النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قوله تعالى (( يحفظونه من أمر الله )) سورة الرعد
﴿ القول الأول ﴾ أنه على التقديم والتأخير والتقدير: له معقبات من أمر الله
يحفظونه .
﴿القول الثاني﴾ أن فيه إضمار أي ذلك الحفظ من أمر الله مما أمر الله به فحذف الاسم
وأبقى خبره كما يكتب على الكيس ، ألفان والمراد الذي فيه ألفان .
والقول الثالث﴾ ذكره ابن الأنباري أن كلمة ((من)) معناها الباء والتقدير : يحفظونه
بأمر الله وباعانته ، والدليل على أنه لا بد من المصير اليه أنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من
الخلق على أن يحفظوا أحدا من أمر الله ومما قضاه عليه .
السؤال الرابع ﴾ ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا؟ والجواب : أن
هذا الكلام غير مستبعد ، وذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على
حدة وكذا القول في كل ليلة ، ولا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم ، فتلك التدبيرات
المختلفة في الحقيقة لتلك الأرواح ، وكذا القول في تدبير القمر والهيلاج والكدخدا على ما
يقوله المنجمون . وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم ولذلك تراهم
يقولون : أخبرني الطباعي التام ، ومرادهم بالطباعي التام أن لكل إنسان روحا فلكية يتولى
إصلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته ، وإذا كان هذا متفقا عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب
الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع ؟ وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في
جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة ، وبعضها شريرة ، وبعضها معزّة، وبعضها مذلة ، وبعضها
قوية القهر والسلطان ، وبعضها ضعيفة سخيفة ، وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك ،
فكذا القول في الأرواح الفلكية ، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وكل صفة أقوى من
الأرواح البشرية، وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة
مخصوصة ، لما أنها تكون في تربية روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية ،
وتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي . ومتى كان الأمر كذلك كان
ذلك الروح الفلكي معيناً لها على مهماتها ومرشدا لها الى مصالحها ، وعاصماً لها عن صنوف
الآفات ، فهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به
الشريعة أمر مقبول عند الكل ، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة ؟ ثم في اختصاص هؤلاء
الملائكة وتسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل ؛ الأول : أن
الشياطين يدعون الى الشرور والمعاصي ، وهؤلاء الملائكة يدعون الى الخيرات والطاعات .
والثاني : قال مجاهد : ما من عبد إلا ومعه ملك يحفظه من الجن والانس والهوام في نومه

٢٢
قوله تعالى (( يحفظونه من أمر الله )) سورة الرعد
ويقظته . الثالث : أنا نرى أن الانسان قد يقع في قلبه داع قوي من غير سبب ثم يظهر
بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سببا من أسباب مصالحه وخيراته ، وقد ينكشف
أيضا بالآخرة أنه كان سببا لوقوعه في آفة أو في معصية ، فيظهر أن الداعي الى الامر الأول كان
مريدا للخير والراحة والى الأمر الثاني كان مريدا للفساد والمحنة ، والأول هو الملك الهادي
والثاني : هو الشيطان المغوي . الرابع : أن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه اعماله
كان الى الحذر من المعاصي أقرب ، لأن من آمن يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم فاذا حاول
الاقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الاقدام عليها كما يزجره عنها
إذا حضره من يعظمه من البشر، وإذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال كان ذلك أيضا
رادعا له عنها وإذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل .
السؤال الخامس ﴾ ما الفائدة في كتبه أعمال العباد ؟ قلنا : ههنا مقامات :
المقام الأول ) أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتبة ، قال المتكلمون : الفائدة
في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى ، فانه إذا رجحت كفة
الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة ، وإن كان بالضد فبالضد . قال القاضي : هذا بعيد
لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء
فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان ، ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام وقال : لا يمتنع
أيضا ما روينا لأمر يرجع الى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة ،
وبالضد من ذلك في اعداء الله .
﴿ والمقام الثاني) وهو قول حكماء الاسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة
وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة ، فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك
المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل .
إذا ثبت هذا فنقول : إن الانسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات وكرات كثيرة متوالية
حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة ، فان كانت تلك الملكة ملكة سارة بالأعمال
النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت، وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في
الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت .
إذا ثبت هذا فنقول : إن التكرير الكثير لما كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان
لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة ، وذلك الأثر وإن كان غير

٢٣
قوله تعالى )) إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) سورة الرعد
محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة . وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للانسان لمحة ولا حركة
ولا سكون ، إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو من آثار الشقاوة قلَّ أو كثُر،
فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء والله أعلم بحقائق الأمور . وهذا كله اذا فسرنا قوله
تعالى ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه ﴾ بالملائكة .
﴿ القول الثاني ﴾ وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره أبو مسلم
الأصفهاني، المراد : أنه يستوي في علم الله تعالى السر والجهر ، والمستخفي بظلمة الليل ،
والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين والأنصار وهم الملوك والأمراء . فمن لجأ الى الليل فلن
يفوت الله أمره ، ومن سار نهاراً بالمعقبات وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه
حرّاسه من الله تعالى. والمعقب هو العون، لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلا بد أن يبصر ذاك هذا،
فتصير بصيرة كل واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخر فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله ومن
قدره ، وهم إن ظنوا أنهم يخلّصون مخدومهم من أمر الله ومن قضائه فانهم لا يقدرون على ذلك
البتة ، والمقصود من هذا الكلام بعث السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من
المكاره عن حفظ الله وعصمته ولا يعوِّلوا في دفعها على الأعوان والأنصار ، ولذلك قال تعالى
بعده ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ومالهم من دونه من وال ﴾
أما قوله تعالى ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فكلام جميع المفسرين
يدل على أن المراد لا يغيرِّ ما هم فيه من النعم بانزال الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي
والفساد . قال القاضي : والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى
العقاب إلا وقد يبتدىء به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم، لأنه تعالى ابتدأ
بالنعم دينا ودنيا ويفضل في ذلك من شاء على من شاء ، فالمراد مما ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك
والعقاب ، ثم اختلفوا فبعضهم قال: هذا الكلام راجع الى قوله ﴿ ويستعجلونك بالسيئة قبل
الحسنة) فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الاصرار على الكفر
والمعصية ، حتى قالوا : إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في عقبه من يؤمن فانه تعالى لا
ينزل عليهم عذاب الاستئصال وقال بعضهم : بل الكلام يجري على إطلاقه ، والمراد منه أن
كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فان الله يزيل عنهم النعم
وينزل عليهم أنواعا من العذاب ، وقال بعضهم : أن المؤمن الذي يكون مختلطا بأولئك
الأقوام فربما دخل في ذلك العذاب. روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه
((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب )) واحتج
أبو علي الجبائي والقاضي بهذه الآية في مسألتين :

٢٤
قوله تعالى ((هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا)) سورة الرعد
١٠٠٠١٠/١٠
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ
١٢
هُوَ الَّذِىِ يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الْثِّقَالَ
بِّدِهِ وَالْعَلَبِكُ مِنْ خِفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَِّقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُحَدِلُونَ
فى اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، لأنهم لم يغيروا
ما بأنفسهم من نعمة فَيغير الله حالهم من النعمة الى العذاب .
﴿ المسألة الثانية ) قالوا : الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى يبتدىء العبد
بالضلال والخذلان أول ما يبلغ وذلك أعظم من العقاب ، مع أنه ما كان منه تغيير .
والجواب : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل العبد ،
إلا أن قوله تعالى ﴿وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل الله
تعالى ، فوقع التعارض .
وأما قوله ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ﴾ فقد احتج أصحابنا به على أن العبد
غير مستقل في الفعل . قالوا : وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقا
للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ، فلو كان العبد مستقلا بتحصیل الايمان لکان قادرا على رد ما
أراده الله تعالى ، وحينئذ يبطل قوله ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ﴾ فثبت أن الآية
السابقة وإن أشعرت بمذهبهم ، إلا أن هذه الآية من اقوى الدلائلُ على مذهبنا . قال
الضحاك عن ابن عباس : لم تغن المعقبات شيئا ، وقال عطاء عنه : لاراد لعذابي ولا ناقض
لحكمي ﴿ وما لهم من دونه من وال ﴾ أي ليس لهم من دون الله من يتولاهم ، ويمنع قضاء الله
عنهم . والمعنى : ما لهم وال يلي أمرهم ، ويمنع العذاب عنهم .
قوله تعالى ﴿ هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ويسبح
الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله
وهو شديد المحال
اعلم أنه تعالى لما خوف العباد بانزال ما لا مرد له، أتبعه بذكر هذه الآيات وهي مشتملة
على أمور ثلاثة ، وذلك لأنها دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته وأنها تشبه النعم والاحسان من
بعض الوجوه ، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه .
واعلم أنه تعالى ذكرههنا أمورا أربعة : الأول : البرق وهو قوله تعالى ﴿ يريكم البرق

٢٥
قوله تعالى ((وينشىء السحاب الثقال )) سورة الرعد
خوفا وطمعا ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف في انتصاب قوله ﴿خوفا وطمعا﴾ وجوه:
الأول : لا يصح أن يكون مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل المعلل إلا على تقدير حذف
المضاف أي إرادة خوف وطمع أو على معنى إخافة وإطماعا . الثاني : يجوز أن يكونا منتصبين
على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير : ذا خوف وذا طمع أو على معنى إيخافا
وإطماعا . الثالث : أن يكونا حالا من المخاطبين أي خائفين وطامعين .
﴿ المسألة الثانية﴾ في كون البرق خوفا وطمعا وجوه: الأول: أن عند لمعان البرق
يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث، قال المتنبي :
يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق
فتی کالسحاب الجون يخشی ویرتجى
الثاني : أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع
فيه من له فيه نفع . الثالث : أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة الى قوم وشر بالنسبة
الى الآخرين . فكذلك المطر خير في حق من يحتاج اليه في أوانه ، وشر في حق من يضره ذلك ،
إما بحسب المكان أو بحسب الزمان .
﴿ المسألة الثالثة) اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى وبيانه أن
السحاب لا شك جسم مركب من أجزاء رطبة مائية ، ومن أجزاء هوائية ونارية ولا شك
أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس وظهور الضد من
الضد التام على خلاف العقل فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد .
فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد
على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه ، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولد من ذلك
التمزيق الشديد حركة عنيفة ، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق ؟
والجواب : أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول، وبيانه من وجوه: الأول : أنه لو كان
الأمر كذلك لوجب أن يقال : أينما يحصل البرق فلا بد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث
من تمزق السحاب، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فانه كثيرا ما يحدث البرق القوي من غير
حدوث الرعد . الثاني : أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة
للبرد ، وعند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية ؟ بل نقول : النيران العظيمة
۔

٢٦
قوله تعالى (( ويسبح الرعد بحمده )) سورة الرعد
تنطفىء بصب الماء عليها ، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية ؟
الثالث : من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة ، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة
المحاكمة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر ؟ فثبت أن السبب
الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلا
بقدرة القادر الحكيم .
النوع الثاني ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى ﴿وينشىء السحاب
الثقال ﴾ قال صاحب الكشاف: السحاب اسم جنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة
لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وهي الثقال بالماء .
واعلم أن هذا أيضا من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأن هذه الاجزاء المائية إما أن
يقال إنها حدثت في جو الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض، فان كان الأول ، وجب
أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب، وإن كان الثاني، وهو أن يقال إن
تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلما وصلت الى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت
فرجعت إلى الأرض، فنقول هذا باطل، وذلك لأن الأمطار مختلفة فتارة تكون القطرات كبيرة
وتارة تكون صغيرة وتارة تكون متقاربة، وأخرى تكون متباعدة وتارة تدوم مدة نزول المطر
زمانا طويلا وتارة قليلا، فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة،
وطبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة، لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار وأيضا
فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثرا عظيما ولذلك كانت صلاة
الإستسقاء مشروعة ، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة والخاصية .
النوع الثالث ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد وهو قوله ( ويسبح الرعد
بحمده والملائكة من خيفته ) وفيه أقوال :
القول الأول ﴾ ان الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت
ذلك الملك بالتسبيح والتهليل، عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن اليهود سألت النبي وق لقه عن
الرعد ما هو؟ فقال (( ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب
حيث شاء الله)) قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟ قال ((زجرة السحاب))،وعن الحسن أنه
خلق من خلق الله ليس بملك فعلي هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح
لله تعالى وذلك الصوت أيضا يسمى بالرعد، ويؤكد هذا ما روى عن ابن عباس رضى الله
عنهما : كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له، وعن النبي ◌َّم قال ((إن الله

٢٧
قوله تعالى (( والملائكة من خيفته ))سورة الرعد
ينشىء السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه
البرق )).
واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطا لحصول
الحياة، فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب،
فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له، وکیف یستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل یتولد في
النار، والضفادع تتولد في الماء البارد، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة، وأيضا
فاذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام ، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد خلقا ،
فكيف تستبعد تسبيح السحاب؟ وعلى هذا القول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس
بملك فيه قولان: أحدهما : أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة ، فقال (والملائكة من
خيفته) والمعطوف عليه مغاير للمعطوف. والثاني: وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة
وإنما افراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله (وملائكته ورسله وجبريل وميكال) وفي قوله
(وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم. ومنك ومن نوح)
﴿ القول الثاني ﴾ أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فان الرعد يسبح
الله سبحانه ، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول
التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود موجود
متعال عن النقص والامكان ، كان ذلك في الحقيقة تسبيحا ، وهو معنى قوله تعالى ( وإن من
شيء إلا يسبح بحمده )
﴿ القول الثالث ﴾ أن المراد من كون الرعد مسبحا أن من يسمع الرعد فانه يسبح الله
تعالى ، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح اليه .
القول الرابع ﴾ من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات
أفئدتهم، والمطر بكاؤهم .
فان قيل : وما حقيقة الرعد ؟
قلنا: استقصينا القول في سورة ((البقرة)) في قوله ( فيه ظلمات ورعد وبرق ).
أما قوله ﴿والملائكة من خيفته﴾ فاعلم أن من المفسرين من يقول: عنى بهؤلاء
الملائكة أعوان الرعد ، فإنه سبحانه جعل له أعوانا ، ومعنى قوله ( والملائكة من خيفته ) أي
وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته . قال ابن عباس رضى الله عنهما : إنهم خائفون من

٢٨
قوله تعالى (( وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال)) سورة الرعد
الله لا كخوف ابن آدم ، فان أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ، ولا يشغله عن
عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء .
واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية
فلكية ، فالسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ، وكذا القول في الرياح وفي سائر
الآثار العلوية ، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله ، فهذا الذي
قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء ، فكيف يليق بالعاقل
الانكار ؟
النوع الرابع ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله ( ويرسل الصواعق فيصيب
بها من يشاء ) واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة . قال المفسرون : نزلت هذه
الآية في عامر ابن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي ◌َّ يخاصمانه
ويجادلانه ، ويريدان الفتك به ، فقال أربد بن ربيعة أخولبيد بن ربيعة : أخبرنا عن
ربنا أمن نحاس هو أم من حديد ، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته ، ورمى
عامرا بغدة كغدة البعير ، ومات في بيت سلولية .
واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جدا وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب ، واذا نزلت من
السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر ، والحكماء بالغوا في وصف
قوتها ، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب ، فوجب أن تكون
طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة ، لكنه ليس
الأمر كذلك ، فانها أقوى نيران هذا العالم ، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن
يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال ( وهم يجادلون في الله ) والمراد أنه تعالى
بين دلائل كمال علمه في قوله ( يعلم ما تحمل كل أنثى) وبين دلائل كمال القدرة في هذه
الآيات .
ثم قال ﴿وهم يجادلون في الله) يعني أن هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في
الله . وهو يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال : أخبرنا عن
ربنا أمن نحاس أم من حديد .. وثانيها : أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث
وإبطال الحشر والنشر. وثالثها : أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات .
ورابعها : أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال . وفي هذه الواو قولان :

٢٩
قوله تعالى (( له دعوة الحق )) سورة الرعد
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم بِشَىْءٍإلَّ كَبَسِطِ كَفَيْهِ
إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ قَهُ وَمَاهُوَ بِبَشِغِهِ، وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّ فِ ضَلٍَ
الأول : أنها للحال ، والمعنى : فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله ، وذلك أن
أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة . والثاني : أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه
الدلائل قال بعد ذلك ( وهم يجادلون في الله )
ثم قال تعالى ﴿وهو شديد المحال ﴾ وفي لفظ المحال أقوال: قال ابن قتيبه : الميم زائدة
وهو من الحول ، ونحوه ميم مكان ، وقال الأزهري : هذا غلط ، فان الكلمة إذا كانت على
مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ، نحو مهاد ومداس ومداد ، واختلفوا مم أخذ على
وجوه : الأول : قيل من قولهم محل فلان بفلان اذا سعى به الى السلطان وعرضه للهلاك ،
وتمحل لكذا اذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه ، فكان المعنى : أنه سبحانه شديد المكر
لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه . الثاني : أن المحال عبارة عن الشدة ، ومنه تسمى السنة
الصعبة سنة المحل وماحلت فلانا محالا ، أي قاومته أيما أشد ، قال أبو مسلم : ومحال فعال
من المحل وهو الشدة ، ولفظ فعال يقع على المجازاة والمقابلة ، فكأن المعنى : أنه تعالى شديد
المغالبة ، وللمفسرين ههنا عبارات فقال مجاهد وقتادة : شديد القوة ، وقال أبو عبيدة : شديد
العقوبة ، وقال الحسن : شديد النقمة ، وقال ابن عباس : شديد الحول . الثالث : قال ابن
عرفة: يقال ماحل عن أمره أي جادل، فقوله (شديد المحال) اي شديد الجدال. الرابع: روى
عن بعضهم (شديد المحال) أي شديد الحقد. قالوا هذا لا يصح، لأن الحقد لا يمكن في حق
الله تعالى، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ اذا وردت في حق الله تعالى
فانها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادىء الأعراض، فالمراد بالحقد ههنا هو أنه تعالى
يريد إيصال الشرإليه مع أنه يخفي عنه تلك الارادة .
٨
قوله تعالى : ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط
کفيه الى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافر ین إلا في ضلال﴾
اعلم أن قوله (له دعوة الحق) أي الله دعوة الحق، وفيه بحثان :
﴿البحث الأول﴾ في أقوال المفسرين وهي أمور: أحدها: ما روى عكرمة عن ابن

٣٠
قوله تعالى ((ولله يسجد من في السموات والأرض )) سورة الرعد
وَلِلِّ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْءًا وَكَرْهًا وَظَلُهُم بِالْغُدُوِ وَآلْأَصَالِ
١٥)
عباس رضي الله عنهما أنه قال (دعوة الحق) قول لا إله إلا الله، وثانيها : قوله الحسن: إن الله
هو الحق ، فدعاؤه هو الحق ، كأنه يومىء الى أن الانقطاع اليه في الدعاء هو الحق ، وثالثها:
أن عبادته هي الحق والصدق .
واعلم أن الحق هو الموجود . والموجود قسمان : قسم يقبل العدم وهو حق يمكن أن يصير
باطلا وقسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلا وذلك هو الحق الحقيقي ، وإذا كان واجب
الوجود لذاته موجودا لا يقبل العدم كان أحق الموجودات بأن يكون حقا هو ، وكان أحق
الاعتقادات وأحق الأذكار بأن يكون حقا هو اعتقاد ثبوته وذكر وجوده ، فثبت بهذا أن وجوده
هو الحق في الموجودات واعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات . وذكره بالثناء والالهية والكمال
هو الحق في الأذكار فلهذا قال (له دعوة الحق) .
﴿ البحث الثاني﴾ قال صاحب الكشاف (دعوة الحق) فيه وجهان : أحدهما : أن
تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف اليه الكلمة في قوله (كلمة الحق)
والمقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة بكونها حقة وكونها خالية عن أمارات كونه
باطلا، وهذا من باب إضافة الشيء إلى صفته. والثاني : أن تضاف إلى الحق الذي هو الله
سبحانه على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ، وعن الحسن : الحق هو الله وكل
دعاء اليه فهو دعوة الحق.
ثم قال تعالى ﴿والذين يدعون من دونه﴾ يعني الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله
(لا يستجيبون لهم بشيء) مما يطلبونه إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه الى الماء ، والماء جماد لا
يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته اليه ، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، فكذلك ما
يدعونه جماد ، لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ، ولا يقدر على نفعهم، وقيل: شبهوا في
قلة فائدة دعائهم لآلهتهم ، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشرا أصابعه ولم
تصل كفاه الى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من شربه ، وقرىء (تدعون) بالتاء (كباسط كفيه)
بالتنوين ، ثم قال (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي إلا في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن
دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم .
قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو
والآصال﴾ .

٣١
قوله تعالى (( وظلالهم بالغدو والآصال)) سورة الرعد
واعلم أن في المراد بهذا السجود قولين :
﴿ القول الأول﴾ أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا ففيه
وجهان : أحدهما : أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص وهم المؤمنون ، فبعض
المؤمنين يسجدون الله طوعا بسهولة ونشاط ، ومن المسلمين من يسجد لله كرها لصعوبة ذلك
عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبى . والثاني : أن اللفظ عام والمراد منه
أيضاً العام وعلى هذا ففي الآية إشكال، لأنه ليس كل من في السموات والأرض يسجد لله ، بل
الملائكة يسجدون لله ، والمؤمنون من الجن والانس يسجدون لله تعالى ، وأما الكافرون فلا
يسجدون .
الجواب عنه من وجهين : الأول : أن المراد من قوله ( ولله يسجد من في السموات
والأرض ) أي ويجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله فعبّر عن الوجوب بالوقوع
والحصول، والثاني : وهو أن المراد من السجود التعظيم والاعتراف بالعبودية ، وكل من في
السموات ومن في الأرض يعترفون بعبودية الله تعالى على ما قال ( ولئن سألتهم من خلق
السموات والأرض ليقولن الله ).
وأما القول الثاني في تفسير الآية ﴾ فهو أن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم
الامتناع . وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى ، لأن قدرته ومشيئته نافذة في
الكل وتحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم
والوجود على السوية . وكل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس ، إلا
بتأثير موجد ومؤثر، فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بايجاده ، وعدم كل ما سواه
بإعدامه ، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الايجاد والاعدام ، وذلك هو السجود وهو
التواضع والخضوع والانقياد ، ونظير هذه الآية قوله ( بل له ما في السموات والأرض كل له
قانتون ) وقوله ( وله أسلم من في السموات والأرض )
وأما قوله تعالى ﴿ طوعا وكرها﴾ فالمراد: أن بعض الحوادث مما يميل الطبع الى حصوله
كالحياة والغنى ، وبعضها مما ينفر الطبع عنه كالموت والفقر والعمى والحزن والزمانة وجميع
أصناف المكروهات ، والكل حاصل بقضائه وقدره وتكوينه وإيجاده ، ولا قدرة لأحد على
الامتناع والمدافعة .
ثم قال تعالى ﴿ وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ وفيه قولان :
﴿ القول الأول ﴾ قال المفسرون.كل شخص سواء كان مؤمنا أو كافرا فان ظله يسجد

٣٢
قوله تعالى ((قل من رب السموات والأرض قل الله )) سورة الرعد
قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ، أَوْلِيَاءَ لَا
يَمْلِ كُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَ ضَرَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْتَوِى
الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّه شُرَكَءَ خَلَقُواْ تَكَلْقِهِ فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ
كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اَلْوَِّدُ الْقَهَّرُ لَه
لله . قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد لله طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد لله كرها وهو
كاره ، وقال الزجاج : جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله ، وعند هذا
قال ابن الأنباري : لا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولا وأفهاما تسجد بها وتخشع كما جعل
الله للجبال أفهاما حتى اشتغلت بتسبيح الله تعالى وحتى ظهر أثر التجلي فيها كما قال ( فلما نجَّلى
ربه للجبل جعله دكًا )
والقول الثاني ﴾ وهو أن المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب الى جانب وطولها
بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ، فهي منقادة مستسلمة في طولها
وقصرها وميلها من جانب الى جانب، وإنماخصص الغدو والآصال بالذكر ، لأن الظلال إنما
تعظم وتكثر في هذين الوقتين .
قوله تعالى: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا
يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور
أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾
اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات والأرض ساجد له بمعنی کونه خاضعا له ،
عاد الى الرد على عبدة الأصنام فقال ( قل من رب السموات والأرض قل الله ) ولما كان هذا
الجواب جوابا يقرّ به المسئول ويعترف به ولا ينكره، أمره أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب،
تنبيها على أنهم لا ينكرونه البتة، ولما بين أنه سبحانه هو الرب لكل الكائنات قال : قل لهم فلم
اتخذتم من دون الله أولياء وهي جمادات وهي لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ، ولما كانت عاجزة
عن تحصيل المنفعة لأنفسها ودفع المضرة عن أنفسها فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها
ودفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى ، فاذا لم تكن قادرة على ذلك كانت عبادتها محض العبث
والسفه ، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى والعالم
بها كالبصير ، والجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات ، والعلم بها كالنور ، وكما أن كل أحد يعلم

٣٣
قوله تعالى ((قل من رب السموات والأرض قل الله)) سورة الرعد
بالضرورة أن الأعمى لا يساوي العالم بها . قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وعمرو عن عاصم
( يستوى الظلمات والنور ) بالياء ، لأنها مقدمة على اسم الجمع والباقون بالتاء ، واختاره أبو
عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ) يعني
هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا: إنها تشارك الله في
الخالقية ، فوجب أن تشاركه في الالهية ، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه
الأصنام لم يصدر عنها فعل البتة ، ولا خلق ولا أثر ، وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم
بكونها شركاء لله في الالهية محض السفه والجهل . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من
وجوه : الأول : إن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات
والسكنات التي يخلقها الله تعالى ، وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ،
ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم والانكار ، فدلت هذه الآية على أن العبد
لا يخلق فعل نفسه . قال القاضي : نحن وإن قلنا : إن العبد يفعل ويحدث ، إلا أنا لا نطلق
القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله ، لأن أحدنا يفعل بقدرة الله ، وإنما
يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة ، والله تعالى منزه عن ذلك كله ، فثبت أن بتقدير كون العبد
خالقا ، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله تعالى ، وأيضا فهذا الالزام لازم للمجبرة ، لأنهم
يقولون: عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له ، وهذا عين الشرك لأن الاله والعبد
في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق . وأيضا فهو
تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيباً للكفار وذما لطريقتهم ، ولو كان فعل العبد خلقا لله تعالى لما بقي
لهذا الذم فائدة ، لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير: إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا
الكفر فينا فلم يذمنا عليه ولم ينسبنا الى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ولا
باختيارنا ؟!
والجواب عن السؤال : أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الاخراج من العدم الى
الوجود، أو يكون عبارة عن التقدير ، وعلى الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثا فانه لا بد
وأن يكون حادثا . أما قوله : والعبد وإن كان خالقا إلا أنه ليس خلقه كخلق الله :
قلنا : الخلق عبارة عن الايجاد والتكوين والاخراج من العدم إلى الوجود ، ومعلوم أن
الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلا للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى ، كان أحد المخلوقين
مثلا للمخلوق الثاني ، وحينئذ يصح أن يقال : إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو
مخلوق لله تعالى . بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات ، إلا أن حصول المخالفة
الفخر الرازي ج١٩م ٣

٣٤
قوله تعالى (( قل الله خالق كل شيء ))سورة الرعد
في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال .
وأما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا إن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، فنقول هذا غير
لازم ، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلا لخلق الله تعالى ، ونحن لا
نثبت للعبد خلقا البتة ، فكيف يلزمنا ذلك ؟ وأما قوله : لو كان فعل العبد خلقا لله تعالى، لما
حسن ذم الكفار على هذا المذهب :
قلنا : حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد مستقلاً
بالفعل ، وهو منقوض ، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر ،
وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع ، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية
﴿ أما الوجه الثاني ﴾ في التمسك بهذه الآية قوله ( قل الله خالق كل شيء ) ولا شك أن
فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما تقدم .
والوجه الثالث ﴾ في التمسك بهذه الآية قوله (وهو الواحد القهار ) ولا يقال فيه
أنه تعالى واحد في أي المعاني ، ولما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو
الواحد في الخالقية ، القهار لكل ما سواه ، وحينئذ يكون دليلا أيضا على صحة قولنا .
﴿ المسألة الثانية﴾ زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء. اعلم أن هذا
النزاع ليس الا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا ، وزعم أنه لا يقع هذا الاسم
على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئا لوجب كونه خالقا لنفسه ، لقوله تعالى ( الله خالق
كل شيء) ولما كان ذلك محالا ، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء ، ولا يقال : هذا عام دخله
التخصيص ، لأن العام المخصوص إنما يحسن اذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه
كما اذا قال : أكلت هذه الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها ، وههنا ذات الله تعالى
أعلى الموجودات وأشرفها ، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصا
في حقه ؟
﴿ والحجة الثانية) تمسك بقوله تعالى ( ليس كمثله شيء) والمعنى : ليس مثل مثله
شيء ، ومعلوم أن كل حقيقة فانها مثل مثل نفسها ، فالباري تعالى مثل مثل نفسه ، مع أنه
تعالى نبّه على أن مثل مثله ليس بشيء ، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء .
والحجة الثالثة ) قوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) دلت هذه الآية على
أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى ، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات ، فلا

٣٥
قوله تعالى ((أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها )) سورة الرعد
أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَأَحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًاَِّيًا وَبِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ
فِ النَّارِ أَنْتِغَاءَ حِلَةٍ أَوْ مَنَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَلِكَ يَضْرِبُ الله الْحَنَّ وَالْبَطِلَ فَأَمَّ الَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَ وَأَمَّا مَايَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضَِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُالْأَمْثَلَ
، ◌ِلَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ، لَوْ أَنَّ ◌َهُم مَّا فِى
١٧
الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لَا فْتَدَوْاْ بِة أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأَوَنُهُمْ جَهَمُ
يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن ، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى ،
فوجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه
تعالى بقوله ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم )
وأجاب الخصم عنه : بأن قوله ( قل أي شيء أكبر شهادة ) سؤال متروك الجواب ،
وقوله ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته
لا بالقدرة . قالوا : لأنه لو حصل لله تعالى علم وقدرة وحياة ، لكانت هذه الصفات إما أن
تحصل بخلق الله أولا بخلقه ، والأول باطل وإلا لزم التسلسل ، والثاني باطل لأن قوله ( الله
خالق كل شيء ) يتناول الذات والصفات حكماً بدخول التخصيص فيه في حق ذات الله تعالى،
فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل . وهو أن يكون تعالى خالقا لكل شيء سوى ذاته
تعالى ، فلو كان لله علم وقدرة لوجب كونه تعالى خالقا لهما وهو محال ، وأيضا تمسكوا بهذه الآية
في خلق القرآن . فقالوا: الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الاشياء ، والقرآن ليس هو الله
تعالى ، فوجب أن يكون مخلوقا وأن يكون داخلا تحت هذا العموم .
والجواب : أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة ، إلا أنا نخصصها في حق صفات الله
تعالى بسبب الدلائل العقلية .
قوله تعالى ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما
يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد
فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا
لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك

٣٦
قوله تعالى (( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها )) سورة الرعد
وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿هَ أَنْ يَعْلَمُ أَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَنْ هُوَ أَعْمَىّ إِنَّا
يَتَذَكَّرُ أَوْلُواْ الْأَلْبَبِ
لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن
هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب ﴾
اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والايمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور،
ضرب للايمان والكفر مثلا آخر فقال ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) ومن حق الماء
أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها ، ومن حق
الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض، ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو
عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل ، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض أو
ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة ، ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد
جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار ، وذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة اذا
أذيب بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج اليها في مصالح البيت ، فانه
ينفصل عنها نوع من الزبد والخبث ، ولا ينتفع به بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص .
فالحاصل : أن الوادي اذا جرى طفا عليه زبد ، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء . والأجساد
السبعة اذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل
ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به ، فكذا ههنا أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والاحسان ماء وهو
القرآن ، والأودية قلوب العباد وشبّه القلوب بالأودية ، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم
القرآن ، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء ، وكما أن كل واحد يحصل فيه
من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه ، فكذا ههنا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم
القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه ، وكما أن الماء يعلوه
زبد الاجساد السبعة المذابة يخالطها خبث ، ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى
جوهر الماء وجوهر الأجساد السبعة، كذا ههنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك وشبهات ، ثم إنها
بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة في العاقبة ، فهذا هو تقرير هذا
المثل ووجه انطباق المثل على الممثل به ، وأكثر المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل
والتشبيه .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية أبحاث :
﴿ البحث الأول ﴾ الأودية جمع واد، وفي الوادي قولان :

٣٧
قوله تعالى ((فاحتمل السيل زبدا رابيا)) سورة الرعد
القول الأول ﴾ أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه
السيل ، هذا قول عامة أهل اللغة .
﴿ والقول الثاني ﴾ قال السهر وردي يسمى الماء واديا إذا سال، ومنه سمى الودي
ودياً لخروجه وسيلانه ، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل . والأول هو القول
المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله ( سالت أودية ) مجازا فكان التقدير : سالت مياه
الأودية إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه .
البحث الثاني ﴾ قال أبو علي الفارسي رحمه الله : الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلا جمع
على أفعلة ، ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم ،
وشاهد وشهيد ، وناصر ونصير ، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب ،
وطائر وأطيار ، ووزن فعيل يجمع على أفعلة ، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة
المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل . فيقال واد وأودية ويجمع الفعيل
على جمع الفاعل فيقال : يتيم وأيتام وشريف وأشراف وقال غيره : نظير واد وأودية ، ناد وأندية
للمجالس .
البحث الثالث﴾ إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير، لأن المطر لا يأتي إلا على
طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض . أما قوله تعالى ( بقدرها )
ففيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ قال الواحدي: القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم
وكم قدرها ومقدارها ؟ أي كم تبلغ في الوزن ، فما يكون مساويا لها في الوزن فهو قدرها .
﴿ البحث الثاني﴾ (سالت أودية بقدرها) أي من الماء ، فان صغر الوادي قلَّ الماء ،
وإن اتّسع الوادي كثر الماء .
أما قوله ﴿ فاحتمل السيل زبدا رابيا ﴾ ففيه بحثان:
البحث الأول ﴾ قال الفراء: يقال أزبد الوادي إزبادا، والزبد الاسم . وقوله
( رابيا) قال الزجاج : طافيا عاليا فوق الماء . وقال غيره : زائدا بسبب انتفاخه ، يقال : ربا
یربو إذا زاد.
أما قوله تعالى ﴿ ومما یوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ﴾ فاعلم أنه.

٣٨
قوله تعالى (( للذين استجابوا لربهم الحسنى)) سورة الرعد
تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء . أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار ، وفيه
ملاحظات:
﴿الملاحظة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (يوقدون) بالياء ، واختاره
أبو عبيدة لقوله ( ينفع الناس ) وأيضا فليس ههنا مخاطب . والباقون بالتاء على الخطاب ،
وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أنه خطاب للمذكورين في قوله ( قل أفاتخذتم من
دونه أولياء ) والثاني : أنه يجوز أن يكون خطابا عاما يراد به الكافة ، كأنه قال : ومما توقدون
عليه في النار أيها الموقدون .
﴿الملاحظة الثانية﴾ الإيقاد على الشيء على قسمين: أحدهما : أن لا يكون ذلك
الشيء في النار ، وهو كقوله تعالى ( فأوقد لي ياهامان على الطين ) والثاني : أن يوقد على الشيء
ويكون ذلك الشيء في النار فان من أراد تذويب الاجساد السبعة جعلها في النار ، فلهذا
السبب قال ههنا ( ومما توقدون عليه في النار ).
الملاحظة الثالثة ) في قوله ( ابتغاء حلية) قال أهل المعاني : الذي يوقد عليه لابتغاء
حلية الذهب والفضة ، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص ،
والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها ، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله (زبد مثله )
أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل .
ثم قال تعالى ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ) والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال
للحق والباطل . ثم قال ( أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ) قال الفراء : الجفاء
الرمي والإطراح يقال : جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه ، والجفاء اسم للمجتمع منه
المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال ، والمعنى : أن الزبد قد يعلو على وجه
الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد
السبعة ، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول
ويبقى الحق ظاهرا لا يشوبه شيء من الشبهات ، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالا ، وعن أبي
حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار .
/ أما قوله تعالى ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه تم
الكلام عند قوله ( كذلك يضرب الله الأمثال ) ثم استأنف الكلام بقوله ( للذين استجابوا لربهم
الحسنى ) ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى .
الثاني : أنه متصل بما قبله والتقدير؛ كأنه قال: الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب

٣٩
قوله تعالى ((للذين استجابوا لربهم الحسنى)) سورة الرعد
جفاء مثل من لا يستجيب، ثم بَيْنّ الوجه في كونه مثلا وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة ،
ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : كذلك يضرب
الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى ، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف.
واعلم أنه تعالى ذكرههنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء . أما أحوال السعداء فهي
قوله ( للذين استجابوا لربهم الحسنى ) والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم اليه من التوحيد
والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى . قال ابن
عباس : الجنة ، وقال أهل المعاني : الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة
الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والاجلال . ولم
يذكر الزيادة ههنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى ، وهو قوله ( للذين أحسنوا الحسنى
وزيادة ) وأما أحوال الأشقياء ، فهي قوله ( والذين لم يستجيبوا له ) فلهم أنواع أربعة من
العذاب والعقوبة :
فالنوع الأول ﴾ قوله ( لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ) والافتداء
جعل أحد الشيئين بدلا من الآخر ، ومفعول (لافتدوا به) محذوف تقديره : لافتدوا به أنفسهم
أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في ((به)) عائدة الى ((ما)) في قوله ( ما في
الأرض ).
واعلم أن هذا المعنى حق ، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته ، وكل ما سواه
فإنما يحبه لكونه وسيلة الى مصالح ذاته ، فاذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكا
لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فانه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه ، لأن المحبوب بالعرض لا
بدّ وأن يكون فداء لما يكون محبوبا بالذات .
﴿والنوع الثاني﴾ من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله (أولئك لهم سوء
الحساب ) قال الزجاج : ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم . وأقول ههنا حالتان : فكل ما
شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية ، وكل ما شغلك بغير
الله فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة ، ولا شك أن هاتين الحالتين تقبلان الأشد والأضعف
والأقل والأزيد ، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتهاورسوخها،
لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة ، ولا شك أنه لما كانت
كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة وكل واحدة من تلك الأفعال حتى اللمحة
واللحظة والخطور بالبال والالتفات الضعيف فانه يوجب أثرًا ما في حصول تلك الحالة في

٤٠
قوله تعالى ((الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)) سورة الرعد
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِه = أن
٠٠-٠٠٤
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيْثَلَقَ
٢٠
يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ (٨﴾ وَالَّذِينَ صَبَرُواْأَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَيْهِمْ
وَأَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَئُهُمْ سِرَّا وَعَلَائِيَةٌ وَيَدْرَهُونَ بِالْخَسَنَةِ السَِّئَةَ أُوْلَئِكَ
النفس فهذا هو الحساب ، وعند التأمل في هذه الفصول یتبین للانسان صدق قوله (فمن يعمل
مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )
إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله وفي الإقبال
بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى .
وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم ، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء
الحساب ، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محر ومين
عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى .
﴿ والنوع الثالث ) قوله تعالى (ومأواهم جهنم) وذلك لأنهم كانوا غافلين عن
الاستسعاد بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا ، فاذا ماتوا فارقوا معشوقهم
فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة فلذلك قال ( مأواهم جهنم )
ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال ( وبئس المهاد ) ولا شك أن الأمر كذلك .
ثم قال تعالى ﴿ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ فهذا إشارة
إلى المثل المتقدم ذكره وهو أن العالم بالشيء کالبصير ، والجاهل به کالأعمى ، ولیس أحدهما
كالآخر ، لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من غير قائد ، فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك ،
وربما أفسد ما كان على طريقه من الأمتعة النافعة ، أما البصير فانه يكون آمناً من الهلاك
والإهلاك .
ثم قال ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ) والمراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب الألباب
الذين يطلبون من كل صورة معناها ، ويأخذون من كل قشرة لبابها ويعبرون بظاهر كل حديث
إلی سره ولبابه .
قوله عز وجل ﴿ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به
أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا