النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قوله تعالى ((فلما جاء أمرنا نجينا صالحا)) سورة هود
الثاني عشر
فَلَّا جَاءَ أَمُنَا نَجَّيْنَا صَ دِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ و بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ نِزْىٍ يَوْمِيِذٍ إِنَّ
رَبِّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ®﴾ وَأَخَذَ الّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْعَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَدِهِمْ
جَئِمِينَ ( كَانَ لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَا أَلَا إِنَّ ◌ُمُودَا كَفَرُواْ رَبَّهُمَّ أَلَا بُعْدًا لِتَمُودَ
٦٨
قريب ، وذلك تحذير شديد لهم من الاقدام على قتلها ، ثم بين الله تعالى أنهم مع ذلك عقر وها
وذبحوها ، ويحتمل أنهم عقروها لابطال تلك الحجة ، وأن يكون لأنها ضيقت الشرب على
القوم ، وأن يكون لأنهم رغبوا في شحمها ولحمها ، وقوله ( فیأخذكم عذاب قریب) یرید
اليوم الثالث ، وهو قوله ( تمتعوا في داركم ) ثم بين تعالى أن القوم عقر وها ، فعند ذلك قال لهم
صالح عليه السلام (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) ومعنى التمتع : التلذذ بالمنافع والملاذ التي
تدرك بالحواس ، ولما كان التمتع لا يحصل الا للحي عبر به عن الحياة ، وقوله ( في داركم ) فیه
وجهان : الأول : أن المراد من الدار البلد ، وتسمى البلاد بالديار ، لأنه يدار فيها أي
يتصرف . يقال : ديار بكر أي بلادهم . الثاني : إن المراد بالديار الدنيا . وقوله ( ذلك وعد
مكذوب ) أي غير كذب والمصدر قد يرد بلفظ المفعول كالمجلود والمعقول وبأيكم المفتون ،
وقيل غير مكذوب فيه ، قال ابن عباس رضى الله عنهما أنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة
فقد رغبهم في الايمان ، وذلك لأنهم لما عقروا الناقة أنذرهم صالح عليه السلام بنزول
العذاب ، فقالوا وما علامة ذلك ؟ فقال : تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة ، وفي الثاني
محمرة ، وفي الثالث مسودة ، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع ، فلما رأوا وجوههم قد
اسودت أيقنوا بالعذاب فاحتاطوا واستعدوا للعذاب فصبحهم اليوم الرابع وهي الصيحة
والصاعقة والعذاب .
فان قيل : كيف يعقل أن تظهر فيهم هذه العلامات مطابقة لقول صالح عليه السلام ،
ثم يبقون مصرين على الكفر .
قلنا : ما دامت الأمارات غير بالغة إلى حد الجزم واليقين لم يمتنع بقاؤهم على الكفر وإذا
صارت يقينيه قطعية ، فقد انتهى الأمر إلى حد الالجاء والايمان في ذلك الوقت غير مقبول.
قوله تعالى ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منه ومن خزي يومئذ إن
ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا
فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود﴾

٢٢
قوله تعالى ((وأخذ الذين ظلموا الصيحة )) سورة هود
الجزء
اعلم أن مثل هذه الآية قد مضى في قصة عاد ، وقوله ( ومن خزی يومئذ ) فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ الواو في قوله (ومن خزى) واو العطف وفيه وجهان : الأول : أن
يكون التقدير : نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا من العذاب النازل بقومه ومن الخزى
الذي لزمهم وبقي العار فيه مأثوراً عنهم ومنسوباً اليهم ، لأن معنى الخزى العيب الذي تظهر
فضيحته ويستحيا من مثله فحذف ما حذف اعتماداً على دلالة بقي عليه . الثاني : أن يكون
التقدير : نجينا صالحاً برحمة منا ونجيناهم من خزى يومئذ .
﴿ المسألة الثانية ) قرأ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون وإحدى الروايات عن.
الاعشى (يومئذ) بفتح الميم، وفي المعارج (عذاب يومئذ) والباقون بكسر الميم فيهما فمن قرأ
بالفتح فعلى أن يوم مضاف الى اذ وأن اذ مبني ، والمضاف الى المبني يجوز جعله مبنياً ألا ترى أن
المضاف يكتسب من المضاف اليه التعريف والتنكير فكذا ههنا ، وأما الكسر في اذ فالسبب أنه
يضاف الى الجملة من المبتدأ والخبر تقول : جئتك اذ الشمس طالعة ، فلما قطع عنه المضاف اليه
نون ليدل التنوين على ذلك ثم كسرت الذال لسكونها وسكون التنوين ، وأما القراءة بالكسر
فعلى إضافة الخزى الى اليوم ولم يلزم من إضافته إلى المبني أن يكون مبنياً لأن هذه الاضافة غير
لازمة .
المسألة الثالثة ﴾ الخزى الذل العظيم حتى يبلغ حد الفضيحة ولذلك قال تعالى في
المحاربين ( ذلك لهم خزى في الدنيا ) وإنما سمى الله تعالى ذلك العذاب خزياً لأنه فضيحة.
باقية يعتبر بها أمثالهم ثم قال ( إن ربك هو القوى العزيز ) وإنما حسن ذلك ، لأنه تعالى بين
أنه أوصل ذلك العذاب إلى الكافر وصان أهل الايمان عنه ، وهذا التمييز لا يصح إلا من
القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء فيجعل الشيء الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاء وعذابا
وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحاناً ثم إنه تعالى بين ذلك الأمر فقال ( وأخذ الذين ظلموا)
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ إنما قال (أخذ) ولم يقل أخذت لأن الصيحة محمولة على الصياح،
وايضاً فصل بين الفعل والأسم المؤنث بفاصل فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث، وقد
سبق لها نظائر
المسألة الثانية) ذكروا في الصيحة وجهين . قال ابن عباس رضى الله عنهما : المراد
الصاعقة الثاني : الصيحة صيحة عظيمة هائلة سمعوها فماتوا أجمع منها فأصبحوا وهم موتى
جائمين في دورهم ومساكنهم ، وجثومهم سقوطهم على وجوههم ، يقال إنه تعالى أمر جبريل
عليه لسلام أن يصيح بهم تلك الصيحة التي ماتوا بها ، ويجوز أن يكون الله تعالى خلقها ،

٢٣
الثاني عشر قوله تعالى ((ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى)) سورة هود
وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُنَ إِبرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَكَمًا قَالَ سَلَمْ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ
خَئِذٍ ﴿ فَّارَةَ آ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَحَفُ
إِنَّ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِلُوطِ لَّه وَأَمْرَأْتُ قَاتِمَةٌ فَضَحِّكَتْ فَبَثَّرْنَهَا بِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ
إِسْحَقَ يَعْقُوبَ
والصياح لا يكون إلا الصوت الحادث في حلق وفم وكذلك الصراخ ، فان كان من فعل الله
تعالى فقد خلقه في حلق حيوان وإن كان فعل جبريل عليه السلام فقد حصل في فمه وحلقه ،
والدليل عليه أن صوت الرعد أعظم من كل صيحة ولا يسمى بذلك ولا بأنه صراخ .
فان قيل : فما السبب في كون الصيحة موجبة للموت ؟
قلنا : فيه وجوه : أحدها : أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عند سبب قوي يوجب
تموج الهواء وذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صماخ الانسان فيمزق غشاء الدماغ فيورث
الموت . والثاني : أنها شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها والاعراض النفسانية إذا
قويت أوجبت الموت الثالث : أن الصيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد وأن
يصحبها برق شديد محرق ، وذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس رضى الله عنهما .
ثم قال تعالى ﴿ فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ والجثوم هو السكان يقال : للطير إذا
باتت في أوكارها أنها جثمت ، ثم إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموت
فوصف الله تعالى هؤلاء المهلكين بأنهم سكنوا عند الهلاك ، حتى كأنهم ما كانوا أحياء وقوله
(كأن لم يغنوا فيها ) أي كأنهم لم يوجدوا ، والمغنى المقام الذي يقيم الحي به يقال : غنى
الرجل بمكان كذا إذ أقام به .
ثم قال تعالى ﴿ ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود ﴾ قرأ حمزة وحفص عن عاصم
( ألا إن ثمود) غير منون في كل القرآن، وقرأ الباقون (ثموداً) بالتنوين ولثمود كلاهما
بالصرف، والصرف للذهاب إلى الحي ، أو إلى الأب الأكبر ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى
القبيلة .
قوله تعالى ﴿ ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء
بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفه قالوا لا تخف إنا أرسلنا
إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء إسحق يعقوب ﴾
اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وههنا مسائل :

٢٤
قوله تعالى (( قالوا سلاما قال سلام)) سورة هود
الجزء
﴿ المسألة الأولى﴾ قال النحويون: دخلت كلمة ((قد)) ههنا لأن السامع لقصص
الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة ، وقد للتوقع ، ودخلت اللام في ((لقد )) لتأكيد الخبر
،ولفظ ( رسلنا ) جمع وأقلة ثلاثة فهذا يفيد القطع بحصول ثلاثة ، وأما الزائد على هذا العدد
.فلا سبيل إلى اثباته إلا بدليل آخر ، وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام ، ثم
اختلفت الروايات فقيل : أتاه جبريل عليه السلام ومعه اثنا عشر ملكا على صورة الغلمان
الذين يكونون في غاية الحسن وقال الضحاك كانوا تسعة . وقال ابن عباس رضى الله عنهما :
كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام . وهم الذين ذكرهم الله في سورة
والذاريات في قوله ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ) وفي الحجر ( ونبئهم عن ضيف إبراهيم )
﴿ المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين: الأول: أن المراد ما بشره الله
بعد ذلك بقوله ( فبشرناها باسحق ومن وراء إسحق يعقوب ) الثاني : أن المراد منه أنه بشر
إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط وباهلاك قومه .
وأما قوله ﴿ قالوا سلاما قال سلام ﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكساني ( قالوا سلم قال سلم) بكسر السين وسكون
اللام بغير ألف، وفي والذاريات مثله . قال الفراء : لا فرق بين القراءتين كما قالوا حل
وحلال وحرم وحرام لأن في التفسير انهم لما جاؤا سلموا عليه . قال أبو على الفارسي : ويحتمل
أن يكون سلم خلاف العدو والحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه اليهم نكرهم وأوجس
منهم خيفة قال إنا سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول
طعام العدو ، وهذا الوجه عندي بعيد ، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم
عليه السلام بهذا اللفظ بعد احضار الطعام ، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد
قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قلل ( قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) والفاء
للتعقيب ، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام .
﴿ المسألة الثانية ) قالوا سلاما تقديره: سلمنا عليك سلاماً قال سلام. تقديره:
أمري سلام ، اي لست مريد غير السلامة والصلح . قال الواحدي : ويحتمل ان يكون
المراد : سلام عليكم ، فجاء به مرفوعا حكاية لقوله كما قال : وحذف عنه الخبر كما حذف من
قوله ( فصبر جميل ) وإنما يحسن هذا الحذف اذا كان المقصود معلوما بعد الحذف، وههنا
المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف، ونظيره قوله تعالى ( فاصفح عنهم وقل سلام ) على
حذف الخبر .

٢٥
قوله تعالى (( فلما رآى أيديهم لا تصل اليه نكرهم)) سورة هود
الثاني عشر
واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض ، رعاية للأذن المذكور في قوله تعالى ( لا تدخلوا
بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها )
﴿ المسألة الثالثة) أكثر ما يستعمل (سلام عليكم) بغير ألف ولام ، وذلك لأنه في معنى
الدعاء ، فهو مثل قولهم : خير بين يديك .
فان قيل : كيف جاز جعل النكرة مبتدأ ؟
قلنا : النكرة اذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ ، فاذا قلت سلام عليكم : فالتنكير في
هذا الموضع يدل على التمام والكمال ، فكأنه قيل : سلام كامل تام عليكم ، ونظيره قولنا :
سلام عليك ، وقوله تعالى ( قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ) وقوله ( سلام قولا من رب
رحيم - سلام على نوح في العالمين - والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) فأما
قوله تعالى ( والسلام على من اتبع الهدى ) فهذا أيضا جائز ، والمراد منه الماهية والحقيقة .
وأقول : قوله ( سلام عليكم ) أكمل من قوله : السلام عليكم ، لأن التنكير في قوله ( سلام
عليكم ) يفيد الكمال والمبالغة والتمام . وأما لفظ السلام: فانه لا يفيد إلا الماهية . قال
الأخفش : من العرب من يقول : سلام عليكم . فيعرى قوله : سلام . عن الألف واللام
والتنوين ، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ فما لبث أن جاء بعجل حنيذ﴾ قالوا : مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا
يأتيه ضيف فاغتلم لذلك ، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافا لم ير مثلهم ، فعجل وجاء بعجل
حنيذ ، فقوله ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) معناه : فما لبث في المجيء به بل عجل فيه ، أو
التقدير : فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة . أما الحنيذ : فهو الذي يشوى في حفره من الأرض
بالحجارة المحماة ، وهو من فعل أهل البادية معروف، وهو محنوذ في الأصل كما قيل : طبيخ
ومطبوخ ، وقيل : الحنيذ الذي يقطر دسمه . يقال : حنذت الفرس اذا ألقيت عليه الجل
حتى تقطر عرقا .
ثم قال تعالى ﴿ فلما رآى أيديهم لا تصل اليه ﴾ أي الى العجل ، وقال الفراء: الى
الطعام ، وهو ذلك العجل ( نكرهم ) أي أنكرهم . يقال : نكره وأنكره واستنكره .
واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا
يشربون ، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونا على صفة يحبها ، وهو كان مشغوفا بالضيافة .
وأما إبراهيم عليه السلام . فنقول : إما أن يقال : إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة ،

٢٦
قوله تعالى (( لا تخف انا أرسلنا الى قوم لوط)) سورة هود
الجزء
بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر، أو يقال : إنه كان عالما بأنهم من الملائكة . أما على
الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران : أحدهما : أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن
الناس ، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروها ، وثانيها : أن من لا يعرف اذا
حضر وقدم اليه طعام فان أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف. وأما الاحتمال
الثاني: وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى ، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضاً أمران :
أحدها : أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه : والثاني : أنه خاف أن يكون
نزولهم لتعذيب قومه .
فان قيل : فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر ؟
قلنا : أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج بأمور : أحدها :
أنه تسارع الى إحضار الطعام ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك . وثانيها : أنه لما
رآهم ممتنعين من الأكل خافهم ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول
الشر. وثالثها: أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر، وذلك لا يدل على كونهم من
الملائكة ، وأما الذي يقول . إنه عرف ذلك احتج بقوله ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) وإنما
يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا ، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف
عنه فقالوا ( لا تخف إنا أرسلنا الى قوم لوط) ومعناه : أرسلنا بالعذاب الى قوم لوط ، لأنه أضمر
لقيام الدليل عليه في سورة أخرى ، وهو قوله ( إنا أرسلنا الى قوم مجرمين . لنرسل عليهم
حجارة )
ثم قال تعالى ﴿وامرأته قائمة ﴾ يعني سارة بنت آرز بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه
السلام ، وقوله ( قائمة ) قيل : كانت قائمة من وراء الستر تستمع الى الرسل ، لأنها ربما
خافت أيضا . وقيل : كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم عليه السلام جالس معهم ، ويؤكد
هذا التأويل قراءة ابن مسعود ( وامرأته قائمة ) وهو قاعد .
ثم قال تعالى ﴿ فضحكت فبشرناها باسحق ﴾ واختلفوا في الضحك على قولين: منهم
من حمله على نفس الضحك ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك . أما
الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت ، وذكروا وجوها ؛ الأول : قال
القاضي إن ذلك السبب لا بد وأن يكون سببا جرى ذكره في هذه الآية ، وما ذاك إلا أنها فرحت
بزوال ذلك الخوف عن ابراهيم عليه السلام حيث قالت الملائكة ( لا تخف إنا أرسلنا الى قوم
لوط) وعظم سرورها بسبب سروروه بزوال خوفه ، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الانسان ،

٢٧
قوله تعالى ((لا تخف انا أرسلنا الى قوم لوط، سورة هود
الثاني عشر
وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لابراهيم عليه السلام ( لا تخف) فكان
كالبشارة ، فقيل لها : نجعل هذه البشارة بشارتين ، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف ، فقد
حصلت البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر الى هذا الوقت هذا
تأويل في غاية الحسن . الثاني : يحتمل أنها كانت عظيمة الانكار على قوم لوط لما كانوا عليه من
الكفر والعمل الخبيث ، فلما أظهروا أنهم جاؤوا لا هلاكهم لحقها السرور فضحكت .
الثالث : قال السدى قال ابراهيم عليه السلام لهم ( ألا تأكلون) قالوا لا نأكل طعاماً إلا
بالثمن ، فقال : ثمنه أن تذكروا اسم الله تعالى على أوله وتحمدوه على آخره،، فقال جبريل
لميكائيل عليهما السلام ((حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلا)) فضحكت امرأته فرحا منها
بهذا الكلام . الرابع : أن سارة قالت لابراهيم عليه السلام أرسل الى ابن أخيك وضمه الى
نفسك ، فان الله تعالى لا يترك قومه حتى يعذبهم ، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على
إبراهيم عليه السلام ، فلما أخبروه بأنهم إنما جاؤا لا هلاك قوم لوط صار قولهم موافقاً لقولها .
فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها وبين كلام الملائكة . الخامس : أن
الملائكة لما أخبروا إبراهيم عليه السلام أنهم من الملائكة لا من البشر وأنهم إنما جاؤا لاهلاك
قوم لوط طلب إبراهيم عليه السلام منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم باحياء
العجل المشوى فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعاً فيه إلى مرعاه ، وكانت
امرأة إبراهيم عليه السلام قائمة فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد طفر من موضعه .
السادس : أنها ضحكت تعجباً من أن قوماً أتاهم العذاب وهم في غفلة . السابع : لا يبعد
أن يقال إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت، إما على سبيل التعجب فإنه يقال إنها
كانت في ذلك الوقت بنت بضع وتسعين سنة وإبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة، وإما على
سبيل السرور. ثم لما ضحكت بشرها الله تعالى بأن ذلك الولد هو إسحق ومن وراء إسحق
يعقوب. الثامن: إنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم عليه السلام من ثلاث
أنفس حال ما كان معه حشمه وخدمه. التاسع: أن هذا على التقديم والتأخير والتقدير:
وأمرأته قائمة فبشرناها باسحق. فضحكت سروراً بسبب تلك البشارة فقدم الضحك، ومعناه.
التأخير.الثاني: هو أن يكون معنى فضحكت حاضت وهو منقول عن مجاهد وعكرمة قالا
ضحكت أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد،
وأنكر الفراء وأبو عبيده ان يكون ضحكت بمعنى حاضت، قال ابو بكر الأنباري هذه اللغة ان
لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم، حكى الليث في هذه الآية (فضحكت) طمئت، وحكى
الأزهري عن بعضهم أن أصله من ضحاك الطلعة يقال ضحكت الطلعة إذا انشقت .

٢٨
((قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز)) سورة هود
الجزء
قَالُواْ
قَالَتْ يَيْلَنَّىَ ءَ أَلِدُ وَأَنَاْ ◌ُوزُ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ ◌َِيبٌ
٧٢
أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَكَانُهُ عَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَهُ حَيْدٌ غَجِدٌ
٧٣
واعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد . وإنما الوجه الصحيح هو الأول .
ثم قال تعالى ﴿ومن وراء إسحق يعقوب ﴾ وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب،
والباقون بالرفع أما وجه النصب ، فهو أن يكون التقدير : بشرناها باسحق ومن وراء إسحق
وهبنا لها يعقوب ، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير : ومن وراء إسحق يعقوب . مولود
أو موجود .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في لفظ وراء قولان : الأول: وهو قول الأكثرين أن معناه بعد أي
بعد إسحق يعقوب وهذا هو الوجه الظاهر . والثاني : أن الوراء ولد الولد، عن الشعبي أنه
قيل له هذا ابنك ، فقال نعم من الوراء، وكان ولد ولده، وهذا الوجه عندي شديد التعسف ،
واللفظ كأنه ينبو عنه .
قوله تعالى ﴿ قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخاً إن هذا لشيء عجيب قالوا
أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الفراء أصل الويل وي وهو الخزى ، ويقال : وي لفلان أي
خزى له فقوله ويلك أي خزى لك ، وقال سيبويه : ويح زجر لمن اشرف على الهلاك ، وويل
لمن وقع فيه . قال الخليل: ولم أسمع على بنائه إلا ويح ، وويس ، وويك ، وويه ، وهذه
الكلمات متقاربة في المعنى وأما قوله ( يا ويلتا) فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة وقال
صاحب الكشاف : الألف في ويلتا مبدلة من ياء الاضافة في ( ياويلتي ) وكذلك في يا لهفا ويا
عجبا ثم أبدل من الياء والكسرة . الألف والفتحة ، لأن الفتح والألف أخف من الياء
والكسرة .
أما قوله ﴿ أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو آلد بهمزة ومدة ، والباقون بهمزتين
بلامد

٢٩
قوله تعالى ((قالت يا ويلتي أالد وأنا عجوز)) سورة هود
الثاني عشر
المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول إنها تعجبت من قدرة الله تعالى والتعجب من قدرة الله
تعالى يوجب الكفر ، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه : أولها : قوله تعالى حكاية عنها في
معرض التعجب ( أألد وأنا عجوز ) وثانيها : قوله ( إن هذا لشيء عجيب ) وثالثها : قول
الملائكة لها ( أتعجبين من أمر الله ) وأما بيان أن التعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر ،
فلأن هذا التعجب يدل على جهلها بقدرة الله تعالى ، وذلك يوجب الكفر .
والجواب : أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة فان الرجل المسلم
لو أخبره مخبر صادق بأن الله تعالى يقلب هذا الجبل ذهباً إبريزاً فلا شك أنه يتعجب نظراً إلى
أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة الله تعالى على ذلك .
المسألة الثالثة ) قوله (وهذا بعلي شيخاً ) فاعلم أن شيخاً منصوب على الحال ، قال
الواحدي رحمه الله : وهذا من لطائف النحو وغامضة فان كلمة هذا للاشارة ، فكان قوله
( وهذا بعلي شيخاً) قائم مقام أن يقال أشير إلى بعلي حال كونه شيخاً ، والمقصود تعريف هذه
الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ بعضهم (وهذا بعلي شيخ ) على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي
هذا بعلي وهو شيخ ، أو بعلي بدل من المبتدا وشيخ خبر أو يكونان معاً خبرين ، ثم حكى
تعالى أن الملائكة قالوا ( أتعجبين من أمر الله ) والمعنى : أنهم تعجبوا من تعجبها ، ثم قالوا
( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) والمقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب
وتقديره : إن رحمة الله عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة ، وهي النبوة والمعجزات
القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة فاذا رأيت أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه
الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث البينات والمعجزات ، فكيف
يليق به التعجب .
وأما قوله ﴿ أهل البيت ﴾ فانه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص ، ثم
أكدوا ذلك بقولهم ( إنه حميد مجيد ) والحميد هو المحمود وهو الذي تحمد أفعاله ، والمجيد
الماجد ، وهو ذو الشرف والكرم ، ومن محامد الأفعال ايصال العبد المطيع الى مراده ومطلوبه ،
ومن أنواع الفضل والكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه ، فاذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر
على الكل وأنه حميد مجيد ، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر
هذه الكلمات ازالة التعجب .

٣٠
قوله تعالى (( فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى )) سورة هود
الجزء
فَلَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَهِيمَ الَرَّوْعُ وَجَآءَتَهُ الْبُشْرَى يُجَدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطِ (٤٨) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ
تَحَلِيمٌ أَوَّهُ مُنِيبٌ
٧٥
قوله تعالى ﴿ فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن
ابراهيم حلیم أواه منیب
,٠
اعلم أن هذا هو القصة الخامسة وهي قصة لوط عليه السلام ، واعلم أن الروع هو
الخوف وهو ما أوجس من الخفية حين أنكر أضيافه والمعنى : أنه لما زال الخوف وحصل السرور
بسبب مجيء البشرى بحصول الولد ، أخذ يجادلنا في قوم لوط وجواب لما هو قوله ( أخذ ) إلا أنه
حذف اللفظ لدلالة الكلام عليه وقبل تقديره: لما ذهب عن ابراهيم الروع جاءتنا
واعلم أن قوله ( يجادلنا ) أي يجادل رسلنا .
فان قيل : هذه المجادلة إن كانت مع الله تعالى فهي جراءة على الله ، والجراءة على الله
تعالى من أعظم الذنوب ، ولأن المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم وذلك يدل على أنه
ما كان راضيا بقضاء الله تعالى وأنه كفر . وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا
عجيبه ، لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط ، فان كان قد اعتقد فيهم
أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الاهلاك فهذا سوء ظن بهم. وان اعتقد فيهم انهم بأمر
الله جاؤوا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان يطلب منهم مخالفة أمر الله تعالى وهذا منكر .
والجواب من وجهين
الوجه الأول﴾ وهو الجواب الاجمالي أنه تعالى مدحه عقیب هذه الآية فقال ( ان
ابراهيم لحليم أواه منيب ) ولو كان هذا الجدل من الذنوب لما ذكر عقيبة ما يدل على المدح
العظيم .
والوجه الثاني ﴾ وهو الجواب التفصيلي أن المراد من هذه المجادلة سعى ابراهيم في
تأخير العذاب عنهم وتقريره من وجوه :
الوجه الأول ) أن الملائكة قالوا ( إنا مهلكوا أهل هذه القرية ) فقال ابراهيم :
أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون قالوا :
لا . قال : فثلاثون قالوا لا . حتى بلغ العشرة قالوا : لا . قال : أرأيتم ان كان فيها رجل
مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . فعند ذلك قال : إن فيها لوطا وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة
العنكبوت فقال ( ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا انا مهلكوا أهل هذه القرية ان أهلها
كانوا ظالمين قال ان فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من
الغابرين).

٣١
قوله تعالى (( يا إبراهيم أعرض عن هذا)) سورة هود
الثاني عشر
يَإِبْرَهِيمُ ◌ّعْرِضْ عَنْ هَذَآ إِنَُّ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ
مَرْدُودِ ﴾ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُنَا لُوطَّاسِىَءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْءً وَقَالَ هَذَا يَوْمُّ
رو
عُصِیب
لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم .
الوجه الثاني ﴾ يحتمل أن يقال إنه عليه السلام كان يميل إلى أن تلحقهم رحمة الله
بتأخير العذاب عنهم رجاء أنهم ربما أقدموا على الايمان والتوبة عن المعاصي ، وربما وقعت
تلك المجادلات بسبب أن ابراهيم كان يقول إن أمر الله ورد بايصال العذاب . ومطلق الأمر لا
يوجب الفور بل يقبل التأخي فاصبروا مدة أخرى ، والملائكة كانوا يقولون إن مطلق الأمر
يقبل الفور ، وقد حصلت هناك قرائن دالة على الفور ، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه
بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب ، وهذا الوجه عندي هو المعتمد .
الوجه الثالث ﴾ في الجواب لعل إبراهيم عليه السلام سأل عن لفظ ذلك الأمر وكان
ذلك الأمر مشروطا بشرط فاختلفوا في أن ذلك الشرط هل حصل في ذلك القوم أم لا فحصلت
المجادلة بسببه ، وبالجملة نرى العلماء في زماننا يجادل بعضهم بعضا عند التمسك بالنصوص ،
وذلك لا يوجب القدح في واحد منها فكذا ههنا .
ثم قال تعالى ﴿ إن إبراهيم لحليم أواه منيب) وهذا مدح عظيم من الله تعالى
لا براهيم ، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره ، بل يتأنى فيه فيؤخر ويعفو ومن هذا
حاله فانه يجب من غيره هذه الطريقة ، وهذا كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم
وتأخير العقاب ، ثم ضم إلى ذلك ما له تعلق بالحلم وهو قوله ( أواه منيب ) لأن من يستعمل
الحلم في غيره فانه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير فلما رأى مجيء الملائكة لأجل إهلاك
قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه الله تعالى بهذه الصفة ورصفه
أيضا بأنه منيب ، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فانه ينيب ويتوب ويرجع
إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم أو يقال : إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد .
فأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها كان أولى ولا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب الله
إلا بالتوبة والأنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيباً .
قوله تعالى ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير
مردود ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ﴾

٣٢
قوله تعالى (( يا ابراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك)) سورة هود
الجزء
اعلم أن قوله ( يا ابراهيم أعرض عن هذا) معناه : أن الملائكة قالوا له : اترك هذه
المجادلة لأنه قد جاء أمر بايصال هذا العذاب اليهم وإذا لاح وجه دلالة النص على هذا الحكم
فلا سبيل الى دفعه فلذلك أمروه بترك المجادلة ، ولما ذكروا ( إنه قد جاء أمر ربك ) ولم يكن
في هذا اللفظ دلالة على أن هذا الأمر بماذا جاء لا جرم بين الله تعالى إنهم آتيهم عذاب غير
مردود ، أي عذاب لا سبيل الى دفعه ورده .
ثم قال ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ وهؤلاء الرسل هم الرسل
الذين بشروا ابراهيم بالولد عليهم السلام . قال ابن عباس رضى الله عنهما : انطلقوا من عند
إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربع فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم
وكانوا في غاية الحسن ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله وذكروا فيه ستة أوجه : الأول . أنه ظن
أنهم من الانس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجزوا عن مقاومتهم . الثاني : ساءه مجيئهم
لأنه ما كان يجد ما ينفقه عليهم وما كان قادراً على القيام بحق ضيافتهم . والثالث : ساءه ذلك
لأن قومه منعوه من ادخال الضيف داره : الرابع : ساءه مجيئهم ، لأنه عرف بالحذر أنهم ملائكة
وأنهم إنما جاؤا لاهلاك قومه ، والوجه الأول هو الأصح لدلالة قوله تعالى (وجاءه قومه يهرعون
اليه ) وبقي في الآية ألفاظ ثلاثة لا بد من تفسيرها :
اللفظ الأول ﴾ قوله ( سيء بهم) ومعناه ساء مجيئهم وساء يسوء فعل لازم مجاوز يقال
سؤته فسيء مثل شغلته فشغل وسررته فسر. قال الزجاج : أصله سوىء بهم الا أن سكتت
۔۔
ونقلت كسرتها الى السين .
واللفظ الثاني﴾ قوله (وضاق بهم ذرعا) قال الأزهري : الذرع يوضع موضع الطّاقة
والأصل فيه البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوته ، فاذا حمل عليه أكثر من
طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه ، فجعل ضيق الذرع عبارة عن قدر الوسع
والطاقة .. فيقال : ما لي به ذرع ولا ذراع أي ما لي به طاقة ، والدليل على صحة ما قلناه أنهم
يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعا .
واللفظ الثالث ﴾ قوله ( هذا يوم عصيب ) أي يوم شديد ، وإنما قيل للشدید عصيب

٣٣
قوله تعالى (( وجاءه قومه يهرعون إليه )) سورة هود
الثاني عشر".
وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوْ يَعْمَلُونَ السَِّّعَاتِ قَالَ يَنْقَوْمِ هَتْلَءِ
بَنَانِى هُنَّ أَظْهَرُلَكُمَّ فَتَّقُواْ الَّه ◌َلاَ تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىَّ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدُ
٧٨
قَالُوْ لَقَدْ عَلْتَ مَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (8﴾ قَالَ لَوْ أَنَّلِ
بكر قوّةً أوْ ءَاوِیّ إِلی ر کن شدِید
لأنه يعصب الانسان بالشر.
قوله تعالى ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء
بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما
لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نر ید قال لو أن لي بکم قوة أو آوی إلی رکن شدید ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ أنه لما دخلت الملائكة دار لوط عليه السلام مضت امرأته عجوز
السوء فقالت لقومه دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن وجوهاً ولا أنظف ثياباً ولا أطيب رائحة
منهم ( فجاءه قومه يهرعون اليه ) أي يسرعون ، وبين تعالى أن اسراعهم ربما كان لطلب
العمل الخبيث بقوله ( ومن قبل كانوا يعملون السيئات ) نقل أن القوم دخلوا دار لوط وأرادوا
أن يدخلوا البيت الذي كان فيه جبريل عليه السلام ، فوضع جبريل عليه السلام يدهعلى الباب،
فلم يطيقوا فتحه حتى كسروه ، فمسح أعينهم بيده فعموا ، فقالوا : يا لوط قد أدخلت علينا
السحرة وأظهرت الفتنة ، ولأهل اللغة في ( يهرعون ) قولان :
القول الأول ﴾ أن هذا من باب ما جاءت صيغة الفاعل فيه على لفظ المفعول ولا
يعرف له فاعل نحو : أولع فلان في الأمر ، وأرعد زيد ، وزهى عمرو من الزهو .
﴿ والقول الثاني ﴾ أنه لا يجوز ورود الفاعل على لفظ المفعول، وهذه الأفعال حذف
فاعلوها فتأويل أولع زيد أنه أولعه طبعه وأرعد الرجل أرعده غضبه وزهى عمرو معناه جعله
ما له زاهيا وأهرع معناه أهرعه خوفه أو حرصه ، واختلفوا أيضاً فقال بعضهم : الاهراع هو
الاسراع مع الرعدة . وقال آخرون : هو العدو الشديد .
أما قوله تعالى ﴿قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ ففيه قولان: قال قتادة. المراد
بناته لصلبه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: المراد نساء أمته؛ لأنهن في أنفسهن بنات ولهن اضافة

٣٤
قوله تعالى (( قال يا قوم هؤلاء بناتي هن اطهر لكم )) سورة هود
الجزء
1
إليه بالمتابعة وقبول الدعوة . قال أهل النحو : يكفي في حسن الاضافة أدنى سبب . لأنه كان
نبياً لهم فكان كالأب لهم . قال تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) وهو أب لهم وهذا القول عندي هو
المختار ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن إقدام الانسان على عرض بناته على الأوباش والفجار
أمر متبعد لا يليق بأهل المروءة، فكيف بأكابر الأنبياء ؟ الثاني : وهو أنه قال ( هؤلاء بناتي هن
أطهر لكم ) فبناته اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم . أما نساء أمته ففيهن كفاية
للكل . الثالث : أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان ، وهما زنتا ، وزعورا ، وإطلاق لفظ
البنات على البنتين لا يجوز لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة ، فأما القائلون بالقول الأول فقد اتفقوا
على أنه عليه السلام ما دعا القوم الى الزنا بالنسوان بل المراد أنه دعاهم الى التزوج بهن ، وفيه
قولان : أحدهما : أنه دعاهم إلى التزوج بهن بشرط ان يقدموا الايمان . والثاني : أنه كان
يجوز تزويج المؤمنة من الكافر في شريعة ، وهكذا كان في أول الاسلام بدليل أنه عليه السلام
زوج ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع وكان مشركا وزوج ابنته من عتبة بن أبي لهب . ثم
نسخ ذلك بقوله ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) وبقوله ( ولا تنحكوا المشركين حتى
يؤمنوا ) واختلفوا ايضاً ، فقال الأكثرون : كان له بنتان ، وعلى هذا التقدير ذكر الاثنتين بلفظ
الجمع ، كما في قوله فان كان له اخوة (فقد صغت قلوبكما) وقيل: إنهن كن أكثر من الإِثنتين.
أما قوله تعالى ﴿ هن أطهر لكم ﴾ ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ ظاهر قوله ( هن أطهر لكم) يقتضي كون العمل الذي يطلبونه
طاهراً ومعلوم أنه فاسد ولأنه لا طهارة في نكاح الرجل ، بل هذا جار مجرى قولنا : الله أكبر ،
والمراد أنه كبير ولقوله تعالى ( أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم) ولا خير فيها ولما قال أبو
سفيان: اعل أحد او اعل هبل قال النبي ((الله أعلى وأجل)) ولا مقاربة بين الله وبين الصنم.
﴿ المسألة الثانية ) روى عن عبد الملك بن مروان والحسن وعيسى بن عمر أنهم قرؤا
( هن أطهر لكم ) بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله تعالى ( وهذا بعلي شيخا) الا أن أكثر
النحويين اتفقوا على أنه خطأ قالوا لو قرىء ( هؤلاء بناتي هن أطهر ) كان هذا نظير قوله
(وهذا بعلي شيخاً) إلا أن كلمة ((هن)) قد وقعت في البين وذلك يمنع من جعل أطهر حالا
وطولوا فيه . ثم قال ( فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو ونافع ولا تخزوني باثبات الياء على الأصل ، والباقون
بحذفها للتخفيف ودلالة الكسر عليه .
المسألة الثانية) في لفظ ( لا تخزوني) وجهان: الأول: قال ابن عباس رضى الله

٣٥
الثاني عشر قوله تعالى ((قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق)) سورة هود
عنهما : لا تفضحوني في أضيافي ، يريد أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته
الفضيحة . والثاني : لا تخزوني في ضيفي أي لا تخجلوني فيهم ، لأن مضيف الضيف يلزمه
الخجالة من كل فعل قبيح يوصل إلى الضيف يقال : خزى الرجل إذا استحيا .
المسألة الثالثة ﴾ الضيف ههنا قائم مقام الأضياف ، كما قام الطفل مقام الأطفال . في
قوله تعالى ( أو الطفل الذين لم يظهروا) ويجوز أن يكون الضيف مصدراً فيستغني عن جمعه
كما يقال : رجال صوم . ثم قال (أليس منكم رجل رشيد) وفيه قولان : الأول : ( رشيد)
بمعنى مرشد أي يقول الحق ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي . والثاني : رشيد بمعنى مرشد ،
والمعنى : أليس فيكم رجل أرشده الله تعالى إلى الصلاح. وأسعده بالسداد والرشاد حتى
يمنع عن هذا العمل القبيح ، والأول أولى .
ثم قال تعالى ﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ وفيه وجوه: الأول : مالنا في
بناتك من حاجة ولا شهوة ، والتقدير أن من احتاج الى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ،
فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة . الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره
فنقول : معناه إنهن لسن لنا بأزواج ولا حق لنا فيهن البتة . ولا يميل أيضاً طبعنا اليهن فكيف
قيامهن مقام العمل الذي نريده وهو اشارة الى العمل الخبيث . الثالث ( ما لنا في بناتك من
حق ) لأنك دعوتنا الى نكاحهن بشرط الايمان ونحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا فيهن
حق . ثم انه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال (لو أن لي بكم قوة أو آوى الى
ركن شديد) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى ﴾ جواب ((لو)) محذوف لدلالة الكلام عليه والتقدير: لمنعتكم ولبالغت
في دفعكم ونظيره قوله تعالى ( ولو أن قرآنا سیرت به الجبال ) وقوله ( ولو ترى اذ وقفوا على
النار ) قال الواحدي وحذف الجواب ههنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع .
المسألة الثانية﴾ ( لو أن لي بكم قوة) أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم وتسمية
موجب القوة بالقوة جائز قال الله تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل )
والمراد السلاح ، وقال آخرون القدرة على دفعهم ، وقوله ( أو آوى إلى ركن شديد) المراد منه
الموضع الحصين المنيع تشبيها له بالركن الشديد من الجبل ،
فان قيل : ما الوجه ههنا في عطف الفعل على الاسم ؟
قلنا : قال صاحب الكشاف : قرىء ( أو آوى ) بالنصب باضمار أن ، كأنه قيل لو أن
لي بكم قوة أو آوياً .

٣٦
قوله تعالى (( قالوا يا لوط إنا رسل ربك )) سورة هود
الجزء
قَالُواْ يَشْلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ
مِنْكُمْ أَحَدَّ إِلَّ أَمْرَأَتَكَّ إِنَّهُ مُصِيُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّمَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُبْحُ
بِقَرِیپ
واعلم أن قوله ( لو أن لي بكم قوة أو آوی الی رکن شدید ) لا بد من حمل کل واحد من
هذين الكلامين على فائدة مستقلة ، وفيه وجوه: الأول : المراد بقوله ( لو أن لي بكم قوة ) كونه
بنفسه قادراً على الدفع وكونه متمكنا إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم ، والمراد
بقوله ( آوى إلى ركن شديد ) هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن
بحصن ليأمن من شرهم بواسطته . الثالث : أنه لما شاهد سفاهة القوم واقدامهم على سوء
الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع، ثم استدرك على نفسه وقال: بل الأولى أن آوى إلى
ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله تعالى ، وعلى هذا التقدير فقوله ( أو آوى الى ركن شديد )
كلام منفصل عما قبله ولا تعلق له به ، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم ، ولذلك
قال النبي عليه السلام (( رحم الله أخي لوطا كان يأوى إلى ركن شديد ))
قوله تعالى ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك فأسر بأهلك بقطع من الليل
ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك انه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح
بقريب ﴾
اعلم أن قوله تعالى مخبراً عن لوط عليه السلام أنه قال ( لو أن لي بكم قوة أو آوى إنى
ركن شديد ) يدل على أنه كان في غاية القلق والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما
يوجب الفضيحة في حق أضيافه ، فلما رأت الملائكة تلك الحالة بشروه بأنواع من البشارات :
أحدها: أنهم رسل الله !. وثانيها: أن الكفار لا يصلون إلى ما هموا به . وثالثها : أنه تعالى
يهلكهم . ورابعها : أنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب . وخامسها : إن ركنك شديد
وأنا ناصرك هو الله تعالى فحصل له هذه البشارات، وروى أن جبريل عليه السلام قال له إن
قومك لن يصلوا إليك فافتح الباب فدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم
فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، وذلك قوله تعالى
(ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم) ومعنى قوله (لن يصلوا إليك) أي بسوء ومكروه فإنا
نحول بينهم وبين ذلك . ثم قال (فأسر بأهلك) قرأ نافع وابن كثير (فاسر) موصولة والباقون
بقطع الألف وهما لغتان ، يقال سريت بالليل وأسريت وأنشد حسان :

٣٧
. الثاني عشر قوله تعالى ((إلا امرأتك إنها مصيبها ما أصابهم)) سورة هود
أسرت إليك ولم تكن تسرى
فجاء باللغتين فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله سبحانه وتعالى ( سبحان الذي أسرى
بعبده) ومن وصل فحجته قوله (والليل إذا يسر) والسرى السير في الليل . يقال : سرى يسري
إذا سار بالليل وأسرى بفلان اذا سير به بالليل ، والقطع من الليل بعضه وهو مثل القطعة ،
يريد اخرجوا ليلا لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح . قال نافع بن الأزرق لعبد الله
بن عباس رضى الله عنهما : أخبرني عن قول الله ( بقطع من الليل ) قال هو آخر الليل سحر ،
وقال قتاده : بعد طائفة من الليل ، وقال آخرون هو نصف الليل فانه في ذلك الوقت قطع
بنصفين .
ثم قال ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ نهى من معه عن الالتفات والالتفات نظر الانسان الى
ما وراءه، والظاهر أن المراد أنه كان لهم في البلدة أموال وأقمشة وأصدقاء ، فالملائكة أمر وهم
بأن يخرجوا ويتركوا تلك الأشياء ولا يلتفتوا اليها البتة ، وكان المراد منه قطع تعلق القلب عن
تلك الأشياء وقد يراد منه الانصراف أيضا ، كقوله تعالى ( قالوا أجئتنا لتلفتنا ) أي لتصرفنا ،
وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله ( ولا يلتفت منكم أحد ) النهي عن التخلف .
ثم قال ﴿ إلا امرأتك) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( الا امرأتك) بالرفع والباقون
بالنصب . قال الواحدي : من نصب وهو الاختيار فقد جعلها مستثناة من الأهل على معنى فأسر
بأهلك إلا امرأتك والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة عبد الله ( فأسر بأهلك إلا
امرأتك ) فأسقط قوله ( ولا يلتفت منكم أحد ) من هذا الموضع ، وأما الذين رفعوا فالتقدير
( ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك )
فان قيل : فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم
أحد إلا زيد كان ذلك أمرا لزيد بالقيام .
وأجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال : معنى ( إلا ) ههنا الاستثناء المنقطع على معنى ، لا
يلتفت منكم أحد ، لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم ، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً
كان التفاتها معصية ويتأكد ما ذكرنا بما روى عن قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من
القرية فلما سمعت هذا العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها .
واعلم أن القراءة بالرفع أقوى ، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن
على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطاً بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فانها

٣٨
قوله تعالى ((فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها )) سورة هود
الجزء
فَلَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا ◌ِجَارَةً مِّن ◌ِيْلٍ مَّنْضُودٍ
مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنِ الظَّالِينَ بِبَعِيدٍ
٨٣
هالكة مع الهالكين ، وأما القراءة بالنصب فانها أقوى من وجه آخر ، وذلك لأن مع القراءة
بالنصب يبقى الاستثناء متصلا ومع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعاً . ثم بين الله تعالى
أنهم قالوا : إنه مصيبها ما أصابهم . والمراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم . ثم قالوا
( إن موعدهم الصبح ) روى أنهم لما قالوا للوط عليه السلام ( إن موعدهم الصبحِ ) قال أريد
أعجل من ذلك بل الساعة فقالوا ( أليس الصبح بقريب ) قال المفسرون إن لوطاً عليه السلام
لما سمع هذا الكلام خرج بأهله في الليل .
قوله تعالى ﴿ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل
منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في الأمر وجهان : الأول: أن المراد من هذا الأمر ما هو ضد النهي
ويدل عليه وجوه : الأول أن لفظ حقيقة في هذا المعنى مجاز في غيره دفعاً للاشتراك . الثاني :
أن الأمر لا يمكن حمله ههنا على العذاب ، وذلك لأنه تعالى قال ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها
سافلها ) وهذا الجعل هو العذاب ، فدلت هذه الآية على أن هذا الأمر شرط والعذاب جزاء ،
والشرط غير الجزاء ، فهذا الأمر غير العذاب ، وكل من قال بذلك قال إنه هو الأمر الذي هو
ضد النهي . والثالث : أنه تعالى قال : قبل هذه الآية ( إنا أرسلنا الى قوم لوط) فدل على أنهم
كانوا مأمورين من عند الله تعالى بالذهاب الى قوم لوط وبايصال هذا العذاب إليهم .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر جمعاً من الملائكة بأن يخرجوا تلك المدائن في وقت
معين ، فلما جاء ذلك الوقت أقدموا على ذلك العلم ، فكان قوله ( فلما جاء أمرنا ) إشارة الى
ذلك التكليف .
فان قيل : لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن يقال : فلما جاء أمرنا جعلوا عاليها
سافلها ، لأن الفعل صدر عن ذلك المأمور .
قلنا : هذا لا يلزم على مذهبنا ، لأن فعل العبد فعل الله تعالى عندنا . وأيضا أن الذي
وقع منهم إنما وقع بامر الله تعالى وبقدرته، فلم يبعد إضافته إلى الله عز وجل لان الفعل كما
:

٣٩
الثاني عشر قوله تعالى ((وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل )) سورة هود
تحسن إضافته إلى المباشر، فقد تحسن أيضا إضافته الى السبب .
القول الثاني ﴾ أن يكون المراد من الأمر ههنا قوله تعالى ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه
أن نقول له كن فيكون ) وقد تقدم تفسير ذلك الأمر .
القول الثالث ﴾ أن يكون المراد من الأمر العذاب. وعلى هذا التقدير فيحتاج الى
الاضمار ، والمعنى : ولما جاء وقت عذابنا جعلنا عاليها سافلها،
﴿ المسألة الثانية ﴾ اعلم أن ذلك العذاب قد وصفه الله تعالى في هذه الآية بنوعين من
الوصف فالأول : قوله ( جعلنا عاليها سافلها ) روى أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه
الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير
ونباح الكلاب وصياح الديوك ، ولم تنكفىء لهم جرة ، ولم ينكب لهم إناء ، ثم قلبها دفعة
واحدة وضربها على الأرض .
واعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين : أحدهما : أن قلع الأرض
وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادات . والثاني : أن ضربها من ذلك البعد
البعيد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى المحيطة بها البتة ، ولم تصل الآفة إلى لوط
عليه السلام وأهله مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضا . الثاني : قوله
( وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ) واختلفوا في السجيل على وجوه : الأول : أنه فارسي
معرب وأصله سنككل وأنه شيء مركب من الحجر والطين بشرط أن يكون في غاية الصلابة ،
قال الأزهري : لما عربته العرب صار عربياً وقد عربت حروفاً كثيرة كالديباج والديوان
والاستبرق . والثاني : سجيل ، أي مثل السجل وهو الدلو العظيم . والثالث : سجيل ،
أي شديد من الحجارة . الرابع : مرسله عليهم من أسجلته إذا أرسلته وهو فعيل منه .
الخامس : من أسجلته ، أي أعطيته تقديره مثل العطية في الادرار ، وقيل : كان كتب عليها
أسامى المعذبين . السادس : وهو من السجل وهو الكتاب تقديره من مكتوب في الأزل أي
كتب الله أن يعذبهم بها ، والسجيل أخذ من السجل وهو الدلو العظيمة لأنه يتضمن أحكاماً
كثيرة ، وقيل : مأخوذ من المساجلة وهي المفاخرة . والسابع : من سجيل أي من جهنم أبدلت
النون لاما ، والثامن : من السماء الدنيا ، وتسمى سجيلا عن أبي زيد ، والتاسع : السجيل
الطين ، لقوله تعالى ( حجارة من طين ) وهو قول عكرمة وقتادة ، قال الحسن : كان أصل
الحجر هو من الطين ، إلا أنه صلب بمرور الزمان ، والعاشر: سجيل موضع الحجارة ، وهي
جبال مخصوصة ، ومنه قوله تعالى ( من جبال فيها من برد )

٤٠
قوله تعالى (( وإلى مدين أخاهم شعيبا )) سورة هود
الجزء
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَنْقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وَلَا تَنْقُصُواْ
الْمِكَلَ وَالْمِيزَانَ إِّ أَرَنْكُم بِخَيْرٍ وَ إِّ أَخَفُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْرٍ مُحِيطِ (
١٤
واعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات :
فالصفة الأولى ﴾ كونها من سجيل ، وقد سبق ذكره .
الصفة الثانية ﴾ قوله تعالى (منضود) قال الواحدي : هو مفعول من النضد ، وهو
موضع الشيء بعضه على بعض ، وفيه وجوه : الأول : أن تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض
في النزول فأتى به على سبيل المبالغة . والثاني : أن كل حجر فان ما فيه من الأجزاء منضود
بعضها ببعض ، وملتصق بعضها ببعض . والثالث : أنه تعالى كان قد خلقها في معادنها ونضدد
بعضها فوق بعض ، وأعدها لا هلاك الظلمة .
واعلم أن قوله ( منضود ) صفة للسجيل .
﴿ الصفة الثالثة ) مسومة ، وهذه الصفة صفة للأحجار ومعناها المعلمة ، وقد مضى
الكلام فيه في تفسير قوله ( والخيل المسومة ) واختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه :
الأول : قال الحسن والسدى : كان عليها أمثال الخواتيم . الثاني : قال ابن صالح : رأيت
منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع . الثالث : قال ابن جريج : كان
عليها سيما لا تشارك حجارة الأرض ، وتدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب . الرابع : قال
الربيع : مکتوب علی کل حجر اسم من رمی به .
ثم قال تعالى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو .
ثم قال ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ يعني به كفارمكة، والمقصود أنه تعالى يرميهم
بها. عن أنس أنه قال: سأل رسول الله و لو جبريل عليه السلام عن هذا فقال. يعني عن
ظالمي أمتك ، ما من ظالم منهم إلا هو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة .
وقيل : الضمير في قوله ( وما هي ) للقرى . أي وما تلك القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة
من كفار مكة ببعيد ، وذلك لأن القرى كانت في الشام ، وهي قريب من مكة .
قوله تعالى ﴿ و إلی مدین أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا
تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط .