النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ قوله تعالى (( فمنهم شقي وسعيد )) سورة هود الثاني عشر 1. الياء . قال صاحب الكشاف : وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل ، ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل وسيبويه . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: فاعل يأتي هو الله تعالى كقوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) وقوله ( أو يأتي ربك ) ويعضده قراءة من قرأ ( وما يؤخره ). بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل ، لأن قوله ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) حكاه الله تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود ، وذلك ليس فيه حجة وكذا قوله ( أو يأتى ربك ) أما ههنا فهو صريح كلام الله تعالى واسناد فعل الاتيان اليه مشكل . فان قالوا : فما قولك في قوله تعالى ( وجاء ربك ) قلنا : هناك تأويلات ، وأيضا فهو صريح ، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال : المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم ، فحذف الله تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف: العامل في انتصاب الظرف هو قوله ( لا تكلم ) أو اضمار اذكر . أما قوله ﴿ لا تكلم نفس إلا باذنه ﴾ ففيه حذف، والتقدير : لا تكلم نفس فيه إلا باذن الله تعالى . فان قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) ومنها أنهم يكذبون ويحلفون بالله عليه وهو قولهم ( والله ربنا ما كنا مشركين ) ومنها قوله تعالى ( وقفوهم إنهم مسؤلون ) ومنها قوله ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذون لهم فيعتذرون ) والجواب من وجهين : الأول : أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة . الثاني : أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف ، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام ، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم . أما قوله ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: الضمير في قوله ( فمنهم ) لأهل الموقف ولم ٦٢ قوله تعالى (( فمنهم شقي وسعيد ))! سورة هود الجزء يذكر لأنه معلوم ولأن قوله (لا تكلم نفس إلا بإذنه) يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله ( مجموع له الناس ) المسألة الثانية) قوله ( فمنهم شقي وسعيد) يدل ظاهره على أن أهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين . فان قيل : أليس في الناس مجانين واطفال وهم خارجون عن هذين القسمين ؟ قلنا : المراد من يحشر من أطلق للحساب وهم لا يخرجون عن هذين القسمين . فان قيل : قد احتج القاضي بهذه الآية على فساد ما يقال إن أهل الأعراف لا في الجنة ولا في النار فما قولکم فيه ؟ قلنا : لما سلم أن الأطفال والمجانين خارجون عن هذين القسمين لأنهم لا يحاسبون فلم لا يجوز أيضا أن يقال : إن أصحاب الأعراف خارجون عنه لأنهم أيضا لا يحاسبون ، لأن الله تعالى علم من حالهم أن ثوابهم يساوي عذابهم ، فلا فائدة في حسابهم . فان قيل : القاضي استدل بهذه الآية أيضا على أن كل من حضر عرصة القيامة فانه لا بد وأن يكون ثوابه زائدا أو يكون عقابه زائدا ، فأما من كان ثوابه مساويا لعقابه فانه وإن كان جائزا في العقل ، إلا أن هذا النص دل على أنه غير موجود . قلنا : الكلام فيه ما سبق من أن السعيد هو الذي يكون من أهل الثواب ، والشقي هو الذي يكون من أهل العقاب ، وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث ، والدليل على ذلك : أن أكثر الآيات مشتملة على ذكر المؤمن والكافر فقط ، وليس فيه ذكر ثالث لا يكون لا مؤمنا ولا كافرا مع أن القاضي أثبته ، فاذا لم يلزم من عدم ذكر ذلك الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من ذكر هذا الثالث عدمه . المسألة الثالثة ) اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه سعيد وعلى بعضهم بأنه شقي ، ومن حكم اللّه عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر امتنع كونه بخلافه ، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذبا وعلمه جاهلا وذلك محال . فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا وأن الشقي لا ينقلب سعيدا ، وتقرير هذا الدليل مر في هذا الكتاب مرارا لا تحصى . وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال : لما نزل قوله تعالى (فمنهم شقي وسعيد) قلت يا رسول الله فعلى ماذا نعمل على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال (( على شيء قد فرغ منه يا ٦٣٠ الثاني عشر قوله تعالى ((فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق )) سورة هود عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار ، ولكن كل ميسر لما خلق له)) وقالت المعتزلة : نقل عن الحسن أنه قال : فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله . قلنا : الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات وأيضا فلا نزاع أنه انما شقي بعمله وانما سعد بعمله ولکن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء الله وقدره كان الدليل الذي ذكرناه باقيا . واعلم أنه تعالى لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل واحد منهما فقال ( فاما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ ذكروا في الفرق بين الزفير والشهيق وجوها : الوجه الأول ﴾ قال الليث : الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ولم يخرجه ، والشهيق أن يخرج ذلك النفس ، وقال الفراء : يقال للفرس إنه عظيم الزفرة أي عظيم البطن وأقول إن الانسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب فاذا انحصر الروح قويت الحرارة وعظمت وعند ذلك يحتاج الانسان الى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء كثيرا باردا حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة ، فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل البدن وحينئذ يرتفع صدره وينتفخ جنباه ، ولما كانت الحرارة الغريزية والروح الحيواني محصورا في داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء الخارجة فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصرا في الصدر ويقرب من أن يختنق الانسان منه وحينئذ تجتهد الطبيعة في إخراج ذلك الهواء فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه ، والشهيق هو اخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه وكل واحدة من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم . الوجه الثاني ﴾ في الفرق بين الزفير والشهيق . قال بعضهم : الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق ، وأما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار . الوجه الثالث ) قال الحسن : قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع . فنقول : الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى اذا وصلوا الى أعلى درجات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم الى الدرك الأسفل من جهنم ، وذلك قوله تعالى ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) فارتفاعهم في النار هو الزفير . وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق . ٠ ٦٤ قوله تعالى (( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض )) سورة هود الجزء الوجه الرابع﴾ قال أبو مسلم : الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس ، والشهيق هو الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن ، وربما تبعهما الغشية ، وربما حصل عقيبه الموت . الوجه الخامس ﴾ قال أبو العالية : الزفير في الحلق والشهيق في الصدر . الوجه السادس ﴾ قال قوم: الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف. الوجه السابع ) قال ابن عباس رضي الله عنهما ( لهم فيها زفير وشهيق ) يريد ندامة ونفساً عالية وبكاء لا ينقطع وحزنا لا يندفع . الوجه الثامن ﴾ الزفير مشعر بالقوة، والشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب اللغة . إذا عرفت هذا فنقول : لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم الى عالم الدنيا والى اللذات الجسدانية ، والمراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد بعالم الروحانيات والاستكمال بالأنوار الالهية والمعارج القدسية . /ثم قال تعالى ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية، واحتجوا بالقرآن والمعقول . أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين : الأول : أنه تعالى قال ( ما دامت السموات والأرض ) دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض ، ثم توافقنا على أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة . الثاني : إن قوله ( إلا ما شاء ربك ) استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضا قوله تعالى في سورة عم يتساءلون (لابثين فيها أحقابا) بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقابا معدودة . وأما العقل فوجهان : الأول : أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز . الثاني : أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحا بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لكونه متعاليا عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره ، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة ٦٥ الثاني عشر قوله تعالى ((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض)) سورة هود لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم ، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز ، وأما الجمهور الأعظم من الأمة ، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية . أما قوله ( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض فذكروا عنه جوابين : الأول . قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها . قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضا قوله تعالى ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ) وقوله ( وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ) وأيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم ، وذلك هو الأرض والسموات . ولقائل أن يقول : التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوما مقررا فيشبه به غيره تأكيدا لثبوت الحكم في المشبه . ووجود السموات والأرض في الآخرة غير معلوم . وبتقدير أن يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى البتة غير معلوم ، فاذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق ودوامهما أيضا مجهولا للأكثر ، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلاما عديم الفائدة ، أقصى ما في الباب أن يقال : لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرضٍ في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به ، وحينئذ يحسن التشبيه ، إلا أنا نقول : لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع ، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر ، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع ، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل ، فكذا ههنا . الوجه الثاني ﴾ في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السموات والأرض ، ونظيره أيضا قولهم ما اختلف الليل والنهار ، وما طما البحر ، وما أقام الجبل ، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد ، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع . ولقائل أن يقول : هل تسلمون أن قول القائل : خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات ، أو تقولون إنه لا يدل على هذا المعنى ، فان کان الأول ، فالاشکال لازم ، لأن النص لما دل على أنه يجب أن تكون مدة کونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات ويمنع من حصول بقائهم في النار بعد فناء السموات ، ثم ثبت أنه لا بد من فناء السموات فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب ، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات والأرض ، فلا حاجة بكم إلى هذا الجواب البتة ، : الجزء قوله تعالى ((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض )) سورة هود فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع . واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر ، وهو أن المعهود من الآية أنه متى كانت السموات والأرض دائمتين ، كان كونهم في النار باقيا فهذا يقتضي أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط: ألا ترى أنا نقول : إن كان هذا إنسانا فهو حيوان . فان قلنا : لكنه إنسان فانه ينتج أنه حيوان ، أما إذا قلنا لكنه ليس بانسان لم ينتج أنه ليس بحيوان ، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا ، فكذا ههنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم ، فاذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلا ، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم . فان قالوا : فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أولم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة ؟ قلنا بل فيه اعظم الفوائد وهو انه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهرا داهرا ، وزمانا لا يحيط العقل بطوله وامتداده ، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر ، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئا من المعقولات . وأما الشبهة الثانية) وهي التمسك بقوله تعالى ﴿ إلا ما شاء ربك) فقد ذكروا فيه أنواعا من الأجوبة . الوجه الأول ﴾ في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء . قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله البتة ، كقولك : والله لأضرينك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه ، فكذا ههنا وطولوا في تقرير هذا الجواب ، وفي ضرب الأمثلة فيه ، وحاصله ما ذكرناه . ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأنه إذا قال : لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، معناه : لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب ، وهذا لا يدل البتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ﴾ فان معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك ، فههنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزما ، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام . ٦٧ قوله تعالى ((إلا ما شاء ربك )) سورة هود الثاني عشر ﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب أن يقال: إن كلمة ﴿إلا ﴾ ههنا وردت بمعنى: سوى . والمعنى أنه تعالى لما قال ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا ، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولا في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه ، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله ﴿ إلا ما شاء ربك﴾ والمعنى: إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها . الوجه الثالث﴾ في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فانهم في ذلك الوقت لا يكونون في النار ، وقال أبو بكر الأصم المراد إلا ما شاء ربك وهو حال كونهم في القبر ، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم في الدنيا وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة ، والمعنى : خالدين فيها بمقدار مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون الى النار . الوجه الرابع﴾ في الجواب قالوا : الاستثناء يرجع الى قوله ﴿لهم فيها زفير وشهيق ﴾ وتقريره أن نقول: قوله ﴿لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ﴾ يفيد حصول الزفير والشهيق مع الخلود فاذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع اجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء فرد واحد من أجزائه فاذا انتهوا آخر الأمر الى ان يصيروا ساکنین ھامدین خامدین فحينئذ لم يبق لهم زفير وشهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة. الى الحكم بانقطاع كونهم في النار . ﴿ الوجه الخامس ﴾ في الجواب ان يحمل هذا الاستثناء على ان اهل العذاب لا يكونون أبدا في النار ، بل قد ينقلون الى البرد والزمهرير وسائر أنواع العذاب وذلك يكفيّ في صحة هذا الاستثناء ﴿ الوجه السادس ﴾ في الجواب قال قوم: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار ، لأن قوله ﴿ فأما الذين شقوا ففي النار ﴾ يفيد أن جملة الاشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم ، ثم قوله ﴿ إلا ما شاء ربك) يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع . ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم ، فوجب ان لا يبقى حكم الخلود لبعض الاشقياء ، ولما ثبت ان الخلود واجب للكفار وجب أن يقال : الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة ، وهذا كلام قوي في هذا الباب . ٦٨ قوله تعالى ((عطاء غير مجذوذ )) سورة هود الجزء فان قيل : فهذا الوجه إنما يتعين اذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها ، فما الدليل على فسادها ، وأيضا فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء ، فانه تعالى قال ﴿ وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ﴾ قلنا : إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار ، ثم اذا اردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار . قلنا: أما حمل كلمة ((إلا )) على سوى فهو عدول عن الظاهر ، وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضا ، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار ، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار . فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار ، واذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء . وأما قوله الاستثناء عائد الى الزفير والشهيق فهذا أيضا ترك للظاهر ، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه ، وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار الى الزمهرير . فنقول : لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير الا بعد انقضاء مدة السموات والارض . والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار الى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مرارا فبطل هذا الوجه ، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول : أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال : إن أحدا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار ، فلأجل هذا الاجماع افتقرنا فيه الى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات . أما هذه الآية لم يحصل هذا الاجماع ، فوجب اجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار ، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد وليس على حكم البتة . ثم قال ﴿ وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿سعدوا ﴾ بضم السين والباقون بفتحها وانما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال . ٦٩ قوله تعالى ((فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء )) سورة هود الثاني عشر فَلَتَكُ فِى مِرَةَ قِمَا يَعْبُ هَؤُلَاءِ مَايَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُءَآبَاؤُهُم مِّنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيَّهُمْ غَيْرَ مَنْقُرٍصٍ ١٠٠ المسألة الثانية ) الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم وههنا وجه آخر . وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة الى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى . قال الله تعالى ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ) وقوله عطاء غير مجذوذ ﴾ فيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ جذه يجذه جذا اذا قطعه وجذ الله دابرهم ، فقوله ﴿ غير مجذوذ أي غير مقطوع ، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة ﴿ لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ ﴿ المسألة الثانية ) اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة ، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ولم يذكر ذلك في جانب الاشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع ، فهذا تمام الكلام في هذه الآية . قوله تعالى ﴿فلاتك في مرية مما یعبد هؤلاء ما يعبدون إلا کما يعبد آباؤكم من قبل. وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم اتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول عليه الصلاة والسلام أحوال الكفار من قومه فقال ﴿فلا تك في مرية﴾ والمعنى: فلا تكن ، إلا إنه حذف النون لكثرة الاستعمال، ولأن النون اذا وقع على طرف الكلام لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة فلا جرم اسقطوه، والمعنى : فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع . ثم قال تعالى ﴿ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل﴾ والمراد أنهم أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد . ثم قال ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ فيحتمل أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم أي ما يخصهم من العذاب. ويحتمل أن يكون المراد أنهم وإن كفروا وأعرضوا عن الحق فانا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية. ويحتمل ايضا ان يكون المراد إنا ٧٠ قوله تعالى: ((ولقد آتينا موسى الكتاب)) سورة هود الجزء وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِهِ وَلَوْلَا كَمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِىِ شَكٍّ مِنْهُ مٍُِ (١) وَإِنَّكُلَُّ لَّمَّا لَبُوَفِيَتَهُمْ رَبَّكَ أَعْمَلَّهُمْ إِنَّهُهِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) موفوهم نصيبهم من إزالة العذر وإزاحة العلل وإظهار الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، ويحتمل أيضا أن يكون الكل مرادا . قوله تعالى ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بینهم وإنهم لفي شك منه مر یب وإن کلا لما لیوفینهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير﴾ اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى اصرار كفار مكة على انكار التوحيد بين أيضا اصرارهم على انكار نبوته عليه السلام وتكذيبهم بكتابه وبين تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على هذه السيرة الفاسدة مع كل الأنبياء عليهم السلام وضرب لذلك مثلا : وهو أنه لما أنزل التوراة على موسى عليه السلام اختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره آخرون ، وذلك يدل على أن عادة الخلق هكذا . ثم قال تعالى ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ﴾ وفيه وجوه : الأول : أن المراد : ولولا ما تقدم من حكم الله تعالى بتأخير عذاب هذه الأمة الى يوم القيامة لكان الذي يستحقه هؤلاء الكفار عند عظيم كفرهم إنزال عذاب الاستئصال عليهم لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم . الثاني : لولا كلمة سبقت من ربك وهي أن الله تعالى إنما يحكم بين المختلفين يوم القيامة . وإلا لكان من الواجب تمييز المحق عن المبطل في دار الدنيا . الثالث ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ وهي أن رحمته سبقت غضبه وأن إحسانه راجح على قهره وإلا لقضي بينهم ولما قرر تعالى هذا المعنى قال ﴿وإنهم لفي شك منه مريب﴾ يعني أن كفار قومك لفي شك من هذا القرآن مريب . / ثم قال تعالى ﴿ وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم ) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ المعنى أن من عجلت عقوبته ومن أخرت ومن صدق الرسل ومن كذب فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة ، فجمعت الآية الوعد والوعيد فان توفيه جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفيه جزاء المعاصي وعيد عظيم ، وقوله تعالى ﴿ إنه بما يعملون خبير﴾ توكيد الوعد والوعيد، فانه لما كان عالما بجميع المعلومات كان عالما بمقادير الطاعات والمعاصى فكان عالماً بالقدر اللائق بكل عمل من الجزاء ، فحينئذ لا يضيع شيء من الحقوق والأجزية وذلك نهاية البيان . ٧١ قوله تعالى (( فاستقم كما أمرت)) سورة هود الثاني عشر فَاسْتَقِمْ كُمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ إِنَّهُرِبِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْ () وَلَا تَرْ كَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَُّواْ فَتَمَسَّكُ النَّارُ وَمَالَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَ لَا تُصَرُونَ المسألة الثانية﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي وإن مشددة النون ﴿ لما ﴾ خفيفة قال أبو على : اللام في ﴿ لما ﴾ هي التي تقتضيه إن وذلك لأن حرف إن يقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وقوله ﴿ إن في ذلك لآية﴾ واللام الثانية هي التي تجيء بعد القسم كقولك والله لتفعلن ولما اجتمع لامان دخلت ما لتفصل بينهما فكلمة ما على هذا التقدير زائدة ، وقال الفراء : ما موصولة بمعنى من وبقية التقرير كما تقدم ومثله ﴿ وإن منکم لمن ليبطئن ﴾ والقراءة الثانية ) في هذه الآية قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم وإن كلا لما مخففتان ، والسبب فيه أنهم أعملوا إن مخففة كما تعمل مشددة لأن كلمة إن تشبه الفعل فكما يجوز أعمال الفعل تاما ومحذوفا في قولك لم یکن زید قائما . ولم یک زید قائما فكذلك ان وإن . ﴿ والقراءة الثالثة) قرأ حمزة وابن عامر وحفص: ﴿وان كلا لما﴾ مشددتان، قالوا : وأحسن ما قيل فيه إن أصل لما لما بالتنوين كقوله ﴿ أكلا لما ﴾ والمعنى أن كلا ملمومين أى مجموعين كأنه قيل : وان كلا جميعا . ﴿ المسألة الثالثة) سمعت بعض الأفاضل قال : إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات : أولها : كلمة ﴿ إن ﴾ وهي للتأكيد. وثانيها: كلمة ((كل)) وهي أيضا للتأكيد. وثالثها : اللام الداخلة على خبر ﴿ إن﴾ وهي تفيد التأكيد أيضا. ورابعها: حرف ﴿ما﴾ إذا جعلناه على قول الفراء موصولا . وخامسها : القسم المضمر ، فان تقدير الكلام وإن جميعهم والله ليوفينهم . وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب القسم . وسابعها : النون المؤكدة في قوله ليوفينهم﴾ فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشرثم أردفه بقوله ﴿ إنه بما يعملون خبير﴾ وهو من أعظم المؤكدات . قوله تعالى ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ﴾ ٧٢ قوله تعالى (( فاستقم كما أمرت )) سورة هود الجزء وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله فاستقم كما أمرت ﴾ وهذه الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال ، سواء كان مختصا به أو كان متعلقا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جدا وأنا أضرب لذلك مثالا يقرب صعوبة هذا المعنى الى العقل السليم، وهو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض ، إلا ان عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه ، فانه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس ، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه . إذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية فأولها: معرفة الله تعالى وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصوناً في طرف الاثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضا فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية حصل لكل واحدة منهما طرفا إفراط وتفريط وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل الى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعبُ ثم العمل به أصعب، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة، بتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله 35 في جميع القرآن آية أشد ولا اشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ((شيبتني هود وأخواتها)) وعن بعضهم قال: رأيت النبي ◌َّ في التوم فقلت له: روى عنك انك قلت شيبتني هود وأخواتها فقال ((نعم)) فقلت وبأي آية؟ فقال بقوله ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ﴿المسألة الثانية﴾ اعلم أن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة وذلك لأن القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله ﴿فاستقم كما امرت﴾ ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الابل من الابل والبقر من البقر وجب اعتبارها وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به وعندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه لما دل عموم النص على ٧٣ قوله تعالى: ((فاستقم كما امرت)) سورة هود الثاني عشر حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله ﴿فاستقم كما أمرت﴾ والعمل بالقياس انحراف عنه، ثم قال ﴿ومن تاب معك﴾ وفيه مسائل: ﴿المسألة الأولى﴾ قال الواحدي: من في محل الرفع من وجوه: الأول : أن يكون عطفا على الضمير المستتر في قوله ﴿ فاستقم ﴾ وأغنى الوصل بالجار عن تأكيده بضمير المتصل في صحة العطف أي فاستقم أنت وهم : والثاني : أن يكون عطفا على الضمير في أمرت . والثالث : أن يكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم . المسالة الثانية ﴾ أن الكافر والفاسق يجب عليهما الرجوع عن الكفر والفسق . ففي تلك الحالة لا يصح اشتغالهما بالاستقامة ، وأما التائب عن الكفر والفسق فانه يصح منه الاشتغال بالاستقامة على مناهج دين الله تعالى والبقاء على طريق عبودية الله تعالى ثم قال ﴿ولا تطغوا﴾ ومعنى الطغيان ان يجاوز المقدار. قال ابن عباس: يريد تواضعوا لله تعالى ولا تتكبروا على أحد وقيل لا تطغوا في القرآن فتحلوا حرامه وتحرموا حلاله، وقيل: لا تتجاوزوا ما أمرتم به وحد لكم، وقيل: ولا تعدلوا عن طريق شكره والتواضع له عند عظم نعمه عليكم والأولى دخول الكل فيه، ثم قال ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ والركون هو السكون الى الشيء والميل اليه بالمحبة ونقيضه النفور عنه، وقرأ العامة بفتح التاء والكاف والماضي من هذا ركن كعلم وفيه لغة أخرى ركن يركن قال الأزهري: وليست بفصيحة قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضابما عليه الظلمة من الظلم وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الابواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون، ومعنى قوله ﴿فتمسكم النار﴾ أي أنكم إن ركنتم اليهم فهذه عاقبة الركون، ثم قال ﴿وما لكم من دون الله من اولياء﴾ أي ليس لكم أولياء يخلصونكم من عذاب الله. '٠ ثم قال ﴿ ثم لا تنصرون ) والمراد لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة . واعلم أن الله تعالى حكم بأن من ركن الى الظلمة لا بد وأن تمسه النار وإذا كان كذلك فکیف یکون حال الظالم في نفسه . ٧٤ قوله تعالى (( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل )) سورة هود الجزء وَأَقِ الصَّلَوةَ ◌َفِّ النَّهَارِ وَزُلَفَا مِّنَ اَلَيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّّعَاتِ ذَلِكَ ذَِّى لِلَّ كِينَ ﴿ وَأَصْبِرْ فَإِنَّ الَّهَ لَأَ يُضِيعُ أَبْرَ الْمُحْسِنَّ هـ قوله تعالى ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين اعلم أنه تعالى لما أمره بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة وذلك يدل على أن أعظم العبادات بعد الايمان بالله هو الصلاة وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ رأيت في بعض كتب القاضي أبي بكر الباقلاني أن الخوارج تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الواجب ليس الا الفجر والعشاء من وجهين . الوجه الأول ﴾ أنهما واقعان على طرفي النهار والله تعالى أوجب إقامة الصلاة طرفي النهار ، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا . فان قيل : قوله ﴿وزلفا من الليل) يوجب صلوات أخرى. قلنا : لا نسلم فان طرفي النهار موصوفان بكونهما زلفاً من الليل فان مالا يكون نهارا يكون ليلا غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف إلا أن ذلك كثير في القرآن والشعر . الوجه الثاني ﴾ أنه تعالى قال ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ وهذا يشعر بانٍ من صلى طرفي النهار كان إقامتهما كفارة لكل ذنب سواهما فبتقدير أن يقال إن سائر الصلوات واجبة إلا أن إقامتهما يجب ان تكون كفارة لترك سائر الصلوات . واعلم ان هذا القول باطل باجماع الأمة فلا يلتفت اليه . ﴿ المسألة الثانية﴾ كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار وهي الفجر والعصر، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس . والطرف الثاني منه غروب الشمس . فالطرف الأول هو صلاة الفجر . والطرف الثاني لا يجوز ان يكون ٧٥ قوله تعالى ((ومن آناء الليل فسبح)) سورة هود الثاني عشر صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله ﴿وزلفا من الليل ﴾ فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر . إذا عرفت هذا كانت الآية دليلا على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن التنوير بالفجر أفضل ، وفي أن تأخير العصر أفضل . وذلك لأن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار وبينا أن طرفي النهار هما الزمان الأول لطلوع الشمس ، والزمان الثاني لغروبها ، وأجمعت الأمة على أن اقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة ، فقد تعذر العمل بظاهر هذه الآية ، فوجب حمله على المجاز ، وهو أن يكون المراد : أقم الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار ، لأن ما يقرب من الشيء يجوز ان يطلق عليه اسمه ، وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس . والى غروبها كان أقرب الى ظاهر اللفظ ، وإقامة الفجر عند التنوير اقرب الى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس ، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه اقرب الى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظل كل شيء مثله ، المجاز كلما كان أقرب الى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى ، فثبت ان ظاهر هذه الآية يقوي قول أبي حنيفة في هاتين المسألتين . وأما قوله ﴿ وزلفا من الليل ﴾ فهو يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلف من الليل ، لأن أقل الجمع ثلاثة وللمغرب والعشاء وقتان ، فيجب الحكم بوجوب الوتر حتى يحصل زلف ثلاثة يجب إيقاع الصلاة فيها ، وإذا ثبت وجوب الوتر في حق النبي 9َّ وجب في حق غيره لقوله تعالى ﴿ واتبعوه ﴾ ونظير هذه الآية بعينها قوله سبحانه وتعالى ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ فالذي هو قبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر ، والذي هو قبل غروبها هو صلاة العصر. ثم قال تعالى ﴿ومن آناء الليل فسبح﴾ وهو نظير قوله ﴿وزلفا من الليل ﴾ ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال المفسرون: نزلت هذه الآية في رجل أتى النبي و له فقال: ما تقولون في رجل أصاب من امرأة محرمة كلما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع ، فقال عليه الصلاة والسلام (( ليتوضأ وضوءا حسنا ثم ليقم وليصل)) فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقيل للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا له خاصة، فقال ((بل هو للناس عامة)) وقوله ﴿وزلفا من الليل ﴾ قال الليث: زلفة من أول الليل طائفة، والجمع الزلف ، قال الواحدي : وأصل الكلمة من الزلفي والزلفى هي القربى ، يقال : أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء ﴿زلفا) بضمتين و﴿زلفا﴾ الجزء قوله تعالى (( فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية )) سورة هود ٧٦ فَلَوْلًا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ إلَّا قَلِلًا مِّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَهُواْ مَا أَثْرِفُواْ فِهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ باسكان اللام وزلفى بوزن قربى فالزلف جمع زلفة كظلم جمع ظلمة والزلف بالسكون نحو بسرة وبسر والزلف بضمتين نحو : يسر في يسر، والزلفي بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل ، وقيل في تفسير قوله ﴿وزلفا من الليل ﴾ وقربا من الليل ، ثم قال ﴿ ان الحسنات يذهبن السيئات ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسير الحسنات قولان: الأول: قال ابن عباس: المعنى أن الصلوات الخمس كفارات السائر الذنوب بشرط الاجتناب عن الكبائر . والثاني : روى عن مجاهد أن الحسنات هي قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر . ﴿ المسألة الثانية ) احتج من قال ان المعصية لا تضرمع الايمان بهذه الآية وذلك لأن الايمان أشرف الحسنات وأجلها وأفضلها . ودلت الآية على ان الحسنات يذهبن السيئات ، فالايمان الذي هو أعلى الحسنات درجه يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل السيئات درجة كان أولى ، فان لم يفد إزالة العقاب بالكلية فلا أقل من أن يفيد إزالة العذاب الدائم المؤبد . ثم قال تعالى ﴿ ذلك ذكرى للذاكرين ﴾ فقوله ﴿ ذلك﴾ اشارة الى قوله ﴿ فاستقم كما أمرت﴾ الى آخرها ﴿ذكرى للذاكرين﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشدين. ثم قال ﴿ واصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين ) قيل على الصلاة وهو كقوله ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ قوله تعالى ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال بين ان السبب فيه أمران : ﴿ السبب الأول﴾ أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض. فقال تعالى ے ٧٧ قوله تعالى: ((وما كان ربك ليهلك القرى بظلم)) سورة هود الثاني عشر وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ () وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَا يَزَلُونَ مُخْتَلِفِينَ (١٦) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَثَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنَ الِنَّةِ وَالنَّاسِ أَبْعِينَ فلولا كان من القرون ﴾ والمعنى فهلا كان، وحكى عن الخليل أنه قال كل ما كان في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا إلا التي في الصفات . قال صاحب الكشاف: وما صحت هذه الرواية عنه بدليل قوله تعالى في غير الصافات ﴿ لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء . ولولا رجال مؤمنون . ولولا أن ثبتناك لقد كدت تُركن اليهم شيئا قليلا﴾ وقوله ﴿أولوا بقية ﴾ فالمعنى اولو فضل وخير ، وسمي الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله ، فصار هذا اللفظ مثلا في الجودة يقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ، ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذو بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله تعالى وقرىء ﴿ أولوا بقية ﴾ بوزن لقية من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ، والبقية المرة من مصدره ، والمعنى فلولا كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله تعالى. ثم قال ﴿ إلا قليلا ﴾ ولا يمكن جعله استثناء متصلا لأنه على هذا التقدير يكون ذلك ترغيبا لأولى البقية في النهي عن الفساد إلا القليل من الناجين منهم كما تقول هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم تريد استثناء الصلحاء من المرغبين في قراءة القرآن . وإذا ثبت هذا قلنا : إنه استثناء منقطع ، والتقدير : لكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي . ﴿ والسبب الثاني﴾ لنزول عذاب الاستئصال قوله ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ﴾ والترفة النعمة وصبي مترف إذا كان منعم البدن ، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة المعيشة وأراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتبعوا طلب الشهوات واللذات واشتغلوا بتحصيل الرياسات وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ أي واتبعوا حراما أترفوا فيه ، ثم قال ﴿وكانوا مجرمين﴾ ومعناه ظاهر . قوله تعالى ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى يظلم وأهلها مصلحون ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ ؟ ٧٨ قوله تعالى: ((وما كان ربك ليهلك القرى بظلم)) سورة هود : الجزء اعلم أنه تعالى بين أنه ها أهلك أهل القرى إلا بظلم وفيه وجوه: الوجه الأول ﴾ أن المراد من الظلم ههنا الشرك قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) والمعنى أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر ، بل إنما ينزل دلك العذاب إذا أساؤا في المعاملات وسعوا في الايذاء والظلم . ولهذا قال الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة . وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح . ويقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ، فمعنى الآية ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ) أي لا يهلكهم بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعامل بعضهم بعضاً على الصلاح والسداد . وهذا تأويل أهل السنة لهذه الآية ، قالوا : والدليل عليه أن قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب إنما نزل عليهم عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس وظلم الخلق . ﴿ والوجه الثاني﴾ في التأويل وهو الذي تختاره المعتزلة هو أنه تعالى لو أهلكهم حال (كونهم مصلحين لما كان متعالياً عن الظلم فلا جرم لا يفعل ذلك بل إنما يهلكهم لأجل سوء أفعالهم . ثم قال تعالى ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الالجاء والاجبار وقد سبق الكلام عليه . ثم قال تعالى ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ﴾ والمراد افتراق الناس في الأديان والأخلاق والأفعال . واعلم أنه لا سبيل الى استقصاء مذاهب العالم في هذا الموضع ومن أراد ذلك فليطالع كتابنا الذي سميناه بالرياض المونقة إلا أنا نذكرههنا تقسيما جامعا للمذاهب . فنقول : الناس فريقان منهم من أقر بالعلوم الحسية كعلمنا بأن النار حارة والشمس مضيئة ، والعلوم البديهية كعلمنا بأن النفي والاثبات لا يجتمعان ، ومنهم من أنكرهما ، والمنكرون هم السوفطائية ، والمقرون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم ، وهم فريقان : منهم من سلم أنه يمكن تركيب تلك العلوم البديهية بحيث يستنتج منها نتائج علمية نظرية ، ومنهم من ٧٩ قوله تعالى ((إلا من رحم ربك)) سورة هود الثاني عشر أنكره ، وهم الذين ينكرون أيضا النظر الى العلوم ، وهم قليلون والأولون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم ، وهم فريقان : منهم من لا يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلا وهم الأقلون ، ومنهم من يثبت له مبدأ وهؤلاء فريقان : منهم من يقول : ذلك المبدأ موجب بالذات وهم جمهور الفلاسفة في هذا الزمان ، ومنهم من يقول : إنه فاعل مختار وهم أكثر أهل العالم ، ثم هؤلاء فريقان : منهم من يقول : إنه ما أرسل رسولا الى العباد ، ومنهم من يقول : إنه أرسل الرسول ، فالأولون هم البراهمة . والقسم الثاني أرباب الشرائع والاديان ، وهم المسلمون والنصارى واليهود والمجوس ، وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لاحد لها ولا حصر، والعقول مضطربة ، والمطالب غامضة ، ومنازعات الوهم والخيال غير منقطعة ، ولما حسن من بقراط أن يقول في صناعة الطب العمر قصير والصناعة طويلة ، والقضاء عسر، والتجربة خطر ، فلان يحسن ذكره في هذه المطالب العالية والمباحث الغامضة كان ذلك أولى . فان قيل : إنكم حملتم قوله تعالى ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ على الاختلاف في الأديان ، فما الدليل عليه ، ولم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال . قلنا : الدليل عليه أن ما قبل هذه الآية هو قوله ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ فيجب حمل هذا الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمة واحدة ، وما بعد هذه الآية هو يقول ﴿ إلا من رحم ربك ) فيجب حمل هذا الاختلاف على معنى يصح ان يستثنى منه قوله ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ وذلك ليس إلا ما قلنا . ثم قال تعالى ﴿ إلا من رحم ربك﴾ احتج اصحابنا بهذه الآية على أن الهداية والايمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، وذلك لأن هذه الآية تدل على أن زوال الاختلاف في الدين لا يحصل إلا لمن خصه الله برحمته ، وتلك الرحمة ليست عبارة عن أعطاء القدرة والعقل ، وارسال الرسل ، وانزال الكتب ، وازاحة العذر ، فان كل ذلك حاصل في حق الكفار ، فلم يبق إلا أن يقال : تلك الرحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة . قال القاضي معناه : إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة والثواب ، فيرحمه الله بالثواب ، ويحتمل إلا من رحمه الله بألطافة ، فصار مؤمنا بالطافة وتسهيله ، وهذان الجوابان في غاية الضعف . ﴿ أما الأول﴾ فلأن قوله ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ يفيد أن ذلك الاختلاف انما زال بسبب هذه الرحمة ، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية مجرى السبب المتقدم ٨٠ قوله تعالى ((الا من رحم ربك ولذلك خلقهم)) سورة هود الجزء على زوال هذا الاختلاف ، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف ، فالاختلاف جار مجرى المسبب له ، ومجرى المعلول ، فحمل هذه الرحمة على الثواب بعيد . ﴿ وأما الثاني) وهو حمل هذه الرحمة على الالطاف ، فنقول: جميع الالطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضا في حق الكافر ، وهذه الرحمة أمر اختص به المؤمن ، فوجب أن يكون شيئا زائدا على تلك الألطاف ، وأيضا فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الايمان على عدمه او لا يوجبه ، فان لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة الى حصول هذا المقصود سيان ، فلم يك لطفا فيه ، وان أوجب الرجحان فقد بينا في الكتب العقلية أنه متى حصل الرجحان فقد وجب ، وحينئذ يكون حصول الايمان من الله ، ومما يدل على ان حصول الايمان لا يكون إلا بخلق الله ، أنه ما لم يتميز الايمان عن الكفر ، والعلم عن الجهل ، امتنع القصد الى تكوين الايمان والعلم ، وإنما يحصل هذا الامتياز اذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقا للمعتقد وكون الآخر ليس كذلك ، وإنما يصح حصول هذا العلم ، أن لو عرف أن ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد الى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالما ، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محال . فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ، وهو المطلوب . ثم قال تعالى ﴿ ولذلك خلقهم ) وفيه ثلاثة أقوال : ﴿ القول الأول﴾ قال ابن عباس: وللرحمة خلقهم ، وهذا اختيار جمهور المعتزلة، قالوا : ولا يجوز ان يقال : وللاختلاف خلقهم ، ويدل عليه وجوه . الاول : أن عود الضمير الى أقرب المذكورين أولى من عوده الى ابعدهما ، واقرب المذكورين ههنا هو الرحمة ، والاختلاف أبعدهما . والثاني : أنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الايمان ، لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه ، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف : الثالث : إذا فسرنا الآية بهذا المعنى ، كان مطابقا لقوله تعالى ﴿ وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ﴾ فان قيل : لو كان المراد وللرحمة خلقهم لقال : ولتلك خلقهم ولم يقل : ولذلك خلقهم قلنا : إِن تأنيث الرحمة ليس تأنيثا حقيقيا ، فكان محمولا على الفضل والغفران كقوله ( هذا رحمة من ربي ) وقوله ( ان رحمة الله قريب من المحسنين ) ﴿ والقول الثاني ﴾ أن المراد وللاختلاف خلقهم .