن يكون المراد من قوله ( لما قضى الأمر ) ذلك الوقت ، لأن في ذلك الوقت تنقطع الأحوال المعتبرة ، ولا يحصل بعده إلا دوام ما حصل قبل ذلك ، وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان لفظ مفرد فيتناول الواحد، وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم ، فحمل اللفظ عليه أولى، لاسيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافر قد وجد المسلمون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول )) أما قوله ﴿إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ ففيه مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ المراد أن الله تعالى وعدكم وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفىّ لكم بما وعدكم، ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم ، وتقرير الكلام ان النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو اليها ويرغب فيها كما قال ( والآخرة خير وأبقى ). ﴿ البحث الثاني ) قوله ( وعد الحق ) من باب إضافة الشيء إلى نفسه کقوله (حب الحصيد) ومسجد الجامع على قول الكوفيين ، والمعنى : وعدكم الوعد الحق، وعلى مذهب البصريين يكون التقدير وعد اليوم الحق أو الأمر الحق أو يكون التقدير وعدكم الحق. ثم ذكر المصدر تأكيدا . البحث الثالث ﴾ في الآية إضمار من وجهين : الأول : أن التقدير إن الله وعدكم قوله تعالى ((ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان )) سورة ابراهيم ١١٣ وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم، وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد ، لأنهم كانوا يشاهدونها وليس وراء العيان بيان ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى . الثاني : أن في قوله ( ووعدتكم فأخلفتكم ) الوعد يقتضى مفعولا ثانياً وحذف ههنا للعلم به ، والتقدير : ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ، ولا حشر ولا حساب . أما قوله ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ أي قدرة وامكانية وتسلط وقهر فسأقهركم على الكفر والمعاصي وألجئكم اليها، إلا أن دعوتكم أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، قال النحويون: ليس الدعاء من جنس السلطان فقوله (إلا أن دعوتكم) من جنس قولهم ما تحيتهم إلا الضرب، وقال الواحدي: إنه استثناء منقطع أي لكن دعوتكم، وعندى أنه يمكن أن يقال كلمة ((إلا)) ههنا استثناء حقيقى، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة يكون بالقهر والقسر، وتارة يكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس اليه ، فهذا نوع من أنواع التسلط ، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الانسان وعلى تعويج أعضائه وجوارحه ، وعلى ازالة العقل عنه كما يقوله العوام والحشوية ، ثم قال ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) يعنى ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة ، وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله تعالى فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولى ولا تلتفتوا اليّ فلما رجحتم قولى على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب . وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى ﴾ قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء : الأول : أنه لو كان الكفر والمعصية من الله تعالى لوجب أن يقال : فلا تلوموني ولا أنفسكم فان الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، الثاني : ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصرّيع الانسان وعلى تعويج أعضائه وعلى ازالة العقل عنه كما تقول الحشوية والعوام . الثالث : أن هذه الآية تدل على أن الانسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم . أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به. وأجاب الخصم عنه : بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبين الله بطلانه وأظهر انكاره ، وأيضا فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل الفاسد . ألا ترى أن قوله: ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ) كلام حق وقوله ( وما كان لي عليكم من الفخر الرازي ج١٩م ٨ ١١٤ قوله تعالى ((إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي)) سورة ابراهيم سلطان ) قول حق بدليل قوله تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ). ﴿ المسألة الثانية﴾ هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس ، وذلك لأن الشيطان بيّن أنه ما أتى الا بالوسوسة ، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسته تأثير البتة ، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس . فإن قال قائل : بيّنوا لنا حقيقة الوسوسة . قلنا : الفعل إنما يصدر عن الانسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيبا لازما طبيعيا، وبيانه أن أعضاء الانسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك ، والاقدام والاحجام ، فما لم يحصل في القلب ميل الى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فانه يمتنع صدور الفعل ، وذلك الميل هو الارادة الجازمة ، والقصد الجازم . ثم إن تلك الارادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فان لم يحصل فيه هذا الاعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل ولا إلى الترك ، فالحاصل أن الانسان إذا أحس بشىء ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له أو بكونه منافراً له أو بكونه غير ملائم ولا منافر ، فان حصل الشعور بكونه ملائما له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل، وان حصل الشعور بكونه منافرا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك ، وان لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشىء ولا إلى ضده ، بل بقى الانسان كما كان ، وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل . إذا عرفت هذا فنقول : صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعى الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه . وصدور الميل عن تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل . وحصول كونه خيرا أو تصور كونه شرا عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه ، فلم يبق للشيطان مدخل في شىء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئا بأن يلقى اليه حديثه مثل أن كان الانسان غافلا عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره، فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام ، وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال ( وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ) يعنى ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني وما كان لي فيها أثر البتة . بقى في هذا المقام سؤالان : ﴿ السؤال الأول﴾ كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الانسان ١١٥ قوله تعالى فلا تلوموني ولو موا انفسكم)) سورة ابراهيم وإلقاء الوسوسة إليه؟ والجواب : للناس في الملائكة والشياطين قولان : ﴿ القول الأول﴾ أن ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة: المتحيز، والحال في المتحيز. والذي لا يكون متحيزا ولا حالاً فيه ، وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل البتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به ، وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأوراح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة . وإن كانت خبيثة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين . إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر، والنفس الانسانية أيضاً كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شىء من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس والأباطيل الى جوهر النفس الانسانية ، وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالاً ثانياً ، وهو أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع، فهي طوائف، وكل طائفة منها تخضع لتدبير روح من الأرواح السماوية بعينها، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والبشر وسهولة الأمر، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية، وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقوة والغلظة، وعدم المبالاة بأمر من الأمور ، وهي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح السماوية وهذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوى وكالنتائج الحاصلة، وكالفروع المتفرعة عليها ، وذلك الروح السماوي هو الذي يتولى إرشادها إلى مصالحها ، وهو الذي يخصها بالالهامات في حالتي النوم واليقظة . والقدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام ولا شك أن لذلك الروح السماوي الذي هو الأصل والينبوع شعباً كثيرة ونتائج كثيرة وهي بأسرها تکون من جنس روح هذا الانسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضاً على الأعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها ، ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الاعانة مسماة بالالهام ، وإن كانت شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين وكانت تلك الاعانة مسماة بالوسوسة ، وذكر بعض العلماء أيضاً فيه احتمالاً ثالثاً ، وهو أن النفوس البشرية والأرواح الانسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها فى تلك الأبدان وكملت فيها فاذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان بدناً لتلك النفس المفارقة ، فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا : ١١٦ قوله تعالى ((اني كفرت بما اشركتمون من قبل)) سورة ابراهيم البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن ، ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير والبركات كان ذلك إلهاما وان كان في باب الشركان وسوسة فهذه وجوه محتملة تفريعا على القول باثبات جواهر قدسية مبرأة عن الجسمية والتحيز ، والقول بالارواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا اثباتها على صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم . ﴿ وأما القول الثاني) وهو أن الملائكة والشياطين لا بد وأن تكون أجساما فنقول: إن على هذا التقدير يمتنع أن يقال إنها أجسام كثيفة ، بل لا بد من القول بأنها أجسام لطيفة والله سبحانه ركبها تركيبا عجيبا وهي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان، ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة عير مستبعد، ألا ترى أن الروح الانسانية جسم لطيف، ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن،فاذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن ، أليس أن جرم النار يسرى في جرم الفحم ، وماء الورد يسرى في ورق الورد ، ودهن السمسم يجرى في جسم السمسم فكذا ههنا ، فظهر بما قررنا أن القول باثبات الجن والشياطين أمر لا تحيله العقول ولا تبطله الدلائل ، وأن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة الجهل وقلة الفطنة ، ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة ، فنقول : الأحق والأولى أن يقال : الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور ، والشياطين مخلوقون من الدخان واللهب ، كما قال الله تعالى ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) وهذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة ، فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم . السؤال الثاني ﴾ لم قال الشيطان ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) وهو أيضا ملوم بسبب إقدامه على تلك الوسوسة الباطلة . والجواب : أراد بذلك فلا تلوموني على ما فعلتم ولوموا أنفسكم عليه ، لأنكم عدلتم عما توجبه هداية الله تعالى لكم . ثم قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال ( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس: بمغيثكم ولا منقذكم ، قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث . يقال : صرخ فلان اذا استغاث وقال : واغوثاه . وأصرخته: أغثته . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قرأ حمزة: بمصرخى بكسر الياء . قال الواحدى: وهي قراءة قوله تعالى ((وأُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات)) سورة ابراهيم وَأَدْخِلَ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحُِّهُمْ فِهَا سَلَكُ # الأعمش ويحيى بن وثاب . قال الفرا : ولعلها من وهم القراء فانه قل من سلم منهم عن الوهم ولعله ظن أن الباء في قوله ( بمصرخى) خافضة لجملة هذه الكلمة وهذا خطأ، لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك ، قال ومانرى أنهم وهموا فيه قوله ( نولّه ما تولى ونصله جهنم ) بجزم الهاء . ظنوا والله أعلم أن الجزم في الهاء وهو خطأ ، لأن الهاء في موضع نصب وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه ، ومن النحويين من تكلف في ذكر وجه لصحته إلا أن الأكثرين قالوا إنه لحن والله أعلم . ثم قال تعالى حكاية عنه ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ((ما)) في قوله (إني كفرت بما أشر كتمون من قبل ) فيه قولان : الأول : إنها مصدرية والمعنى : كفرت باشراككم إياي مع الله في الطاعة ، والمعنى : أنه جحد ما کان يعتقده أولئك الأتباع من کون ابليس شریکا لله تعالى في تدبیر هذا العالم وكفر به ، أو يكون المعنى أنهم كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشّكما كانوا يطيعون الله في أعمال الخير وهذا هو المراد بالاشراك . والثاني : وهو قول الفراء أن المعنى أن ابليس قال : إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم ، والمعنى : أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع ويكون المراد بقوله ( ما) في هذا الموضع ((من)) والقول هو الأول، لأن الكلام انما ينتظم بالتفسير الأول ، ويمكن أن يقال أيضا الكلام منتظم على التفسير الثاني ، والتقدير كأنه يقول : لا تأثير لوسوستي في کفرکم بدليل أني كفرت قبل وقوعكم في الكفر وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل، فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شىء آخر سوى الوسوسة ، وعلى هذا التقدير ينتظم الكلام . أما قوله ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله عز وجل وأن كلام إبليس تم قبل هذا الكلام ، ولا يبعد أيضا أن يكون ذلك من بقية كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن الاعانة والاغاثة ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار وفيه مسألتان : خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ﴾. ١١٨ قوله تعالى ((ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة)) سورة ابراهيم أَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَّةً كَتَجَرَةٍ ◌ََِّةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِ اَلَّمَاءِ ـمي تُؤْتِ أُكُهَا كُلّ ◌ِحِينٍ بِإِذْنِ رَبِهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَُّونَ ٢٤ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِثَةٍ آحْنُقَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارِ ﴾ ٢٥ المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة ؛ شرح أحوال السعداء ، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فالمنفعة الخالصة اليها الاشارة بقوله تعالى ( وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ) وكونها دائمة أشير اليه بقوله ( خالدين فيها ) والتعظيم حصل من وجهين : أحدهما : أن تلك المنافع إنما حصلت باذن الله تعالى وأمره . والثاني : قوله ( تحيتهم فيها سلام) لأن بعضهم يحيّي بعضا بهذه الكلمة . والملائكة يحيّونهم بها كما قال ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) والرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة كما قال ( سلام قولاً من رب رحيم ). واعلم أن السلام مشتق من السلامة وإلا ظهر ان المراد أنهم سلموا من آفات الدنيا وحسراتها أو فنون آلامها وأسقامها ، وأنواع غمومها وهمومها ، وما أصدق ما قالوا ، فان السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة الفاسدة من أعظم النعم ، لاسيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة الروحانية والسعادة الملكية . المسألة الثانية﴾ قرأ الحسن (وأدخل الذين آمنوا) على معنى وأدخلهم أنا ، وعلى هذه القراءة فقوله ( بإذن ربهم ) متعلق بما بعده ، أي تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم . يعنى : أن الملائكة یحیونهم باذن ربهم . قوله تعالى ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار﴾. اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء ذكر مثالا يبين الحال في حكم هذين القسمين ، وهو هذا المثل . وفيه مسائل : ١١٩ قوله تعالى ««تؤتی اکلھا کل حین باذن ربها)» سورة ابراهيم المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها فالصفة الأولى ﴾ لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أموراً. أحدها كونها طيبة المنظر والصورة والشكل . وثانيها : كونها طيبة الرائحة . وثالثها : كونها طيبة الثمرة يعنى أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة . ورابعها : كونها طيبة بحسب المنفعة يعنى أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها ، ويجب حمل قوله : شجرة طيبة ، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب . والصفة الثانية ) قوله ( أصلها ثابت ) أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشىء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه . أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضى فانه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به . ﴿ والصفة الثالثة) قوله (وفرعها في السماء) وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين: الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدلّ على ثبات الأصل ورسوخ العروق. والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية طاهرة طيبة عن جميع الشوائب . والصفة الرابعة ﴾ قوله ( تؤتي أكلها كل حين باذن ربها) والمراد : أن الشجرة المذكورة كانت موصوفة بهذه الصفة ، وهي أن ثمراتها لا بد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات، ولا تكون مثل الأشجار التي تكون ثمارها حاضرة في بعض الأوقات دون بعض، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها الله تعالى في هذا الكتاب الكريم ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها فانه لا يجوز له أن يتغافل عنها وأن يتساهل في الفوز بها. إذا عرفت هذا فنقول : معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته وطاعته ، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع . أما الصفة الأولى﴾ وهي كونها طيبة فهي حاصلة ، بل نقول : لاطيّب ولا لذيذ في ١٢٠ قوله تعالى«تؤتی أكلها كل حين باذن ربها)) سورة ابراهيم الحقيقة إلا هذه المعرفة . وذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة المعينة إنما حصلت ، لأن ادراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن ، فلأجل حصول تلك الملاءمة والمناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة،وههنا الملائم لجوهر النفس الناطقة والروح القدسية ، ليس إلا معرفة الله تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج به فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جدا ، بل نقول : اللذة الحاصلة من ادراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالاً من اللذة الحاصلة بسبب اشراق جوهر النفس بمعرفة الله وبيان هذا التفاوت من وجوه : الوجه الأول ﴾ أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس يلاقى سطح المحسوس فقط ، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس فليس الأمر كذلك ، لأن الاجسام يمتنع تداخلها أما ههنا فمعرفة الله تعالى وذلك النور وذلك الاشراق صارسارياً في جوهر النفس متحداً به وكأن النفس عند حصول ذلك الاشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الاشراق فهذا فرق عظيم بين البابين . ﴿ والوجه الثاني﴾ في الفرق أن المدرك في الالتذاذ بالفاكهة هو القوة الذائقة، والمحسوس هو الطعم المخصوص، وههنا المدرك هو جوهر النفس القدسية، والمعلوم والمشعور به هو ذات الحق جل جلاله، وصفات جلاله وإكرامه، فوجب أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر . فى الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما حصلت الوجه الثالث زالت في الحال ، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغیر ، أما کمال الحق وجلاله فانه ممتنع التغير والتبدل، واستعداد جوهر النفس لقبول تلك السعادة أيضاً ممتنع التغير ، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه . واعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فلنكتف بهذه الوجوه الثلاثة تنبيهاً للعقل السليم على سائرها . وأما الصفة الثانية وهي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل ، فهذه الصفة في شجرة معرفة الله تعالى أقوى وأكمل ، وذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية ، وهذا الجوهر جوهر مجرد عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء ، وأيضاً مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجليّ جلال الله تعالى ، وهذا التجلى من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور ، وذلك مما يمتنع عقلاً زواله لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود في جميع صفاته . والتغير والفناء والتبدل والزوال والبخل والمنع محال في حقه ، فثبت أن الشجرة الموصوفة بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة .