النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الثالث عشر قوله تعالى ((وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي )) سورة يوسف وَقَالَ الْمَلِكُ أَنْتُونِ بِ أَسْتَخْلِصِهُ لِنَفْسِى فَلَّا كَمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ (g) من رحم ربي ، وما ومن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر كقوله تعالى ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء) وقال ( ومنهم من يمشي على أربع ) وقوله ( الا ما رحم ربي ) استثناء متصل أو منقطع ، فيه وجها : الأول : أنه متصل ، وفي تقريره وجهان : الأول : أن يكون قوله ( الا ما رحم ربي ) أي الا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة . الثاني : الا ما رحم ربي أي الا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت الا في وقت العصمة . ﴿ والقول الثاني﴾ انه استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الاساءة كقوله ( ولا هم ينصرون الا رحمة منا ) ﴿ المسألة الثالثة) اختلف الحكماء في أنّ النفس الأمارة بالسوء ما هي والمحققون ؟ قالوا إن النفس الانسانية شيء واحد ، ولها صفات كثيرة . فاذا مالت إلى العالم الالهي كانت نفساً مطمئنة ، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت أمارة بالسوء ، وكونها أمارة بالسوء يفيد المبالغة والسبب فيه أن النفس من أول حدوثها قد الفت المحسوسات والتذت بها وعشقتها ، فأما شعورها بعالم المجردات وميلها اليه ، فذلك لا يحصل إلا نادرا في حق الواحد ، فالواحد وذلك الواحد فانما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الأوقات النادرة فلما كان الغالب هو انجذابها إلى العالم الجسداني وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادرا لا جرم حكم عليها بكونها أمارة باسوء ، ومن الناس من زعم أن النفس المطمئنة هي النفس العقلية النطقية ، وأما النفس الشهوانية والغضبية فهما مغايرتان للنفس العقلية ، والكلام في تحقيق الحق في هذا الباب مذكور في المعقولات . ﴿ المسألة الرابعة﴾ تمسك أصحابنا في أن الطاعة والايمان لا يحصلان إلا من الله بقوله ( إلا ما رحم ربي ) قالوا دلت الآية على أن انصراف النفس من الشرلا يكون إلا برحمته ؛ ولفظ الآية مشعر بأنه متى حصلت تلك الرحمة حصل ذلك الانصراف . فنقول : لا يمكن تفسير هذه الرحمة باعطاء العقل والقدرة والالطاف كما قاله القاضي لأن كل ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن فوجب تفسيرها بشيء آخر ، وهو ترجيح داعية الطاعة على داعية المعصية وقد أثبتنا ذلك أيضاً بالبرهان القاطع وحينئذ يحصل منه المطلوب . قوله تعالى ﴿ وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ ١٦٢ قوله تعالى (( وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي )) سورة يوسف الجزء في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في هذا الملك فمنهم من قال: هو العزيز، ومنهم من قال : بل هو الريان الذي هو الملك الأكبر ، وهذا هو الأظهر لوجهين : الأول : أن قول يوسف ( اجعلني على خزائن الأرض ) يدل عليه . الثاني : أن قوله ( أستخلصه لنفسي ) يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصا له ، وقد كان يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصا للعزيز ، فدل هذا على أن هذا الملك هو الملك الأكبر . ﴿المسألة الثانية﴾ ذكروا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام وهو في الحبس وقال ((قل اللهم اجعل لي من عندك فرجا ومخرجا وارزقني من حيث لا أحتسب)) فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن ، وتقرير الكلام : أن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه : أحدها: أنه عظم اعتقاده في علمه، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع اليه، وثانيها : أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في الخروج ما أسرع الى الخروج بل صبر وتوقف وطلب أولا ما يدل على براءة حاله عن جميع التهم ، وثالثها : أنه عظم اعتقداه في حسن أدبه ، وذلك لأنه اقتصر على قوله (ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) وإن كان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها ، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل اليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء هذا من الأدب العجيب . ورابعها : براءة حاله عن جميع أنواع التهم فان الخصم أقر له بالطهارة والنزاهة والبراءة عن الجرم. وخامسها : أن الشرابي وصف له جده في الطاعات واجتهاده في الاحسان إلى الذين كانوا في السجن. وسادسها : انه بقي في السجن بضع سنين ، وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الاعتقاد في الانسان ، فكيف مجموعها. فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله شيئاً جمع [ أسبابه وقواها . إذا عرفت هذا فنقول : لما ظهر للملك هذه الأحوال من يوسف عليه السلام رغب أن يتخذه لنفسه فقال ( ائتوني به أستخلصه لنفسي ) روى أن الرسول قال ليوسف عليه السلام قم إلى الملك متنظفا من درن السجن بالثياب النظيفة والهيئة الحسنة فكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ، ولما دخل عليه قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم دخل عليه وسلم ودعا له بالعبرنية والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك وهذا الملك طلب أن يكون يوسف له وحده وأنه لا يشاركه فيه غيره لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة الرفيعة فلما علم الملك انه وحید زمانه وفرید أقر انه أراد أن ينفرد به. ١٦٣ الثالث عشر قوله تعالى ((قال اجعلني على خزائن الأرض )) سورة يوسف قَالَ اجْعَلْنِ عَ خَزَاءِنِ الْأَرْضِ إِ حَفِظٌ عَلِيمُ روى أن الملك قال ليوسف عليه السلام ما من شيء إلا وأحب أن تشركني فيه إلا في أهلي وفي أن لا تأكل معي فقال يوسف عليه السلام ، أما ترى أن آكل معك ، وأنا يوسف بن يعقوب ابن اسحق الذبيح بن إبراهيم الخليل عليه السلام . ثم قال ( فلما كلمه ) وفيه قولان : أحدهما : أن المراد فلما كلم الملك يوسف عليه السلام قالوا لأن في مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبتدىء بالكلام وإنما الذي يبتدىء به هو الملك ، والثاني : أن المراد : فلما كلم يوسف الملك قيل : لما صار يوسف الى الملك وكان ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة ، فلما رآه الملك حدثا شابا قال الشرابي : هذا هو الذي علم تأويل رؤياي مع أن السحرة والكهنة ما علموها قال نعم ، فأقبل على يوسف وقال : إني أحب أن أسمع تأويل الرؤيا منك شفاها ، فأجاب بذلك الجواب شفاها وشهد قلبه بصحته ، فعند ذلك قال له ( إنك اليوم لدينا مكين أمين ) يقال : فلان مكين عند فلان بين المكانة أي المنزلة ، وهي حالة يتمكن بهاصاحبها مما يريد . وقوله ( أمين ) أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما نسبت اليه ، واعلم أن قوله ( مكين أمين ) كلمة جامعة لكل ما يحتاج اليه من الفضائل والمناقب ، وذلك لأنه لا بد في كونه مكينا من القدرة والعلم. أما القدرة فلأن بها يحصل المكنة . وأما العلم فلأن كونه متمكنا من افعال الخير لا يحصل إلا به إذ لو لم يكن عالما بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه تخصيص ما ينبغي بالفعل ، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك ، فثبت أن كونه مکینا لا يحصل إلا بالقدرة والعلم . أما كونه أمينا فهو عبارة عن كونه حكيما لا يفعل الفعل لداعي الشهوة بل إنما يفعله لداعي الحكمة ، فثبت أن كونه مكينا أمينا يدل على كونه قادرا ، وعلى كونه عالما بمواقع الخير والشر والصلاح والفساد ، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة ، وكل من كان كذلك فانه لا يصدر عنه فعل الشر والشفه فلهذا المعنى لما حاولت المعتزلة اثبات أنه تعالى لا يفعل القبيح قالوا إنه تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى يقبح القبيح عالم بكونه غنيا عنه وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح قالوا : وانما يكون غنيا عن القبيح إذا كان قادرا ، وإذا كان منزها عن داعية السفه فثبت أن وصفه بكونه مكينا أمينا نهاية ما يمكن ذكره في هذا الباب ثم حكى تعالى أن يوسف عليه السلام قال في هذا المقام ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) وفيه مسائل : و المسألة الأولى ﴾ قال المفسرون : لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك بين يديه قال ١٦٤ قوله تعالى (( إني حفيظ عليم )) سورة يوسف الجزء له الملك : فما ترى أيها الصديق قال : أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبنى الخزائن وتجمع فيها الطعام فاذا جاءت السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك ومن لي بهذا الشغل فقال يوسف ( اجعلني على خزائن الأرض ) أي على خزائن أرض مصر وأدخل الألف واللام على الأرض ، والمراد منه المعهود السابق . روى ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي _1 في هذه الآية أنه قال (( رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لأستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره عنه سنة )) وأقول هذا من العجائب لأنه لما تأبى عن الخروج من السجن سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى . ﴿ المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول: لم طلب يوسف الأمارة والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة (( لا تسأل الأمارة )) وأيضا فكيف طلب الأمارة من سلطان كافر ، وأيضا لم لم يصبر مدة ولم أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحال ، وأيضا طلب أمر الخزائن في أول الأمر ، مع أن هذا يورث نوع تهمة . وأيضا كيف جوز من نفسه مدح نفسه بقوله ( إني حفيظ عليم ) مع أنه تعالى يقول ( فلا تزكوا أنفسكم ) وأيضا فما الفائدة في قوله ( إني حفيظ عليم ) وأيضا لم ترك الاستثناء في هذا فان الأحسن أن يقول : إني حفيظ عليم ان شاء الله بدليل قوله تعالى (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) فهذه أسئلة سبعة لا بد من جوابها . فنقول : الأصل في جواب هذه المسائل أن التصرف في أمور الخلق كان واجبا عليه ، فجاز له أن يتوصل اليه بأي طريق كان إنما قلنا : إن ذلك التصرف كان واجبا عليه لوجوه : الأول : أنه كان رسولا حقا من الله تعالى الى الخلق ، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الامكان . والثاني : وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى الى هلاك الخلق العظيم ، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق ، والثالث : أن السعي في إيصال النفع الى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول . وإذا ثبت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان مكلفا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه ، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق ، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب ، فكان هذا الطريق واجبا عليه ولما كان واجبا سقطت الأسئلة بالكلية ، وأما ترك الاستثناء فقال الواحدي : كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة وهي أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة ، وأقول : لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه انما ذكره لعلمه ١٦٥ قوله تعالى ((وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض )) سورة يوسف الثالث عشر وَكَذَلِكَ مَكَّ لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْتِنَا مَنْ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ ٥٦ تَسَّاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يَتَّقُونَ ـمـ ٥٧ بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء، وأما قوله لم مدح نفسه فجوابه من وجوه: الأول: لا نسلم أنه مدح نفسه لسكنه بين كونه مرصوفاً بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا المطلوب، وبين البابين فرق وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف لأن الملك وان علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالما بأنه يفي بهذا الأمر ، ثم نقول هب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس انما يكون مذموماً إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل ، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم ) المراد منه تزكية النفس حال ما يعلم كونها غير متزكية ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية ( هو أعلم بمن اتقى ) أما إذا كان الانسان عالما بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه والله أعلم . قوله ما الفائدة في وصفه نفسه بأنه حفيظ عليم ؟ قلنا : إنه جار مجرى أن يقول حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن تحصيل الدخل والمال ، عليهم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال اليها ، ويقال : حفيظ بجميع مصالح الناس ، عليم بجهات حاجاتهم أو يقال : حفيظ لوجوه أياديك وكرمك ، عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والخضوع وهذا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده . قوله تعالى ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ فيه مسائل : المسألة الأولى ) اعلم أن يوسف عليه السلام لما المس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض لم يحك الله عن الملك أنه قال : قد فعلت ، بل الله سبحانه قال ( وکذلك مکنا لیوسف في الأرض ) فههنا المفسرون قالوا في الكلام محذوف وتقديره : قال الملك قد فعلت ، إلا أن تمكين الله له في الأرض يدل على أن الملك قد اجابه الى ما سأل . وأقول : ما قالوه حسن ، إلا أن ههنا ما هو أحسن منه وهو أن إجابة الملك له سبب في عالم الظاهر . وأما المؤثر الحقيقي: ١٦٦ قوله تعالى (( ولا نضيع أجر المحسنين)) سورة يوسف الجزء فليس إلا أنه تعالى مكنه في الأرض ، وذلك لأن ذلك الملك كان متمكنا من القبول ومن الرد ، فنسبة قدرته الى القبول وإلى الرد على التساوي ، وما دام يبقى هذا التساوي امتنع حصول القبول ، فلا بد وأن يترجح القبول على الرد في خاطر ذلك الملك ، وذلك الترجح لا يكون إلا بمرجح يخلقه الله تعالى ، واذا خلق الله تعالى ذلك المرجح حصل القبول لا محالة ، فالتمكن ليوسف في الأرض ليس إلا من خلق الله تعالى في قلب ذلك الملك بمجموع القدرة والداعية الجازمة اللتين عند حصولهما يجب الأثر ، فلهذا السبب ترك الله تعالى ذكر إجابة الملك واقتصر على ذكر التمكين الالهي ، لأن المؤثر الحقيقي ليس إلا هو . ﴿ المسألة الثانية) روى أن الملك توجه وأخرج خاتم الملك وجعله في أصبعه وقلد بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت ، فقال يوسف عليه السلام : أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي ، وجلس على السرير ودانت له القوم ، وعزل الملك قطفير زوج المرأة المعلومه ومات بعد ذلك وزوجه الملك امرأته ، فلما دخل عليها قال أليس هذا خير مما طلبت ، فوجدها عذراء فولدت له ولدين افرايم وميشا . وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء ، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى . ثم بالحلى والجواهر في السنة الثانية ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار . ثم برقابهم حتىٍ استرقهم سنين . فقالوا والله ما رأينا ملكا أعظم شأناً من هذا الملك حتى صار كل الخلق عبيداً له فلما سمع ذلك قال إني أشهد الله أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم ، وكان لا يبيع لأحد ممن يطلب الطعام أكثر من حمل البعير لئلا يضيق الطعام على الباقين هكذا رواه صاحب الكشاف والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( وكذلك ) منصوبة بالتمكين . وذلك إشارة إلى ما تقدم يعني به ومثل ذلك الانعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملك وإنجائنا إياه من غم الحبس ، وقوله ( مكنا ليوسف في الأرض ) أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع وقوله ( يتبوأ منها حيث يشاء) يتبوأ في موضع نصب على الحال تقديره مكناه متبوأ وقرأ ابن كثير (نشاء ) بالنون مضافاً إلى الله تعالى والباقون بالياء مضافا إلى يوسف . واعلم أن قوله ﴿ يتبوأ منها حيث يشاء﴾ يدل على أنه صار في الملك بحيث لا يدافعه أحد . ولا ينازعه منازع بل صار مستقلا بكل ما شاء وأراد . ثم بين تعالى ما يؤكد أن ذلك من قبله فقال ( نصيب برحمتنا من نشاء ) ١٦٧ قوله تعالى (( ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا )) سورة يوسف الثالث عشر واعلم أنه تعالى ذكر أولا أن ذلك التمكين كان من الله لا من أحد سواه وهو قوله ( كذلك مكنا ليوسف في الأرض ) ثم أكد ذلك ثانياً بقوله ( نصيب برحمتنا من نشاء ) وفيه فائدتان : الفائدة الأولى﴾ أن هذا يدل على أن الكل من الله تعالى . قال القاضي : تلك المملكة لما لم تتم إلا بالأمور فعلها الله تعالى صارت كأنها حصلت من قبله تعالى . وجوابه : أنا ندعي أن نفس تلك المملكة إنما حصلت من قبل الله تعالى ، لأن لفظ القرآن يدل على قولنا ، والبرهان القاطع الذي ذكرناه يقوي قولنا ، فصرف هذا اللفظ إلى المجاز لا سبيل اليه . ﴿ الفائدة الثانية ) أنه أتاه ذلك الملك بمحض المشيئة الالهية والقدرة النافذة . قال القاضي : هذه الآية تدل على أنه تعالى يجري أمر نعمه على ما يقتضيه الصلاح . قلنا : الآية تدل على أن الأمور معلقة بالمشيئة الالهية والقدرة المحضة ، فأما رعاية قيد الصلاح ، فأمر اعتبرته أنت من نفسك مع أن اللفظ لا يدل عليه . ثم قال تعالى ( ولا نضيع أجر المحسنين ) وذلك لأن اضاعة الأجر إما أن يكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حق الله تعالى ، فكانت الاضاعة ممتنعة . واعلم أن هذا شهادة من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان من المحسنين ولو صدق القول بأنه جلس بين شعبها الاربع لا متنع أن يقال : انه كان من المحسنين ، فههنا لزم إما تكذيب الله في حكمه على يوسف بأنه كان من المحسنين وهو عين الكفر أو لزم تكذيب الحشوى فيما رواه وهو عين الايمان والحق . ثم قال تعالى ﴿ ولأجر الآخرة خیر للذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ وفيه مسائل ﴿ المسألة الأولى ﴾ في تفسير هذه الآية قولان : ﴿ القول الأول ﴾ المراد منه أن يوسف عليه السلام وإن كان قد وصل إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا . إلا أن الثواب الذي أعده الله له في الآخرة خير وأفضل وأكمل . وجهات الترجيح قد ذكرناها في هذا الكتاب مراراً وأطوارا ، وحاصل تلك الوجوه أن الخير المطلق هو الذي يكون نفعاً خالصاً دائما مقروناً بالتعظيم ، وكل هذه القيود الاربعة حاصلة في خيرات الآخرة ومفقودة في خيرات الدنيا . ﴿ القول الثاني ﴾ أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخبرين أفضل من الآخر كما يقال : الجلاب خير من الماء وقد يستعمل لبيان کونه في نفسه خيراً من غير أن يكون المراد منه ١٦٨ قوله تعالى ( وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه )) سورة يوسف الجزء وَجَآءَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ، مُنْكُونَ (﴾ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ أَثْتُونِى بِأَعْ لَكُ مِنْ أَبِكُمْ أَلَا تَوْنَ أَبِّ أُوِفِ الْكُلَ وَأَنَأْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ بيان التفضيل كما يقال: الثريد خير من الله . يعني الثريد خير من الخيرات حصل باحسان من الله . إذا ثبت هذا فقوله ( ولأجر الآخرة خیر ) إن حملناه على الوجه الاول لزم أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضاً ، وأما إن حملناه على الوجه الثاني لزم أن لا يقال ان منافع الدنيا أيضاً خيرات . بل لعله يفيد أن خير الآخرة هو الخير ، وأما ما سواه فعبث . ﴿ المسألة الثانية) لا شك ان المراد من قوله (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) شرح حال يوسف عليه السلام فوجب أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون ، وهذا تنصيص من الله عز وجل . على أنه كان في الزمان السابق من المتقين ، وليس ههنا زمان سابق ليوسف عليه السلام يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله فيه ( ولقد همت به وهم بها) فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين ، وأيضاً قوله ( ولا نضيع أجر المحسنين ) شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان من المحسنين ، وقوله ( إنه من عبادنا المخلصين ) شهادة من الله تعالى على أنه من المخلصين فثبت الحشوى يقول : إنه كان من الأخسرين المذنبين ، ولا شك أن من لم يقل بقول الله سبحانه وتعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال القاضي: قوله تعالى ( ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) يدل على بطلان قول المرجئة : الذين يزعمون أن الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر . قلنا : هذا ضعيف ، لأنا ان حملنا لفظ خير على أفعل التفضيل لزم أن يكون الثواب الحاصل للمتقين أفضل ولا يلزم أن لا يحصل لغيرهم أصلا ، وان حملناه على أصل معنى الخيرية ، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين ولا يدل على أن غيرهم لا يحصل لهم هذا الخير . قوله تعالى ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين. ١٦٩ قوله تعالى: وجاء اخوة يوسف فدخلو عليه)) سورة يوسف الثالث عشر فَإِن لَمْ تَأْتُونِ بِهِ فَلَا كَلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ (٢﴾ قَالُوْ سَنُرَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعَلُونَ ٦١ فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ﴾ اعلم أنه لما عم القحط في البلاد ، ووصل أيضا إلى البلدة التي كان يسكنها يعقوب عليه السلام وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه إن بمصر رجلا صالحا يمير الناس فاذهبوا اليه بدراهمكم وخذوا الطعام فخرجوا اليه وهم عشرة ودخلوا على يوسف عليه السلام وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف عليه السلام مع اخوته وظهور صدق ما أخبر الله تعالى عنه في قوله ليوسف عليه السلام حال ما ألقوه في الجب ( لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) وأخبر تعالى أن يوسف عرفهم وهم ما عرفوه البتة ، أما انه عرفهم فلانه تعالى كان قد أخبره في قوله ( لتنبئنهم بأمرهم ) بأنهم يصلون إليه ويدخلون عليه، وأيضا الرؤيا التي رآها كانت دليلا على أنهم يصلون إليه ، فلهذا السبب كان يوسف عليه السلام مترصدا لذلك الأمر ، وكان كل من وصل إلى بابه من البلاد البعيدة يتفحص عنهم ويتعرف أحوالهم ليعرف أن هؤلاء الواصلين هل هم اخوته أم لا فلما وصل اخوة يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم تفحصا ظهر له أنهم اخوته ، وأما أنهم ما عرفوه فلوجوه : الأول : أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم الا بالواسطة ومتى كان الأمر كذلك لا جرم أنهم لم يعرفوه لا سيما مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف ، وكل ذلك مما يمنع من التأمل الذي عنده يحصل العرفان. والثاني: هو أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيرا، ثم إنهم رأوه بعد وفور اللحية، وتغير الزي والهيئة فانهم رأوه جالسا على سريره، وعليه ثياب الحرير، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج من ذهب، والقوم أيضا نسوا واقعة يوسف عليه السلام لطول المدة. فيقال : إن من وقت ما ألقوه في الجب الى هذا الوقت كان قد مضى أربعون سنة ، وكل واحد من هذه الأسباب يمنع من حصول المعرفة ، لا سيما عند اجتماعها ، والثالث : أن حصول العرفان والتذكير بخلق الله تعالى ، فلعله تعالى ما خلق ذلك العرفان والتذكير في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنه بقوله ( لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) وكان ذلك من معجزات يوسف عليه السلام . ثم قال تعالى ﴿ ولما جهزهم بجهازهم ﴾ قال الليث : جهزت القوم تجهيزا اذا تكلفت ١٧٠ قوله تعالى ( فان لم تأتوني به فلا کیل لكم عندي )) سورة يوسف الجزء لهم جهازهم للسفر ، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما يحتاج اليه في وجهه . قال : وسمعت أهل البصرة يقولون : الجهاز بالكسر. قال الأزهري : القراء كلهم على فتح الجيم ، والكسر الغة ليست بجيدة ، قال المفسرون : حمل لكل رجل منهم بعيراً وأكرمهم أيضا بالنزول وأعطاهم ما احتاجوا اليه في السفر ، فذلك قوله ( جهزهم بجهازهم ) ثم بين تعالى أنه لما جهزهم بجهازهم قال ( ائتوني بأخ لكم من أبيكم ) واعلم انه لا بد من كلام سابق حتى يصير ذلك الكلام سببا لسؤال يوسف عن حال أخيهم ، وذكروا فيه وجوها : ﴿ الوجه الأول﴾ وهو أحسنها إن عادة يوسف عليه السلام مع الكل أن يعطيه حمل بعير لا أزيد عليه ولا أنقص ، وإخوة يوسف الذين ذهبوا إليه كانوا عشرة ، فأعطاهم عشرة أحمال ، فقالوا : إن لنا أبا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه ، وذكروا أن أباهم لأجل سنه وشدة حزنه لم يحضر، وأن أخاهم بقي في خدمة ابيه ولا بد لهما أيضا من شيء من الطعام فجهز لهما أيضا بعيرين آخرين من الطعام فلما ذكروا ذلك قال يوسف فهذا يدل على أن حب أبيكم له أزيد من حبه لكم ، وهذا شيء عجيب لأنكم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل هذا على أن ذلك اعجوبة في العقل ، وفي الفضل والأدب فجيئوني به حتى أراه فهذا السبب محتمل مناسب والوجه الثاني ﴾ أنهم لما دخلوا عليه ، عليه السلام، وأعطاهم الطعام قال لهم : من أنتم ؟ قالوا نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال : لعلكم جئتم عيونا فقالوا معاذ الله نحن اخوة بنو أب واحد شيخ صديق نبي اسمه يعقوب قال : كم انتم قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحد وبقي واحد مع الأب يتسلى به عن ذلك الذي هلك ، ونحن عشرة وقد جئناك قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم ليبلغ الى رسالة أبيكم فعند هذا أقرعوا بينهم فأصبت القرعة شمعون ، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده . والوجه الثالث ﴾ لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف : فلم تركتموه وحيدا فريدا ؟ قالوا : ما تركناه وحيدا ، بل بقي عنده واحد . فقال لهم : لم استخلصه لنفسه ولم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده ؟ فقالوا : لا بل لأجل أنه يحبه أكثر من محبته لسائر الأولاد فعند هذا قال يوسف لما ذكرتم أن أباكم رجل عالم حكيم بعيد عن المجازفة ، ثم انه خصه بمزيد المحبة وجب أن يكون زائدا عليكم في الفضل ، وصفات الكمال مع اني أراكم فضلاء علماء ١٧٩ الثالث عشر قوله تعالى ((وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم)) سورة يوسف وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ أَجْعَلُواْ بِضَدعَتْهُمْ فِ رِحَاِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (لَ قَلَمَا رَجَعُواْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُوا يَدَأْبَانَا مُنِحَ مِنَّا الْكَلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآَ أَخَانَا نَكْتَلْ وَ إِنَّ لَهُو ◌َخَفِظُونَ (چ﴾ قَالَ هَلْ ءَ اَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا وَهُوَ أَرْحَمَ الرّحِينَ ٦٤ حكماء فاشتاقت نفسي الى رؤية ذلك الأخ فائتوني به ، والسبب الثاني : ذكره المفسرون ، والأول والثالث محتمل والله أعلم . ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال ﴿ ألا ترون أني أوف الكيل ﴾ أي أتمه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم ، وأنا خير المنزلين ، أي خير المضيفين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم . وأقول : هذا الكلام يضعف الوجه الثاني وهو الذي نقلناه عن المفسرين ، لأن مدار ذلك الوجه على أنه اتهمهم ونسبهم الى أنهم جواسيس ، ولو شافههم بذلك الكلام فلا يليق به أن يقوم لهم ﴿ ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ وأيضا يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقا أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون ، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة ، لأن البهتان لا يليق بحال الصديق . ثم قال ﴿ فان لم تأتوني به فلا کیل لکم عندي ولا تقربون ﴾ واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب والترهيب . أما الترغيب : فهو قوله ﴿ ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين﴾ وأما الترهيب : فهو قوله ﴿ فان لم تأتوني به فلا کیل لكم عندي ولا تقربون ﴾ وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة الى تحصيل الطعام ، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده ، فاذا منعهم من الحضور عنده كان ذلك نهاية الترهيب والتخويف ، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف قالوا ﴿ سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ﴾ أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده ، وإنا لفاعلون هذه المراودة والغرض من التكرير التأكيد ، ويحتمل أن يكون ﴿وإنا لفاعلون﴾ أن نجيئك به ، ويحتمل وإنا لفاعلون ﴾ كل ما في وسعنا من هذا الباب. قوله تعالى ﴿وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها اذا انقلبوا الى اهلهم لعلهم يرجعون فلما رجعوا الى أبيهم قالوا يا أبانا منع مناالكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون . قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ﴾ ١٧٢ قوله تعالى ((فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين)) سورة يوسف الجزء وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم لفتيانه بالألف والنون والباقون ﴿لفتيته) بالتاء من غير ألف، وهما لغتان كالصبيان والصبية، والاخوان والاخوة قال أبو على الفارسي الفتية جمع فتى في العدد القليل والفتيان للكثير ، فوجه البناء الذي للعدد القليل أن الذين يحيطون بما يجعلون بضاعتهم فیه من رحالهم یکونون قلیلین لأن هذا من باب الاسرار فوجب صونه إلا عن العدد القليل ووجه الجمع الكثير أنه قال ﴿ أجعلوا بضاعتهم في رحالهم ﴾ والرحال تفيد العدد الكثير فوجب أن يكون الذين يباشرون ذلك العمل كثيرين . ﴿ المسألة الثانية ﴾ اتفق الأكثرون على أن إخوة يوسف ما كانوا عالمين بجعل البضاعة في رحالهم ومنهم من قال إنهم عارفين به ، وهو ضعيف لأن لقوله ﴿ لعلهم يعرفونها ﴾ يبطل ذلك ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجوه : الأول : أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه ، علموا أن ذلك كان كرما من يوسف وسخاء محضا فيبعثهم ذلك على العود اليه والحرص على معاملته . والثاني : خاف أن لا یکون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى الثالث : أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان القحط. الرابع : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع شدة حاجتهم الى الطعام لؤم. الخامس : قال الفراء : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم . وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء واولاد انبياء فرجعوا ليعرفوا السبب فيه ، أرجعوا ليردوا المال الى مالكه. السادس. أراد أن يحسن اليهم على وجه لا يلحقهم به عيب ولا منة . السابع : مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الايذاء والظلم ولا لطلب زيادة في الثمن. الثامن : أراد ان يعرف أبوه أنه أكرمهم وطلبه له المزيد الاكرام فلا يثقل على أبيه ارسال أخيه . التاسع : أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان ، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق ، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية الى أن يصلوا الى أبيهم. العاشر: أراد أن يقابل مبالغتهم في الاساءة بمبالغة في الاحسان إليهم . ثم انه تعالى حكى عنهم أنهم لما رجعوا الى ابيهم قالوا ﴿ يا أبانا منع منا الكيل ﴾ وفيه قولان : الأول : أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عنده منعوا منه ، فقولهم ﴿ منع منا الكيل ﴾ اشارة اليه . والثاني : أنه منع الکیل في المستقبل وهو اشارة الى قول یوسف ﴿ فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ﴾ والدليل على أن المراد ذلك قولهم ﴿ فأرسل معنا أخانا نكتل ﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿يكتل) بالياء، والباقون بالنون، والقراءة الأولى تقوي القول الأول، ١٧٣ قوله تعالى (( ولما فتحوا متاعهم )) سورة يوسف الثالث عشر وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضََتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَأْبَانَ مَاتَّبْغِى هَذِهِ، بِضَاعَتُنَا ◌ُدَّتْ إِلَيْنَا وَغَيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَحَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ بَسِرٌ والقراءة الثانية تقوي القول الثاني . ثم قالوا ﴿وإنا له لحافظون) ضمنوا كونهم حافظين له، فلما قالوا ذلك قال يعقوب عليه السلام ﴿ هل آمنكم عليه إلا كما امنتكم على أخيه من قبل ﴾ والمعنى أنكم ذكرتم قبل هذا الكلام في يوسف وضمنتم لي حفظه حيث قلتم ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ ثم ههناذكرتم هذا اللفظ بعينه فهل يكون ههنا أماني إلا ما كان هناك يعني لما لم يحصل الأمان هناك فكذلك لا يحصل ههنا . ثم قال ﴿ فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين﴾ قرأ حمزة . والكسائي ﴿ حافظا ﴾ بالألف على التمييز والتفسير على تقدير هو خير لكم حافظا كقولهم : هو خيرهم رجلا ولله دره فارسا ، وقيل : على الحال والباقون ﴿حفظا﴾ بغير ألف على المصدر يعني خيركم حفظا يعني حفظ الله لبنيامين خير من حفظكم ، وقرأ الأعمش ﴿ فالله خير حافظ﴾ وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه خير الحافظين وهو أرحم الراحمين ، وقيل : معناه وثقت بكم في حفظ يوسف عليه السلام فكان ما كان فالآن أتوكل على الله في حفظ بنيامين . فان قيل : لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد . قلنا : لوجوه : احدها : أنهم كبروا ومالوا الى الخير والصلاح، وثانيها : أنه كان يشاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام ، وثالثها : أن ضرورة القحط أحوجته الى ذلك ، ورابعها : لعله تعالى أوحى اليه وضمن حفظه وإيصاله إليه . فان قيل : هل يدل قوله ﴿ فالله خير حافظا ﴾على أنه أذن في ذهاب ابنه بنیامین في ذلك الوقت . قلنا : الأكثرون قالوا : يدل عليه . وقال آخرون : لا يدل عليه ، وفيه وجهان : الأول : التقدير أنه لو أذن في خروجه معهم لكان في حفظ الله لا في حفظهم ، الثاني : أنه لما ذكر يوسف قال : ﴿ فالله خير حافظا ﴾ أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي. قوله تعالى ﴿ ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت اليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت الينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك کیل يسير﴾ ١٧٤ قوله تعالى: ((ولما فتحوا متاعهم)) سورة يوسف الجزء اعلم أن المتاع ما يصلح لأن يستمتع به وهو عام في كل شيء ، ويجوز ان يراد به ههنا الطعام الذي حملوه ، ويجوز أن يراد به أوعيه الطعام . ثم قال ﴿وجدوا بضاعتهم ردت اليهم﴾ واختلف القراء في ﴿ردت﴾ فالأكثرون بضم الراء ، وقرأ علقمة بكسر الراء . قال صاحب الكشاف : كسرة الدال المدغمة نقلت الى الراء كما في قيل وبيع. وحكى قطرب أنهم قالوا في قولنا : ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد . وأما قوله ﴿ ما نبغى ﴾ ففي كلمة ﴿ما ﴾ قولان: القول الأول ﴾ أنها للنفي ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : الأول : أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا : إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب لما فعل ذلك ، فقولهم ﴿ ما نبغي ﴾ أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذبا ولا ذكر شيء لم يكن . الثاني: أنه بلغ في الاكرام الى غاية ما وراءها شيء آخر ، فانه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت الينا : الثالث : المعنى أنه رد بضاعتنا الينا ، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا اليه بضاعة أخرى ، فان هذه التي معنا كافية لنا . والقول الثاني﴾ أن كلمة ((ما)) ههنا للاستفهام، والمعنى: لما رأوا أنه رد اليهم بضاعتهم قالوا : ما نبغي بعد هذا ، أي أعطانا الطعام ، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه . فأي شيء نبغي وراء ذلك ؟ واعلم أنا إذا حملنا ((ما)) على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الاكرام إن الرجل رددراهمنا الينا فاذا ذهبنا اليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا . قال الأصمعي : يقال ماره يميره ميرا إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال : ما عنده خير ولا مير وقوله ﴿ ونزداد كيل بعير﴾ معناه: أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير فاذا حضراخوه فلا بد وأن يزداد ذلك الحمل، وأما إذا حملنا كلمة ((ما )) على النفي كان المعنى لا نبغي شيئا آخر هذه بضاعتنا ردت الينا فهي كافية لثمن الطعام في الذهاب الثاني ، ثم نفعل كذا وكذا . ١٧٥ قوله تعالى « قال لن أرسله معكم » سورة یوسف الثالث عشر قَالَ لَنْ أَرْسِلَهُ ، مَعَكُرْ خَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًا مِنَ اللهِ لَأْتُِّى ◌ِةَ إِلَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ قَمَّاَءَ اتَوُهُ مَوْقَهُمْ قَالَ اَللَّهُ عَلَى مَاتَقُولُ وَجِلُ (﴾ وأما قوله ﴿ ذلك كيل يسير﴾ ففيه وجوه: الأول: قال مقاتل: ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج . والثاني : ذلك كيل يسير ، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الخبس والتأخير ، والثالث : أن يكون المراد ذلك الذي يدفع الينا دون أخينا شيء يسير قليل فابعث أخانا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة . قوله تعالى ﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وکیل اعلم أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ، ومعناه : العهد الذي يوثق به فهو مصدر بمعنى المفعول يقول : لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدا موثوقا به وقوله ﴿ من الله ﴾ أي عهدا موثوقا به بسبب تأكده باشهاد الله وبسبب القسم بالله عليه ، وقوله ﴿ لتأتنني به ﴾ دخلت اللام ههنا لأجل أنا بينا ان المراد بالموثق من الله اليمين فتقديره : حتى تحلفوا بالله لتأتنني به . وقوله ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ فيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ قال صاحب الكشاف: هذا الاستثناء متصل. فقوله ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ مفعول له ، والكلام المثبت الذي هو قوله ﴿ لتأتنني به ﴾ في تأويل المنفي ، فكان المعنى : لا تمتنعون من الاتيان به لعلة من العلل إلا لعلة واحدة . البحث الثاني ﴾ قال الواحدي للمفسرين فيه قولان : ﴿القول الأول﴾ ان قوله ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ معناه الهلاك قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي ، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب هلاكه قال تعالى ﴿ وأحيط بثمرة ﴾ أي أصابه ما أهلكه. وقال تعالى ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ وأصله أن من أحاط به العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه ، فقيل : لكل من هلك قد أحيط به . والقول الثاني﴾ ما ذكره قتادة ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين . فلا تقدرون على الرجوع . ١٧٦ قوله تعالى ( وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد )) سورة يوسف الجزء وَقَالَ يَنِيَّ لَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَزِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوٍَ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنْكُم مِّنَ اللهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكُ إِلِّلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوُِّونَ ( ٦٧ ثم قال تعالى ﴿ فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل ﴾ يريد شهيد، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول اليه هذا العهد فان وفيتم به جازاكم بأحسن الجزاء ، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات . قوله تعالى ﴿ وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا الله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج من مصر. وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم ﴿ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ﴾ وفي قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم ولنا ههنا مقامان : المقام الأول ) اثبات ان العين حق والذي يدل عليه وجوه : والأول : اطباق المتقدمين من المفسرين على ان المراد من هذه الآية ذلك، والثاني: ما روى ان رسول الله وعليه كان يعوذ الحسن والحسين فيقول ((أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة )) ويقول هكذا كان يعوذ ابراهيم اسمعيل واسحق صلوات الله عليهم . والثالث : ما روى عبادة ابن الصامت قال دخلت على رسول الله و لي في أول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت اليه آخر النهار فرأيته معافى فقال (( إن جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن كل عين وحاسد الله يشفيك)) قال فافقت والرابع : روى ان بني جعفر ابن ابي طالب غلمانا بيضا . فقالت أسماء : يا رسول الله ان العين اليهم سريعة أفأسترقى لهم من العين فقال لهانعم. والخامس: دخل رسول الله وَ ليل بيت أم فافقت سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا : يا رسول الله أصابته العين فقال أفلا تسترقون له من العين ، والسادس : قوله عليه السلام (( العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر)) والسابع : قالت عائشة رضي الله عنها : كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين الذي أصيب بالعين . ﴿ المقام الثاني﴾ في الكشف عن ماهيته فنقول : إن أبا على الجبائي أنكر هذا المعنى انكارا بليغا ولم يذكر في انكاره شبهة فضلا عن حجة ، وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده ١٧٧ الثالث عشر قوله تعالى ((وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد)) سورة يوسف فقد ذكروا فيه وجوها : الأول: قال الحافظ : إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار ، وإن كان مخالفا في جهة التأثير لهذه الاشياء قال القاضي: وهذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال ، لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف. وذلك لأنه إذا استحسن شيئا فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه ، وقد يكره بقاءه أيضا كما إذا أحس الحاسد بشيء حصل لعدوه ، فان كان الأول فانه يحصل له عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب فحينئذ يسخن القلب والروح جدا ، ويحصل في الروح الباصرة كيفية قوية مسخنة وإن كان الثاني : فانه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه . والحزن أيضا يوجب انحصار الروح في داخل القلب ويحصل فيه سخونة شديدة ، فثبت أن عند الاستحسان القوي تسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين بخلاف ما إذا لم يستحسن فانه لا تحصل هذه السخونة فظهر الفرق بين الصورتين، ولهذا السبب أمر الرسول مل38 العائن بالوضوء ومن أصابته العين بالاغتسال . الوجه الثاني ﴾ قال ابوهاشم وأبو القاسم البلخي إنه لا يمتنع أن تكون العين حقا ، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحسانا كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك التشخص وذلك حتى لا يبقى ذلك المكلف متعلقا به ، فهذا المعنى غير ممتنع ، ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الاعجاب وسأل ربه تقية ذلك ، فعنده تتعين المصلحة ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل العين حق . الوجه الثالث ﴾ وهو قول الحكماء قالوا هذا الكلام مبني على مقدمة . وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضا، ولا يكون للقوى بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض ، قدر الانسان على المشي عليه . ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الانسان عن المشي عليه ، وما ذاك الا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه ، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة ، وأيضا أن الانسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه غضب ، ويسخن مزاجه جدا فمبدأ تلك السخونة ليس الا ذاك التصور النفساني ، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس الا التصورات النفسانية ، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها الى سائر الأبدان . فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة ١٧٨ قوله تعالى ( وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد )) سورة يوسف الجزء في سائر الأبدان وأيضا جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه ، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنفوس النبوية نطفت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك . وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية باصابة العين كلام حق لا يمكن رده . القول الثاني ﴾ وهو قوله أبي على الجبائي : أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم ، فقال ﴿ لا تدخلوا ﴾ تلك المدينة ﴿ من باب واحد ﴾ على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو يقال : لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم ، واعلم أن هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير اليه ، ونقل. عن الحسن أنه قال : خاف عليهم العين ، فقال: ﴿ لا تدخلوا من باب واحد ﴾ ثم رجع الى علمه وقال ﴿ وما أغنى عنكم من الله من شيء ﴾ وعرف أن العين ليست بشيء وكان قتادة يفسر الآية باصابة العين ويقول : ليس في قوله ﴿ وما أغنى عنكم من الله من شيء ﴾ ابطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره . القول الثالث ﴾ أنه عليه السلام كان عالما بأن ملك مصر هو ولده يوسف إلا أن الله تعالى ما أذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه اليه قال ﴿ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ﴾ وكان غرضه أن يصل بنيامين الى يوسف في وقت الخلوة ، وهذا قول إبراهيم النخعي ، فأما قوله ﴿ وما أغنى عنكم من الله من شيء ﴾ فاعلم أن الانسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضا بأن يعتقد ويجزم بأنه لا يصل اليه إلا ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر ، فان الانسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة ، والأغذية الضارة ، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الامكان . ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازما بأنه لا يصل اليه إلا ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله فقوله عليه السلام ﴿ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ﴾ فهو اشارة الى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، وقوله ﴿وما أغنى عنكم من الله من شيء﴾ اشارة الى عدم الالتفات الى الأسباب والى التوحيد المحض والبراءة عن كل شيء سوى الله تعالى وقول القائل : كيف السبيل الى الجمع بين هذين القولين ، فهذا السؤال غير مختص به ، وذلك لأنه لا نزاع في أنه لا بد من اقامة الطاعات ، والاحتراز عن المعاصي والسيئات مع أنا نعتقد أن السعيد من سعد في ١٧٩ الثالث عشر قوله تعالى ((ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم)) سورة يوسف ٠١١٤٠١٠٠٤١٠٠ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ إِلَّ حَاجَةُ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنْهَا وَإِنَُّ لَدُوْعِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ بطن أمه ، وأن الشقي من شقي في بطن أمه . فكذا ههنا نأكل ونشرب ونحترز عن السموم وعن الدخول في النار مع أن الموت والحياة لا يحصلان الا بتقدير الله تعالى ، فكذا ههنا فظهر أن هذا السؤال غير مختص بهذا المقام ، بل هو بحث عن سرمسألة الجبر والقدر ، بل الحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ، وبعد ذلك السعي البليغ والجد الجهيد فانه يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فلا بد وأن يكون بقضاء الله تعالى ومشيئته وسابق حكمه وحمكته ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى ، فقال ﴿ إن الحكم إلا الله ﴾ واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر ، وذلك لأن الحكم عبارة عن الالزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم ، لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكما لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول ، فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى ، وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة الى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه ، إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال ( عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم ، وثبت بالبرهان أنه لا حكم الا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله ، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا الى ما هو البرهان الحق فيه والشيخ ابو حامد الغزالي رحمه الله أطنب في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب . قوله تعالى ﴿ ولما دخلوا من حيث امرهم ابوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء الا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ قال المفسرون : لما قال يعقوب : وما أغنى عنكم من الله من شيء ، صدقه الله في ذلك فقال : وما كان ذلك التفرق يغنى من الله من شيء وفيه بحثان ؛ ١٨٠ قوله تعالى ((ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم)) سورة يوسف الجزء البحث الأول ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك التفرق ما كان يرد قضاء الله ولا أمرا قدره الله . وقال الزجاج : إن العين لو قدر ان تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون . وقال ابن الأنباري : لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم ، وهذه الكلمات متقاربة ، وحاصلها أن الحذر لا يدفع القدر . البحث الثاني ﴾ قوله ﴿ من شيء) يحتمل النصب بالمفعولية والرفع بالفاعلية . أما الأول ﴾ فهو كقوله ما رأيت من أحد ، والتقدير : ما رأيت احدا ، فكذا ههنا تقدير الآية : أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء الله شيئا ، أي ذلك التفرق ما كان يخرج شيئا من تحت قضاء الله تعالى . وأما الثاني﴾ فكقولك : ما جاءني من أحد ، وتقديره ما جاءني أحد . فكذا ههنا التقدير : ما كان يغنى عنهم من الله شيء مع قضائه . أما قوله ﴿ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ﴾ فقال الزجاج: إنه استثناء منقطع ، والمعنى : لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها ، يعني أن الدخول على صفة التفرق حاجة في نفس يعقوب قضاها ، ثم ذكروا في تفسير تلك الحاجة وجوها : أحدهما : خوفه عليهم من إصابة العين ، وثانيها : خوفه عليهم من حسد أهل مصر، وثالثها : خوفه عليهم من أن يقصدهم ملك مصر بشر، ورابعها خوفه عليهم من. أن لا يرجعوا اليه ، وكل هذه الوجوه متقاربة . وأما قوله ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ فقال الواحدي: يحتمل ان تكون ﴿ ما ﴾ مصدرية والهاء عائدة إلى يعقوب ، والتقدير : وانه لذو علم من أجل تعليمنا إياه ، ويمكن أن تكون ﴿ ما ﴾ بمعنى الذي والهاء عائدة اليها، والتأويل وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه، يعني انا لما علمناه شيئا حصل له العلم بذلك الشيء وفي الآية قولان آخران : الأول : أن المراد بالعلم الحفظ، أي انه لذو حفظ لما علمناه ومراقبة له والثاني : لذو علم لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وهو اشارة الى كونه عاملا بما علمه ، ثم قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وفيه وجهان : الأول : ولكن أكثر الناس لا يعلمون مثل ما علم يعقوب . والثاني : لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم ، والمراد بأكثر الناس . المشركون ، فانهم لا يعلمون بأن الله كيف أرشد أولياءه الى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة .