النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفْسِيْرَ الفَُخْرِ الزَّزى
الشَِّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَمَفَعِالغَيب
للإمَام محمَّالَّزى محمر الدّين إبن العلامة ضياءالدين عمر
الشَّهِ بخطيب الرّى نَفَعَ اللّهباليمين
٥٤٤ __ ٩٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الجُزْءُ الثّامِن عَشْرُ
دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع: لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور
هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي

٣
الثاني عشر قوله تعالى ((ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي )) سورة هود
١٠
وَنَادَى نُوحُ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبٍ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِ وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَرُ الْخَلِكِينَ
قَالَ يَنْنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُّ غَيْرُ صَِحٍ فَلَا نَسْعَلْنِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ،
٤٥
عِمَّ إِنِ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴾ قَالَ رَبِّ إِىِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ
مَا لَيْسَ لِ بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْفِىَ أَكُن مِّنَ اَلْخَسِرِينَ (َّ)
قوله تعالى ﴿ ونادی نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم
الحاکمین قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني
أعظك أن تکون من الجاهلین قال رب إني أعوذ بك أن اسالك ما لیس لي به علم وإلا تغفر لي
وترحمني أكن من الخاسرين﴾
وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ فقد ذكرنا الخلاف في أنه
هل کان ابنا له أم لا فلا نعيده . ثم إنه تعالى ذكر أنه قال ﴿ يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾
واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابنا له وجب حمل قوله ﴿إنه ليس من أهلك ﴾ على أحد
وجهين : أحدهما : أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك . والثاني : المراد أنه ليس من
أهلك الذين وعدتك أن انجيهم معك والقولان متقاربان .
المسألة الثانية ﴾ هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فان في
هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه . ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم
نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾
ثم قال تعالى ﴿ انه عمل غير صالح ﴾ قرأ الكسائي: عمل على صيغة الفعل الماضي ،
وغير بالنصب ، والمعنى : أن ابنك عمل عملا غير صالح يعني أشرك وكذب ، وكلمة
﴿غير﴾ نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، وقرأ الباقون: عمل بالرفع والتنوين ، وفية
وجهان : الأول : أن الضمير في قوله إنه عائد الى السؤال ، يعني أن هذا السؤال عمل وهو

٤
قوله تعالى ((فلا تسألن ما ليس لك به علم )) سورة هود
الجزء
قوله ﴿ ان ابني من أهلي وإن وعدك الحق ﴾ غير صالح، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق
الحكم، الجزم بأنه لا ينجي أحدا منهم سؤال باطل. الثاني: أن يكون هذا الضمير عائدا الى
الابن، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملا غير صالح وجوه: الأول: أن الرجل اذا كثر
عمله وإحسانه يقال له: إنه علم وكرم وجود، فكذا ههنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال
الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل. الثاني: أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل،
فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. الثالث: قال بعضهم معنى قوله ﴿إنه عمل غيرصالح﴾ أي
انه ولد زنا وهذا القول باطل قطعا .
ثم انه تعالى قال لنوح عليه السلام ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون
من الجاهلين ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام من
وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن قراءة عمل بالرفع والتنوين قراءة متواترة فهي محكمة ، وهذا
يقتضي عود الضمير في قوله ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ إما الى ابن نوح وإما الى ذلك السؤال ،
فالقول بأنه عائد الى ابن نوح لا يتم إلا باضمار وهو خلاف الظاهر . ولا يجوز المصير إليه الا
عند الضرورة ولا ضرورة ههنا ، لأنا إذا حكمنا بعود الضمير الى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن
هذا الضمير ، فثبت أن هذا الضمير عائد الى هذا السؤال ، فكان التقدير أن هذا السؤال
عمل غير صالح ، أي قولك : إن ابني من أهلي لطلب نجاته عمل غير صالح ، وذلك يدل
على ان هذا السؤال كان ذنبا ومعصية .
﴿ الوجه الثاني﴾ أن قوله ﴿ فلا تسألن﴾ نهي له عن السؤال، والمذكور السابق هو
قوله (إن ابني من أهلي) فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنبا
ومعصية
الوجه الثالث ﴾ أن قوله ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم ﴾ يدل على أن ذلك
السؤال كان قد صدر لا عن العلم ، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى ﴿وأن تقولوا على الله
ما لا تعلمون ﴾
الوجه الرابع﴾ أن قوله تعالى ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ يدل على أن
ذلك السؤال كان محض الجهل . وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر ، وأيضا جعل الجهل
.

الثاني عشر قوله تعالى ((إني أعظك أن تكون من الجاهلين)) سورة هود
كناية عن الذنب مشهور في القرآن ، قال تعالى ﴿يعملون السوء بجهالة ﴾ وقالتعالیحکایةعن
موسى عليه السلام ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾
﴿ الوجه الخامس﴾ أن نوحا عليه السلام اعترف باقدامه على الذنب والمعصية في هذا
المقام فانه قال ﴿ إني اعوذ بك ان اسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من
الخاسرين ﴾ واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنبا.
الوجه السادس ﴾ في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على ان نوحا نادى ربه
لطلب تخليص ولده من الغرق ، والآية المتقدمة وهي قوله ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ وقال ﴿يا بنى
اركب معناً ﴾ تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة. فنقول: إما أن يقال إن طلب
هذا المعنى من الله كان سابقا على طلبه من الولد أو كان بالعكس ، والأول باطل . لأن بتقدير
أن يكون طلب هذا المعنى من الله تعالى سابقا على طلبه من الابن لكان قد سمع من اللّه أنه
تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق ، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب ، وبعد هذا كيف قال
له ﴿ يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ وأما إن قلنا : إن هذا الطلب من الابن كان
متقدما فكان قد سمع من الابن قوله ﴿ سآوي الى جبل يعصمني من الماء ﴾ وظهر بذلك
كفره ، فكيف طلب من الله تخليصه ، وأيضا أنه تعالى أخبر أن نوحا لما طلب ذلك منه وامتنع
هو صار من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين ، فهذه
الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام .
واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام من
المعاصي ، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل ، وحسنات الأبرار
سيئات المقربين ، فلهذا السبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار ، ولا يدل على سابقة
الذنب كما قال ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً مسبح
بحمد ربك واستغفره﴾ ومعلوم ان مجبىء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا
ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وليس
جميعهم مذنبين ، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك الافضل .
المسألة الثانية﴾ قرأ نافع برواية ورش وإسمعيل بتشديد النون وإثبات الياء
﴿ تسألني ﴾ وقرأ ابن عامر ونافع برواية قالون بتشديد النون وكسرها من غير إثبات الياء ، و
قرأ أبو عمرو بتخفيف النون وكسرها وحذف الياء ﴿ تسألن ﴾ أما التشديد فللتأكيد وأما إثبات
الياء فعلى الأصل ، وأما ترك التشديد والحذف فللتخفيف من غير إخلال .
واعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك السؤال حكى عنه أنه قال ﴿رب إني أعوذ بك أن

٦
قوله تعالى (( قال رب إني أعوذ بك أن اسألك ما ليس لي به علم)) سورة هود الجزء
أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ﴾ والمعنى أنه تعالى لما قال له
فلا تسألن ما ليس لك به علم ﴾ فقال عند ذلك قبلت يا رب هذا التكليف ، ولا أعود اليه
إلا أني لا اقدر على الاحتراز منه الا باعانتك وهدايتك ، فلهذا بدأ أولا بقوله ﴿ إني أعوذ
بك ﴾
واعلم أن قوله ﴿ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ﴾ إخبار عما في المستقبل ،
أي لا أعود إلى هذا العمل ، ثم اشتغل بالاعتذار عما مضى ، فقال ﴿ وإلا تغفر لي وترحمني
أكن من الخاسرين ﴾ وحقيقة التوبة تقتضي أمرين: أحدهما : في المستقبل ، وهو العزم
على الترك واليه الاشارة بقوله ( إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم ﴾ والثاني: في
الماضي وهو الندم على ما مضى واليه الاشارة بقوله ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أکن من الخاسرين ﴾
ونختم هذا الكلام بالبحث عن الزلة التي صدرت عن نوح عليه السلام في هذا المقام .
فنقول : إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره . ومؤمن يعلم إيمانه .
وجمع من المنافقين ، وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة . وحكم الكافرين هو الغرق ، وكان
ذلك معلوما ، وأما أهل النفاق فبقي حکمھم مخفيا . وکان ابن نوح منهم وکان يجوز فيه كونه
مؤمنا ، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله
وأفعاله . لا على كونه كافرا ، بل على الوجوه الصحيحة ، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه
أن يدخل السفينة فقال ﴿ ساوى الى جبل يعصمني من الماء ﴾ وذلك لا يدل على كفره لجواز أن
يكون قد ظن أن الصعود على الجبل يجري مجرى الركوب في السفينة في أنه يصونه عن الغرق ،
وقول نوح ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ لا يدل على أنه عليه السلام كان يقرر
عند ابنه أنه لا ينفعه إلا الايمان والعمل الصالح، وهذا أيضا لا يدل على أنه علم من ابنه أنه
كان كافرا فعند هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن، فطلب من الله تعالى
تخليصه بطريق من الطرق . إما بأن يمكنه من الدخول السفينة ، وإما أن يحفظه على قمة
جبل ، فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه منافق وأنه ليس من أهل دينه ، فالزلة الصادرة عن نوح
عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره ، بل اجتهد في ذلك وكان
يظن أنه مؤمن ، مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد ، لأنه كان كافرا فلم يصدر عنه إلا الخطأ في
هذا الاجتهاد ، كما قررنا ذلك في ان آدم عليه السلام لم تصدر عنه تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في
الاجتهاد ، فثبت بما ذكرنا ان الصادر عن نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر وإنما هو من
باب الخطأ في الاجتهاد . والله أعلم .

٧
قوله تعالى ((قيل يا نوح اهبط بسلام منا)) سورة هود
الثاني عشر
قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلٍَ مِنَّا وَبَرَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَ أَمٍَ مِمَّن مَّعَكَّ وَأَتَّ سُمَتِّعُهُمْ
ثُمَ يَسْهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
قوله تعالى ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم
سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودى ، فهناك قد
خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة ، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله
﴿ اهبط﴾ يحتمل أن يكون أمرا بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل. وأن يكون أمرا
بالهبوط من من الجبل الى الأرض المستوية .
﴿ المسألة الثانية ) أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولا ، ثم بالبركة ثانيا ، أما
الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحا عليه
السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ﴾
وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو
قوله ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴾ فكان نوح عليه
السلام محتاجا إلى ان بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له ﴿ يا نوح اهبط
بسلام منا ﴾ حصل له الأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين . والثاني: أن ذلك الغرق لما كان
عاما في جميع الأرض فعندما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما
ينتفع به من النبات والحيوان ، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات
عن نفسه من المأكول والمشروب ، فلما قال الله تعالى ﴿اهبط بسلام منا ﴾ زال عنه ذلك
الخوف ، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة
الرزق ، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة وهي عبارة عن الدوام والبقاء ،
والثبات ، ونيل الأمل ، ومنه بروك الابل ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها ، ومنه تبارك وتعالى ،
أي ثبت تعظيمه ، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء .
فالقول الأول ﴾ أنه تعالى صير نوحاً أبا البشر، لأن جميع من بقي كانوا من نسله
وعند هذا قال هذا القائل : إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من

٨
قوله تعالى « وبركات علیك وعلی امم تمن معك )) سوره هود
الجزء
ذريته ولم يحصل النسل إلا من ذريته ، فالخلق كلهم من نسله وذريته ، وقال آخرون : لم
يكن في سفينة نوح عليه السلام إلا من كان من نسله وذريته ، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما
تولدوا منه ومن أولاده، والدليل عليه قوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين ) فثبت أن نوحاً عليه
السلام كان آدم الأصغر، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها .
﴿ القول الثاني﴾ أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات، وعده بأن موجبات
السلامة ، والراحة والفراغة يكون في التزايد والثبات والاستقرار ، ثم إنه تعالى لما شرفه
بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال ( وعلى أمم ممن معك ) واختلفوا
في المراد منه على ثلاثة أقوال : منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوامعه وجعلهم أيماً
وجماعات ، لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلا هم ، فلهذا السبب
جعلهم أيماً ، ومنهم من قال : بل المراد ممن معك نسلا وتولداً قالوا ؛ ودليل ذلك أنه ما كان
معه إلا الذين آمنوا وقد حكم الله تعالى عليهم بالقلة في قوله تعالى (وما آمن معه إلا قليل ) ومنهم
من قال : المراد من ذلك مجموع الحاضرين مع الذين سيولدون بعد ذلك ، والمختار هو القول
الثاني ( ومن ) في قوله ( ممن معك ) لأبتداء الغاية ، والمعنى : وعلى أمم ناشئة من الذين
معك .
واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين : أحدهما : الذين
عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته اليهم وهم أهل الإيمان. والثاني: أمم وصفهم
بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم عذاب أليم، فحكم تعالى بأن الأمم
الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه السلام لا بد وان ينقسموا إلى مؤمن، والى كافر، قال
المفسرون : دخل في تلك السلامة كل مؤمن وكل مؤمنة الى يوم القيامة، ودخل في ذلك المتاع
وفي ذلك العذاب كل كافر وكافرة الى يوم القيامة، ثم قال أهل التحقيق: إنه تعالى إنما عظم
شأن نوح بايصال السلامة والبركات منه اليه، لأنه قال (بسلام منا) وهذا يدل على أن
الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث أنها نعمة. ولكنهم انما يفرحون بالنعمة من حيث أنها
من الحق، وفي التحقيق يكون فرحهم بالحق وطلبهم للحق وتوجههم الى الحق، وهذا مقام
شريف لا يعرفه الاخواص الله تعالى، فان الفرح بالسلامة وبالبركة من حيث هما سلامة وبركة
غير، والفرح بالسلامة والبركة من حيث أنهما من الحق غير، والأول: نصيب عامة الخلق،
والثاني: نصيب المقربين، ولهذا السبب قال بعضهم: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني،
ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاص لجة الوصول، وأما أهل العقاب فقد قال
في شرح أحوالهم (وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيباً

٩
الثاني عشر قوله تعالى ((تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك)) سورة هود
تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَهذَا
فَأَصْبِرْ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (
من متاع الدنيا فدل ذلك على خساسة الدنيا، فانه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر البتة أنه
يعطيهم الدنيا أم لا. ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا، وهذا تنبيه عظيم على
خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات الروحانية .
قوله تعالى ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل
هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين
واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال ( تلك ) أي تلك
الآيات التي ذكرناها ، وتلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب ، أي من الأخبار التي
كانت غائبة عن الخلق فقوله ( تلك ) في محل الرفع على الابتداء ، و( من أنباء الغيب ) الخبر و
( نوحيها إليك ) خبر ثان وما بعده أيضا خبر ثالث .
ثم قال تعالى ﴿ ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ﴾ والمعنى : أنك ما كنت تعرف هذه
القصة ، بل قومك ما كانوا يعرفونها أيضاً ، ونظيره أن نقول لانسان لا تعرف هذه المسألة لا
أنت ولا أهل بلدك :
فان قيل ؛ أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم ؟
قلنا : تلك القصة بحسب الاجمال كانت مشهورة ، أما التفاصيل المذكورة فما كانت
معلومة
ثم قال ﴿ فاصبر إن العاقبة للمتقين) والمعنى : يا محمد اصبر أنت وقومك على أذى
هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار ، وفيه تنبيه على أن الصبر عاقبته
النصر والظفر والفرح والسرور كما كان لنوح عليه السلام ولقومه .
فإن قال قائل : إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس إنه أعادها ههنا مرة أخرى ،
فما الفائدة في هذا التكرير ؟
قلنا : إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه : ففي السورة الأولى كان الكفار
يستعجلون نزول العذاب ، فذكر تعالى قصة نوح في بیان أن قومه کانوا یکذبونه بسبب أن
٢٠

١٠
قوله تعالى (( والى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله )) سورة هود
الجزء
وَإَِ عَدٍ أَخَهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهٍُ إِنْ أَنتُمْ إلَّا
مُفْتَرُونَ (٢) يَنْقَوْمِ لَآ أَسْعَلُكُمْ عَلَيْهِ أَبْرًا إِنْ أَبْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَبِ أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ
٥١
العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر . فكذا في واقعة محمد ملة ، وفي هذه السورة ذكر هذه
القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الايحاش . فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام
الكفار على الايذاء ، والايجاش كان حاصلا في زمان نوح ، إلا أنه عليه السلام لما صبر نال
الفتح والظفر ، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود ، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل
سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خاليا عن الفائدة .
قوله تعالى ﴿و إلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا
مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجرى إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون﴾
اعلم أن هذا هو القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ،
واعلم أن هذا معطوف على قوله ( ولقد أرسلنا نوحا) والتقدير : ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم
هودا وقوله ( هوداً ) عطف بيان .
واعلم أنه تعالى وصف هوداً بأنه أخوهم . ومعلوم أن تلك الاخوة ما كانت في الدين ،
وإنما كانت في النسب ، لأن هوداً كان رجلا من قبيلة عاد ، وهذه القبيلة كانت قبيلة من العرب
وكانوا بناحية اليمن ، ونظيره ما يقال للرجل يا أخا تميم ويا أخا سليم ، والمراد رجل منهم .
فان قيل : إنه تعالى ، قال : في ابن نوح ( إنه ليس من أهلك ) فبين أن قرابة النسب لا
تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين ، وههنا أثبت هذه الاخوة مع الاختلاف في الدين ، فما الفرق
بينهما ؟
قلنا: المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد ◌ً ا ، لأن قومه كانوا يستبعدون في محمد مع
أنه واحد من قبيلتهم أن يكون رسولا اليهم من عند الله ، فذكر الله تعالى أن هوداً كان واحداً
من عاد . وأن صالحا كان واحداً من ثمود لازالة هذا الاستبعاد .
واعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام ، أنه دعا قومه إلى أنواع من التكاليف .
﴿ فالنوع الأول ﴾ أنه دعاهم إلى التوحيد ، فقال ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره إن أنتم إلا مفترون ) وفيه سؤال وهو أنه كيف دعاهم إلى عبادة الله تعالى قبل أن أقام
الدلالة على ثبوت الاله تعالى ؟

١١
قوله تعالى ((ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه)) سورة هود
الثاني عشر
وَيَدَقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ فُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَيْكُ مِدْرَارًا وَزِدْكُرْ قُوَّةً
إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَتَوَلَّوْأْ مُجْرِمِينَ (
٥٢
قلنا : دلائل وجود الله تعالى ظاهرة ، وهي دلائل الآفاق والأنفس . وقلما توجد في الدنيا
طائفة ينكرون وجود الاله تعالى ، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار ( ولئن سألتهم من خلق
السموات والأرض ليقولن الله )
قال منصف هذا الكتاب : محمد بن عمر الرازي رحمه الله وختم له بالحسن ، دخلت
بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الاله ، وأكثر بلاد الترك أيضاً
كذلك ، وإنما الشأن في عبادة الأوثان ، فانها آفة عمت أكثر أطراف الأرض . وهكذا الأمر كان
في الزمان القديم ، أعني زمان نوح وصالح عليهم السلام ، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله
وسلامه عليهم ، كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام ، فكان قول ( اعبدوا الله ) معناه لا تعبدوا
غير الله . والدليل عليه أنه قال عقيبة ( ما لكم من إله غيره ) وذلك يدل على أن المقصود من
هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام .
وأما قوله ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ فقرىء ( غيره) بالرفع صفة على محل الجار
والمجرور ، وقرىء بالجر صفة على اللفظ .
ثم قال ﴿ إن أنتم الا مفترون ﴾ يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام تحسن
عبادتها ، أو في قولكم إنها تستحق العبادة ، وكيف لا يكون هذا كذبا وافتراء وهي جمادات لا
حس لها ولا ادراك ، والانسان هو الذي ركبها وصورها فكيف يليق بالانسان الذي صنعها أن
يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب تعظيما لها ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما أرشدهم الى
التوحيد ومنعهم عن عبادة الأوثان قال و( يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجرى الا على الذي
فطرني ) وهو عين ما ذكره نوح عليه السلام ، وذلك لأن الدعوة الى الله تعالى اذا كانت مطهرة
عن دنس الطمع ، قوى تأثيرها في القلب .
ثم قال ﴿ افلا تعقلون ﴾ يعني أفلا تعقلون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام ،
وذلك لأن العلم بصحة هذا المنع ، كأنه مركوز في بدائه العقول .
قوله تعالى ﴿ويا قوم استغفر وا ربكم ثم توبوا اليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم
قوة الی قوتکم ولا تتولوا مجرمين

١٢
قوله تعالى (( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا اليه )) سورة هود
الجزء
اعلم ان هذا هو النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام لقومه، وذلك
لأنه في المقام الأول دعاهم إلى التوحيد، وفي هذا المقام دعاهم إلى الاستغفار ثم إلى التوبة،
والفرق بينهما قد تقدم في أول هذه السورة. قال أبو بكر الأصم: استغفروا، أي سلوه أن
يغفر لكم ما تقدم من شرككم ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى . وبالعزم على أن لا تعودوا
إلى مثله، ثم إنه عليه السلام قال (( إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر النعم عندكم
ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم)) وهذا غاية ما يراد من السعادات ، فان النعم إن لم تكن
حاصلة تعذر الانتفاع وإن كانت حاصلة ، إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل
المقصود أيضا ، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها ، فههنا تحصل
غاية السعادة والبهجة فقوله تعالى ( يرسل السماء عليكم مدرارا ) إشارة الى تكثير النعم لأن
مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة ، وقوله ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) إشارة الى كمال حال
القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة ، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة
بتحصيل السعادات . وأن الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل ، ويجب على العاقل أن يتأمل
في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية ، وأما المفسرون فانهم
قالوا القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال : أحدهما : أن بساتينهم ومزارعهم
كانت في غاية الطيب والبهجة ، والدليل عليه قوله ( إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في
البلاد) والثاني : أنهم كانوا في غاية القوة والبطش ولذلك قالوا : من أشد منا قوة ، ولما كان
القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين وعدهم هود عليه السلام ، أنهم لو تركوا عبادة
الاصنام واشتغلوا بالاستغفار والتوبة فان الله تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم
فيها درجات كثيرة ، ونقل أيضا أن الله تعالى لما بعث هوداً عليه السلام إليهم وكذبوه وحبس الله
عنهم المطر سنين وأعقم أرحام نسائهم فقال لهم هود: إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم
المال والولد ، فذلك قوله (يرسل السماء عليكم مدراراً) والمدرار الكثير الدر وهو من أبنية
المبالغة وقوله (ويزدكم قوة إلى قوتكم) ففسروا هذه القوة بالمال والولد، والشدة في الأعضاء، لأن
كل ذلك مما يتقوى به الانسان .
فان قيل : حاصل الكلام هو أن هوداً عليه السلام قال: لو اشتغلتم بعبادة الله تعالى
لانفتحت عليكم ابواب الخيرات الدنيوية ، وليس الأمر كذلك ، لأنه عليه الصلاة والسلام
قال (( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل)) فكيف الجمع بينهما ، وأيضاً فقد

١٣
قوله تعالى ((قالوا يا هود ما جئتنا ببينة)) سورة هود
الثاني عشر
قَالُواْ يَشْهُودُ مَا جِئْتَنَا بِيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىّ ءَالَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بُؤْمِنِينَ
إِن تَقُولُ إِلَّا أَعْرَئِكَ بَعْضُءَ الِهِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِّ أَشْهِدُ اللّه وَأَشْهَدُواْ أَنِىِ بَرِىُّ
بِمَّ تُشْرِكُونَ (٤) مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِى جِيعًا ثُمَّلَا تُنِظِرُونِ (﴿ إِ تَوَثَلْتُ عَلَى
اَِّ رَبِىِ وَرَبِّكُمْ مَّامِنِ دَآَّةٍ إِلَّ هُوَ ءَاٌِ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍه
جرت عادة القرآن بالترغيب في الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية والأخروية عليها ،
فأما الترغيب في الطاعات ، لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها ، فذلك لا يليق بالقرآن بل
هو طريق مذكور في التوراة .
الجواب : أنه لما أكثر الترغيب في السعادات الأخروية لم يبعد الترغيب أيضاً في خير
الدنيا بقدر الكفاية .
وأما قوله ﴿ ولا تتولوا مجرمين) فمعناه: لا تعرضوا عني وعما أدعوكم اليه وأرغبكم
فيه مجرمين أي مصرين على إجرامكم وآثامكم .
قوله تعالى ﴿ قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك
بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني اشهد الله واشهدوا أني برىء مما
تشركون من دونه فکیدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا
هو آخذ بنا صيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾
اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم ، حكى أيضاً ما ذكره القوم
له وهو أشياء : أولها : قولهم ( ما جئتنا ببينة ) أي بحجة ، والبينة سميت بينة لأنها تبين الحق
من الباطل ، ومن المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم
أنكروها ، وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات . وثانيها : قولهم ( وما نحن بتاركي آلهتنا
عن قولك ) وهذا أيضاً ركيك ، لأنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى وأن
الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها
وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل وبديهة النفس . وثالثها : قوله
:

١٤
قوله تعالى ((إن ربي على صراط مستقيم )) سورة هود
الجزء
( وما نحن لك بمؤمنين ) وهذا يدل على الأصرار والتقليد والجحود . ورابعها : قولهم ( إن
نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) يقال : اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه . والمعنى : أنك
شتمت آلهتنا فجعلتك مجنوناً وأفسدت عقلك ، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود
عليه السلام ( أني أشهد الله واشهدوا أني برىء مما تشركون من دونه ) وهو ظاهر .
ثم قال ﴿ فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ﴾ وهذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه
( فاجمعوا أمركم وشركاءكم ) إلى قوله ( ولا تنظرون )
واعلم أن هذا معجزة قاهرة ، وذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم وقال
لهم : بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجلون فانا لا يقول هذا الا اذا كان واثقاً من
عند الله تعالى بأنه يحفظه ويصونه عن كمد الأعداء .
ثم قال ﴿ ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها﴾ قال الأزهري : الناصية عند العرب
منبت الشعر في مقدم الرأس . ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته .
واعلم أن العرب اذا وصفوا انساناً بالذلة والخضوع . قالوا : ما ناصية فلان الا بيد
فلان ، أي أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته ، وكانوا إذا أسروا الأسير
فأرادوا اطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره . فخوطبوا في القرآن بما
يعرفون فقوله ( ما من دابة الا هو آخذ بنا صيتها) أي ما من حيوان الا وهو تحت قهره وقدرته ،
ومنقاد لقضائه وقدره .
ثم قال ﴿ إن ربي على صراط مستقيم) وفيه وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال ( ما من
دابة الا هو آخذ بنا صيتها ) أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله ( إن ربي على صراط
مستقيم ) أي أنه وإن كان قادراً عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم الا ما هو الحق والعدل
والصواب ، قالت المعتزلة قوله ( ما من دابة الا هو آخذ بنا صيتها ) يدل على التوحيد وقول
( إن ربي على صراط مستقيم ) يدل على العدل ، فثبت أن الدين انما يتم بالتوحيد والعدل .
الثاني : أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله ( إن ربي على صراط مستقيم )
يعني أنه لا يخفى عليه مستتر ، ولا يفوته هارب ، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق
الذي لا يكون لأحد مسلك الا عليه ، كما قال ( إن ربك لبالمرصاد ) الثالث : ان يكون المراد
( إن ربي ) يدل على الصراط المستقيم ، أي يحث ، أو يحملكم بالدعاء اليه .
ثم قال ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن
انا منجوك وأهلك الا امرأتك﴾ فبان بهذا أن مجادلة إبراهيم عليه السلام، انما كانت في قوم

١٥
الثاني عشر قوله تعالى (( فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم)) سورة هود
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ
وَلَا تَضُرُ ونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِظٌ (﴾ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَّيْنَا هُودَا
وَتِلْكَ عَدُ ◌َدُواْ
وَالَّذِينَ ءَ امَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَجَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيِظِ (٨)
وَأَتْبِعُواْ فِى هَذِهِ
وِعَايَتِ رَبِهِمْ وَعَصَوْاْ رَسُلَهُ, وَأَتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَّمَةِ أَلَا إِنَّ ◌َدًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَ بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمٍ مُرِدِـ
قوله تعالى ﴿ فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به اليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا
تضرونه شيئاً إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾
اعلم أن قوله ( فان تولوا ) يعني فان تتولوا ثم فيه وجهان : الأول تقدير الكلام فان
تتولوا لم أعاتب على تقصير في الابلاغ وكنتم محجوجين كأنه يقول : أنتم الذين أصر رتم على
التكذيب . الثاني ( فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به اليكم )
ثم قال ﴿ ويستخلف ربي قوماً غيركم ﴾ يعني يخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم ،
وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال ولا تضرونه شيئاً ، يعني أن إهلاككم لايننص من
ملكه شيئاً .
ثم قال ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ وفيه ثلاثة أوجه : الأول : حفيظ لأعمال العباد
حتى يجازيهم عليها . الثاني : يحفظني من شركم ومكركم . الثالث : حفيظ على كل شيء
يحفظه من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء .
قوله تعالى ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب
غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه
الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عاداً كفروا ربهم ألا بعداً لعاد قوم هود﴾
اعلم أن قوله ( ولما جاء أمرنا ) أي عذابنا وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم ،
عذبهم الله بها سبع ليال وثمانية أيام ، تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على
الارض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية .

١٦
قوله تعالى ( وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله )) سورة هود
· الجزء
قان قيل : فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم ؟
قلنا : يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشدة قوتها ، فتخطف
الحيوان من الأرض ، ثم تضربه على الأرض ، فكل ذلك محتمل .
وأما قوله ﴿نجينا هودا ﴾ فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى الكافر معا ،
وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذابا على الكافر ، فأما العذاب النازل بمن يكذب
الأنبياء عليهم السلام فانه يجب في حكمة الله تعالى أن ينجي المؤمن منه ، ولولا ذلك لما عرف
كونه عذاباً على كفرهم ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا ( نجينا هودا والذين آمنوا معه )
واما قوله ((برحمة منا)) ففيه وجوه: الأول: أراد انه لا ينجوا أحد وإن اجتهد في الايمان
والعمل الصالح إلا برحمة من الله، المراد من الرحمة: ما هداهم اليه من الايمان بالله والعمل
الصالح. الثالث: أنه رحمهم في ذلك الوقت، وميزهم عن الكافرين في العقاب :
وأما قوله ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ فالمراد من النجاة الأولى : هي النجاة من
عذاب الدنيا ، والنجاة الثانية من عذاب القيامة ، وإنما وصفه بكونه غليظا ؟ تنبيها على أن
العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة الى العذاب الذي وقعوا فيه كان عذابا غليظا ،
والمراد من قوله تعالى ( ونجيناهم ) أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا
يقعون فيه .
واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد مر، فقال (وتلك عاد) فهو إشارة الى
قبورهم وآثارهم، كأنه تعالى قال: سيروا في الأرض فانظروا اليها واعتبروا. ثم إنه تعالى جمع
أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة، فأما أوصافهم فهي ثلاثة .
﴿ الصفة الأولى) قوله (جحدوا بآيات ربهم) والمراد: جحدوا دلالة المعجزات على
الصدق ، أو الجحد . ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم ، إن ثبت أنهم كانوا
زنادقة .
﴿ الصفة الثانية) قوله (وعصوا رسله) والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولا واحداً،
فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى ( لا نفرق بين أحد من رسله ) وقيل : لم يرسل اليهم إلا
هود عليه السلام .
الصفة الثالثة) قوله (واتبعوا أمر كل جبار عنيد ) والمعنى أن السفلة كانوا يقلدون

١٧
قوله تعالى ((وإلى ثمود أخاهم صالحاً )) سورة هود
الثاني عشر
وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَِعًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَمَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ, هُوَ أَنشَأْ ثُ
مِّنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَ كُمْ فِهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ فُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ غَرِيبٌ مُجِيبٌ
قَالُواأ ◌َصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا
٦١
وَإِنَّ لَفِي شَكِّ ◌ِمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾
الرؤساء في قولهم ( ما هذا إلا بشر مثلكم ) والمراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود
والمعاند ، وهو المنازع المعارض .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أوصافهم ذكر بعد ذلك أحوالهم فقال ( وأتبعوا في هذه الدنيالعنه
ويوم القيامة ) أي جعل اللعن رديفاً لهم ، ومتابعاً ومصاحباً في الدنيا وفي الآخرة ، ومعنى
اللعنة الابعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير .
ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال ﴿ ألا إن عاداً
كفروا ربهم﴾ قيل: أراد كفروا بربهم فحذف الباء ، وقيل : الكفر هو الجحد . فالتقدير:
ألا أن عاداً جحدوا ربهم . وقيل : هو من باب حذف المضاف أي كفروا نعمة ربهم ،
ثم قال ﴿ ألا بعداً لعاد قوم هود ﴾ وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ اللعن هو البعد، فلما قال (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم
القيامة ) فما الفائدة في قوله ( ألا بعداً لعاد)
والجواب : التكرير بعبارتين مختلفين يدل على غاية التأكيد .
السؤال الثاني ﴾ ما الفائدة في قوله ( لعاد قوم هود)
الجواب : كان عاد . عادين ، فالأولى : القديمة هم قوم هود ، والثانية : هم إرم ذات
العماد ، فذكر ذلك لازالة الاشتباه ، والثاني : أن المبالغة في التنصيص تدل على مزيد
التأکید .
قوله تعالى ﴿ و إلی ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو
أنشأکم من الأرض واستعمرکم فیھا فاستغفر وہ ثم توبوا الیه إن ربي قریب مجیب قالوا يا
صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا اليه
مريب ﴾

١٨
قوله تعالى )) فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب)) سورة هود
الجزء
اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة . وهي قصة صالح
مع ثمود . ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود ، الا أن ههنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في
تقريره دليلين :
الدليل الأول ﴾ قوله (هو أنشأكم من الأرض ) وفيه وجهان :
﴿ الوجه الأول﴾ أن الكل مخلوقون من صلب آدم، وهو كان مخلوقا من الأرض.
وأقول : هذا صحيح لكن فيه وجه آخر وهو أقرب منه ، وذلك لأن الانسان مخلوق من المنى
ومن دم الطمث ، والمنى إنما تولد من الدم ، فالانسان مخلوق من الدم ، والدم إنما تولد من
الأغذية ، وهذه الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والحيوانات حالها كحال الانسان ، فوجب
انتهاء الكل الى النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض ، فثبت أنه تعالى أنشأنا من
الأرض .
والوجه الثاني﴾ أن تكون كلمة (من) معناها في التقدير: أنشأكم في الأرض ،
وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه ، وأما تقرير أن
تولد الانسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مراراً كثيرة .
﴿ الدليل الثاني﴾ قوله ( واستعمركم فيها) وفيه ثلاثة أوجه : الأول : جعلكم
عمارها ، قالوا : كان ملوك فارس قدأ كثروا في حفر الأنهار وغرس الأشجار ، لا جرم حصلت
لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ، ما سبب تلك الأعمار ؟ فأوحى الله تعالى
اليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي ، وأخذ معاوية في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له
ما حملك عليه ، فقال : ما حملني عليه الا قول القائل :
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به
ولا یکون له في الأرض آثار
الثاني: أنه تعالى أطال أعماركم فيها واشتقاق (واستعمركم) من العمر مثل استبقاكم
من البقاء. والثالث: أنه مأخوذ من العمرى، أي جعلها لكم طول أعماركم فاذا متم انتقلت
الى غيركم .
واعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للانسان ، وكون الانسان قادراً عليها
دلالة عظيمة على وجود الصانع ، ويرجع حاصله الى ما ذكر الله تعالى في آية أخرى وهي قوله
( والذي قدر فهدى ) وذلك لأن حدوث الانسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي والقدرة
:

١٩
الثاني عشر قوله تعالى ((قال يا قوم أرأيتم إن كنتم على بينة من ربي)) سورة هود
قَالَ يَقَوْمِ أَرَةَ يُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِىِ وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةٌ فَمَنْ يَنْصُرُفِى مِنَ اللهِ إِنْ
عَصَيْتُهُ، فَمَا تَزِيدَونَنِى غَيْرٌ تَحْسِيرٍ
٦٣
على التصرفات الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة
للمصالح موافقة للمنافع بدل أيضاً على وجود الصانع الحكيم .
أما قوله ﴿ فاستغفر وه ثم توبوا اليه ﴾ فقد تقدم تفسيره .
وأما قوله ﴿ إن ربي قريب مجيب﴾ يعني أنه قريب بالعلم والسمع (مجيب ) دعاء
المحتاجين بفضله ورحمته ، ثم بين تعالى أن صالحا علیه السلام لما قرر هذه الدلائل ( قالوا يا
صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) وفيه وجوه : الأول : أنه لما كان رجلا قوى العقل قوى
الخاطر وكان من قبيلتهم قوي رجاؤهم في أن ينصردينهم ويقوي مذهبهم ويقرر طريقتهم لأنه
متى حدث رجل فاضل في قوم طمعوا فيه من هذا الوجه . الثاني : قال بعضهم المراد أنك
كنت تعطف على فقرائنا وتعين ضعفاءنا وتعود مرضانا فقوى رجاؤنا فيك أنك من الأنصار
والأحباب ، فكيف أظهرت العدواة والبغضة ثم إنهم أضافوا الى هذا الكلام التعجب الشديد
من قوله ( فقالوا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق
التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف ، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة
حيث قالوا ( أجعل الآلهة الها واحداً إن هذا لشيء عجاب) ثم قالوا ( وإننا لفى شك مما تدعونا
اليه مريب ) والشك هو أن يبقى الانسان متوقفا بين النفي والاثبات والمريب هو الذي يظن به
السوء فقوله ( وإننا لفى شك ) يعني به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله وقوله ( مريب )
يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه .
قوله تعالى ﴿ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني
من الله إن عصیته فما تزيدونني غير تخسير ﴾
اعلم أن قوله ( إن كنت على بينة من ربي ) ورد بحرف الشك وكان على يقين تام في أمره
الا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب الى القبول ، فكأنه قال : قدروا أني على بينة من
ربي وأني نبي على الحقيقة ، وانظروا أني ان تابعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني من
عذاب الله فما تزيدونني على هذا التقدير غير تخسير، وفي تفسير هذه الكلمة وجهان : الأول :
أن على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها. الثاني : أن يكون التقدير فما تزيدونني بما
تقولون لي وتحملوني عليه غير أن أخركم أي أنسبكم الى الخسران ، وأقول لكم إنكم

:
٢٠
قوله تعالى (( ويا قوم هذه ناقة الله لكم)) سورة هود
الجزء
وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللهِلَكُمْءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىَ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ
فَيَأْخُذَكُرْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (*) فَعَقَّرُوهَا فَقَالَ تَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَائَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ
٦٥
غَيْرُمَكْذُوبِ
خاسرون ، والقول الأول أقرب لأن قوله ( فمن ينصرني من الله إن عصيته ) كالدلالة على أنه
أراد إن أتبعكم فيما أنتم عليه من الكفر الذي دعوتموني اليه لم أزدد إلا خسرانا في الدين
فأصير من الهالكين الخاسرين .
قوله تعالى ﴿ ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذر وها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء
فيأخذكم عذاب قريب فعقر وها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ﴾
اعلم ان العادة فيمن يدعى النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدىء بالدعوة إلى عبادة
الله ثم يتبعه بدعوى النبوة لا بد وأن يظلموا منه المعجزة وأمر صالح عليها السلام هكذا كان،
يروي أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا
اليها ناقة فدعا صالح ربه فخرجت الناقة كما سألوا .
واعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه ، الأول : أنه تعالى خلقها من الصخرة
. وثانيها : انه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل . وثالثها : انه تعالى خلقها حاملا
من غير ذكر. ورابعها : أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة ، وخامسها :
ما روى أنه كان لها شرب يوم. ولكل القوم شرب يوم آخر ، وسادسها : أنه كان يحصل منها
لبن كثير يكفي الخلق العظيم ، وكل من هذه الوجوه معجز قوي وليس في القرآن؛ الا أن تلك
الناقة كانت آية ومعجزة، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه .
ثم قال ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ والمراد أنه عليه السلام رفع عن القوم مؤنتها ،
فصارت مع كونها آية لهم تنفعهم ، ولا تضرهم ، لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها على ما روى أنه
عليه السلام خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر ، فان الخصم لا يحب ظهور
حجة خصمه ، بل يسعى في اخفائها وابطالها بأقصى الامكان ، فلهذا السبب كان يخاف من
اقدامهم على قتلها ، فلهذا احتاط وقال ( ولا تمسوها بسوء ) وتوعدهم إن مسوها بسوء بعذاب