النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قوله تعالى (( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق )) سورة الرعد لَهُمْ عُقْبِى الدَّارِ ﴿ي جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَاءِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَالْعَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمِ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٣٦) سَلُّ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَتُمْ فَنِعْمَ عُقْبِىَ الدَّارِ (٢٤ الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾. اعلم أن هذه الآية هل هي متعلقة بما قبلها أم لا ؟ فيه قولان : ﴿ القول الأول) إنها متعلقة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول: أنه يجوز أن يكون قوله ( الذين يوفون بعهد الله ) صفة لأولى الألباب . والثاني : أن يكون ذلك صفة لقوله ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق ) ﴿والقول الثاني﴾ أن يكون قوله ( الذين يوفون بعهد الله) مبتدأ ( وأولئك لهم عقبى الدار ) خبره كقوله ( والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم اللعنة )، واعلم أن هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة واحدة شرط وجزاء ، وشرطها مشتمل على قيود ، وجزاؤها يشتمل أيضا على قيود . أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة : ﴿ القيد الأول ) قوله (الذين يوفون بعهد الله) وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس رضى الله عنهما : يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم ( ألست بربكم قالوا بلى )،والثاني : أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته وهو من وجهين : أحدهما : الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير . والآخر : التي أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام ، والحاصل أنه دخل تحت قوله ( يوفون بعهد الله ) كل ما قام الدليل عليه . ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة، والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فانما يلزمه الوفاء به ، إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين ولذلك ربما يلزمه أن يحنث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع . ولا يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء، كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون بارًّاً في يمينه إلا إذا فعل الكل ، ويدخل فيه الاتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن كل المنهيات ويدخل فيه ٤٢ قوله تعالى (( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل )) سورة الرعد الوفاء بالعقود في المعاملات ، ويدخل فيه أداء الأمانات ، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية . القيد الثاني ﴾ قوله ( ولا ينقضون الميثاق ) وفيه أقوال : القول الأول ﴾ وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد ، فان الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق والعهد ، وهذا مثل أن يقول : إنه لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه ، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق . واعلم أن الوفاء بالعهد من أجلَّ مراتب السعادة. قال عليه السلام ((لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» والآيات الواردة في هذا الباب كثيرة في القرآن . والقول الثاني ﴾ أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه، فالحاصل : أن قوله ( الذين يوفون بعهد الله ) إشارة الى ما كلف الله العبد به ابتداء ، وقوله ( ولا ينقضون الميثاق ) إشارة الى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختيار نفسه كالنذر بالطاعات والخيرات . والقول الثالث ﴾ أن المراد بالوفاء بالعهد: عهد الربوبية والعبودية ، والمراد بالميثاق : المواثيق المذكورة في التوراة والانجيل وسائر الكتب الالهية على وجوب الايمان بنبوة محمد أحمد عند ظهوره . واعلم أن الوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع . قال عليه السلام (( من عاهد الله فغدر، كانت فيه خصلة من النفاق))، وعنه عليه السلام (( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى عهدا ثم غدر ، ورجل استأجر أجيراً استوفى عمله وظلمه أجره ، ورجل باع حرًا فاسترق الحر وأكل ثمنه )).وقيل : كان بين معاوية وملك الروم عهد فأراد أن يذهب اليهم وينقض العهد فاذا رجل على فرس يقول : وفاء بالعهد لا غدر، سمعت رسول الله و 98 يقول (( من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذن اليهم عهده ولا يحلها حتى ينقضي الأمد وينبذ اليهم على سواء)) قال من هذا؟ قالوا : عمرو بن عيينة فرجع معاوية . القيد الثالث﴾ ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) وههنا سؤال: وهو أن الوفاء بالعهد وترك نقض الميثاق اشتمل على وجوب الاتيان بجميع المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات فما الفائدة في ذكر هذه القيود المذكورة بعدهما ؟ ٤٣ قوله تعالى (( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل)) سورة الرعد والجواب من وجهين : الأول : أنه ذكر لئلا يظن ظان أن ذلك فيما بينه وبين الله تعالى فلا جرم أفرد ما بينه وبين العباد بالذكر . والثاني : أنه تأكيد . إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في تفسيره وجوها : الأول : أن المراد منه صلة الرحم قال عليه السلام (( ثلاث يأتين يوم القيامة لها ذلق الرحم تقول : أي رب قطعت ، والأمانة تقول : أي رب تركت ، والنعمة تقول : أي رب كفرت )) والقول الثاني﴾ أن المراد صلة محمد له ومؤازرته ونصرته في الجهاد. والقول الثالث ﴾ رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد ، فيدخل فيه صلة الرحم وصلة القرابة الثابتة بسبب اخوة الايمان كما قال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾، ويدخل في هذه الصلة امدادهم بايصال الخيرات ودفع الآفات بقدر الامكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم، وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة ، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال : من أين أنتم ؟ قالوا من خراسان فقال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الاحسان وكان له دجاجة فأساء اليها لم يكن من المحسنين. وأقول حاصل الكلام : أن قوله ﴿ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقصون الميثاق﴾ اشارة الى التعظيم لأمر الله وقوله والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ اشارة الى الشفقة على خلق الله . القيد الرابع﴾ قوله ﴿ويخشون ربهم﴾ والمعنى: أنه وإن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر الله ، وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستوليا على قلبه وهذه الخشية نوعان : أحدهما : أن يكون خائفا أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعته ، بحيث يوجب فساد العبادة او يوجب نقصان ثوابها . والثاني : وهو خوف الجلال وذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فانه وان كان في عين طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة. ﴿القيد الخامس) قوله: اعلم أن القيد الرابع اشارة الى الخشية من أمر الله، وهذا القيد الخامس اشارة إلى الخوف والخشية وسوء الحساب، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرر. ﴿القيد السادس) قوله تعالى ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم﴾ فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار ، والغموم والأحزان ، والصبر على ترك المشتهيات ٤٤ قوله تعالى ((والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم )) سورة الرعد وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء الطاعات . ثم إن الانسان قد يقدم على الصبر لوجوه : أحدها : أن يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل النوازل . وثانيها : أن يصبر لئلا يعاب بسبب الجزع . وثالثها : أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء . ورابعها : أن يصبر لعلمه بان لا فائدة في الجزع، فالانسان إذا أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه لم يكن ذلك داخلاً في كمال النفس وسعادة القلب ، أما إذا صبر على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها القسام العلام المنزه عن العيب والباطل والسفه ، بل لا بد أن تكون القسمة مشتملة على حكمة بالغة ومصلحة راجحة ورضى بذلك ، لأنه تصرف المالك في ملكه ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملكه أو يصبر لأنه صار مستغرقا في مشاهدة المبلي، فكان استغراقه في تجلي نور المبلي أذهله عن التألم بالبلاء وهذا أعلى مقامات الصديقين ، فهذه الوجوه الثلاثة هي التي يصدق عليها انه صبر ابتغاء وجه ربه ومعناه أنه صبر لمجرد ثوابه ، وطلب رضا الله تعالى . واعلم أن قوله ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ فيه دقيقة، وهي أن العاشق إذا ضربه معشوقه ، فربما نظر العاشق لذلك الضارب لالتذاذه بالنظر الى وجه معشوقه ، فكذلك العبد يصبر على البلاء والمحنة ، ويرضى به لاستغراقه في معرفة نور الحق وهذه دقيقة لطيفة . القيد السابع ﴾ قوله ﴿وأقاموا الصلاة ﴾ واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيهاً على كونها أشرف من سائر العبادات وقد سبق في هذا الكتاب تفسير اقامة الصلاة ولا يمتنع إدخال النوافل فيه أيضا . القيد الثامن﴾ قوله تعالى ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الحسن : المراد الزكاة المفروضة فان لم يهتم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سرا وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية . وقيل السرما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الأمام ، وقال آخرون : بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله ﴿ سرا﴾ يرجع الى التطوع وقوله ﴿علانية﴾ يرجع الى الزكاة الواجبة . ﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة إنه تعالى رغب في الانفاق من كل ما كان رزقا ، وذلك يدل على أنه لا رزق إلا الحلال إذ لو كان الحرام رزقا لكان قد رغب تعالى في إنفاق الحرام وأنه لا يجوز . ٤٥ قوله تعالى ((وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية )) سورة الرعد القيد التاسع﴾ قوله ﴿ويدرؤن بالحسنة السيئة) وفيه وجهان: الأول: أنهم إذا أتوا بمعصية درؤها ودفعوها بالتوبة كما روى أن النبي و لو قال لمعاذ بن جبل ((إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها)) والثاني: أن المراد أنهم لايقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير كما قال تعالى ﴿وإذا مروا باللغومروا كراما﴾ وعن ابن عمر رضي الله عنهما ((ليس الوصول من وصل ثم وصل تلك المجازاة لكنه من قطع ثم وصل وعطف على من لم يصله ، وليس الحليم من ظلم ثم حلم حتى اذا هيجه قوم اهتاج ، لكن الحليم من قدر ثم عفا)). وعن الحسن : هم الذين اذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا ، ويروى أن شقيق بن إبراهيم البلثمي دخل على عبد الله بن المبارك متنكرا ، فقال من أين أنت ؟ فقال من بلخ ، فقال وهل تعرف شقيقا قال نعم ، فقال فكيف طريقة أصحابه فقال اذا منعوا صبروا وإن أعطوا شكروا ، فقال عبد الله ؛ طريقة كلابنا هكذا ، فقال وكيف ينبغي أن يكون فقال الكاملون : هم الذين اذا مُنِعواشكروا واذا أُعطوا آثروا. واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط . أما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة : القيد الأول ﴾ قوله ﴿ أولئك لهم عقبى الدار﴾ أي عاقبة الدار وهي الجنة ، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها . قال الواحدي : العقبى كالعاقبة ، ويجوز أن تكون مصدرا كالشورى والقربى والرجعى ، وقد يجيء مثل هذا أيضا على فعلى كالنجوى والدعوى ، وعلى فعلى كالذكرى والضيزى ، ويجوز أن يكون اسما وهو ههنا مصدر مضاف الى الفاعل ، والمعنى : أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة . القيد الثاني ﴾ قوله ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج: جنات عدن بل من عقبى والكلام في جنات عدن ذكرناه مستقصى عند قوله تعالى ﴿ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ وذكرنا هناك مذهب المفسرين ، ومذهب أهل اللغة . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يدخلونها ﴾ بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله والباقون بفتح الياء وضم الخاء على اسناد الدخول اليهم . القيد الثالث ) قوله ﴿ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ ابن علية ﴿صلح﴾ بضم اللام، قال صاحب الكشاف: والفتح ٤٦ قوله تعالى )) أولئك لهم عقبى الدار)) سورة الرعد أفصح. المسألة الثانية﴾ قال الزجاج : موضع من رفع لأجل العطف على الواو في قوله يدخلونها ﴾ و يجوز أن یکون نصبا کما تقول قد دخلوا وزیدا أي مع زيد . المسألة الثالثة) في قوله ﴿ومن صلح﴾ قولان: الأول: قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم،وقال الزجاج : بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة، قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس ، لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة،وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة ، ولو دخلوها باعما لهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به ، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة . واعلم ان هذه الحجة ضعيفة ، لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا وبهجة فاذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فانه يحضر معه آباؤه وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك وتقوى بهجته به ، ويقال إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكرون الله على الخلاص منها بالجنة ولذلك قال تعالى في صفة أهل الجنة إنهم يقولون ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ؟ ﴿ المسألة الرابعة) قوله ﴿وأزواجهم) ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وما روى عن سودة أنه لما هم الرسول ◌َله بطلاقها قالت دعني يا رسول الله أُحشر في زمرة نسائك ، کالدليل على ما ذكرناه. القيد الرابع ) قوله ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصاريعها من ذهب يدخلون عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾ على أمر الله. وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبواب البرّ كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: ونعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى . واعلم أن دخول الملائكة إن حملناه على الوجه الأول فهو مرتبة عظيمة ، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد ، ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم ٤٧ قوله تعالى (( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه )) سورة الرعد وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَ أَمَ اللَّهُ بِءَ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ أُوْلَكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّةُ الدَّارِ وذرياتهم على أحسن وجه ، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والاكرام عند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقولهم: ﴿فنعم عقبى الدار﴾ ولا شك أن هذا غير ما يذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإِجلال والتعظيم، وعن رسول الله و القول أنه كان يأتي قبور الشهداء رأس كل حول فيقول: ((السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))، والخلفاء الأربعة هكذا كانوا يفعلون ، وأما إن حملناه على الوجه الثاني فتفسير الآية أن الملائكة طوائف، منهم روحانيون . ومنهم كروبيون ، فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الرياضات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة ، ولكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوي يختص بتلك الصفة مزيد اختصاص فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفة المخصوصة بها، فيفيض عليها من ملائكة الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر ، ومن ملائكة الشكر كمالات روحانية لا تتجلى إلا من مقام الشكر . وهكذا القول في جميع المراتب . ﴿ المسألة الثانية ) تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والاكرام والتعظیم، فكانوا به أجل مرتبة من البشر ، ولو كانوا أقل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجبا علو درجاتهم وشرف مراتبهم ، ألا ترى أن من عاد من سفره الى بيته فاذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير والوزير والقاضي والمفتي ، فهذا يدل على أن درجة ذلك المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين فكذلك ههنا . المسألة الثالثة﴾ قال الزجاج : ههنا محذوف تقديره الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون سلام عليكم، فأضمر القول ههنا لأن في الكلام دليلا عليه ، وأما قوله ﴿ بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ ففيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بالسلام . والمعنى أنه إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات ، وترك المحرمات ، والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، والتقدير : أن هذه الكرامات التي ترونها ، وهذه الخيرات التي تشاهدونها إنما حصلت بواسطة ذلك الصبر . ﴿قوله تعالى ﴾ والذین ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ٤٨ قوله تعالى (( الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)) سورة الرعد اللهُ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْخَيَزَةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَزَةُ الذُّنْيَا فِ اَلْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَعُ ٢٦ اعلم أنه تعالى لما ذكر صفات السعداء وذكر ما ترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر حال الاشقياء ، وذكر ما يترتب عليها من الأحوال المخزية المكروهة ، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب ، ليكون البيان كاملا فقال ﴿ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) وقد بينا أن عهد الله ما ألزم عباده بواسطة الدلائل العقلية والسمعية لأنها أوكد من كل عهد وكل يمين، إذ الأيمان انما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على انها توجب الوفاء بمقتضاها ، والمراد من نقض هذه العهود أن لا ينظر المرء في الأدلة أصلا ، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها، أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعلمه، أو بأن ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق والمراد من قوله ﴿ من بعد ميثاقه ﴾ أي من بعد أن وثق الله تلك الأدلة وأحكمها ، لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه في أنه ينفع فعله ويضر تركه . فان قيل : إذا کان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه تعالى بقوله ﴿ من بعد ؟ ميثاقه ٤ قلنا : لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف الله العبد، والمراد بالميثاق الأدلة المؤكدة لأنه تعالى قد يؤكد اليك العهد بدلائل أخرى سواء كانت تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية . ثم قال تعالى ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ وذلك في مقابلة قوله ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل ، والمراد به قطع كل ما أوجب الله وصله ويدخل فيه وصل الرسول بالمولاة والمعاونة ووصل المؤمنين ، ووصل الأرحام ، ووصل سائر من له حق ، ثم قال ﴿ ويفسدون في الأرض ﴾ وذلك الفساد هو الدعاء الى غير دين الله وقد يكون بالظلم في النفوس والاموال وتخريب البلاد ، ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الصفات قال ﴿ أولئك لهم اللعنة ﴾ واللعنة من الله الابعاد من خيري الدنيا والآخرة الى ضدهما من عذاب ونقمة ﴿ ولهم سوء الدار ﴾ لأن المراد جهنم ، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر اليها . قوله تعالى ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ﴾ ٤٩ قوله تعالى (( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه)) سورة الرعد وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَ يَهْدِىَّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَِّنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ اعلم أنه تعالى لما حكم على من نقض عهد الله في قبول التوحيد والنبوة بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة فكأنه قيل : لو كانوا أعداء الله لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا ، فأجاب الله تعالى عنه بهذه الآية وهو أنه يبسط الرزق على البعض ويضيقه على البعض ولا تعلق له بالكفر والايمان ، فقد يوجد الكافر موسعا عليه دون المؤمن ، ويوجد المؤمن مضيقا عليه دون الكافر ، فالدنيا دار امتحان". قال الواحدي : معنى القدر في اللغة قطع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان . وقال المفسرون : معنى ﴿ يقدر﴾ ههنا يضيق ومثله قوله تعالى ﴿ومن قدر عليه رزقه ﴾ أي ضيق ، ومعناه : أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء . وأما قوله ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا﴾ فهو راجع الى من بسط الله له رزقه، وبين تعالى أن ذلك لا يوجب الفرح ، لأن الحياة العاجلة بالنسبة الى الآخرة كالحقير القليل بالنسبة الى ما لا نهاية له . قوله تعالى ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب، الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ اعلم أن الكفار قالوا : يا محمد إن كنت رسولا فأتنا بآية ومعجزة قاهرة ظاهرة مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام . فأجاب عن هذا السؤال بقوله ﴿قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه : أحدهما : كأنه تعالى يقول : إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة ، ولكن الإضلال والهداية من الله ، فأضلكم عن تلك الآيات القاهرة الباهرة ، وهدى أقواما آخرين اليها ، حتى عرفوا بها صدق محمد ◌َّه في دعوى النبوة ، واذا كان كذلك فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات ، وثانيها : أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله لو كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل ، فلما طلبوا بعدها آيات أخرى كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه الفخر الرازي ج ١٩م ٤ ٥٠ قوله تعالى ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب)) سورة الرعد ٠٠١٠١٠٠١٠ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ◌ُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَعَابٍ قيل لهم : ما أعظم عنادكم ﴿ إن الله يضل من يشاء﴾ من كان على صفتكم من التصميم وشدة الشکیمة على الكفر فلا سبیل الی اهتدائکم وإن أنزلت كل آية،﴿ ويهدي ﴾ من كان على خلاف صفتكم . وثالثها : أنهم لما طلبوا سائر الآيات والمعجزات فكأنه قيل لهم لا فائدة في ظهور الآيات والمعجزات ، فان الاضلال والهداية من الله، فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية فانه لم يحصل الانتفاع بها . ولو حصلت آية واحدة فقط وحصلت الهداية من الله فانه يحصل الانتفاع بها فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا الى الله في طلب الهدايات . ورابعها : قال أبو علي الجبائي : المعنى إن الله يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والاضلال عن الثواب، : ويهدي اليه من أناب ﴾ أي يهدي الى جنته من تاب وآمن، قال وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث أنه عقبه بقوله ﴿ من أناب ﴾ أي تاب والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب ، لأنه يستحقه على إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب ، لا عن الدين بالكفر على ما ذهب اليه من خالفنا . هذا تمام كلام أبي علي وقوله ﴿ أناب ﴾ أي اقبل الى الحق وحقيقته دخل في نوبه الخير . قوله تعالى ﴿ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ﴾ اعلم أن قوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل من قوله ﴿من أناب﴾ قال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت . فإن قيل : أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والوجل ضد الاطمئنان ، فكيف وصفهم ههنا بالاطمئنان ؟ والجواب من وجوه : الأول : أنهم اذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل ، واذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة ، سكنت قلوبهم الى ذلك ، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر ، لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب ، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي ، وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات . الثاني : أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد وَ لقه نبيا حقا من عند الله. أما شكُّهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم ، الثالث أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في قوله تعالى (( الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب)) سورة الرعد ٥١ وعده ووعيده ، وأن محمدا ◌ًٍّ صادق في كل ما أخبر عنه ، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا ، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا . واعلم أن لنا في قوله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ أبحاثاً دقيقة غامضة وهي من وجوه : ﴿ الوجه الأول) أن الموجودات على ثلاثة اقسام: مؤثِّر لا يتأثر ومُتْأَثِّر لا يؤثِّر، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء ، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو الله سبحانه وتعالى، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم ، فانه ذات قابلة للصفات المختلفة والآثار المتنافية ، وليس له خاصية إلا القبول فقط . وأما الموجود الذي يؤثر تارة ويتأثر أخرى ، فهي الموجودات الروحانية . وذلك لأنها اذا توجهت الى الحضرة الالهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده . وإذا توجهت الى عالم الأجسام اشتاقت الى التصرف فيها ، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام . وإذا عرفت هذا : فالقلب كلما توجه الى مطالعة عالم الاجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد الى الاستيلاء عليها والتصرف فيها ، أما إذا توجه القلب الى مطالعة الحضرة الالهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء الالهية ، فهناك يكون ساكنا فلهذا السبب قال ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾. ﴿ الوجه الثاني﴾ أن القلب كلما وصل الى شيء فانه يطلب الانتقال منه الى حالة أخرى أشرف منها ، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام الا وفوقها مرتبة أخرى في اللذة -والغبطة . أما إذا انتهى القلب والعقل الى الاستسعاد بالمعارف الالهية والأضواء الصمدية بقي واستقر فلم يقدر على الانتقال منه البتة ، لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها وأكمل ؛ فلهذا المعنى قال ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾. ﴿ والوجه الثالث ﴾ في تفسير هذه الكلمة أن الا كسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهباً باقيا على كر الدهور والأزمان ، صابرا على الذوبان الحاصل بالنار، فاكسير جلال الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغيير والتبدل ، فلهذا قال ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾. ثم قال تعالى: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ في تفسير كلمة ﴿طوبى﴾ ثلاثة أقوال : ٠ ٥٢ قوله تعالى (( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم)) سورة الرعد كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُعَمٌ لِّتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِلََِّْ قُلْ هُوَرَبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ ( القول الأول﴾ أنها اسم شجرة في الجنة، روى عن رسول الله صل ول أنه قال ((طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وأن أغصانها لترى من وراء سور الجنة )) وحكى أبو بكر الأصم رضي الله عنه : أن أصل هذه الشجرة في دار النبي پ# وفي دار كل مؤمن منها غصن . والقول الثاني ﴾ وهو قول أهل اللغة إن طوبى مصدر من طاب، كبشرى وزلفى. ومعنى طوبى لك، أصبت طيبا، ثم اختلفوا على وجوه: فقيل فرح وقرة عين لهم عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: نِعَم ما لهم عن عكرمة. وقيل غبطة لهم عن الضحاك. وقيل: حسنى لهم عن قتادة. وقيل: خير وكرامة عن أبي بكر الأصم، وقيل: العيش الطيب لهم عن الزجاج . واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ . والحاصل أنه مبالغة في نيل الطيبات . ويدخل فيه جميع اللذات . وتفسيره أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم . ﴿ والقول الثالث ﴾ أن هذه اللفظة ليست عربية، ثم اختلفوا فقال بعضهم: طوبى اسم الجنة بالحبشية ، وقيل اسم الجنة بالهندية ، وقيل البستان بالهندية ، وهذا القول ضعيف ، لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿الذين آمنوا﴾ مبتدأ و﴿ طوبى لهم﴾ خبره ، ومعنى طوبى لك أي أصبت طيبا ، ومحلها النصب أو الرفع ، كقولك طيباً لك وطيب لك وسلاما لك وسلام لك ، والقراءة في قوله ﴿وحسن مآب﴾ بالرفع والنصب تدلك على محلها ، وقرأ مكوزة الأعرابي ﴿ طيبي لهم ﴾ أما قوله ﴿وحسن مآب ﴾ فالمراد حسن المرجع والمقر . وكل ذلك وعد من الله بأعظم النعيم ترغيبا في طاعته وتحذيرا عن المعصية . قوله تعالى ﴿ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا الیك وهم یکفر ون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت واليه متاب ﴾ ٥٣ قوله تعالى ((كذلك ارسلناك في امة)) سورة الرعد اعلم أن الكاف في ﴿ كذلك ﴾ للتشبيه فقيل وجه التشبيه: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ، وقیل کما ارسلنا الى أمم وأعطيناهم كتبا تُتلى عليهم ، كذلك أعطيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه عليهم فلماذا اقترحوا غيره ، وقال صاحب الكشاف ﴿ كذلك أرسلناك ﴾ أي مثل ذلك الارسال ﴿ أرسلناك ﴾ يعني أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الارسالات. ثم فسرَّ كيف أرسله فقال ﴿ في أمة قد خلت من قبلها أمم ﴾ أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم فهي آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء . أما قوله ﴿ لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ﴾ فالمراد: لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شيء وما بهم من نعمة فمنه ، وكفروا بنعمته في إرسال مثلك اليهم وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم ﴿ قل هو ربي﴾ الواحد المتعالي عن الشركاء ﴿ لا إله إلا هو عليه توكلت ﴾ في نصرتي عليكم ﴿واليه متاب ﴾ فيعينني على مصابرتكم ومجاهدتكم قيل : نزل قوله ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ في عبد الله بن أمية المخزومي ، وكان يقول أما الله فنعرفه ، وأما الرحمن فلا نعرفه ، إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، فقال تعالى ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ وكقوله ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) وقيل إنه عليه السلام حين صالح قريشا من الحديبية كتب ((هذا ما صالح عليه محمد رسول الله)) فقال المشركون : إن كنت رسول الله وقد قاتلناك فقد ظلمنا ، ولكن اكتب ، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، فكتب كذلك ، ولما كتب في الكتاب ( بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قالوا أما الرحمن فلا نعرفه ، وكانوا يكتبون باسمك اللهم ، فقال عليه السلام (( اكتبوا كما تريدون)). واعلم أن قوله ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ إذا حملناه على هاتين الروايتين كان معناه أنهم كفروا باطلاق هذا الاسم على الله تعالى، لا أنهم كفروا بالله تعالى . وقال آخرون : بل كفروا بالله إمّا جحدأ له وإما لإِثباتهم الشركاء معه . قال القاضي : وهذا القول أليق بالظاهر ، لأن قوله تعالى ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ يقتضي أنهم كفروا بالله ، وهو المفهوم من الرحمن ، ولیس المفهوم منه الاسم کما لو قال قائل : کفروا بمحمد وكذبوا به لكان المفهوم هو ، دون اسمه . ٥٤ قوله تعالى (( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال)) سورة الرعد وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُبِرَتْ بِهِ اَلْجِبَالُ أَوْ قُطَّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْكُلِّمَ بِهِ اَلْمَوْنَّى بَل ◌ِِّ اَلْأَمُ ◌َيِّعًا أَفَلَمْ يَاْعَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن ◌َّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ مِيعًا وَلَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَخُلُ قَرِيبً مِّنِ دَارِهِمْ خَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ الَّ لَا يُخْلِفُ الْمِيْعَادَ (٣) قوله تعالى ﴿ ولو أُن قرآناً سیرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو کلّم به الموتی بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ﴾. اعلم أنه روى أن أهل مكة قعدوا في فناء مكة ، فأتاهم الرسول وي ليه وعرض الاسلام عليهم ، فقال له عبدالله بن أمية المخزومي: سيرّلنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، أو أحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أو باطل، فقد كان عيسى يحيي الموتى ، أو سخر لنا الريح حتى نركبهاونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان ، فنزل قوله ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ﴾ أي من أماكنها ﴿ أو قطعت به الأرض ﴾ أي شققت فجعلت أنهارا وعيونا ﴿ أو كلم به الموتى﴾ لكان هو هذا القرآن الذي أنزلناه عليك. وحذف جواب ((لو)) لكونه معلوما ، وقال الزجاج : المحذوف هو أنه ﴿ لو أن قرآنا سيرت به الجبال ﴾ وكذا وكذا لما آمنوا به كقوله ﴿ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى ﴾ ثم قال تعالى ﴿بل لله الأمر جميعا﴾ يعني إن شاء فعل وان شاء لم يفعل وليس لأحد أن یتحکم عليه في أفعاله وأحكامه. ثم قال تعالى ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ في قوله ﴿ أفلم بیأس ﴾ قولان: القول الأول ﴾ أفلم يعلموا وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الوجه الأول﴾: ييأس : يعلم في لغة النخع ، وهذا قول أكثر المفسرين مثل مجاهد قوله تعالى (( أفلم يياس الذين آمنوا )) سورة الرعد والحسن وقتادة . واحتجوا عليه بقول الشاعر : وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وأنشد أبو عبيدة : اقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تیأسوا أني ابن فارس زهدم أي ألم تعلموا . وقال الكسائي : ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى علمت البتة . ﴿والوجه الثاني﴾ ما روى أن عليا وابن عباس كانا يقرآن ﴿أفلم يأس الذين آمنوا﴾ فقيل لابن عباس أفلم ييأس فقال: أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس، أنه كان في الخط يأس فزاد الكاتب سنة واحدة فصار ييأس فقرىء ييأس، وهذا القول بعيد جدا لأنه يقتضي كون القرآن محلا للتحريف والتصحيف. وذلك يخرجه عن كونه حجة قال صاحب الكشاف: ما هذا القول والله إلا فرية بلا مرية . والقول الثاني﴾ قال الزجاج: المعنى أو يئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعا . وتقريره أن العلم بأن الشيء لا يكون يوجب اليأس من كونه والملازمة توجب حسن المجاز ، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ اليأس لارادة العلم . المسألة الثانية﴾ احتج اصحابنا بقوله ﴿ أن لو يشاء اله لهدى الناس جميعا﴾ وكلمة ((لو)) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، والمعنى: أنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس ، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الالجاء ، وتارة يحملون الهداية على الهداية الى طريق الجنة ، وفيهم من يجري الكلام على الظاهر ، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون مشيئاً لهداية جميع الناس . والكلام في هذه المسألة قد سبق مرارا . أما قوله تعالى ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ﴾ ففيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ قوله ﴿الذين كفروا﴾ فيه قولان : القول الأول ﴾ قيل: أراد به جميع الكفار لان الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل ، وقيل : أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعهود السابق وهو ذلك الجمع المعين . ٥٦ قوله تعالى ((ولقد استهزىء برسل من قبلك )) سورة الرعد وَلَقَدِ أَسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ ﴾ أَنْ هُوَقَآَبِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَبَتْ وَجَعَلُواْ ◌َِِّ تُرَكَ قُلْ سَّوهُمْ أَمْ تُفَسِعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ الْأَرْضِ أَمْ يِظَِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهَُّالَهُ، مِنْ هَادٍ ي ◌َهُمْ عَذَابٌ ٣٤ فِىِ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ آلْآَخِرَةِ أَشْتُ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ٠٠ ﴿ المسألة الثانية﴾ في الآية وجهان : الأول : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم ، أو تحل القارعة قريبا منهم ، فيفزعون ويضطربون ويتطاير اليهم شرارها ويتعدى اليهم شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة . ﴿ والقول الثاني﴾ ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله وَلقر من العداوة والتكذيب قارعة ، لأن رسول الله ي ليه كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم ، أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة ، وكان الله قد وعده ذلك . ثم قال ﴿ إن الله لا يخلف الميعاد) والغرض منه تقوية قلب الرسول صل* وإزالة الحزن عنه . قال القاضي : وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده ، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إذ بعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق . وجوابنا : أن الخلّف غير ، وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف ، ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو . قوله تعالى،﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب،أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبؤنه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زيّن للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد، لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ومالهم من الله من واق ﴾ : ٥٧ قوله تعالى ((أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت )) سورة الرعد اعلم أن القوم لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول _* على سبيل الاستهزاء والسخرية وكان ذلك يشق على رسول الله و ليه وكان يتأذى من تلك الكلمات، فأنزل الله تعالى هذه الآية تسلية له وتصبيراً له على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كما أن قومك يستهزئون بك،﴿فأمليت للذين كفروا ﴾ أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم فكيف كان عقابي لهم ؟ واعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انتقمت من أولئك المتقدمين، والإملاء: الامهال وأن يُتركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى ، وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله ي طر على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجّة وما يكون توبيخالهم وتعجيبا من عقولهم فقال (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) والمعنى : أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات واذا كان كذلك كان عالما بجميع أحوال النفوس ، وقادرا على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال الثواب اليها على كل الطاعات ، وإيصال العقاب اليها على كل المعاصي ، وهذا هو المراد من قوله ( قائم على كل نفس بما كسبت ) وما ذاك إلا الحق سبحانه ونظيره قوله تعالى ( قائما بالقسط) . واعلم أنه لا بد لهذا الكلام من جواب واختلفوا فيه على وجوه : ﴿ الوجه الأول ﴾ التقدير ( أفمن هو قائم علی کل نفس بما كسبت )كمن ليس لههذه الصفة ؟ وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وهذا الجواب مضمر في قوله تعالى ( وجعلوا لله شركاء ) والتقدير : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع ، ونظيره قوله تعالى ( أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه ) ولم يأت جوابه لأنه مضمر في قوله ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله )، فكذا ههنا ، قال صاحب الكشاف : يجوز أن يقدر ما يقع خبرا للمبتدأ، أو يعطف عليه قوله (وجعلوا) والتقدير : أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوهوجعلوا له شركاء . ﴿ الوجه الثاني﴾ وهو الذي ذكره السيد صاحب حل العقد فقال: نجعل الواو في قوله (وجعلوا) واو الحال، ونضمر للمبتدأ خبرا يكون المبتدأ معه جملة مقررة لإمكان ما يقارنها من الحال ، والتقدير ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) موجود ، والحال أنهم جعلوا له شركاء ، ثم أقيم الظاهر وهو قوله ( لله ) مقام المضمر تقريرا للالهية وتصريحا بها ، وهذا كما تقول : جواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي . ٥٨ قوله تعالى (( ومن يضلل الله فما له من هاد)) سورة الرعد واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال ( قل سموهم ) وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة الى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم ، فعند ذلك يقال : سمه إن شئت . يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر ، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل ، فكأنه تعالى قال : سموهم بالآلهة على سبيل التهديد ، والمعنى : سواء سميتوهم بهذا الاسم أولم تُسمَّهم به ، فانها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل اليها ، ثم زاد في الحجاج فقال ( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ) والمراد : أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه ، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها ، وإن لم يكن شريك البتة ، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها ( أم بظاهر من القول ) يعني تموهون باظهار قول لا حقيقة له ، وهو كقوله تعالى ( ذلك قولهم بأفواههم ) ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه ( بل زين للذين كفروا مكرهم ) قال الواحدي : معنى ( بل ) ههنا كأنه يقول : دع ذكر ما كنَّا فيه زين،لهم مكرهم ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم ، فكأنه يقول : دع ذكر الدليل فانه لا فائدة فيه ، لأنه زيَّن لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل . قال القاضي : لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به ، واذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزيَّن هو الله ، بل لا بد وأن يكون إما شياطين الانس وإما شياطين الجن . واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه : الأول : أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الانس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل ، وإن كان هو الله فقد زال السؤال ، والثاني أن يقال : القلوب لا يقدر عليها إلا الله، والثالث : أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل . أما قوله ﴿وصدوا عن السبيل﴾ فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وصدّوا) بضم الصاد وفي حم ( وصُدّوا عن السبيل ) على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم ، وعند أهل السنة أن الله وصَدَّهم. وللمعتزلة فيه وجهان : قيل الشيطان ، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال : فلان معجب وإن لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون ، وصدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل الله ، أي أعرضوا وقيل : صرفوا غيرهم ، وهو لازم ومتعد ، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول ، وحجة القراءة الثانية قوله ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) ثم قال ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد) اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه : أولها قوله ( بل زين للذين كفروا مكرهم ) وقد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو الله . ٥٩ قوله تعالى ((ومن يضلل الله فماله من هاد)) الآية سورة الرعد وثانيها : قوله ( وصدوا عن السبيل ) بضم الصاد ، وقد بينا أن ذلك الصادّ هو الله . وثالثها : قوله ( ومن يضلل الله فما له من هاد) وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصادّ ليس إلا الله . ورابعها : قوله تعالى ( لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ) أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار الله ممتنع التغير . وإذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر ، امتنع صدور الايمان منه وکل هذه الوجوه قد لخّصناها في هذا الكتاب مرارا ، قال. القاضي ( من يضلل الله ) أي عن ثواب الجنة لكفره وقوله ( فما له من هاد) منبىء أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا ، وقيل : المراد بذلك من حكم بأنه ضال وسماه ضالاً ، وقيل المراد من يضلله الله عن الايمان بأن يجده كذلك ، ثم قال والوجه الأول أقوى . واعلم أن الوجه الأول ضعيف جدا لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم وكفرهم في الدنيا ولم يجر ذكر ذهابهم الى الجنة البتة فصرف الكلام عن المذكور الى غير المذكور بعيد ، وأيضا فهب أنا نساعد على أن الأمر كما ذكروه ، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن خلاف معلوم الله ومخبره محال ممتنع الوقوع . واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا ، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق ، وأنه لا دافع لهم عنه لا في الدنيا ولا في الآخرة . أما عذاب الدنيا فبالقتل ، والقتال ، واللعن ، والذم ، والاهانة ، وهل يدخل المصائب والأمراض في ذلك أم لا ؟ اختلفوا فيه ، قال بعضهم : إنها تدخل فيه ، وقال بعضهم : إنها لا تكون عقابا ، لأن كل أحد نزلت به مصيبة فانه مأمور بالصبر عليها ، ولو كان عقابا لم يجب ذلك ، فالمراد على هذا القول : من الآية القتل ، والسبى ، واغتنام الأموال ، واللعن ، وإنما قال ( ولعذاب الآخرة أشق ) لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة والشدة ، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع ، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء من موجبات الراحة ، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع ، ثم بين بقوله ( وما لهم من الله من واق ) أي أن أحدا لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب الله . قال الواحدي : أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله ( واق ) وکذلك في قوله ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) وكذلك في قوله ( وال ) وهو الوجيه لأنك تقول في الوصل : هذا هاد . ووال . وواق ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين ، فاذا وقفت انحذف التنوين في الوقف في الرفع والجر ، والياء قد انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد. ووال. وواق. وکان ابن کثیر یقف بالياء في هادي. ووالي. وواقي. ووجهه ما حکی سيبويه ٦٠ قوله تعالى ((مثل الجنة التي وعد المتقون)) سورة الرعد مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحِهَا آلْأَنْهَرُ أَكُهَ دَاءٌ وَظِلْهَا تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبِىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ ٣٥ - أن بعض من يوثق به من العرب يقول: هذا داعي فيقفون بالياء . قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ﴾ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة ، أتبعه بذکر ثواب المتقين، وفي قوله ( مثل الجنة ) أقوال : الأول : قال سيبويه ( مثل الجنة ) مبتدأ وخبره محذوف والتقدير : فيما قصصنا عليكم مثل الجنة . والثاني : قال الزجاج : مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا . والثالث : مثل الجنة مبتدأ وخبره تجري من تحتها الأنهار ، كما تقول صفة زيد اسم . والرابع : الخبر هو قوله ( أكلها دائم ) لأنه الخارج عن العادة كأنه قال ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ) كما تعلمون من حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم . المسألة الثانية﴾ اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث: أولها : تجري من تحتها الأنهار. وثانيها: أن أكلها دائم. والمعنى: أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها وثمرها ومنافعها. أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة. وثالثها: أن ظلمها دائم أيضاً، والمراد أنه ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظلمة، ونظيره قوله تعالى (لاَ يَرَوْنَ فِيها شمساً ولا زمهريرا)، ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بين أن ذلك عقبى الذين اتقوا، يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة، وعاقبة الكافرين النار. وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب موصوفة بصفة الدوام . واعلم أن قوله ( أُكلها دائم ) فيه مسائل ثلاث : ﴿ المسألة الأولى﴾ أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم وأتباعه . ﴿ المسألة الثانية ﴾ أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي الى سكون دائم ، كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه .