النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
قوله تعالى ((ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط)) سورة هود
الثاني عشر
وَيَقَوْمِ أَوْقُوْ اَلْمِكَلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ
فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (﴾ بَقِّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ ◌َلَيْكُمْ
تَحَفِيظ
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين
بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ)
أعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن
مدين اسم ابن لا براهيم عليه السلام ، ثم صار اسماً للقبيلة ، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن
مدين اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم عليه السلام . والمعنى على هذا التقدير : وأرسلنا الى
أهل مدين فحذف الأهل .
واعلم أنا بينا أن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة الى التوحيد ،
فلهذا قال شعيب عليه السلام ( ما لكم من إله غيره ) ثم إنهم بعد الدعوة الى التوحيد يشرعون
في الأهم ثم الأهم ، ولما كان المعتاد من أهل مدين البخس في المكيال والميزان ، دعاهم إلى ترك
هذه العادة فقال ( ولا تنقصوا المكيال والميزان ) والنقص فيه على وجهين : أحدهما : أن يكون
الايفاء من قبلهم فينقصون من قدره. والآخر : أن يكون لهم الاستيفاء فيأخذون أزيد من
الواجب وذلك يوجب نقصان حق الغير ، وفي القسمين حصل النقصان في حق الغير . ثم قال
( إني أراكم بخير ) وفيه وجهان : الأول : انه حذرهم من غلاء السعر وزوال النعمة إن لم
يتوبوا فكأنه قال : اتركوا هذا التطفيف وإلا أزال الله عنكم ما حصل عندكم من الخير
والراحة . والثاني : أن يكون التقدير أنه تعالى أتاكم بالخير الكثير والمال والرخص والسعة فلا
حاجة بكم إلى هذا التطفيف . ثم قال ( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) وفيه أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : أخاف أي أعلم حصول عذاب
يوم محيط وقال آخرون : بل المراد هو الخوف ، لأنه يجوز أن يتركوا ذلك العمل خشية أن يحصل
لهم العذاب ولما كان هذا التخويف قائماً فالحاصل هو الظن لا العلم .
البحث الثاني ﴾ أنه تعالى توعدهم بعذاب يحيط بهم بحيث لا يخرج منه أحد ،
والمحيط من صفة اليوم في الظاهر ، وفي المعنى صفة العذاب وذلك مجاز مشهور کقوله ( هذا يوم
عصيب )

٤٢
قوله تعالى (( ويا قوم أوفوا المكيال والميزان )) سورة هود
الجزء
البحث الثالث ﴾ اختلفوا في المراد بهذا العذاب فقال بعضهم : هو عذاب يوم
القيامة ، لأنه اليوم الذي نصب لاحاطة العذاب بالمعذبين ، وقال بعضهم : بل يدخل فيه
عذاب الدنيا والآخرة وقال بعضهم : بل المراد منه عذاب الاستئصال في الدنیا کما في حق سائر
الأنبياء والأقرب دخول كل عذاب فيه واحاطة العذاب بهم كاحاطة الدائرة بما في داخلها فينالهم
من كل وجه وذلك مبالغة في الوعد كقوله ( وأحيط بثمره ) ثم قال ( ويا قوم أوفوا المكيال
والميزان بالقسط)
فان قيل : وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه لأنه قال أولا ( ولا تنقصوا المكيال
والميزان ) ثم قال ( أوفوا المكيال والميزان ) وهذا عين الأول . ثم قال ( ولا تبخسوا الناس
أشياءهم ) وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرير ؟
قلنا : إن فيه وجوهاً :
الوجه الأول ) أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل فاحتج في المنع منه إلى المبالغة
والتأكيد ، والتكرير يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام .
والوجه الثاني ﴾ أن قوله (ولا تنقصوا المكيال والميزان ) نهى عن التنقيص وقوله
( أوفوا المكيال والميزان ) أمر بايفاء العدل ، والنهى عن ضد الشيء مغاير للامر به ، وليس
لقائل أن يقول : النهي عن ضد الشيء أمر به ، فكان التكرير لازما من هذا الوجه ، لأنا
نقول : الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى جمع بين الأمر والشيء ، وبين النهي عن ضده
للمبالغة ، كما تقول : صل قرابتك ولا تقطعهم ، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد .
الثاني : أن نقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم لأنه يجوز أن ينهي عن التنقيص وينهي أيضا عن
أصل المعاملة ، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بايفاء الحق ، ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع
عن المعاملات ولم ينه عن المبايعات ، وانما منع من التطفيف ، وذلك لأن طائفة من الناس
يقولون إن المبايعات لا تنفك عن التطفيف ومنع الحقوق فكانت المبايعات محرمة بالكلية ،
فلأجل ابطال هذا الخيال ، منع تعالى في الآية الأولى من التطفيف وفي الآية الأخرى أمر
بالايفاء ، وأما قوله ثالثاً ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) فليس بتكرير لأنه تعالى خص المنع في
الآية السابقة بالنقصان في المكيال والميزان . ثم إنه تعالى عم الحكم في جميع الأشياء فظهر بهذا
البيان أنها غير مكررة ، بل في كل واحد منها فائدة زائدة .
والوجه الثالث ﴾ أنه تعالى قال في الآية الأولى (ولا تنقصوا المكيال والميزان ) وفي
الثانية قال ( أوفوا المكيال والميزان ) والايفاء عبارة عن الاتيان به على سبيل الكمال والتمام ، ولا

٤٣
قوله تعالى ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين )) سورة هود
الثاني عشر
يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدراً زائداً على الحق ، ولهذا المعنى قال الفقهاء : إنَّه تعالى أمر
بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من أجزاء الرأس . فالحاصل : انه تعالى في
الآية الأولى نهى عن النقصان ، وفي الآية الثانية أمر باعطاء قدر من الزيادة ولا يحصل الجزم
واليقين بأداء الواجب إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة فكأنه تعالى نهى عن سعي الانسان في
أن يجعل مال غيره ناقصاً لتحصل له تلك الزيادة ، وفي الثانية أمر بالسعي في تنقيص مال نفسه
ليخرج باليقين عن العهدة وقوله ( بالقسط ) يعني بالعدل ومعناه بايفاء الحق بحيث يحصل معه
اليقين بالخروج عن العهدة بالأمر بايتاء الزيادة على ذلك غير حاصل . ثم قال ( ولا تبخسوا
الناس أشياءهم ) والبخس هو النقص في كل الأشياء ، وقد ذكرنا أن الآية الأولى دلت على
المنع من النقص في المكيال والميزان ، وهذه الآية دلت على المنع من النقص في كل الاشياء . ثم
قال ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين )
فان قيل : العثو الفساد التام فقوله ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) جار مجرى أن
يقال : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين .
قلنا : فيه وجوه : الأول : أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير فقد حمل ذلك الغير
على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) معناه ولا تسعوا في
افساد مصالح الغير فان ذلك في الحقيقة سعى منكم في افساد مصالح أنفسكم . والثاني : أن
يكون المراد من قوله ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) مصالح دنياكم وآخرتكم . والثالث : ولا
تعثوا في الأرض مفسدين مصالح الاديان . ثم قال ( بقية الله خير لكم ) قرىء تقية الله وهي
تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي . ثم نقول المعنى : ما أبقى الله لكم من الحلال بعد
إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف يعني المال الحلال الذي يبقي لكم خير من تلك
الزيادة الحاصلة بطريق البخس والتطفيف وقال الحسن : بقية الله أي طاعة الله خير لكم من
ذلك القدر القليل ، لأن ثواب الطاعة يبقى أبداً ، وقال قتادة : حظكم من ربكم خير لكم ،
وأقول المراد من هذه البقية إما المال الذي يبقى عليه في الدنيا ، واما ثواب الله ، وأما كونه تعالى
راضياً عنه والكل خير من قدر التطفيف ، أما المال الباقي فلأن الناس إذا عرفوا إنساناً بالصدق
والأمانة والبعد عن الخيانة اعتمدوا عليه ورجعوا في كل المعاملات إليه فيفتح عليه باب
الرزق ، وإذا عرفوه بالخيانة والمكر انصرفوا عنه ولم يخالطوه البتة فتضيق أبواب الرزق عليه ،
وأما إن حملنا هذه البقية على الثواب فالأمر ظاهر ، لأكل الدنيا تفنى وتنقرض وثواب الله
باق، وأما إن حملناه على حصول رضا الله تعالى فالأمر فيه ظاهر ، فثبت بهذا البرهان أن بقية الله
خير. ثم قال (إن كنتم مؤمنين) وانما شرط الايمان في كونه خيراً لهم لأنهم ان كانوا مؤمنين مقرين
بالثواب والعقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب وفي الحذر من العقاب خير لهم من السعي

٤٤
قوله تعالى ((قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد اباؤنا)) سورة هود
الجزء
قَالُواْ يَدْتُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُ كَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىَ أَمْوَ لِنَا مَا
تَشَّتُاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيهُ
AV
في تحصيل ذلك القليل .
واعلم أن المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذه الآية تدل بظاهرها على أن من لم
يحترز عن هذا التطفيف فانه لا يكون مؤمناً .
ثم قال تعالى ﴿وما أنا عليكم بحفيظ) وفيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى : إني
نصحتكم وأرشدتكم إلى الخير ( وما أنا عليكم بحفيظ) أي لا قدرة لي على منعكم عن هذا
العلم القبيح . الثاني : أنه قد أشار فيما تقدم إلى أن الاشتغال بالبخس والتطفيف يوجب زوال
نعمة الله تعالى فقال ( وما أنا عليكم بحفيظ) يعني لو لم تتركوا هذا العلم القبيح لزالت نعم
اللّه عنكم وأنا لا أقدر على حفظها عليكم في تلك الحالة .
قوله تعالى ﴿ قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا
ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (أصلاتك) بغير واو .
والباقون ( أصلواتك ) على الجمع .
المسألة الثانية ) اعلم أن شعيباً عليه السلام أمرهم بشيئينُ ، بالتوحيد وترك البخس
فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة ، فقوله ( أن نترك ما يعبد آباؤنا ) إشارة إلى
أنه أمرهم بالتوحيد وقوله ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) إشارة الى أنه أمرهم بترك
البخس . أما الأول : فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد ، لأنهم استبعدوا منه
أن يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني الطريقة التي أخذناها من آبائنا وأسلافنا كيف
نتركها، وذلك تمسك بمحض التقليد .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ في لفظ الصلاة وههنا قولان: الأول : المراد منه الدين والايمان،
لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين ، أو نقول : الصلاة أصلها
من الاتباع ومنه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق
وهما ناحيتا الفخذين والمراد : دينك يأمرك بذلك . والثاني : أن المراد منه هذه الأعمال
المخصوصة ، روى أن شعيباً كان كثير الصلاة وكان قومه إذارأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ،
فقصدوا بقولهم : أصلاتك تأمرك السخرية والهزؤ ، وكما أنك إذا رأيت معتوهاً يطالع كتباً ثم

٤٥
الثاني عشر قوله تعالى ((قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي)) سورة هود
قَالَ يَقَوْمِ أَرَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ
أَخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِقِىّ إِلَّا بِلهِ
عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (
M
يذكر كلاماً فاسداً فيقال له : هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزؤ والسخرية فكذا
ههنا .
فان قيل : تقدير الآية : اصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء . وهم إنما ذكروا
هذا الكلام على سبيل الانكار ، وهم ما كانوا ينكرون كونهم فاعلين في أموالهم ما يشاؤن ،
فكيف وجه التأويل .
قلنا : فيه وجهان : الأول : التقدير : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا .
وأن نترك فعل ما نشاء ، وعلى هذا فقوله ( أو أن نفعل ) معطوف على ما في قوله ( ما يعبد
آباؤنا ) والثاني : أن تجعل الصلاة آمرة ناهية والتقدير : أصلواتك تأمرك بأن نترك عبادة
الأوثان وتنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، وقرأ ابن أبي عبلة ( أو أن تفعل في أموالنا ما
تشاء ) بتاء الخطاب فيهما وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والاقتناع بالحلال
القليل وأنه خير من الحرام الكثير .
ثم قال تعالى حكاية عنهم ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ وفيه وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على
سبيل الاستهزاء والسخرية به ، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك .
﴿ والوجه الثاني ﴾ أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم
والرشد .
﴿ والوجه الثالث ﴾ أنه عليه السلام كان مشهوراً عندهم بأنه حليم رشيد ، فلما
أمرهم بمفارقة طريقتهم . قالوا له : إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف الطريقة في هذا
الباب ، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا ، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممن
كان موصوفاً بالحلم والرشد وهذا الوجه أصوب الوجوه .
قوله تعالى ﴿ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً وما أريد
أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه
توكلت وإليه أنيب.

٤٦
قوله تعالى ((ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن)) سورة هود
الجزء
وَيَقَوْمِ لَا يَحْرِمَنَّكُرْ شِفَاقِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوجٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ
قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُ بِبَعِيدٍ ﴾ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهٍ
إِنَّ رَبِ رَحِيمٌ وَدُودٌ
ویا قوم لا يجر منكم شقاقي أن یصیبکم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما
قوم لوط منكم بیعید واستغفر وا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في الجواب عن
كلماتهم فالأول قوله ( أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً ) وفيه وجوه :
الأول : أن قوله ( إن كنت على بينة من ربي ) إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من العلم والهداية
والدين والنبوة وقوله ( ورزقني منه رزقاً حسناً) إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال ، فانه
يروي أن شعيباً عليه السلام كان كثير المال .
واعلم أن جواب إن الشرطية محذوف. والتقدير : أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات
الروحانية وهي البينة والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن فهل يسعني مع هذا
الانعام العظيم أن أخون في وحيه وأن أخالفه في أمره ونهيه ، وهذا الجواب شديد المطابقة لما
تقدم وذلك لأنهم قالوا له ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن
تنهانا عن دين آبائنا فكأنه قال إنما أقدمت على هذا العمل ، لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو
أمرني بهذا التبليغ والرسالة ، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف لأمره
وتكليفه . الثاني : أن يكون التقدير كأنه يقول لما ثبت عندي أن الاشتغال بعبادة غير الله
والاشتغال بالبخس والتطفيف عمل منكر ، ثم أنا رجل أريد إصلاح أحوالكم ولا أحتاج إلى
أموالكم لأجل أن الله تعالى آتاني رزقاً حسناً فهل يسعني مع هذه الأحوال أن أخون في وحي
الله تعالى وفي حكمه. الثالث: قوله (إن كنت على بينة من ربي) أي ما حصل عنده من المعجزة
"وقوله (ورزقني منه رزقاً حسناً) المراد أنه لا يسألهم أجراً ولا جعلا وهو الذي ذكره سائر الأنبياء
من قولهم (لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على رب العالمين).

٤٧
قوله تعالى ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت )) سورة هود
الثاني عشر
المسألة الثانية ) قوله ( ورزقني منه رزقاً حسناً) يدل على أن ذلك الرزق إنما حصل
من عند الله تعالى وباعانته وأنه لامدخل للكسب فيه ، وفيه تنبيه على أن الاعزاز من الله تعالى
والاذلال من الله تعالى ، واذا كان الكل من الله تعالى فأنا لا أبالي بمخالفتكم ولا أفرح
بموافقتكم ، وإنما أكون على تقرير دين الله تعالى وإيضاح شرائع الله تعالى .
وأما الوجه الثاني ﴾ من الأجوبة التي ذكرها شعيب عليه السلام فقوله (وما أريد أن
أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) قال صاحب الكشاف : يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده
وأنت مول عنه وخالفني عنه اذا ولى عنه وأنت قاصده ، ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله
عن صاحبه . فيقول : خالفني إلى الماء ، يريد أنه قد ذهب اليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادرا ،
ومنه قوله ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي
نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم فهذا بيان اللغة ، وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا بأنه حليم
رشيد ، وذلك يدل على كمال العقل ، وكمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب
الأصلح ، فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اختاره عقلي
لنفسي لا بد وأن يكون أصوب الطرق وأصلحها والدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس
والنقصان يرجع حاصلها إلى جزأين ، التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى وأنا
مواظب عليهما غير تارك لها في شيء من الأحوال البتة فلما اعترفتم لي بالحلم والرشد وترون أني
لا أترك هذه الطريقة ، فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق ، وأشرف الأديان والشرائع .
وأما الوجه الثالث ﴾ من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله ( إن أريد
إلا الإصلاح ما استطعت ) والمعنى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي ، وقوله ( ما
استطعت ) فيه وجوه : الأول : أنه ظرف . والتقدير : مدة استطاعتي للاصلاح وما دمت
متمكنا منه لا آلو فيه جهداً . والثاني : أنه بدل من الاصلاح . أي المقدار الذي استطعت
منه . والثالث : أن يكون مفعولا له أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت اصلاحه .
واعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد ، وإنما أقروا
له بذلك لأنه كان مشهوراً فيما بين الخلق بهذه الصفة ، فكأنه عليه السلام قال لهم انكم تعرفون
من حالي أني لا أسعى إلا في الاصلاح وازالة الفساد والخصومة ، فلما أمرتكم بالتوحيد وترك
ايذاء الناس ، فاعلموا أنه دين حق وانه ليس غرضي منه إيقاع الخضومة واثارة الفتنة ، فانكم
تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلح والصلاح بقدر طاقتي ،
وذلك هو الابلاغ والانذار ، وأما الاجبار على الطاعة فلا أقدر عليه ، ثم انه عليه السلام أكد
.

٤٨
قوله تعالى ((وما قوم لوط منكم ببعيد)) سورة هود
الجزء
ذلك بقوله ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) وبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ
كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته .
واعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة الى محض التوحيد ، لأن قوله عليه السلام
توكلت يفيد الحصر، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد الا على الله تعالى وكيف
وكل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته ، فان بذاته ، ولا يحصل إلا بايجاده وتكوينه ، وإذا كان
كذلك لم يجز التوكيل إلا على الله تعالى وأعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه ، وأما قوله
( واليه أنيب ) فهو إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضاً یفید الحصر لأن قوله ( والیه أنیب ) يدل
على أنه لا مرجع للخلق الا إلى الله تعالى وعن رسول الله وسلم أنه كان إذا ذكر شعيب عليه
السلام قال ((ذاك خطيب الأنبياء )) لحسن مراجعته في كلامه بين قومه .
﴿ وأما الوجه الرابع ﴾ من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله ( ويا قوم لا
يجر منكم شقائي أن يصيبكم). قال صاحب الكشاف: جرم مثل كسب في تعديته تارة إلى
مفعول واحد وأخرى إلى مفعولين يقال جرم ذنبا وكسبه وجرمه ذنبا وكسبه اياه ، ومنه قوله تعالى
( لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم ) أي لا يكسبنكم شقاقي اصابة العذاب ، وقرأ أبن كثير
( يجرمنكم ) بضم الياء من أجرمته ذنبا إذا جعلته جار ما له أي كاسبا له . وهو منقول من جرم
المعتدي الى مفعول واحد ، وعلى هذا فلا فرق بين جرمته ذنباً وأجرمته اياء والقراءتان مستويتان
في المعنى لا تفاوت بينهما إلا أن المشهورة أفصح لفظا كما ان كسبه مالا أفصح من أكسبه .
إذا عرفت هذا فنقول : المراد من الآية لا تكسبنكم معاداتكم اياي أن يصيبكم عذاب
الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح عليه السلام من الغرق ، ولقوم هود من الريح
العقيم . ولقوم صالح من الرجفة ، ولقوم لوط من الخسف .
وأما قوله ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ ففيه وجهان: الأول: أن المراد نفى البعد في
المكان لأن بلاد قوم لوط عليه السلام قريبة من مدين ، والثاني : أن المراد نفى البعد في الزمان
لأن إهلاك قوم لوط عليه السلام أقرب الاهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب عليه
السلام ، وعلى هذين التقديرين فان القرب في المكان وفي الزمان يفيد زيادة المعرفة وكمال
الوقوف على الأحوال فكأنه يقول اعتبروا بأحوالهم واحذروا من مخالفة الله تعالى ومنازعته حتى
لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب .
فان قيل : لم قال ( وما قوم لوط منكم ببعيد ) وكان الواجب أن يقال ببعيدين ؟

٤٩
الثاني عشر قوله تعالى ((قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول)) سورة هود
قَالُواْ يَشْشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِرًا غِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَثَرَكَ فِيْنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
لَرَبَمْنَكَ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
أجاب عنه صاحب الكشاف من وجهين : الأول : أن يكون التقدير ما إهلاكهم شيء
بعيد . الثاني : أنه يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وكثير وقليل بين المذكر والمؤنث لورودها
على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما .
وأما الوجه الخامس ﴾ من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله :
واستغفروا ربكم من عبادة الأوثان ثم توبوا اليه عن البخس والنقصان إن ربي رحيم
بأوليائه ودود . قال أبو بكر الأنباري : الودود في أسماء الله تعالى المحب لعباده ، من قولهم
وددت الرجل أوده ، وقال الأزهري في كتاب شرح أسماء الله تعالى ويجوز أن يكون ودود فعولا
بمعنى مفعول كركوب وحلوب ، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لكثرة إفضاله
وإحسانه على الخلق .
واعلم ان هذا الترتيب الذي راعاه شعيب عليه السلام في ذكر هذه الوجوه الخمسة ترتيب
لطيف . وذلك لأنه بين أولا أن ظهور البينة له وكثره إنعام الله تعالى عليه في الظاهر والباطن
يمنعه عن الخيانة في وحي الله تعالى ويصده عن التهاون في تكاليفه ، ثم بين ثانيا أنه مواظب على
العمل بهذه الدعرة ولو كانت باطلة لما اشتغل هو بها مع اعترافكم بكونه حليما رشيدا ، ثم بين
صحته بطريق آخر وهو أنه كان معروفاً بتحصيل موجبات الصلاح واخفاء موجبات الفتن ،
فلو كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل بها ، ثم لما بين صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض
وقال لا ينبغي أن تحملكم عدواتي على مذهب ودين تقعون بسببه في العذاب الشديد من الله
تعالى ، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين ، ثم انه لما صحح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد
إلى تقرير ما ذكره أولا وهو التوحيد والمنع من البخس بقوله ( ثم توبوا اليه ) ثم بين لهم أن سبق
الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الايمان والطاعة لأنه تعالى رحيم ودود يقبل الايمان
والتوبة من الكافر والفاسق لأن رحمته لعباده وحبه لهم يوجب ذلك ، وهذا التقرير في يغاية
الكمال .
قوله تعالى ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك
لرجمناك وما أنت علينا بعزيز ﴾
أعلم انه عليه السلام لما بالغ في التقرير والبيان ، أجابوه بكلمات فاسدة . فالأول :

٥٠
قوله تعالى (( وانا لنراك فينا ضعيفاً)) سورة هود
الجزء
٠
قولهم ( يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ) وفيه مسائل .
﴿ المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول: انه عليه السلام كان يخاطبهم بلسانهم ، فلم قالوا
( ما نفقه) والعلماء ذكروا عنه أنواعا من الجوابات : فالأول : أن المراد : ما نفهم كثيراً مما
تقول ، لأنهم كانوا لا يلقون اليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه . وهو كقوله ( وجعلنا على
قلوبهم أكنة أنْ يفقهوه ) الثاني : أنهم فهموه بقلوبهم ولكنهم ما أقاموا له وزنا ، فذكروا هذا
الكلام على وجه الاستهانة كما يقول الرجل لصاحبه اذا لم يعبأ بحديثه : ما أدرى ما تقول .
الثالث : أن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد والنبوة والبعث ، وما يجب
من ترك الظلم والسرقة ، فقولهم ( ما نفقه ) أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة
هذه المطالب .
﴿ المسألة الثانية ) من الناس من قال: الفقه اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض
المتلكم من كلامه . واحتجوا بهذه الآية وهي قوله ( ما نفقه كثيراً مما تقول ) فأضاف الفقه الى
القول . ثم صار اسماً لنوع معين من علوم الدين ، ومنهم من قال : انه اسم لمطلق الفهم .
يقال: أوتى فلان فقهاً في الدين، أي فهماً. وقال النبي وَليه ((من يرد الله به خيراً يفقهه في
الدين )) أي يفهمه تأويله .
والنوع الثاني ﴾ من الاشياء التي ذكروها قولهم ( وانا لنراك فينا ضعيفا) وفيه
وجهان : الأول : أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه ، والثاني : أن الضعيف
هو الأعمى بلغة حمير . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه . الأول : أنه ترك للظاهر من غير
دليل ، والثاني : أن قوله ( فينا) يبطل هذا الوجه ؛ ألا ترى أنه لو قال : انا لنراك أعمى فينا
كان فاسداً ، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم . الثالث : أنهم قالوا بعد ذلك ( ولولا
رهطك لرجمناك ) فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطة ، ولما كان المراد بالقوة التي أثبتوها
للرهط هي النصرة ، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة ، والذين حملوا اللفظ على
ضعف البصر لعلهم انما حملوه عليه ، لأنه سبب للضعف .
واعلم أن أصحابنا يجوزون العمى على الأنبياء . الا ان هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال
به في إثبات هذا المعنى لما بيناه . وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال : انه لا يجوز لكونه
متعبداً فانه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات ، ولأنه يخل بجواز كونه حاكما وشاهداً ، فلأن
يمنع من النبوة كان أولى ، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية ، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على
هذا المعنى .

٥١
الثاني عشر قوله تعالى ((قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله)) سورة هود
قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعْ عَلَيْكُ مِنَ اللَّهِ وَاَّخَذْتُوُهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِمَا
تَعْمَلُونَ محِطٌ ﴾ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّىِ عَمِلُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ
يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْرِهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْإِنِىِ مَعَكُمْ رَقِبُ
٩٣
﴿ والنوع الثالث﴾ من الأشياء التي ذكروها قولهم ( ولولا رهطك لرجمناك ) وفيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: الرهط من الثلاثة الى العشرة، وقيل إلى
السبعة ، وقد كان رهطه على ملتهم . قالوا لولا حرمة رهطك عندنا بسبب كونهم على ملتنا
لرجمناك ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا حرمة له عندهم ، ولا وقع له في
صدورهم ، وأنهم إنما لم يقتلوه لأجل احترامهم رهطة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ الرجم في اللغة عبارة عن الرمي ، وذلك قد يكون بالحجارة عند
قصد القتل ، ولما كان هذا الرجم سبباً للقتل لا جرم سموا القتل رجما ، وقد يكون بالقول الذي
هو القذف، کقوله ( رجماً بالغيب ) وقوله ( ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ) وقد يكون
بالشتم واللعن ، ومنه قوله ( الشيطان الرجيم ) وقد يكون بالطرد كقوله ( رجوماً للشياطين).
إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان : الأول ( لرجمناك ) لقتلناك . الثاني : لشتمناك
وطردناك .
﴿ النوع الرابع﴾ من الأشياء التي ذكر وها قولهم (وما أنت علينا بعزيز) ومعناه أنك
لما لم تكن علينا عزيزاً سهل علينا الاقدام على قتلك وإيذائك .
واعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكر وها ليست دافعاً لما قرره شعيب عليه السلام من
الدلائل والبينات ، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة .
قوله تعالى ﴿ قال يا قوم أرهطي أعز علیکم من الله واتخذتموه وراءکم ظھر یاً إن ربي بما
تعملون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه
ومن هو كاذب وارتقبوا إنى معكم رقيب ﴾
اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيبا عليه السلام بالقتل والايذاء . حكى الله تعالى عنه ما

الجزء
قوله تعالى (( ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه )) سورة هود
وَلَمَّا جَاءَ أَمُنَا نَّيْنَا تُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَ مَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَهُواْ
الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَدِهِمْ جَئِمِينَ ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْ فِيهَاَ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا
ذكره في هذا المقام ، وهو نوعان من الكلام ؛
النوع الأول﴾ قوله ( يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن
ربي بما تعملون محيط) والمعنى : أن القوم زعموا أنهم تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه .
فقال : أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراماً لرهطي ، والله تعالى أولى أن يتبع أمره ، فكأنه
يقول : حفظتكم إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي .
وأما قوله ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ فالمعنى: أنكم نسيتموه وجعلتموه كالشيء
المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به . قال صاحب الكشاف : والظهري منسوب إلى الظهر ، والكسر
من تغيرات النسب ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس أمسی بکسر الهمزة، وقوله ( إن ربي بما
تعملون محيط) يعني أنه عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.
والنوع الثاني﴾ قوله (ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ) والمكانة الحالة
يتمكن بها صاحبها من عمله ، والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل
ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلى فإني أيضاً عامل بقدر ما آتاني الله تعالى من
القدرة .
ثم قال ﴿ سوف تعملون من یأتیه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ﴾ وفيه مسألتان
﴿ المسألة الأولى﴾ لقائل أن يقول لم لم يقل (فسوف تعملون) والجواب : إدخال
الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، وإما بحذف الفاء فانه يجعله جواباً عن سؤال مقدر
والتقدير : أنه لما قال ( ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ) فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد
ذلك ؟ فقال ( سوف تعلمون ) فظهر أن حذف حرف الفاء ههنا أكمل في باب الفظاعة
والتهويل. ثم قال تعالى (وارتقبوا إني معكم رقيب) والمعنى: فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب.
أي منتظر ، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم ، أو
بمعنى المراقب كالعشير والنديم ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع .
قوله تعالى ﴿ ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا

٥٣
الثاني عشر قوله تعالى (( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين )) سورة هود
بَعِدَتْ نَهُودُ ﴿ي﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٦﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ
يَقْدُمُ قَوْمَهَ، يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ
٠١٠٠٠
وَمَّيْهِ، فَتَبَعُوْ أَمَْ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِّشِدٍ لَّ
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ أَلْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾ وَأَتْعُواْ فِى هَذِهِ، لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَةِ بِئْسَ
أ.د/< <
اٌلْرِفْدُ الْمَرْفُودُ
الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود
روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما . قال : لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب
واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم ، وقوم شعيب
أخذتهم من فوقهم وقوله ( ولما جاء أمرنا ) يحتمل أن يكون المراد منه ولما جاء وقت أمرنا ملكا
من الملائكة بتلك الصيحة ، ويحتمل أن يكون المراد من الأمر العقاب ، وعلى التقديرين فأخبر
الله أنه نجى شعيباً ومن معه من المؤمنين برحمة منه وفيه وجهان : الأول : أنه تعالى إنما خلصه
من ذلك العذاب لمحض رحمته، تنبيها على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل الله
ورحمته. والثاني: أن يكون المراد من الرحمة الايمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضاً
ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى ، ثم وصف كيفية ذلك العذاب فقال ( وأخذت الذين ظلموا
الصيحة ) وانما ذكر الصحية بالألف واللام إشارة إلى المعهود السابق وهي صيحة جبريل عليه
السلام ( فاصبحوا في ديارهم جاثمين ) والجاثم الملازم لمكانه الذي لا يتحول عنه يعني أن
جبريل عليه السلام لما صاح بهم تلك الصيحة زهق روح كل واحد منهم بحيث يقع في مكانه
ميتاً ( كأن لم يغنوا فيها ) أي كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين .
ثم قال تعالى ﴿ ألا بعداً لمدين كما بعدب ثمود ) وقد تقدم تفسير هذه اللفظة وانما قاس
حالهم على ثمود لما ذكرنا أنه تعالى عذبهم مثل عذاب ثمود .
قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر
فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود
وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ﴾
واعلم أن هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة

٥٤
قوله تعالى: ((ولقد ارسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين)) سورة هود
الجزء
وهي آخر القصص من هذه السورة ، أما قوله ( بآياتنا وسلطان مبين ) ففيه وجوه : الأول :
أن المراد من الآيات التوارة مع ما فيها من الشرائع والاحكام ، ومن السلطان المبين المعجزات
القاهرة الباهرة والتقدير : ولقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف وأيدناه بمعجزات قاهرة
وبينات باهرة الثاني : أن الآيات هي المعجزات والبينات وهو كقوله ( إن عندكم من سلطان
بهذا) وقوله ( ما أنزل الله بها من سلطان ) وعلى هذا التقدير ففي الآية وجهان : الأول : أن
هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته . الثاني : أن يراد بالسلطان المبين
العصا ، لأنه أشهرها وذلك لأنه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات ، وهي العصا واليد
والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات . والأنفس . ومنهم من أبدل
نقص الثمرات والأنفس باظلال الجبل وفلق البحر ، واختلفوا في أن الحجة لم سميت
بالسلطان . فقال بعض المحققين : لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه عند النظر كما
يقهر السلطان غيره ، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان ، وقال الزجاج : السلطان هو الحجة
والسلطان سمى سلطانا لأنه حجة الله في أرضه واشتقاقه من السليط . والسليط ما يضاء به ومن
هذا قيل للزيت السليط وفيه قول ثالث : وهو أن السلطان مشتق من التسليط ، والعلماء
سلاطين بسبب كما لهم في القوة العملية والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة ، إلا
أن سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك ، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل
وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء وسلطنة العلماء من جنس
سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة .
فان قيل : إذا حملتم الآيات المذكورة في قوله ( بآياتنا ) على المعجزات والسلطان أيضاً
على الدلائل والمبين أيضاً معناه كونه سبباً للظهور فما الفرق بين هذه المراتب الثلاثة ؟
قلنا : الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن ، وبين الدلائل التي
تفيد اليقين وأما السلطان فهو اسم لما يفيد القطع واليقين ، إلا أنه اسم للقدر المشترك بين
الدلائل التي تؤكد بالحس ، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس ، وأما الدليل القاطع الذي
تأكد بالحس فهو السلطان المبين ، ولما كان معجزات موسى عليه السلام هكذا لا جرم وصفها
الله بأنها سلطان مبين ، ثم قال ( الى فرعون وملائه) يعني وأرسلنا موسى بآياتنا بمثل هذه
الآيات إلى فرعون وملائه ، أي جماعته . ثم قال ( فاتبعوا أمر فرعون ) ويحتمل أن يكون
المراد أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته ويحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق والشأن .
ثم قال تعالى ﴿ وما أمر فرعون برشيد﴾ أي بمرشد إلى خير ، وقيل رشيد أي ذي رشد

الثاني عشر
قوله تعالى (( وأتبعوا في هذه لعنة )) سورة هود
وأعلم أن بعد طريق فرعون عن الرشد كان ظاهراً لأنه كان دهرياً نافياً للصانع والمعاد
وكان يقول : لا إله للعالم وانما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته
رعاية لمصلحة العالم وأنكر أن يكون الرشد في عبادة الله ومعرفته فلما كان هو نافياً لهذين
الأمرين كان خالياً عن الرشد بالكلية ، ثم إنه تعالى ذكر صفته وصفة قومه فقال ( يقدم قومه يوم
القيامة فأوردهم النار ) وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ من حيث اللغة يقال: قدم فلان فلانا بمعنى تقدمه ، ومنه قادمة
الرجل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه مقدمة الجيش .
﴿ البحث الثاني ﴾ من حيث المعنى وهو أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال حال ما
كانوا في الدنيا وكذلك مقدمهم إلى النار وهم يتبعونه ، أو يقال كما تقدم قومه في الدنيا
فأدخلهم في البحر وأغرقهم فكذلك يتقدمهم يوم القيامة فيدخلهم النار ويحرقهم ، ويجوز
أيضا أن يريد بقوله ( وما أمر فرعون برشيد) أي وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله
( يقدم قومه ) تفسيرا لذلك ، وإيضاحاله ، أي كيف يكون أمره رشيدا مع أن عاقبته هكذا .
فان قيل : لم لم يقل : يقدم قومه فيوردهم النار ؟ بل قال : يقدم قومه فأوردهم النار
بلفظ الماضي .
قلنا : لأن الماضي قد وقع ودخل في الوجود فلا سبيل البتة إلى دفعه ، فاذا عبر عن
المستقبل بلفظ الماضي دل على غاية المبالغة . ثم قال ( وبئس الورد المورود ) وفيه بحثان :
البحث الأول﴾ لفظ ((النار)) مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: وبئست الورد المورود
إلا أن لفظ ((الورد)) مذكر، فكان التذكير والتأنيث جائزين كما تقول : نعم المنزل دارك ،
ونعمت المنزل دارك ، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار هكذا قاله
الواحدي .
﴿ البحث الثاني ﴾ الورد قد يكون بمعنى الورود فيكون مصدرا وقد يكون بمعنى
الوارد . قال تعالى ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) وقد يكون بمعنى المورود عليه كالماء
الذي يورد عليه. قال صاحب الكشاف الورد المورود الذي حصل ورده. فشبه الله تعالى
فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين إلى الماء، ثم قال بئس الورد الذي
يوردونه النار، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضده.

٥٦
قوله تعلى (( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك )) سورة هود
الجزء
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْقُرَى نَقُصُُّهُ, عَلَيْكَ مِنْهَا قَآءٌ وَحَصِيدٌ (8) وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن
ظَلَّمُواْ أَنفُسَهُمْ فَآَ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَ الَُمُ الَّتِى ◌َدْعُونَ مِن دُونِ الَِّ مِن شَىْءٍ لَّمَّا
جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَشْبِيِبِ ()
ثم قال ﴿ وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة ) والمعنى أنهم أتبعوا في هذه الدنيا لعنة وفي
يوم القيامة أيضا ، ومعناه أن اللعن من الله ومن الملائكة والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا وفي
الآخرة لا يزول عنهم ، ونظيره قوله في سورة القصص ( وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة
هم من المقبوحين )
ثم قال ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ والرفد هو العطية وأصله الذي يعين على المطلوب سأل
نافع بن الأزرق بن عباس رضى الله عنهما عن قوله ( بئس الرفد المرفود ) قال هو اللعنة بعد
اللعنة . قال قتادة : ترادفت عليهم لعنتان من الله تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة وكل
شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به .
قوله تعالى ﴿ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن
ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما
زادوهم غير تتبيب ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك ) والفائدة
في ذكرها أمور: أولها : أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للانسان الكامل ،
وذلك انما يكون في غاية الندرة . فاما إذا ذكرت الدلائل ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر
هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية الى العقول .
الوجه الثاني ﴾ أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان الأنبياء
عليهم السلام يتمسكون بها . ويذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها ، ثم
يذكر عقيبهما أجوبة الأنبياء عنها ثم يذكر عقيبها أنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب
الدنيا وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة ، فكان ذكر هذه القصص سببا
لايصال الدلائل والجوابات عن الشبهات الى قلوب المنكرين ، وسببا لازالة القسوة والغلظة
عن قلوبهم ، فثبت أن أحسن الطرق في الدعوة إلى الله تعالى ما ذكرناه .

٥٧
الثاني عشر قوله تعالى ((فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله )) سورة هود
الفائدة الثالثة ) أنه عليه السلام كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب ، ولا
تلمذ لأحد وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة كما قررناه .
الفائدة الرابعة ﴾ أن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم أن عاقبة الصديق
والزنديق والموافق والمنافق الى ترك الدنيا والخروج عنها ، إلا أن المؤمن يخرج من الدنيا مع
الثناء الجميل في الدنيا ، والثواب الجزيل في الآخرة ، والكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في
الدنيا والعقاب في الآخرة ، فاذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع ، فلا بد وأن يلين القلب
وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال، فهذا
كلام جليل في فوائد ذكر هذه القصص .
أما قوله ﴿ ذلك من أنباء القرى ﴾ ففيه أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ أن قوله (ذلك) اشارة إلى الغائب، والمراد منه ههنا الاشارة الى
هذه القصص التي تقدمت ، وهي حاضرة ، إلا أن الجواب عنه ما تقدم في قوله ( ذلك الكتاب
لا ريب فيه )
البحث الثاني﴾ أن لفظ ((ذلك)) يشار به الى الواحد والاثنين والجماعة لقوله تعالى
( لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ) وأيضا يحتمل أن يكون المراد ذلك الذي ذكرناه هو كذا
وكذا .
﴿البحث الثالث﴾ قال صاحب الكشاف: ((ذلك)) مبتدأ ( من أنباء القرى ) خبر
( نقصه عليك ) خبر بعد خبر أي ذلك المذكور بعض أنباء القرى مقصوص عليك . ثم قال
( منها قائم وحصيد ) والضمير في قوله ( منها ) يعود الى القرى شبه ما بقي من آثار القرى
وجدرانها بالزرع القائم على ساقه وما عفا منها وبطر بالحصيد ، والمعنى أن تلك القرى بعضها
بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي منه أثر البتة .
ثم قال تعالى ﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ وفيه وجوه : الأول : وما
ظلمناهم بالعذاب والاهلاك ، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية . الثاني : أن الذي
نزل بالقوم ليس بظلم من الله بل هو عدل وحكمة ، لأجل أن القوم أولا ظلموا أنفسهم بسبب
اقدامهم على الكفر والمعاصي فاستوجبوا لأجل تلك الأعمال من الله ذلك العذاب . الثالث :
قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد وما نقصناهم من النعيم في الدنيا والرزق ، ولكن نقصوا
حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله تعالى .

٥٨
قوله تعالى (( وكذلك أخذ ربك )) سورة هود
الجزء
وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِيَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ (٦) إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَفَ عَذَابَ الْآَخِرةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعُ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمُ مَّشْهُودُ
وَمَا تُؤَيِّرُهُنَ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودِ (٥)
ثم قال ﴿ فما أغنت عنهم الهتهم التي يدعون من دون الله من شيء ﴾ أي ما نفعتهم
تلك الآلهة في شيء البتة .
ثم قال ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : غير تخسير .
يقال : تب اذا خسر وتببه غيره اذا أوقعه في الخسران ، والمعنى أن الكفار كانوا يعتقدون في
الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار . ثم انه تعالى أخبر عند مساس الحاجة الى
المعين ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ولا دفع ضر، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده ،
وهو أن ذلك الاعتقاد زال عنهم به منافع الدنيا والآخرة وجلب اليهم مضار الدنيا والآخرة ،
فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران .
قوله تعالى ﴿وكذلك أخذ ربك اذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في
ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره الا
لأجل معدود ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم والجحدري: (إذا أخذ القرى) بألف واحدة ، وقرأ
الباقون بألفين .
المسألة الثانية ) اعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول عليه السلام في كتابه بما فعل بأمم من
تقدم من الأنبياء لما خالفوا الرسل وردوا عليهم من عذاب الاستئصال ، وبين أنهم ظلموا
أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا قال بعده ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة )
فبين أن عذابه ليس بمقتصر على من تقدم ، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك وقوله
(وهي ظالمة) الضمير فيه عائد إلى القرى وهو في الحقيقة عائد الى أهلها ، ونظيره قوله (وكم
قصمنا من قرية كانت ظالمة ) وقوله ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها )
واعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة ثم بين أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على
.

٥٩
قوله تعالى « ذلك یوم مجموع له الناس )) سورة هود
الثاني عشر
ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيدا وتقوية فقال ( ان أخذه أليم شديد ) فوصف ذلك العذاب
بالايلام وبالشدة ، ولا منغصة في الدنيا إلا الألم ، ولا تشديد في الدنيا وفي الآخرة ، وفي
الوهم والعقل الا تشديد الألم .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فانه يجب عليه أن يتدارك ذلك
بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد ولا ينبغي أن يظن أن
هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين ، لأنه تعالى لما حکی أحوال المتقدمین قال ( وكذلك أخذ
ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ) فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي ،
فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الاليم الشديد .
ثم قال تعالى ﴿ إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ﴾ قال القفال: تقرير هذا
الكلام أن يقال : إن هؤلاء انما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الانبياء واشراكهم بالله ، فاذا
عذبوا في الدنيا على ذلك وهي دار العمل ، فلان يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان
أولى .
واعلم أن كثيرا ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه ، بل هو
ضعيف . وذلك لأن على هذا الوجه الذي ذكره القفال یکون ظهور عذاب الاستئصال في الدنيا
دليلا على أن القول بالقيامة والبعث والنشر حق وصدق ، وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن
القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال ، وهذا المعنى كالمضاد لما
ذكره القفال ، لان القفال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلا للعلم بأن القيامة حق ، فبطل
ما ذكره القفال والاصوب عندي أن يقال : العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر
لوجود هذه السموات والارضين فاعل مختار لا موجب بالذات وما لم يعرف الانسان أن إله
العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات وأن جميع الحوادث الواقعة في السموات والأرضين لا
تحصل الا بتكوينه وقضائه ، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال ، وذلك لان الذين يزعمون
أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب بالذات لا فاعل مختار ، يزعمون أن هذه الاحوال التي
ظهرت في أيام الأنبياء مثل العرق والحرق والخسف والمسخ والصيحة كلها انما حدثت بسبب
قرانات الكواكب واتصال بعضها ببعض ، واذا كان الامر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها دليلا
على صدق الانبياء ، فأما الذي يؤمن بالقيامة ، فلا يتم ذلك الايمان الا اذا اعتقد أن إله العالم
فاعل مختار وأنه عالم بجميع الجزئيات ، واذا كان الامر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه
الحوادث الهائلة والوقائع العظيمة انما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها وأنها ليست

٦٠
قوله تعالى (( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه )) سورة هود
الجزء
يَوْمَ يَّتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسِ إِلَّا بِذْنِ فِنْهُمْ شَفِىٌ وَسَعِدٌ (﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي الَّارِ
لَهُمْ فِهَا زَفِرٌ وَسِقُ ﴿يَل ◌َدِ ينَ فِيَهَا مَادَامَتِ الَّمَنَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَاشَآءَ رَبُّكَ
وَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ◌َبْكَنَّةِ ◌َخَدِينَ فِهَا مَا دَامَتِ
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّلٌ لِّمَا يُرِيدُ
السَّمَنَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءٌ غَيْرَ مَجْدُوٍذِ هـ
٦
بسبب طوالع الكواكب وقراناتها ، وحينئذ ينتفع بسماع هذه القصص ، ويستدل بها على صدق
الأنبياء ، فثبت بهذا صحة قوله ( إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة )
ثم قال تعالى ﴿ ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ﴾
واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين : أحدهما : أنه يوم مجموع له
الناس ، والمعنى أن خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون . والثاني :
أنه يوم مشهود . قال ابن عباس رضى الله عنهما يشهده البر والفاجر . وقال آخرون يشهده
أهل السماء وأهل الأرض ، والمراد من الشهود الحضور ، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في
قلب انسان أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه ، فبين تعالى أن
تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة والمساءلة .
ثم قال تعالى ﴿وما نؤخره إلا لأجل معدود) والمعنى أن تأخير الآخرة وأفناء الدنيا
موقوف على أجل معدود وكل ماله عدد فهو متناه وكل ما كان متناهيا فانه لا بد وأن يفنى ، فيلزم
أن يقال إن تأخير الآخرة سينتهي الى وقت لا بد وأن يقيم الله القيامة فيه ، وأن تخرب الدنيا
فيه ، وكل ما هوآت قريب .
قوله تعالى ﴿ يوم يأتي لا تكلم نفس الا باذنه فمنهم شقي وسعيد فاما الذين شقوا ففّي
النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك
فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض الا ما شاء
ربك عطاء غير مجذوذ
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ( يأت) بحذف الياء والباقون باثبات