النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
قوله تعالى ((فاطر السموات والأرض )) سورة يوسف
الثالث عشر
يعقوب عليه السلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة ولما قربت وفاته أوصى اليه أن يدفنه بالشام إلى
جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة ، فعند
ذلك تمنى ملك الآخرة فتمنى الموت . وقيل : ما تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيبا طاهرا ،
فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يجب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال فرأوا أن
الأصلح أن يعملوا له صندوقا من مرمر ويجعلوه فيه ويدفنوه في النيل بمكان يمر الماء عليه ثم
يصل الى مصر لتصل بركته الى كل أحد ، وولد له افراثيم وميشا ، وولد لافراثيم نون . ولنون
يوشع فتى موسى ، ثم دفن يوسف هناك الى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها
عند قبر أبيه .
﴿ المسألة الثانية ﴾ من في قوله ( من الملك. ومن تأويل الأحاديث ) للتبعيض ، لأنه لم
يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل . قال الأصم : إنما قال من
الملك ، لأنه كان ذو ملك فوقه .
واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة : المؤثر الذي لا يتأثر وهو الاله تعالى وتقدس ،
والمتاثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام ، فانها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة
والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء اصلا ، وهذان القسمان متباعدان جدا
ويتوسطهما قسم ثالث ، وهو الذي يؤثر ويتأثر ، وهو عالم الأرواح ، فخاصية جوهر الأرواح
أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله ، ثم إنها إذا قبلت على عالم الأجسام تصرفت
فيه وأثرت فيه ، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه ، وتعلقه بعالم الالهيات
بالعلم والمعرفة ، وقوله تعالى ( قد أتيتني من الملك ) اشارة الى تعلق النفس بعالم الأجسام
وقوله ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) اشارة الى تعلقها بحضرة جلال الله ، ولما كان لا نهاية
لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء ، امتنع أن يحصل
منهما للانسان إلا مقدار متناه ، فكان الحاصل في الحقيقة بعضا من أبعاض الملك، وبعضا من
أبعاض العلم ، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة (( من )) لأنها دالة على التبعيض ، ثم قال ( فاطر
السموات والأرض ) وفيه أبحاث :
البحث الأول ﴾ في تفسير لفظ ( الفاطر ) بحسب اللغة . قال ابن عباس رضى الله
عنهما : ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها
وأنا ابتدأت حفرها . قال أهل اللغة : أصل الفطر في اللغة الشق يقال : فطر ناب البعير إذا
بدا وفطرت الشيء فانفطر ، أي شققته فانشق ، وتفطر الأرض بالنبات والشجر بالورق إذا
تصدعت ، هذا أصله في اللغة ، ثم صار عبارة عن الايجاد ، لأن ذلك الشيء حال عدمه كأنه

٢٢٢
. قوله تعالى (( توفني مسلما والحقني بالصالحين )) سورة يوسف
الجزء
في ظلمة وخفاء فلما دخل في الوجود صار كأنه انشق عن العدم وخرج ذلك الشيء منه .
﴿ البحث الثاني ﴾ أن لفظ ( الفاطر) قد يظن أنه عبارة عن تكوين الشيء عن العدم
المحض بدليل الاشتقاق الذي ذكرناه ، إلا أن الحق لا يدل عليه ويدل عليه وجوه : أحدها :
أنه قال ( الحمد لله فاطر السموات والأرض ) ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان حيث قال
( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه أحدث ذلك الشيء
من العدم المحض . وثانيها : أنه تعالى قال ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) مع أنه تعالى إنما
خلق الناس من التراب . قال تعالى ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى )
وثالثها : أن الشيء إنما يكون حاصلا عند حصول مادته وصورته مثل الكوز ، فانه إنما يكون
موجودا اذا صارت المادة المخصوصة موصوفة بالصفة المخصوصة ، فعند عدم الصورة ما كان
ذلك المجموع موجودا ، وبايجاد تلك الصورة صار موجدا لذلك الكوز . فعلمنا أن كونه
موجدا للكون لا يقتضي كونه موجداً لمادة الكوز ، فثبت أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى
موجداً للأجزاء التي منها تركبت السموات والأرض ، وإنما صار الينا كونه تعالى موجوداً لها
بحسب الدلائل العقلية لا بحسب لفظ القرآن .
واعلم أن قوله ( فاطر السموات والأرض ) يوهم أن تخليق السموات مقدم على تخليق
الأرض عند من يقول : الواو تفيد الترتيب ، ثم العقل يؤكده أيضا ، وذلك لأن تعين المحيط
يوجب تعين المركز وتعينه فانه لا يوجب تعين المحيط ، لأنه يمكن أن يحيط بالمركز الواحد
محيطات لا نهاية لها ، اما لا يمكن أن يحصل للمحيط الواحد إلا مركز واحد بعينه . وأيضا
اللفظ يفيد أن السماء كثيرة والأرض واحدة ، ووجه الحكمة فيه قد ذكرناه في قوله ( الحمد لله
الذي خلق السموات والأرض )
البحث الثالث﴾ قال الزجاج : نصبه من وجهين: أحدهما : على الصفة لقوله
( رب ) وهو نداء مضاف في موضع النصب ، والثاني : يجوز أن ينصب على نداء ثان .
ثم قال ﴿ أنت ولي في الدنيا والآخرة) والمعنى: أنت الذي تتولى اصلاح جميع
مهماتي في الدنيا والآخرة فوصل الملك الفاني بالملك الباقي ، وهذا يدل على أن الايمان والطاعة
كلمة من الله تعالى إذ لو كان ذلك من العبد لكان المتولي لمصالحه هو هو ، وحينئذ يبطل عموم
قوله ( أنت ولي في الدنيا والآخرة )

٢٢٣
قوله تعالى (( توفني مسلما وألحقني بالصالحين )) سورة يوسف
الثالث عشر
ثم قال ﴿ توفني مسلما وألحقني بالصالحين ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حكى عن جبريل عليه السلام
عن رب العزة أنه قال (( من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين )) فلهذا
المعنى من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم عليه ذكر الثناء على الله فههنا يوسف عليه السلام لما أراد
أن يذكر الدعاء قدم عليه الثناء وهو قوله ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل
الأحاديث فاطر السموات والأرض ) ثم ذكر عقيبة الدعاء وهو قوله ( توفني مسلما وألحقني
بالصالحين ) ونظيره ما فعله الخليل صلوات الله عليه في قوله ( الذي خلقني فهو يهدين ) فمن
هنا الى قوله ( رب هب لي حكما ) ثناء على الله ثم قوله (رب هب لي ) إلى آخر الكلام دعاء
فكذا ههنا .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن قوله (توفني مسلما ) هل هو طلب منه للوفاة أم لا ؟
فقال قتاده : سأل ربه اللحوق به ولم يتمن نبي قط الموت قبله ، وكثير من المفسرين على هذا
القول، وقال إن رضى الله عنهما: في رواية عطاء يريد إذا توفيتني فتوفني على دين الاسلام
فهذا طلب لأن يجعل الله وفاته على الاسلام وليس فيه ما يدل على انه طلب الوفاة .
واعلم أن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد في الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى
الموت ويعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة منها : أن كمال النفس الانسانية على ما بيناه في أن يكون
عالما بالالهيات ، وفي أن يكون ملكا ومالكا متصرفا في الجسمانيات ، وذكرنا أن مراتب التفاوت
في هذين النوعين غير متناهية والكمال المطلق فيهما ليس إلا الله وكل ما دون ذلك فهو ناقص
والناقص اذا حصل له شعور بنقصانه وذاق لذة الكمال المطلق بقي في القلق وألم الطلب ،
وإذا كان الكمال المطلق ليس الا لله ، وما كان حصوله للانسان ممتنعا لزم أن يبقى الانسان أبدا
في قلق الطلب وألم التعب فاذا عرف الانسان هذه الحالة عرف أنه لا سبيل له إلى دفع هذا
التعب عن النفس الا بالموت ، فحينئذ يتمنى الموت .
والسبب الثاني ﴾ لتمنى الموت أن الخطباء والبلغاء وإن أطنبوا في مذمة الدنيا إلا أن
حاصل كلامهم يرجع إلى أمور ثلاثة : أحدها : أن هذه السعادات سريعة الزوال مشرفة على
الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها . وثانيها : أنها غير
خالصة بل هي ممزوجة بالمنغصات والمكدرات . وثالثها : أن الأراذل من الخلق يشاركون
٠٫٠

٢٢٤
قوله تعالى (( توفني مسلما وألحقني بالصالحين )) سورة يوسف
الجزء
الأفاضل فيها بل ربما كان حصة الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل ، فهذه الجهات الثلاثة
منفرة عن هذه اللذات ، ولما عرف العاقل أنه لا سبيل الى تحصيل هذه اللذات الا مع هذه
الجهات الثلاثة المنفرة لا جرم يتمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات .
والسبب الثالث ﴾ وهو الأقوى عند المحققين رحمهم الله أجمعين أن هذه اللذات
الجسمانية لا حقيقة لها ، وإنما حاصلها دفع الآلام ، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع ،
ولذة الوقاع عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولدة من حصول المنى في أوعية
المنى ، ولذة الامارة والرياسة عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام وطلب الرياسة
وإذا كان حاصل هذه اللذات ليس إلا دفع الألم لا جرم صارت عند العقلاء حقيرة خسيسة
نازلة ناقصة وحينئذ يتمنى الانسان الموت ليتخلص عن الاحتياج إلى هذه الأحوال الخسيسة .
﴿ والسبب الرابع ﴾ أن مداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع. لذة الأكل
ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل واحدة منها عيوب كثيرة . أما لذة الأكل ففيها عيوب :
أحدها : أن هذه اللذات ليست قوية فان الشعور بألم القولنج الشديد والعياذ بالله منه أشد
من الشعور باللذة الحاصلة عند أكل الطعام . وثانيها : أن هذه اللذة لا يمكن بقاؤها فان
الانسان إذا أكل شبع وإذا شبع لم يبق شوقه للالتذاذ بالأكل فهذه اللذة ضعيفة ، ومع ضعفها
غير باقية ، وثالثها : أنها في نفسها خسيسة فان الأكل عبارة عن ترطيب ذلك الطعام بالبزاق
المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر مستقذر ثم لما يصل إلى المعدة تظهر فيه الاستحالة إلى
الفساد والنتن والعفونه. وذلك أيضا منفر . ورابعها : أن جميع الحيوانات الخسيسة
مشاركة ، فيها فان الروث في مذاق الجعل كاللوز نيج في مذاق الانسان وكما أن الانسان يكره
تناول غذاء الجعل ، فكذلك الجعل يكره تناول غذاء الانسان ، وأما اللذة فمشتركة فيما بين
الناس . وخامسها : أن الأكل إنما يطيب عند اشتداد الجوع وتلك حاجة شديدة ، والحاجة
نقص وافر . وسادسها : ان الأكل يستحقر عند العقلاء قيل : من كانت همته ما يدخل في
بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه ، فهذا هو الاشارة المختصرة في معايب الأكل ، وأما لذة
النكاح ، فكل ما ذكرناه في الأكل حاصل ههنا مع أشياء أخرى ، وهي ان النكاح سبب
لحصول الولد ، وحينيذ تكثر الأشخاص فتكثر الحاجة الى المال فيحتاج الانسان بسببها الى
الاحيال في طلب المال بطرق لا نهاية لها ، وربما صار هالكا بسبب طلب المال . وأما لذة
الرياسة فعيوبها كثيرة والذي نذكره ههنا سبب واحد وهو أن كل أحد يكره بالطبع أن يكون
خادما مأمورا ويجب أن يكون مخدوما آمرا ، فاذا سعى الانسان في أن يصير رئيسا آمرا . كان
ذلك دالا على مخالفة كل ما سواه ، فكأنه ينازع كل الخلق في ذلك ، وهو يحاول تحصيل تلك

٢٢٥
الثالث عشر قوله تعالى ((توفني مسلما وألحقني بالصالحين)) سورة يوسف
الرياسة ، وجميع أهل الشرق والغرب يحاولون ابطاله ودفعه ، ولا شك أن كثرة الأسباب
توجب قوة حصول الأثر واذا كان كذلك كان حصول هذه الرياسة كالمعتذر ولو حصل فانه
تكون على شرف الزوال في كل حين وأوان بكل سبب من الأسباب وكان صاحبها عند حصولها
في الخوف الشديد من الزوال وعند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك
الزوال .
واعلم أن العاقل اذا تأمل هذه المعاني علم قطعا أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات
والسعي في هذه الخيرات البتة . ثم إن النفس خلقت مجبولة على طلبها ، والعشق الشديد
عليها ، والرغبة التامة في الوصول اليها وحينيذ ينعقد ههنا قياف ، وهون أن الانسان ما دام
يكون في هذه الحياة الجسمانية فانه يكون طالباً لهذه اللذات وما دام يطلبها كان في عين الآفات
وفي لجة الحسرات ، وهذا اللازم مكروه فالملزوم أيضاً مكروه . فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة
الجسمانية والسبب في الأمور المرغبة في الموت أن موجبات هذه اللذة الجسمانية متكررة ولا يمكن
الزيادة عليها والتكرر يوجب الملالة . اما سعادات الآخرة فهي أنواع كثيرة غير متناهية .
قال الامام فخر الدين الرازي رحمة الله عليه : وهو مصنف هذا الكتاب أنار الله برهانه .
أنا صاحب هذه الحالة والمتوغل فيها ، ولو فتحت البات وبالغت في عيوب هذه اللذات
الجسمانية فربما كتبت المجلدات وما وصلت إلى القليل منها فلهذا السبب صرت مواظباً في أكثر
الأوقات على ذكر هذا الذي ذكره يوسف عليه السلام . وهو قوله ( رب قد اتيتني من الملك
وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً
وألحقني بالصالحين )
المسألة الثالثة﴾ تمسك أصحابنا في بيان أن الايمان من الله تعالى بقوله توفني مسلماً
وتقريره ان تحصيل الاسلام وابقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسداً . وتقريره كأنه
يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبداً يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف
يجوز أن يقال للمبد أفعل مع أنك لست فاعلا ، فنحن نقول ههنا أيضاً إذا كان تحصيل الايمان
وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى ، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه :
اطلب اللطف لي في الاقامة على الاسلام إلى أن أموت عليه . فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال
وقع على الاسلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر ، وأيضاً كل ما في المقدور من الالطاف
فقد فعله فكان طلبه من الله محالا .
المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول: الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة

٢٢٦
قوله تعالى ((ذلك في انباء الغيب نوحيه اليك)) سورة يوسف
الجزء
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُونَ
على الاسلام ، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز .
والجواب : أحسن ما قيل فيه إنه كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه
يستقر قلبه على ذلك الاسلام ويرضى بقضاء الله وقدرة، ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر
منفسخ القلب في هذا الباب، وهذه الحالة زائدة على الاسلام الذي هو ضد الكفر، فالمطلوب
ههنا هو الاسلام بهذا المعنى.
المسألة الخامسة﴾ أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام ،
والصلاح أول درجات المؤمنين، فالواصل الى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية، قال ابن
عباس رضى الله عنهما وغيره من المفسرين : يعني بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب،
والمعنى : ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم ، وههنا مقام آخر من تفسير هذه الآية على
لسان أصحاب المكاشفات ، وهو ان النفوس المفارقة اذا أشرقت بالأنوار الألهية واللوامع
القدسية ، فاذا كانت متناسبة متشاكلة انعكس النور الذي في كل واحدة منها الى الأخرى
بسبب تلك الملازمة والمجانسة ، فتعظم تلك الأنوار وتقوي تلك الأضواء ، ومثال تلك
الأحوال المرآة الصقيلة الصافية اذا وضعت وضعا متى أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من
كل واحدة منها الى الأخرى ، فهناك يقوى الضوء ويكمل النور ، وينتهي في الاشراق والبريق
اللمعان الى حد لا تطيقه العيون والأبصار الضعيفة، فكذا ههنا.
قوله تعالى ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم اذ أجمعوا أمرهم وهم
يمكرون ﴾
اعلم أن قوله ( ذلك ) رفع بالابتدا وخبره ( من أنباء الغيب - ونوحيه اليك ) خبر ثان
( وما كنت لديهم ) أي ما كنت عند اخوة يوسف ( اذ أجمعوا أمرهم ) أي عزموا على أمرهم
وذكرنا الكلام في هذا اللفظ عند قوله ( فأجمعوا أمركم ) وقوله ( وهم يمكرون ) أي بيوسف ،
واعلم ان المقصد من هذا إخبار عن الغيب فيكون معجزا . بيان أنه إخبار عن الغيب أن
محمد ا ◌َ ما طالع الكتب ولم يتلمذ لأحد وما كانت البلدة بلدة العلماء فاتيانه بهذه القصة
الطويلة على وجه لم يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم ، ومن غير أن يقال : إنه
كان حاضرا معهم لا بد وأن يكون معجزا وكيف يكون معجزا وقد سبق تقرير هذه المقدمة في
هذا الكتاب مرارا ، وقوله ( وما کنت لديهم ) أي وما كنت هناك ذکر علی سبیل التهکم بهم ،

٢٢٧
الثالث عشر قوله تعالى ((وكأين من آية في السموات والأرض)) سورة يوسف
وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ خَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿يَ﴾ وَ نَّدْعَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَبْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكر
لِلْعَمِينَ (٥) وَكَأْتِ مِّنْءَ الَةٍ فِ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثُهُمْ بِلَّهِإِلَّ وَهُم مُشْرِكُونَ (٥) أَفَأْمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَنِيَةٌ مِنْ عَذَابٍ
١٠٥
الله أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾
لأن كل أحد يعلم أن محمدا ◌ّ ما كان معهم .
قوله تعالى ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين. وما تسألهم عليه من أجر إن هو الا
ذكر للعالمين. وكاين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون. وما يؤمن
أكثرهم بالله الا وهم مشركون أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة
وهم لا يشعرون ﴾
واعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه
القصة من رسول الله ◌َّي على سبيل التعنت. واعتقد رسول الله انه اذا ذكرها فربما آمنوا . فلما
ذكرها أصروا على كفرهم فنزلت هذه الآية ، وكأنه إشارة الى ما ذكره الله تعالى في قوله ( إنك لا
تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) قال أبو بكر بن الأنباري : جواب ( لو )
محذوف ، لأن جواب ( لو ) لا يكون مقدما عليها . فلا يجوز أن يقال : قمت لوقت . وقال
الفراء في المصادر يقال : حرص يحرص حرصا ، ولغة أخرى شاذة : حرص يحرص
حريصا . ومعنى الحرص : طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد . وقوله ( وما تسألهم
عليه من أجر ) معناه ظاهر وقوله ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) أي هو تذكرة لهم في دلائل التوحيد
والعدل والنبوة والمعاد والقصص والتكاليف والعبادات، ومعناه: أن هذا القرآن يشتمل على
هذه المنافع العظيمة ، ثم لا تطلب منهم مالا ولا جعلا ، فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمردوا .
وقوله تعالى ( وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) يعني :
أنه لا عجب اذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك ، فان العالم مملوء من دلائل التوحيد
والقدرة والحكمة ، ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون اليها .
واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة والرحمة لا بد وأن تكون من أمور
محسوسة ، وهي إما الاجرام الفلكية وإما الاجرام العنصرية . أما الاجرام الفلكية : فهي

٢٢٨
قوله تعالى: وكأين من آية في السموات والأرض)) سورة يوسف
الجزء
قسمان : إما الأفلاك وإما الكواكب . أما الأفلاك : فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود
الصانع ، وقد يستدل بكون بعضها فوق البعض أو تحته ، وقد يستدل بأحوال حركاتها . إما
بسبب أن حركاتها مسبوقة بالعدم فلا بد من محرك قادر ، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها
وبطئها ، وإما بسبب اختلاف جهات تلك الحركات . وأما الأجرام الكوكبية فتارة يستدل على
وجود الصانع بمقاديرها وأحيازها وحركاتها ، وتارة بألوانها وأضوائها ، وتارة بتأثيراتها في
حصول الأضواء والأظلال والظلمات والنور ، وأما الدلائل المأخوذة من الأجرام العنصرية :
فاما أن تكون مأخوذة من بسائط ، وهي عجائب البر والبحر ، وإما من المواليد وهي أقسام :
أحدها : الآثار العلوية كالرعد والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء وقوس قزح .
وثانيها : المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها . وثالثها : النبات وخاصية الخشب
والورق والثمر واختصاص كل واحد منها بطبع خاص وطعم خاص وخاصية مخصوصة .
ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها . وخامسها :
تشريح أبدان الناس وتشريح القوى الانسانية وبيان المنفعة الحاصلة فيها فهذه مجامع الدلائل .
ومن هذا الباب أيضا قصص الأولين وحكايات الأقدمين وأن الملوك الذين استولوا على الأرض
وخربوا البلاد وقهروا العباد ماتوا ولم يبق منهم في الدنيا خبر ولا أثر ، ثم بقي الوزر والعقاب
عليهم هذا ضبط أنواع هذه الدلائل والكتاب المحتوي على شرح هذه الدلائل هو شرح جملة
العالم الأعلى والعالم الأسفل والعقل البشري لا يفي بالاحاطة به فلهذا السبب ذكره الله تعالى
على سبيل الابهام قال صاحب الكشاف قرىء ( والأرض ) بالرفع على أنه مبتدأ و(يمرون )
عليها خبره وقرأ السدى ( والأرض ) بالنصب على تقدير أن يفسر قوله ( يمرون عليها ) بقولنا
يطوفونها ، وفي مصحف عبد الله ( والأرض يمشون عليها ) برفع الأرض .
أما قوله ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴾ فالمعنى: أنهم كانوا مقرين
بوجود الاله بدليل قوله ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) إلا أنهم كانوا
يثبتون له شريكا في المعبودية ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما هم الذين يشبهون الله بخلقه
وعنه أيضا أنه قال : نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب لأنهم كانوا يقولون : لبيك لا
شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، وعنه أيضا أن أهل مكة قالوا : الله ربنا وحده لا
شريك له والملائكة بناته فلم يوحدوا ، بل أشركوا ، وقال عبدة الأصنام : ربنا الله وحده
والاصنام شفعاؤنا عنده ، وقالت اليهود : ربنا الله وحده وعزيز ابن الله ، وقالت النصارى :
ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله ، وقال عبدة الشمس والقمر : ربنا الله وحده
وهؤلاء أربابنا ، وقال المهاجرون والانصار ربنا الله وحده ولا شريك معه ، واحتجت الكرامية

٢٢٩
قوله تعالى ((قل هذه سبيلى ادعوا الى الله)) سورة يوسف
الثالث عشر
قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِي أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ آَتْبَعَنِ وَسُبْحَدِنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَّا
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٠٨
بهذه الآية على أن الايمان عبارة عن الاقرار باللسان فقط ، لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع
أنهم مشركون ، وذلك يدل على أن الايمان عبارة عن مجرد الاقرار باللسان ، وجوابه معلوم ،
أما قوله ( أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ) أي عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم
وتغمرهم ( أو تأتيهم الساعة بغتة ) أي فجأة . وبغتة نصب على الحال يقال : بغتهم الأمر بغتا
وبغتة إذا فاجأهم من حيث لم يتوقعوا وقوله ( وهم لا يشعرون ) كالتأكيد لقوله ( بغتة )
قوله تعالى ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا
من المشركين
قال المفسرون : قل يا محمد لهم هذه الدعوة التي أدعو اليها . والطريقة التي أنا عليها
سبيلي وسنتي ومنهاجي ، وسمى الدين سبيلا لأنه الطريق الذي يؤدي الى الثواب ، ومثله قوله
تعالى ( ادع إلى سبيل ربك )
واعلم أن السبيل في أصل اللغة الطريق . وشبهوا المعتقدات بها لما أن الانسان يمر
عليها الى الجنة ادعو الله على بصيرة وحجة وبرهان أنا ومن اتبعني الى سيرتي وطريقتي وسيرة
أتباعي الدعوة إلى الله ، لأن كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدار وسعه الى
الله وهذا يدل على أن الدعاء إلى الله تعالى انما يحسن ويجوز مع هذا الشرط وهو أن يكون على
بصيرة مما يقول وعلى هدى ويقين ، فان لم يكن كذلك فهو محض الغرور وقال عليه الصلاة
والسلام (( العلماء أمناء الرسل على عباد الله من حيث يحفظون لما تدعونهم اليه )) وقيل أيضا
يجوز أن ينقطع الكلام عند قوله ( أدعو إلى الله ) ثم ابتدأ وقال ( على بصيرة أنا ومن اتبعني )
وقوله ( وسبحان الله ) عطف على قوله ( هذه سبيلي ) أي قل هذه سبيلي . وقل سبحان الله .
تنزيها لله عما يشركون . وما أنا من المشركين الذين اتخذوا مع الله ضدا وندا وكفؤا وولدا ، وهذه
"الآية تدل على أن حرفة الكلام وعلم الأصول حرفة الأنبياء عليهم السلام وأن الله ما بعثهم الى
الخلق إلا لأجلها .

٢٣٠
قوله تعالى ((وما ارسلنا من قبلك)) سورة يوسف
الجزء
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا تُّوحِى إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىَ أَفَلَمْ يَسِبُرُواْ
فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌلِلَّذِينَ أَنَّقَواْ
أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣) ◌ََّ إِذَا أَسْتَبْعَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَهُمْ قَدْ كُذِبُوْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا
فَنُجِّىَ مَن ◌َّشَّاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأَسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 0﴾
قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي اليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في
الأرض فينظر وا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا
تعقلون
﴾
اعلم أنه قرأ حفص عن عاصم ( نوحي ) بالنون ، والباقون بالياء ( أفلا يعقلون ) قرأ
نافع وابن كثير وأبو عمرو، ورواية حفص عن عاصم : ( تعقلون ) بالتاء على الخطاب ،
والباقون : بالياء على الغائب .
واعلم أن من جملة شبه منكري نبوته عليه الصلاة والسلام أن الله لو أراد إرسال رسول
لبعث ملكا ، فقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي اليهم من أهل القرى ) فلما
كان الكل هكذا فكيف تعجبوا في حقك يا محمد والآية تدل على أن الله مابعث رسولا الى الخلق
من النسوان وأيضا لم يبعث رسولا من أهل البادية. قال عليه الصلاة والسلام ((من بدا جفا
ومن اتبع الصيد غفل ))
ثم قال ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا﴾ الى مصارع الأمم المكذبة وقوله ( ولدار
الآخرة خير ) والمعنى دار الحالة الآخرة ، لأن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة ، ومثله
قوله صلاة الأولى أي صلاة الفريضة الأولى ، وأما بيان أن الآخرة خير من الأولى فقد ذكرنا
دلائله مرارا .
قوله تعالى ﴿ حتى اذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من
نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين
اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( كذبوا ) بالتخفيف ، وكسر الذال والباقون
بالتشديد ، ومعنى التخيف من وجهين : أحدهما : أن الظن واقع بالقوم ، أي حتى اذا
استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر .
فان قيل : لم يجر فيما سبق ذكر المرسل اليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير اليهم .
قلنا : ذکر الرسل يدل على المرسل الیهم وإن شئت قلت ان ذکرهم جرى في قوله ( أفلم

٢٣١
الثالث عشر قوله تعالى ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب )) سورة يوسف
لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنِ
يسيروا الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) فيكون الضمير عائدا الى الذين من
قبلهم من مكذبي الرسل والظن ههنا بمعنى التوهم والحسبان .
والوجه الثاني ﴾ أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا
التأويل منقول عن ابن أبي ملكية عن ابن عباس رضى الله عنهما قالوا : وانما كان الأمر كذلك
لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد ، لأن المؤمن لا يجوز أن يظن بالله الكذب ، بل يخرج بذلك
عن الايمان فكيف يجوز مثله على الرسل ، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان : الأول : أن الظن
بمعنى اليقين ، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر منهم الايمان بعد ذلك ، فحينئذ
دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال ، وورود الظن بمعنى العلم
كثير في القرآن قال تعالى ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) أي يتيقنون ذلك. والثاني : أن
يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير حتى إذا استيأس الرسل من ايمان قومهم فظن الرسل ان
الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضى الله عنها وهو أحسن الوجوه
المذكورة في الآية، روى أن ابن ابي مليكه نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: وظن
الرسل أنهم كذبوا ، لأنهم كانوا بشرألا ترى الى قوله (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه
متى نصر الله) قال فذكرت ذلك لعائشة رضى الله عنها فأنكرته وقالت: ما وعد الله محمد اليه
شيئا إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل بالانبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين
كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة .
وأما قوله ﴿ جاءهم نصرنا ﴾ أي لما بلغ الحال الى الحد المذكور ( جاءهم نصرنا فنجى
من نشاء ) قرأ عاصم وابن عامر ( فنجى من نشاء ) بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء على
ما لم يسم فاعله ، واختاره أبو عبيدة لأنه في المصحف بنون واحدة . وروى عن الكسائي :
إدغام إحدى النونين في الأخرى وقرأ بنون واحدة وتشديد الجيم وسكون الياء ، قال بعضهم :
هذا خطأ لأن النون متحركة فلا تدغم في الساكن ، ولا يجوز إدغام النون في الجيم ، والباقون
بنونين ، وتخفيف الجيم وسكون الياء على معنى : ونحن نفعل بهم ذلك .
واعلم أن هذا حكاية حال ، ألا ترى أن القصة فيما مضى ، وإنما حكى فعل الحال كما
أن قوله ( هذا من شيعته وهذا من عدوه ) إشارة الى الحاضر والقصة ماضية .
قوله تعالى ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفتري ولكن
تصدیق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾

٢٣٢
قوله تعالى « ما کان حدیثا يفتري » سورة يوسف
الجزء
تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ بَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم الى الطرف المجهول ، والمراد منه
التأمل والتفكر ، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور : الأول : أن الذي قدر على إعزاز يوسف
بعد إلقائه في الجب ، وإعلائه بعد حبسه في السجن . وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه
عبد لهم، وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة، لقادر على إعزاز محمد وليه
وإعلاء كلمته . الثاني : أن الاخبار عنه جار مجرى الاخبار عن الغيب ، فيكون معجزة دالة
على صدق محمد سيد، الثالث: أنه ذكر في أول السورة ( نحن نقص عليك أحسن
القصص ) ثم ذكر في آخرها ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الباب ) تنبيها على أن حسن
هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة ، والمراد من قصصهم
قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه ، ومن الناس من قال : المراد قصص الرسل لأنه تقدم
في القرآن ذكر قصص سائر الرسل إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام .
فان قيل: لم قال (عبرة لأولى الألباب) مع أن قوم محمد ◌ّي كانوا ذوي عقول
وأحلام ، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك .
قلنا : إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار ، والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة
كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل ، أو نقول : المراد من أولى الألباب الذين اعتبروا
وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها ، لأن ( أولى الألباب ) لفظ يدل على المدح والثناء فلا
يليق إلا بما ذكرناه ، واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات .
الصفة الأولى ﴾ كونها ( عبرة لأولى الألباب ) وقد سبق تقريره .
الصفة الثانية ) قوله ( ما كان حديثا يفترى ) وفيه قولان : الأول : أن المراد الذي
جاء به وهو محمد ◌ّة ولا يصح منه أن يفترى لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط
العلماء فمن المحال أن يفترى هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير
تفاوت ، والثاني : أن المراد أنه ليس يكذب في نفسه ، لأنه لا يصح الكذب منه ، ثم إنه
تعالى أكد كونه غير مفتري فقال ( ولكن وتصديق الذي بين يديه ) وهو اشارة الى أن هذه
القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الالهية . ونصب تصديقا على تقدير
ولكن كان تصديق الذي بين يديه كقوله تعالى ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول

٢٣٣
قوله تعالى (( وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )) سورة يوسف
الثالث عشر
الله ) قاله الفراء والزجاج ، ثم قال : ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى : ولكن هو
تصدیق الذي بین یدیه :
﴿ والصفة الثالثة) قوله (وتفصيل كل شيء) وفيه قولان : الأول : المراد وتفصيل كل
شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته ، والثاني : أنه عائد الى القرآن ، كقوله
( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) فان جعل هذا الوصف وصفا لكل القرآن أليق من جعله وصفا
لقصة يوسف وحدها ، ويكون المراد : ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين .
قال الواحدي على التفسيرين جميعا : فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله ( ورحمتي
وسعت كل شيء ) يريد : كل شيء يجوز أن يدخل فيها وقوله ( وأوتيت من كل شيء )
﴿ الصفة الرابعة والخامسة ﴾ كونها هدى في الدنيا وسببا لحصول الرحمة في القيامة لقوم
يؤمنون خصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في قوله ( هدى للمتقين ) والله
أعلم بالصواب ، واليه المرجع والمآب قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة بحمد
الله تعالى يوم الاربعاء السابع من شعبان ، ختم بالخير والرضوان ، سنة احدى وستمائة ، وقد
كنت ضيق الصدر جدا بسبب وفاة الولد الصالح محمد تغمده الله بالرحمة والغفران وخصه
بدرجات الفضل والاحسان وذكرت هذه الابيات في مرثيته على سبيل الايجاز :
فديناك من حماك بالروح والجسم
فلو كانت الأقدار منقادة لنا
خضعناها لها بالرق في الحكم والاسم
ولو كانت الأملاك تأخذ رشوة
ولكنه حكم إذا حان حينه
سری من مقر العرش في لجة الیم
سأبکی علیك العمر بالدم دائما
سلام على قبر دفنت بتر به
ولم أنحرف عن ذاك في الكيف والكم
وأتحفك الرحمن بالكرم الجم
لجسمك إلا أنه أبدا يهمی
وما صدني عن جعل جفني مدفنا
أحسوا بنار الحزن في مكمن العظم
وأقسم إن مسوا رفاتي ورمتي
بل الموت أولى من مداومة الغم
حياتي وموتي واحد بعد بعدكم
لعلمي بأني لا يجاوزني حکمي
رضیت بما أمضى الاله بحکمه
وأنا أوصى من طالع كتابي واستفاد ما فيه من الفوائد النفسية العالية أن يخص ولدي

٢٣٤
قوله تعالى ((وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)) سورة يوسف
الجزء
ويخصني بقراءة الفاتحة ، ويدعو لمن قد مات في غربة بعيدا عن الاخوان والأب والأم بالرحمة
والمغفرة فاني كنت أيضا كثير الدعاء لمن فعل ذلك في حقي وصلى الله على سيدنا وآله وصحبه
وسلم تسليما كثيرا آمين والحمد لله رب العالمين .

٢٣٥
الثالث عشر قوله تعالى ((المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل اليك)) سورة رعد
(١٣) سُورَةِ الرُّعْلِ مَانيَّة
وَآَيَاتُهَا ثَلاتٌوَأَزْبِعُونَ
مدنية ، وآياتها : ٤٣ ، نزلت بعد سورة محمد
سوى قوله تعالى ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ) وقوله ( ومن عنده
علم الكتاب ) قال الأصم هي مدنية بالاجماع سوى قوله تعالى ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال )
بِسْـ
ج
الْمَرِ تِلْكَ ءَايَنتُ الْكِتَبِ وَالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْخَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
بسم الله الرحمن الرحيم
المر تلك آیات الکتاب والذي أُنزل اليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون
اعلم أنا قد تكلمنا في هذه الألفاظ قال ابن عباس رضى الله عنهما معناه : أنا الله
أعلم ، وقال في رواية عطاء أنا الله الملك الرحمن ، وقد أمالها أبو عمرو الكسائي وغيرهما
وفخمها جماعة منهم عاصم وقوله ( تلك ) إشارة إلى آيات السورة المسماة بالمر . ثم قال : إنها
آيات الكتاب . وهذا الكتاب الذي أعطاه محمدا بأن ينزله عليه ويجعله باقيا على وجه الدهر
وقوله ( والذي أنزل إليك من ربك ) مبتدأ وقوله ( الحق ) خبره ومن الناس من تمسك بهذه
الآية في نفي القياس فقال : الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من عند الله وإلا لكان من لم
يحكم به كافرا لقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وبالاجماع لا
يكفر فثبت أن الحكم المثبت بالقياس غير نازل من عند الله . وإذا كان كذلك وجب أن لا
يكون حقا لأجل أن قوله ( والذي أنزل إليك من ربك الحق ) يقتضي أنه لا حق إلا ما أنزله
الله فكل ما لم ينزله الله وجب أن لا يكون حقا ، وإذا لم يكن حقا وجب أن يكون باطلا لقوله
تعالى ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) ومثبتو القياس يجيبون عنه بأن الحكم المثبت بالقياس نازل
أيضا من عند الله ، لأنه لما أمر بالعمل بالقياس كان الحكم الذي دل عليه القياس نازلا من عند

٢٣٦
قوله تعالى « الله الذي رفع السموات بغير عمد )) سورة رعد
الجزء
الَّهُالَّذِىِ رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرٍ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ كُلُّ يَحْرِى لِأَجَلٍ مُسَمَّى يُدَبِرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَنْتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ
رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (
٢
الله. ولما ذكر تعالى أن المنزل على محمد # هو الحق بين أن أكثر الناس لا يؤمنون به على سبيل
الزجر والتهديد .
قوله تعالى ﴿ الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر
الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم
توقنون ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد
والمعاد وهو هذه الآية وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف : الله مبتدأ والذي رفع السموات خبره بدلیل
قوله ( وهو الذي مد الأرض ) ويجوز أن يكون الذي رفع السموات صفة وقوله ( يدبر الأمر
يفصل الآيات ) خبرا بعد خبر ، وقال الواحدي : العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد
وعمد مثل أهاب وأهب ، وقال الفراء : العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم ،
وقضیم وقضم وقضم ، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء ، ومنه يقال : فلان عمد قومه إذا
کانوا یعتمدونه فيما بينهم
﴿ المسألة الثانية ) اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السموات وبأحوال الشمس والقمر
وبأحوال الأرض وبأحوال النبات ، أما الاستدلال بأحوال السموات بغير عمد ترونها
فالمعنى : أن هذه الاجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك
لأعيانها ولذواتها لوجهين . الأول : أن الأجسام متساوية في تمام الماهية ولو وجب حصول
جسم في حيز معين لوجب حصول كل جسم في ذلك الحيز . والثاني : أن الخلاء لا نهاية له
والاحياز المعترضة في ذلك الخلاء الصرف غير متناهية وهي بأسرها متساوية ولو وجب حصول
جسم في حيز معين لوجب حصوله في جميع الأحياز ضرورة أن الأحياز بأسرها متشابهة فثبت أن
حصول الأجرام الفلكية في أحيازها وجهاتها ليس أمرا واجبا لذاته بل لا بد من مخصص
ومرجع ، ولا يجوز أن يقال إنها بقيت بسلسلة فوقها ولا عمد تحتها ، وإلا لعاد الكلام في ذلك

٢٣٧
الثالث عشر قوله تعالى ((الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها )) سورة رعد
الحافظ ولزم المرور الى ما لا نهاية له وهو محال فثبت أن يقال الاجرام الفلكية في احيازها لأجل
أن مدبر العالم تعالى وتقدس أوقفها هناك . فهذا برهان قاهر على وجود الاله القاهر القادر .
ويدل أيضا على أن الاله ليس بجسم ولا مختص بحيز ، لأنه لوكان حاصلا في حيز معين لامتنع
أن يكون حصوله في ذلك الحيز لذاته ولعينه لما بينا أن الاحياز بأسرها متساوية فيمتنع أن يكون
حصوله في حيز معين لذاته فلا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وكل ما حصل بالفاعل المختار
فهو محدث فاختصاصه بالحيز المعين محدث وذاته لا تنفك عن ذلك الاختصاص . وما لا يخلو
عن الحادث فهو محدث ، فثبت أنه لو كان حاصلا في الحيز المعين لكان حادثا ، وذلك محال ،
فثبت أنه تعالى متعال عن الحيز والجهة ، وأيضا كل ما سماك فهو سماء ، فلو كان تعالى موجودا
في جهة فوق جهة لكان من جملة السموات فدخل تحت قوله ( الله الذي رفع السموات بغير عمد
ترونها ) فكل ما كان مختصا بجهة فوق جهة فهو محتاج الى حفظ الاله بحكم هذه الآية فوجب أن
يكون الاله منزها عن جهة فوق . أما قوله (ترونها) ففيه أقوال : الأول : أنه كلام مستأنف
والمعنى : رفع السموات بغير عمد . ثم قال ( ترونها ) أي وأنتم ترونها أي مرفوعة بلا عماد .
الثاني : قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره : رفع السموات ترونها بغير عمد .
واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير الى التقديم والتأخير غير جائز .
والثالث : أن قوله ( ترونها ) صفة للعمد ، والمعنى : بغير عمد مرئية ، أي للسموات عمد .
ولكنا لا نراها قالوا : ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبر جد محيط بالدنيا ولكنكم لا
ترونها ، وهذا التأويل في غاية السقوط ، لأنه تعالى انما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود
الاله القادر . ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة؛ لأنه يقال إن السموات لما كانت مستقرة
على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الاله ، وعندي فيه وجه آخر أحسن من
الكل . وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الاجسام انما بقيت واقفة في الجو
العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى . فنتج أن يقال إنه رفع السماء
بغير عمد ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره
وابقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون كيفية ذلك الامساك .
وأما قوله ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ فاعلم أنه ليس المراد منه كونه مستقرا على
العرش ، لأن المقصود من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود الصانع ويجب أن يكون ذلك الشيء
مشاهدا معلوما وأن أحدا ما رأى أنه تعالى استقر على العرش فكيف يمكن الاستدلال به عليه
وأيضا بتقدير أن يشاهد كونه مستقرا على العرش إلا أن ذلك لا يشعر بكمال حاله وغاية
جلاله ، بل يدل على احتياجه الى المكان والحيز . وأيضا فهذا يدل على ما كان بهذه الحالة ،

٢٣٨
قوله تعالى ( وسخر الشمس والقمر کل يجري لأجل مسمی )) سورة رعد
الجزء
وذلك يوجب التغير وأيضا الاستواء ضد الاعوجاج فظاهر الآية يدل على أنه كان معوجا
مضطربا ثم صار مستويا وكل ذلك على الله محال ، فثبت أن المراد استواؤه على عالم الأجسام
بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وفي تدبيره
وفي الاحتياج اليه . وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر : فهو قوله سبحانه وتعالى
( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى )
واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة :
﴿ النوع الأول﴾ قوله (وسخر الشمس والقمر) وحاصله يرجع الى الاستدلال على
اوجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام ، وذلك لأن الأجسام متماثلة فهذه الأجرام
قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص .
وأيضا أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلا بد أيضا من
مخصص لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات وهذا يوجب
الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز وتسكن في البعض فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين
والسكون في الحيز الآخر لا بد فيه أيضا من مرجح .
الوجه الثالث ﴾ وهو أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على وجه
تحصل عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد من مقدر .
والوجه الرابع ﴾ أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة الى
الشمال وبعضها مائلة الى الجنوب وهذا أيضا لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة .
النوع الثاني ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله ( كل يجري لأجل مسمى )
وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس : للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك يتم
في ستة أشهر ، ثم إنها تعود مرة أخرى الى واحد منها في ستة أخرى وكذلك القمر له ثمانية
وعشرون منزلا ، فالمراد بقوله ( كل يجري لأجل مسمى ) هذا ، وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل
واحد من هذه الكواكب سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء ومتى كان
الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك .
والقول الثاني ﴾ أن المراد كونهما متحركين الى يوم القيامة ، وعند مجيء ذلك اليوم
تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك السيرات كما وصف الله تعالى ذلك في قوله ( إذا الشمس
كورت وإذا النجوم انكدرت(). وإذا السماء انشقت. وإذا السماء انفطرت. وجمع الشمس
والقمر) وهو كقوله سبحانه وتعالى (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) ثم إنه تعالى لماذكر هذه
:

٢٣٩
قوله تعالى (( لعلكم بلقاء ربكم توقنون )) سورة رعد
الثالث عشر
الدلائل قال ( يدبر الأمر ) وكل واحد من المفسرين حمل هذا على تدبير نوع آخر من أحوال
العالم والأولى حمله على الكل فهو يدبرهم بالايجاد والاعدام وبالاحياء والاماتة والاغناء
والافقار ، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل وتكلیف العباد ، وفيه دليل عجیب علی کمال
القدرة والرحمة وذلك لأن هذا العالم المعلوم من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس
لا يحيط بها الا الله تعالى، والدليل المذكور دل على أن اختصاص كل واحد منها بوضعه
وموضعه وصفته وطبيعته وحيلته ، ليس إلا من الله تعالى ومن المعلوم أن كل من اشتغل بتدبير
شيء فانه لا يمكنه تدبير شيء آخر إلا الباري سبحانه وتعالى فانه لا يشغله شأن عن شأن أما
العقل فانه إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم الأجسام وعالم الأرواح ويدبر الكبير
كما يدبر الصغير فلا يشغله شأن عن شأن ولا يمنعه تدبير عن تدبير وذلك يدل على أنه تعالى في
ذاته وصفاته وعلمه وقدرته غير مشابه للمحدثات والممكنات .
ثم قال ﴿ يفصل الآيات) وفيه قولان: الأول: أنه تعالى بين الآيات الدالة على إلهيتِه
وعمله وحكمته . والثاني : أن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان : أحدهما :
الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك والشمس والقمر والكواكب ، وهذا النوع من الدلائل هو
الذي تقدم ذكره . والثاني : الموجودات الحادثة المتغيرة ، وهي الموت بعد الحياة ، والفقر بعد
الغنى ، والهرم بعد الصحة ، وكون الأحمق في أهنأ العيشِ ، والعاقل الذكي في أشد
الأحوال ، فهذا النوع من الموجودات والأحوال دلالتها على وجود الصانع الحكيم ظاهرة
باهرة . وقوله ( يفصل الآيات) إشارة الى أنه يحدث بعضها غقيب بعض على سبيل التمييز
والتفصيل .
ثم قال ( لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ واعلم أن الدلائل المذكورة كما تدل على وجود
الصانع الحكيم فهي أيضا تدل على صحة القول بالحشر والنشر لأن من قدر على خلق هذه
الأشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها فلأن يقدر على الحشر والنشر كان أولى يروي أن رجلا
قال لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه تعالى كيف يحاسب الخلق دفعة واحدة فقال كما
يرزقهم الآن دفعة واحدة وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة . وحاصل
الكلام أنه تعالى كما قدر على ابقاء الاجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي وان كان
الخلق عاجزين عنه ، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش الى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله
شأن عن شأن فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن ومن الاصحاب من تمسك
بلفظ اللقاء على رؤية الله تعالى وقد مر تقريره في هذا الكتاب مرارا وأطوارا .
تم الجزء الثامن عشر، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع عشر، وأوله قوله تعالى
وهو الذي مد الأرض ﴾ من سورة الرعد . أعان الله على إكماله

٢٤٠
فهرست
الجزء الثامن عشر
من التفسير الكبير للامام الفخر الرازي
صفحة
قوله تعالى «ونادی نوح ربه» الآية
٣
قوله تعالى ((قال رب إنى أعوذ بك أن
٦
أسألك ما ليس لي به علم)) الآية
قوله تعالى ((قيل يا نوح اهبط بسلام منا)
٧
٩
قوله تعالى «تلك من أنباء الغيب نوحيها
إليك)) الآية
١٠ قوله تعالى ((وإلى عاد أخاهم هودا)) الآية
١١ قوله تعالى ((وياقوم استغفروا ربكم))
الآية
١٣ قوله تعالى ((قالوا يا هود ما جئتناببينة)»
الآية
١٥ قوله تعالى ((فان تولوا فقد أبلغتكم ما
أرسلت به اليكم)) الآية
١٦ قوله تعالى ((وتلك عاد جحدوا بآيات
ربهم وعصوا رسله)) الآية
١٧ قوله تعالى ((وآلى ثمودا أخاهم صالحا))
الآية
١٩ قوله تعالى ((قال يا قوم أرأيتم إن كنت
على بينة من ربي)) الآية
٢٠ قوله تعالى ((ويا قوم هذه ناقة الله)) الآية
٢١ قوله تعالى ((فلما جاء أمرنا نجینا صالحا))
٢٢ قوله تعالى ((وأخذ الذين ظلموا الصيحة)»
صفحة
٢٣ قوله تعالى (((ولقد جاءت رسلنا إبراهيم
بالبشری)» الآية
٢٥ قوله تعالى ((فلما رأى أيديهم لا تصل
اليه)»
٢٨ قوله تعالى ((قالت يا ويلتى أالدو أنا
عجوز))
٣٠ قوله تعالى ((فلما ذهب عن إبراهيم
الروع))
٣١ قوله تعالى ((إن إبراهيم حليم أواه منيب))
٣١ قوله تعالى ((يا إبراهيم))
٣٣ قوله تعالى «وجاءه قومه يهرعون اليه))
٣٥ قوله تعالى ((قالوا لقد علمت مالنا في
بناتك من حق)) الآية
٣٦ قوله تعالى ((قالوا یإلوط إنا رسل ربك))
٣٨ قوله تعالى ((فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها
٤٠ قوله تعالى ((وإلى مدين أخاهم شعيبا))
الآية
٤١ قوله تعالى ((ويا قوم أوفوا المكيال
والميزان))
٤٤ قوله تعالى ((قالوا يا شعيب أصلاتك
تأمرك»
٤٥ قوله تعالى ((قال يا قوم إن كنت على بينة»