النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ قوله تعالى : ((قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة)) سورة هود قَالَ يَنْقَوْمِ أَرَةَ يُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِنْ رَّبِ وَءَاتَنِى رَحْمَةً مِنْ عِنِدِهِ، فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْزُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَارِهُونَ (أ ٢٨ أيضا جهل ، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله ليست إلا بالعلم والعمل ، فكيف اطلعوا على بواطن الخلق حتى عرفوا نفي هذه الفضيلة ، ثم قالوا بعد ذكر هذه الشبهات لنوح عليه السلام ومن اتبعه ( بل نظنكم كاذبين ) وفيه وجهان: الأول : أن يكون هذا خطابا مع نوح ومن معه ، والمراد منه تكذيب نوح في دعوى الرسالة . والثاني : أن يكون هذا خطابا مع الأراذل فنسبوهم إلى أنهم كذبوا في أن آمنوا به واتبعوه . المسألة الثانية﴾ قال الواحدي: الأرذل جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته ورجل رذل الثياب والفعل . والأراذل جمع الأرذل ، كقولهم أكابر مجرميها ، وقوله عليه الصلاة والسلام ((أحاسنكم أخلاقا)) فعلى هذا الأراذل فصارت الألف واللام عوضا عن الاضافة وقوله ( بادي الرأي ) البادي هو الظاهر من قولك : بدأ الشيء إذا ظهر ، ومنه يقال : بادية لظهورها وبروزها للناظر ، واختلفوا في بادى الرأي وذكروا فيه وجوها : الأول : اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه ، والثاني : يجوز أن يكون المراد اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي وما احتاطوا في ذلك الرأي وما أعطوه حقه من الفكر الصائب والتدبر الوافي . الثالث : أنهم لما وصفوا القوم بالرذالة قالوا : كونهم كذلك بادى الرأي أمر ظاهر لكل من يراهم ، والرأي على هذا المعنى من رأي العين لا من رأي القلب ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه كان يقرأ ( إلا الذين هم أراذلنا بادى رأي العين ) ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ أبو عمرو ونصير عن الكسائي (بادىء) بالهمزة والباقون بالياء غير مهموز فمن قرأ ( بادىء ) بالهمزة ، فالمعنى أول الرأي وابتداؤه ومن بالياء غير مهموز كان من بدا يبدو أي ظهر و ( بادى ) نصب على المصدر كقولك : ضربت أول الضرب . / قوله تعالى ﴿ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى شبهات منكري نبوة نوح عليه الصلاة والسلام حكى بعده ما يكون جوابا عن تلك الشبهات . ٢٢٢ قوله تعالى: ((ويا قوم لا أسألكم عليه)) سورة - هود وَيَنْقَوْمِ لَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَلًا إِنْ أَبْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم فالشبهة الأولى﴾ قولهم ﴿ ما أنت إلا بشر مثلنا﴾ فقال نوح حصول المساواة في البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة ، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه ، فقال ( أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) من معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه ، ثم إنه تعالى آتاني رحمة من عنده، والمراد بتلك الرحمة : إما النبوة، وإما المعجزة الدالة على النبوة ( فعميت عليكم ) أي صارت مظنة مشتبهة ملتبسة في عقولكم ، فهل أقدر أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفتها شئتم أم أبيتم ؟ والمراد أني لا اقدر على ذلك البتة ، وعن قتادة : لله لو استطاع نبي الله لألزمها ولكنه لم يقدر عليه ، وحاصل الكلام أنهم لما قالوا ( وما نرى لكم علينا من فضل ) ذكر نوح عليه السلام أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم واشتبهت ، فاما لو تركتم العناد والدجاج ونظرتم في الدليل لظهر المقصود ، وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلا عظيما . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( فعميت عليكم ) بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله ، بمعنى البست وشبهت والباقون بفتح العين مخففة الميم ، أي التبست واشتبهت . واعلم أن الشيء إذا بقي مجهولا محضا أشبه المعمى ، لأن العلم نور البصيرة الباطنة . والأبصار نور البصر الظاهر . فحسن جعل كل واحد منها مجازاً عن الآخر وتحقيقه أن البينة توصف بالأبصار . قال تعالى ( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ) وكذلك توصف بالمعمى ، قال تعالى ( فعميت عليهم الأنبياء ) وقال في هذه الآية (فعميت عليكم) ﴿ المسألة الثالثة ﴾ أنلزمكموها فيه ثلاث مضمرات: ضمير المتكلم . وضمير الغائب . وضمير المخاطب ، وأجاز الفراء إسكان الميم، وروى ذلك عن أبي عمرو قال : وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم وهي أيضا مرفوعة وقبلها كسرة . والحركة التي بعدها ضمة ثقيلة ، قال الزجاج : جميع النحويين البصريين ، لا يجيزون إسكان حرف الاعراب إلا في ضرورة الشعر وما يروى عن أبي عمروفلم يضبطه عنه الفراء ، وروى عن سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها ، وهذا هو الحق وإنما يجوز الاسكان في الشعر كقول امرىء القيس : فاليوم أشرب غير مستحقب قوله تعالى ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين ٢٢٣ قوله تعالى : ((ويا قوم لا أسألكم)) سورة - هود مُلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَيْكِنِّيَ أَرَسَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٨٩) وَيَنْقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ اللهِ إِن طَرَّتْهُمْ أَفَلا ◌َذَ كَّرُونَ ﴿ وَلَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى ◌َخَبِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَّ أَقُولُ إِىِ مَكٌ وَلَآَ أَقُولُ لَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُ كُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اله أَعْلَمُ بِمَا فِىَ أَنْفُسِمْ إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِينَ ( ٣١ امنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيكم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسكم إني إذا لمن الظالمين ﴾ ﴿ المسألة الأولى) اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم لا يتبعك إلا الأراذل من الناس وتقرير هذا الجواب من وجوه : ﴿الوجه الأول) أنه عليه الصلاة والسلام قال ((أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيراً أو غنياً وانما أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين )) وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك الوجه الثاني﴾ كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم إنكم لما نظرتم إلى ظواهر الأمور وجدتموني فقيراً وظننتم إني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى أخذ أموالكم وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجراً إن أجرى إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد . ﴿ والوجه الثالث﴾ في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا ( ما نراك إلا بشراً مثلنا) إلى قوله ( وما نرى لكم علينا من فضل ) فهو عليه السلام بين أنه تعالى أعطاه أنواعا كثيرة توجب فضله عليهم ولذلك لم يسع في طلب الدنيا ، وانما يسعى في طلب الدين ، والاعراض عن الدنيا من أمهات الفضائل باتفاق الكل ، فلعل المراد تقرير حصول الفضيلة من هذا الوجه . فاما قوله ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ فهذا كالدليل على أن القوم سألوه طردهم رفعاً لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء . روى ابن جريج أنهم قالوا : إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فانا لا نرضى بمشاركتهم . فقال عليه الصلاة والسلام ( وما أنا بطارد الذين ٢٢٤ قوله تعالى : ((ویا قوم من ینصرني من الله) سورة - هود آمنوا ) وقوله تعالى حكاية عنهم أنهم قالوا ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم لأنه كالدليل على أنهم كانوا يقولون : لو اتبعك أشراف القوم لوافقناهم، ثم إنه تعالى حكى عنه أنه ما طردهم ، وذكر في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أموراً : الأول : أنهم ملاقوا ربهم وهذا الكلام يحتمل وجوهاً: منها أنهم قالوا: منافقون فيما أظهروا فلا تغتربهم ؟ فأجاب بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة ، ومنها : أنه جعله علة في الامتناع من الطرد وأراد أنهم ملاقوا ما وعدهم ربهم ، فان طردتهم استخصموني في الآخرة ، ومنها : أنه نبه ذلك الأمر على انا نجتمع في الآخرة فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني ، ثم بين أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار بالظواهر فقال ( ولكني أراكم قوماً تجهلون ) ثم قال ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ﴾ والمعنى : أن العقل والشرع تطابقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر التقي . ومن إهانة الفاجر الكافر ، فلو قبلت القصة وعكست القضية وقربت الكافر الفاجر على سبيل التعظيم ، وطردت المؤمن التقى على سبيل الاهانة كنت على ضد أمر الله تعالى ، وعلى عكس حکمه وکنت في هذا الحكم على ضد ما أمر الله تعالى من إيصال الثواب إلى المحقين ، والعقاب إلى المبطلين وحينئذ أصير مستوجباً للعقاب العظيم فمن ذا الذي ينصرني من الله تعالى ومن ذا الذي يخلصني من عذاب الله أفلا تذکر ون فتعلمون أن ذلك لا یصح ثم أکد هذا البیان بوجه ثالث فقال (ولا أقول لکم عندي خزائن الله) أي كما لا أسألكم فكذلك لا أدعي أني أملك مالا ولا لي غرض في المال لا أخذاً ولا دفعاً، ولا أعلم الغيب حتى أصل به إلى ما أريد لنفسي ولأتباعي ولا أقول إني ملك حتى أتعظم بذلك عليكم ، بل طريقي الخضوع والتواضع ومن كان هذا شأنه وطريقه فانه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ، ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين ، وانما شأنه طلب الدين وسيرته مخالطة الخاضعين والخاشعين فلما كانت طريقتي توجب مخالطة الفقراء فكيف جعلتم ذلك عيباً علي ، ثم أنه أكد هذا البيان بطريق رابع فقال ( ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسكم ) وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق فقال : إني لا أقول ذلك ، لأنه من باب الغيب والغيب لا يعمله إلا الله، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله ملك الآخرة فأكون كاذباً فيما أخبرت به، فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين لنفسي ومن الظالمين لهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله تعالى آتاهم الخير في الآخرة . المسألة الثانية) احتج قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء وقالوا : إن ٢٢٥ قوله تعالى ((وقيل بعدا للقوم الظالمين)) سورة هود الانسان إذا قال : أنا لا أدعي كذا وكذا ، فهذا انما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل فلما كان قائل هذا القول هو نوح عليه السلام وجب أن تكون درجة الملائكة أعلى وأشرف من درجات الأنبياء ، ثم قالوا : وكيف لا يكون الأمر كذلك والملائكة داوموا على عبادة الله تعالى طول الدنيا منذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة ، وتمام التقرير أن الفضائل الحقيقة الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء : أولها : الاستغناء المطلق وجرت العادة في الدنيا أن من ملك المال الكثير فانه يوصف بكونه غنياً فقوله ( ولا اقول لكم عندي خزائن اللّه ) إشارة إلى أني لا أدعي الاستغناء المطلق وثانيها : العلم التام وإليه الاشارة بقوله (ولا أعلم الغيب ) وثالثها : القدرة التامة الكاملة ، وقد تقرر في الخواطر أن أكمل المخلوقات في القدرة والقوة هم الملائكة وإليه الاشارة بقوله ( ولا أقول إني ملك ) والمقصود من ذكر هذه الأمور الثلاثة بيان أنه ما حصل عندي من هذه المراتب الثلاثة إلا ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الانسانية ، فاما الكمال المطلق فانا لا أدعيه وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن قوله ( ولا أقول إني ملك ) يدل على أنهم أكمل من البشر، وأيضاً يمكن جعل هذا الكلام جواباً عما ذكروه من الشبهة فانهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضاً بأنهم منافقون فقال ( ولا أعلم الغيب ) حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما أجرى الأحوال على الظواهر وطعنوا فيهم بأنهم قد يأتون بأفعال لا كما ينبغي فقال ( ولا أقول إني ملك ) حتى أكون مبرأ عن جميع الدواعي الشهوانية والبواعث النفسانية . المسألة الثالثة ﴾ احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا : إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي ، ثم إن محمد أمنية طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) وذلك يدل على إقدام محمد رد على الذنب . والجواب : يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأييد ، والطرد المذكور في واقعة محمد ◌ّر، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح . ﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام ( من ينصرني من الله إن طردتهم ) معناه ( إن كان هذا الطرد محرما فمن ذا الذي ينصرني من الله ، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضاً جائزة وحينئذ يبطل قوله ( من ينصرني من الله ) واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى ( واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس الفخر الرازي ج١٧ م١٥ ٢٢٦ قوله تعالى : ((قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت)) سورة - هود قَالُواْ يَئِنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا فَأْتِنَابِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ قَالَ إِنَّمَا يَأْبِّكُ بِ اللهُ إِن شَآءَ وَمَا أَنتُ مُعْجِزِينَ (®) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُرْ هُوَرَّبُكُمْ وَإَِيْهِ ١٠٠٠ تُرْجَعُونَ ٣٤ شيئاً ) إلى قوله ( ولا ينصرون ) والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام . قوله تعالى ﴿ قالوا یا نوح قد جادلتنا فأکثرت جدالنا فأتنابما تعدنا إن كنت من الصادقين قالإنما یأتیکم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزین ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم واليه ترجعون } في الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم ان الكفار لما أوردوا تلك الشبهة وأجاب نوح عليه السلام عنه بالجوابات الموافقة الصحيحة، أورد الكفار على نوح كلامين : الأول : أنهم وصفوه بكثرة المجادلة . فقالوا : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء، وعلى أن التقليد والجهل والاصرار على الباطل حرفة الكفار . والثاني : أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به، فقالوا (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) ثم إنه عليه السلام أجاب عنه بجواب صحيح فقال (إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين) والمعنى أن إنزال العذاب ليس إليّ؛ وإنما هو خلق الله تعالى فيفعله إن شاء كما شاء، وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحداً لا يعجزه، فقوله (وما أنتم بمعجزين) أي لا سبيل لكم إلى فعل ما عنده، فلا يمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب إن أراد إنزاله بكم، وقد قيل معناه: وما أنتم بماعين، وقيل: وما أنتم بمصونين، وقيل: وما أنتم بسابقين إلى الخلاص، وهذه الأقوال متقاربة . واعلم أن نوحا عليه السلام لما أجاب عن شبهاتهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة ، فقال ( ولا ینفعکم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ) أي إن كان الله يريد أن يغویكم فانه لا ينفعكم : ٢٢٧ قوله تعالى (( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم)) سورة هود نصحي البتة ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يريد الكفر من العبد ، وأنه إذا أراد منه ذلك فانه يمتنع صدور الايمان منه ، قالوا : إن نوحا عليه السلام قال ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) والتقدير : لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ويضلكم، وهذا صريح في مذهبنا، أما المعتزلة فانهم قالوا ان ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إن أراد إغواء القوم لم ينتفعوا بنصح الرسول، وهذا مسلم، فانا نعرف أن الله تعالى لو أراد إغواء عبد فانه لا ينفعه نصح الناصحين ، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الاغواء فان النزاع ما وقع إلا فيه ، بل نقول إن نوحاً عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام ليدل على أنه تعالى ما أغواهم ، بل فوض الاختيار اليهم وبيانهم من وجهين: الأول: أنه عليه السلام بين أنه تعالى لو أراد إغواءهم لما لقى في النصح فائدة فلو لم يكن فيه فائدة لما أمره بأن ينصح الكفار ، وأجمع المسلمون على أنه عليه السلام مأمور بدعوة الكفار ونصيحتهم ، فعلمنا أن هذا النصح غير خال عن الفائدة ، وإذا لم يكن خالياً عن الفائدة وجب القطع بأنه تعالى ما أغواهم ، فهذا صار حجة لنا من هذا الوجه . الثاني : أنه لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم لصار هذا عذراً لهم في عدم إتيانهم بالايمان ولصار نوح منقطعاً في مناظرتهم ، لأنهم يقولون له إنك سلمت أن الله إذا اغوانا فانه لا يبقى في نصحك ولا في جدنا واجتهادنا فائدة ، فاذا ادعيت بأن الله تعالى قد أغوانا فقد جعلتنا معذورين فلم يلزمنا قبول هذه الدعوة، فثبت أن الأمر لو كان كما قاله الخصم، لصار هذا حجّة للكفّار على نوح عليه السلام، ومعلوم أن نوحا عليه السلام لا يجوز أن يذكر كلاما يصير بسببه مفحما ملزما. عاجزا عن تقرير حجة الله تعالى ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية لا تدل على قول المجبرة ، ثم إنهم ذكروا وجوهاً من التأويلات : الأول : أولئك الكفار كانوا مجبرة ، وكانوا يقولون إن كفرهم بارادة الله تعالى ، فعند هذا قال نوح عليه السلام : إن نصحه لا ينفعهم إن كان الأمر كما قالوا ، ومثاله أن يعاقب الرجل ولده على ذنبه فيقول الولد: لا أقدر على غيرما أنا عليه، فيقول الوالد فلن ينفعك إذاً نصحي ولا زجرى ، وليس المراد أنه يصدقه على ما ذكره بل محلى وجه الانكار لذلك . الثاني : قال الحسن ، معنى ( يغويكم) أي يعذبكم ، والمعنى : لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب فآمنتم في ذلك الوقت ، لأن الايمان عند نزول العذاب لا يقبل ، وإنما ينفعكم نصحي إذا آمنتم قبل مشاهدة العذاب . الثالث : قال الجبائي : الغواية هي الخيبة من الطلب بدليل قوله تعالى ( فسوف يلقون غياً ) أي خيبة من خير الآخرة قال الشاعر : ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ٢٢٨ قوله تعالى (( أم يقولون افتراه )) سورة هود أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ إِنِ آَفْتَرَيْتُهُ، فَعَلَّ إِحْرَامِى وَأَنَاْ بَرِىٌّ ◌ِمَّا تُجْرِمُونَ ٣٥ الرابع : أنه إذا أصر على الكفر وتمادى فيه ، منعه الله تعالى الالطاف وفوضه إلى نفسه ، فهذا شبيه ما إذا أراد إغواءه فلهذا السبب حسن أن يقال إن الله تعالى أغواه هذا جملة كلمات المعتزلة في هذا الباب . والجواب عن أمثال هذه الكلمات قد ذكرناه مرارا وأطواراً فلا فائدة في الاعادة المسألة الثانية ﴾ قوله ( ولا ینفعکم نصحی إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) جزاء معلق على شرط بعده شرط آخر وهذا يقتضي أن يكون الشرط المؤخر في اللفظ مقدما في الوجود. وذلك لأن الرجل إذا قال لامرأته انت طالق إن دخلت الدار، كان المفهوم كون ذلك الطلاق من لوازم ذلك الدخول، فإذا ذكر بعده شرطا آخر مثل ان يقول: ان اكلت الخبز كان المعنى ان تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول هذا الشرط الثاني والشرط مقدم على المشروط في الوجود فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول إما أن لم يوجد الشرط المذكور ثانيا: لم يتعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول، هذا هو التحقيق في هذا التركيب، فلهذا المعنى قال الفقهاء: إن الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى، والمقدم في اللفظ مؤخر في المعنى . واعلم أن نوحا عليه السلام لما قرر هذا المعنى قال : هو ربكم وإليه ترجعون . وهذا نهاية الوعيد أي هو إلهكم الذي خلقكم ورباكم ويملك التصرف في ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت وبعد الموت مرجعكم اليه وهذا يفيد نهاية التحذير . قوله تعالى ﴿ أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ﴾ اعلم أن معنى افتراه اختلقه وافتعله ، وجاء به من عند نفسه ، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه اليهم ، وقوله ( فعلى إجرامي ) الاجرام اقتراح المحظورات واكتسابها ، وهذا من باب حذف المضاف، لأن المعنى : فعلي عقاب إجرامي ، وفي الآية محذوف آخر ، وهو أن المعنى : إن كنت افتريته فعلى عقاب جرمي ، وإن كنت صادقا وكذبتموني فعلیکم عقاب ذلك التكذيب ، إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليه ، كقوله ( أمنّ هو قانت آناء الليل ) ولم يذكر البقية ، وقوله ( وأنا بريء مما تجرمون ) أي أنا بريء من عقاب جرمكم ، وأكثر المفسرين على أن هذا من بقية كلام نوح عليه السلام، وهذه الآية وقعت في قصة محمد لط في ٢٢٩ قوله تعالى ((وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك )) سورة هود ٣٦ وَأَوِىَ إِلَى نُوحٍ أَُّ لَن يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ ءَامَنَ فَلاَ تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( أثناء حكاية نوح ، وقولهم : بعيد جدا ، وأيضا قوله ( قل إن افتريته فعلى إجرامي ) لا يدل على أنه كان شاكا ، إلا أنه قول يقال على وجه الانكار عند اليأس من القبول . قوله تعالى ﴿ وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما جاء هذا من عند الله تعالى دعا على قومه فقال ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) وقوله ( فلا تبتئس ) أي لا تحزن ، قال أبو زيد: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه ، وأنشد أبو عبيدة : به وأقعد كريما ناعم البال ما یقسم الله أقبل غیر مبتئس أي غير حزين ولا كاره . ﴿ المسألة الثانية) احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في القضاء والقدر وقالوا : إنه تعالى أخبر عن قومه أنهم لا يؤمنون بعد ذلك ، فلو حصل إيمانهم لكان إما مع بقاء هذا الخبر صدقا ، ومع بقاء هذا العلم علما أو مع انقلاب هذا الخبر كذبا ومع انقلاب هذا العلم جهلا والأول ظاهر البطلان لأن وجود الايمان مع أن يكون الاخبار عن عدم الايمان صدقا ، ومع كون العلم بعدم الايمان حاصلا حال وجود الايمان جمع بين النقيضين ، والثاني أيضا باطل ، لأن انقلاب خبر الله كذبا وعلم الله جهلا محال ، ولما كان صدور الايمان منهم محالا مع أنهم كانوا مأمورين به ، وأيضا القوم كانوا مأمورين بالايمان ومن الايمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه . ومنه قوله ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) فيلزم أن يقال : إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون البتة. وذلك تكليف الجمع بين النقيضين، وتقرير هذا الكلام قد مر في هذا الكتاب مرارا وأطوارا . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ اختلف المعتزلة في أنه هل يجوز أن ينزل الله تعالى عذاب الاستئصال على قوم كان في المعلوم أن فيهم من يؤمن أو كان في أولادهم من يؤمن ، فقال قوم : إنه لا ٢٣٠ قوله تعالى (( واصنع الفلك بأعيينا ووحينا)) سورة هود وَأَصْنَ الْفُلْكَ بِأَعْبُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ يجوز. واحتجوا بما حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وهذا يدل على أنه إنما حسن منه تعالى إنزال عذاب الاستئصال عليهم ، لأجل أنه تعالى علم أنه ليس من يؤمن ، ولا في أولادهم أحد يؤمن . قال القاضي وقال كثير من علمائنا : إن ذلك من الله تعالى جائز وإن كان منهم من يؤمن . وأما قول نوح عليه السلام ( رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا ) فذلك يدل على أنه إنما سأل ذلك من حيث أنه كان في المعلوم أنهم يضلون عباده ولا يلدون إلا فاجرا كفارا وذلك يدل على أن ذلك الحكم كان قولا بمجموع هاتين العلتين ، وأيضا فلا دليل فيه على أنهما لو لم يحصلا لما جاز إنزال الهلاك ، والأقرب ان يقال : إن نوحا عليه السلام لشدة محبته لا يمانهم کان سأل ربه أي یبقیهم ، فأعلمه أنه لا يؤمن منهم أحد لیز ول عن قلبه ما كان قد حصل فيه من تلك المحبة ، ولذلك قال تعالى من بعد ( فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) أي لا تحزن من ذلك ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة ، فان الدين عزيز ، وإن قل عدد من یتمسك به ، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به . قوله تعالى ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ واعلم أن قوله تعالى ( إنه لن يؤمن قومك إلا من قد آمن ) يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم ، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب ، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق ، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة لا جرم أمر الله تعالى باصلاح السفينة واعدادها ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جوجو الطائر . فان قيل : قوله تعالى ( واصنع الفلك ) أمر إيجاب أو أمر إباحة . قلنا : الأظهر أنه أمر إيجاب ، لأنه لا سبيل له الى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك الا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب ، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر اباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الانسان لنفسه دارا ليسكنها ويقيم بها . ٢٣١ قوله تعالى (( ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ)) سورة هود وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلََّ مَنَّ عَلَيْهِ مَلَأُمِّنِ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْمِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُرْ كَا تَّسْخَرُونَ (﴾ فَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ مُخِْيهِ وَيَعِلْ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ أما قوله ﴿بأعيننا ﴾ فهذا لا يمكن اجراؤه على ظاهره من وجوه: أحدها : أنه يقتضي أن يكون الله تعالى أعين كثيرة . وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) وثانيها : أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين ، كما يقال : قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك باطل . وثالثها : أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزها عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض ، فوجب المصير فيه الى التأويل ، وهو من وجوه : الأول : أن معنى ( بأعيننا ) أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة ، يقال فلان عین علی فلان نصّب علیه لیکون منفحصا عن أحواله ولا تحول عنه عينه . الثاني : أن من كان عظيم العناية بالشيء فانه يضع عينه عليه ، فلما كان وضع العين على الشيء سببا لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية عن الاحتياط ، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك ، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين : أحدهما : أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل . والثاني : أن يكون عالما بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشرعنه، وقوله (ووحينا) إشارة إلى أنه تعالى يوحي اليه انه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه المطلوب وأما قوله ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ ففيه وجوه: الأول : يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فاني قد حكمت عليهم بهذا الحكم ، فلما علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) الثاني ( ولا تخاطبني ) في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا ، فاني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعا الثالث : المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان . قوله تعالى ﴿ ویصنع الفلك وكلما مر علیه ملأ من قومه سخر وا منه قال إن تسخر وا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه. ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ أما قوله تعالى ﴿ويصنع الفلك ﴾ ففيه مسألتان: ٢٣٢ قوله تعالى ((ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ)) سورة هود ﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (ويصنع الفلك) قولان: الأول : أنه حكاية حال ماضية أي في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك . الثاني : التقدير وأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله ( ويصنع الفلك ) ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في صفة السفينة أقوالا كثيرة: فأحدها: أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين ، وقيل في أربع سنين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا ، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن كان معه مع ما احتاجوا إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام ، وثانيها : قال الحسن كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع . واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا وكان الخوض فيها من باب الفضول لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما يدل على الجانب الصحيح والذي نعلمه انه كان في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه ولما يحتاجون اليه ولحصول زوجين من كل حيوان، لأن هذا القدر مذكور في القرآن، فلما غير ذلك القدر فغير مذكور . أما قوله تعالى ﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ ففي تفسير الملأ وجهان: قيل : جماعة وقيل : طبقة من أشرافهم وكبرائهم واختلفوا فيما لأجله كانوا يسخرون . وفيه وجوه : أحدهما: أنهم كانوا يقولون: يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجارا. وثانيها: إنهم كانوا يقولون له: لو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق . ثالثها : أنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها وكانوا يتعجبون منه ويسخرون. ورابعها: ان تلك السفينة كانت كبيرة وهو كان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جدا وكانوا يقولون: ليس ههنا ماء ولا يمكنك نقلها الى الأنهار العظيمة وإلى البحار، فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون . وخامسها : انه لما طالت مدته مع القوم وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ذلك خبرا ولا أثرا اغلب على ظنونهم كونهم كاذبا في ذلك المقال. فلما اشتغل بعمل السفينة، لا جرم سخروا منه وكل هذه الوجوه محتملة . ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول : ﴿إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون ﴾ وفيه وجوه : الأول : التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فانا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم اذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة . والثاني : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فانا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض ٢٣٣ قوله تعالى ((حتى اذا جاء أمرنا وفار التنور)) سورة هود حَتَّ إِذَا جَاءَ أَهُنَا وَقَارَ التَّنُورُ قُلْنَا أَخِلْ فِهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنٍ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَأْءَامَنَ مَعَهُ وَ إِلَّ قَلِيلٌ ( لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى بالسخرية منا . الثالث : إن تستجهلونا فانا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد ، لأنكم لا تستجهلون الا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأطفال والجهال . فان قيل : السخرية من آثار المعاصي فكيف يليق ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قلنا : إنه تعالى سمى المقابلة سخرية كما في قوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) أما قوله تعالى ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ أي فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة ، وفي قوله ( من يأتيه ) وجهان : أحدهما : أن يكون استفهاما بمعنى أي كأنه قيل : فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب ، وعلى هذا الوجه فمحل ((من)) رفع بالابتداء . والثاني : أن يكون بمعنى الذي ويكون في محل النصب ، وقوله تعالى ( ويحل عليه عذاب مقيم ) أي يجب عليه وينزل به . / قوله تعالى ﴿ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ﴾ في الآية مسائل : ﴿المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف (حتى) هي التي يبتدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء ووقعت غاية لقوله (ويصنع الفلك) اي فكان يصنعها الى ان جاء وقت الموعد . ﴿ المسألة الثانية﴾ الأمر في قوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا يحتمل وجهين: الأول : أنه تعالى بين أنه لا يحدث شيء إلا بأمر الله تعالى كما قال ( إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فكان المراد هذا . والثاني : أن يكون المراد من الأمر ههنا هو العذاب الموعود به. المسألة الثالثة﴾ في التنور قولان: أحدهما : أنه التنور الذي يخبز فيه . والثاني: ٢٣٤ قوله تعالى (( حتى اذا جاء أمرنا وفار التنور)) سورة هود أنه غيره ، أما الأول وهو أنه التنور الذي يخبز فيه ، فهو قول جماعة عظيمة من المفسرين كابن عباس والحسن ومجاهد : وهؤلاء اختلفوا ، فمنهم من قال : إنه تنور لنوح عليه السلام ، وقيل : كان لآدم قال الحسن : كان تنورا من حجارة ، وكان لحواء حتى صار لنوح عليه السلام ، واختلفوا في موضعه فقال الشعبي : إنه كان بناحية الكوفة ، وعن علي رضى الله عنه. انه في مسجد الكوفة، قال: وقد صلى فيه سبعون نبيا، وقيل بالشام بموضع يقال له: عين وردان وهو قول مقاتل وقيل: فار التنور بالهند، وقيل: إن امرأته كانت تخبز في ذلك التنور فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع تلك الأشياء في السفينة . ﴿ القول الثاني﴾ ليس المراد من التنور تنور الخبز، وعلى هذا التقدير ففيه أقوال : الأول : أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) والعرب تسمى وجه الأرض تنورا . الثاني : أن التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ليكون ذلك معجزة له ، وأيضا المعنى أنه لما نبع الماء من أعالي الأرض ، ومن الأمكنة المرتفعة فشبهت لارتفاعها بالتنانير . الثالث : ( فار التنور ) أي طلع الصبح وهو منقول عن علي رضى الله عنه . الرابع ( فار التنور ) يحتمل أن يكون معناه أشدِ الأمر كما يقال : حمى الوطيس ومعنى الآية اذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك الى السفينة . فان قيل : فما الأصح من هذه الأقوال ؟ قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه ولا امتناع في العقل في أن يقال : إن الماء نبع أولا من موضع معين وكان ذلك الموضع تنورا . فان قيل : ذكر التنور بالألف واللام وهذا إنما يكون معهود سابق معين معلوم عند السامع وليس في الأرض تنور هذا شأنه ، فوجب أن يحمل ذلك على أن المراد اذا رأيت الماء يشتد نبوعه والأمر يقوى فانج بنفسك وبمن معك . قلنا : لا یبعد أن يقال : إن ذلك التنور کان لنوح عليه السلام بأن کان تنور آدم أو حواء أو كان تنورا عينه الله تعالى لنوح عليه السلام وعرفه أنك اذا رأيت الماء يفور فاعلم أن الأمر قد وقع ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة الى صرف الكلام عن ظاهره . ﴿ المسألة الرابعة) معنى ( فار ) نبع على قوة وشدة تشبيها بغليان القدر عند قوة النار ٢٣٥ قوله تعالى (( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين )) سورة هود ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور فالمراد فار الماء من التنور ، والذي روى أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة ، وقد وعد الله تعالى المؤمنين النجاة فلا بد وأن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين ، فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة . المسألة الخامسة ) قال الليث : التنور . لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار ، قال الأزهري : وهذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجميا فتعربه العرب فيصير عربيا ، والدليل على ذلك أن الأصل تنار ولا يعرف في كلام العرب تنور قبل هذا ، ونظيره ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الديباج ، والدينار ، والسندس ، والاستبرق ، فان العرب لما تكلموا بهذه الألفاظ صارت عربية واعلم أنه لما فار التنور فعند ذلك أمره الله تعالى بأن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء . فالأول : قوله ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ) قال الأخفش : تقول الأثنان هما زوجان قال تعالى (ومن كل شيء خلقنا زوجين ) فالسماء زوج والأرض زوج والشتاء زوج والصيف زوج والنهار زوج والليل زوج ، وتقول للمرأة هي زوج وهو زوجها قال تعالى ( وخلق منها زوجها) يعني المرأة ، وقال ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) فثبت أن الواحد قد يقال له : زوج ومما يدل على ذلك قوله تعالى ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ) إذا عرفت هذا فنقول : الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى والتقدير كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين . واحد ذكر والآخر انثى ، ولذلك قرأ حفص ( من كل ) بالتنوين وأرادوا حمل من كل شيء زوجين اثنين الذكر والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا اثنين فما الفائدة في قوله ( زوجين اثنين ) لأنا نقول هذا على مثال قوله ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) وقوله ( نفخة واحدة ) وأما على القراءة المشهورة ، فهذا السؤال غير وارد واختلفوا في أنه هل دخل في قوله ( زوجين اثنين ) غير الحيوان أم لا ؟ فنقول : أما الحیوان فداخل لأن قوله ( من كل زوجين اثنين ) يدخل فيه كل الحيوانات ، واما النبات فاللفظ لا يدل عليه ، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه ، وجاء في الروايات عن ابن مسعود رضى الله عنهما أنه قال : لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحا عليه السلام قال : يا رب فمن أين أطعم الأسد إذا حملته قال تعالى ((فسوف أشغله عن الطعام)) فسلط الله تعالى عليه الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها ، فان حاجة الفيل إلى الطعام أكثر وليس به ٢٣٦ قوله تعالى (( الا من سبق عليه القول )) سورة هود حمى . الثاني : من الأشياء التي أمر الله نوحا عليه السلام بحملها في السفينة . قوله تعالى ﴿ وأهلك إلا من سبق عليه القول ﴾ قالوا : كانوا سبعة نوح عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام ، وحام ، ويافث ، ولكل واحد منهم زوجة ، وقيل أيضا كانوا ثمانية ، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام . وأما قوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ فالمراد ابنه وامرأته وكانا كافرين ، حكم الله تعالى عليهما بالهلاك . فان قيل : الانسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات ؟ قلنا : الانسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه ، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب ، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات ، فلهذا السبب وقع الابتداء به . واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله ( إلا من سبق عليه القول ) في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب ، قالوا : لأن قوله ( سبق عليه القول ) مشعر بأن كل من سبق عليه القول فانه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة والسلام ((السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه )) ﴿ النوع الثالث﴾ من تلك الأشياء قوله (ومن آمن) قالوا كانوا ثمانين . قال مقاتل : في ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك ، لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها ، فسميت بهذا الاسم وذكروا ما هو أزيد منه وما هو أنقص منه وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا أن الله تعالى وصفهم بالقلة وهو قوله تعالى ( وما آمن معه إلا قليل ) فان قيل : لما كان الذين آمنوا معه ودخلوا في السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله ( إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) قلنا : كلا اللفظين جائز ، والتقدير ههنا وما آمن معه إلا نفر قليل . فأما الذي يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد ، لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي وكيف يؤثر الغرق فيه ، وأيضا كتاب الله تعالى لم يدل عليه وخبر صحيح ما ورد فيه ، فالأولى ترك الخوض فيه . ٢٣٧ قوله تعالى ((وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها)) سورة هود وَقَالَ أَرْكَبُواْ بِسْمِ اللَّهِ تَجْرِفَهَا وَمُرْسَنْهَا إِنَّ رَبِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤) قوله تعالى ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ﴾ أما قوله ﴿وقال ﴾ يعني نوح عليه السلام لقومه (اركبوا) والركوب العلو على ظهر الشيء ومنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البحر وكل شيء علا شيئا فقد ركبه ، يقال ركبه الدين قال الليث : وتسمى العرب من يركب السفينة راكب السفينة . وأما الركبان والركب من ركبوا الدواب والابل . قال الواحدي : ولفظة ( في ) في قوله ( اركبوا فيها ) لا يجوز أن تكون من صلة الركوب ، لأنه يقال ركبت السفينة ولا يقال ركبت في السفينة ، بل الوجه أن يقال مفعول اركبوا محذوف والتقدير اركبوا الماء في السفينة ، وأيضا يجوز أن يكون فائدة هذه الزيادة ، أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها فلو قال: اركبوها ، لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة . أما قوله تعالى ﴿ بسم الله مجريها ومرساها ﴾ ففيه مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجريها بفتح الميم والباقون بضم الميم واتفقوا في مرساها أنه بضم الميم ، وقال صاحب الكشاف : قرأ مجاهد ( مجريها ومرسيها ) بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين الله تعالى . قال الواحدي : المجرى مصدر كالاجراء ، ومثله قوله ( منزلا مباركا . وأدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) وأما من قرأ ( مجريها ) بفتح الميم ، فهو أيضا مصدر ، مثل الجري . واحتج صاحب هذه القراءة بقوله ( وهي تجري بهم ) ولو كان مجراها لكان وهي تجريهم ، وحجة من صم الميم أن جرت لهم وأجرتهم يتقاربان في المعنى ، فاذا قال ( تجرى بهم ) فكأنه قال : تجريهم ، وأما المرسي فهو أيضا مصدر كالارساء . يقال : رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غيره ، قال تعالى ( والجبال أرساها ) قال ابن عباس : يريد تجري بسم الله وقدرته ، وترسو بسم الله وقدرته ، وقيل : كان اذا أراد أن تجرى بهم قال ( بسم الله مجريها ) فتجري ، واذا أراد أن ترسو قال : بسم الله مرساها فترسو . ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في عامل الأعراب في ﴿ بسم الله﴾ وجوها: الأول: اركبوا بسم الله والثاني : ابلؤا بسم الله، والثالث : بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، وقيل : إنها ٢٣٨ قوله تعالى (( وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها)) سورة هود سارت لأول يوم من رجب ، وقيل : لعشر مضين من رجب ، فصارت ستة أشهر ، واستوت يوم العاشر من المحرم على الجودى . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ في الآية احتمالان : الاحتمال الأول ﴾ أن يكون مجموع قوله ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاما واحدا والتقدير: وقال اركبوا فيها بسم مجريها ومرساها ، يعني ينبغي أن يكون الركوب مقرونا بهذا الذكر . والاحتمال الثاني ﴾ أن يكون كلامين ، والتقدير: أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب ، ثم أخبرهم بأن مجريها ومرساها ليس إلا بسم الله وأمره وقدرته ، ﴿ فالمعنى الأول ﴾ يشير إلى ان الانسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور الا ويكون في وقت الشروع فيه ذاكرا لاسم الله تعالى بالأذكار المقدسة حتى يكون ببركة ذلك الذكر سببا لتمام ذلك المقصود . والمعنى الثاني ﴾ يدل على أنه لما ركب السفينة أخبر القوم بأن السفينة ليست سببا الحصول النجاة . بل الواجب ربط الهمة وتعليق القلب بفضل الله تعالى ، وأخبرهم أنه تعالى هو المجري والمرسي للسفينة ، فاياكم أن تعولوا على السفينة ، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل الله فانه هو المجري والمرسي لها ، فعلى التقدير الأول : كان نوح عليه السلام وقت ركوب السفينة في مقام الذكر ، وعلى التقدير الثاني : كان في مقام الفكر والبراءة على الحول والقوة وقطع النظر عن الاسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب . واعلم ان الانسان إذا تفكر في طلب معرفة الله تعالى بالدليل والحجة فكأنه جلس في سفينة التفكر والتدبر ، وأمواج الظلمات والضلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت الى مصاعد التلال ، فاذا ابتدأت سفينة الفكرة والروية بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على الله تعالى وتضرعه إلى الله تعالى وان يكون بلسان القلب ونظر العقل . يقول : بسم الله مجريها ومرساها حتى تصل سفينة فكره الى ساحل النجاة وتتخلص من أمواج الضلالات . وأما قوله ﴿إن ربي لغفور رحيم﴾ ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الاهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر ؟ ٢٣٩ قوله تعالى (( وهي تجري بهم في موج كالجبال )) سورة هود وَهِىَ تَجْرِى ◌ِهِمْ فِىِ مَوْبِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحُ أَبْنَهُ، وَكَانَ فِ مَعْزِلٍ يَبْنَىَّ أَرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن ◌َّعَ الْكَفِرِ ينَ ﴾ قَالَ سَعَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا ◌َاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَصْرِ اللهِ إِلَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرِقِينَ ٤٣ وجوابه لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لا زاله ذلك العجب منهم ، فان الانسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات ، وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه ، وأن يكون رحيما لعقوبته غفوراً لذنوبه . قوله تعالى ﴿ وهي تجري بهم في موج کالجبال ونادی نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ﴾ واعلم أن في قوله ﴿ وهي تجري بهم في موج كالجبال ﴾ مسائل : ﴿ المسألة الأولى) قوله ﴿وهي تجري بهم في موج﴾ متعلق بمحذوف، والتقدير: وقال اركبوا فيها ، فركبوا فيها يقولون : بسم الله وهي تجري بهم في موج كالجبال . ﴿ المسألة الثانية﴾ الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة ، والمقصود منه : بيان شدة الهول والفزع . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الجريان في الموج، هو أن تجري السفينة داخل الموج، وذلك يوجب الغرق ، فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب ، شبهت تلك السفينة فيما إذا جرت في داخل تلك الامواج . ثم حکی الله تعالى عنه انه نادی ابنه، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أنه كان ابنا له ، وفيه أقوال : ٢٤٠ قوله تعالى (( ونادى نوح ابنه وكان في معزل )) سورة هود القول الأول ﴾ أنه ابنه في الحقيقة، والدليل عليه : أنه تعالى نص عليه فقال ﴿ ونادى نوح ابنه﴾ ونوح ايضا نص عليه فقال ﴿يا بني﴾ وصرف هذا اللفظ الى أنه رباه ، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته الى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافرا ، وهذا بعيد ، فانه ثبت أن والد رسولنا لو كان كافرا ، ووالد ابراهيم عليه السلام كان كافرا بنص القرآن ، فكذلك ههنا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ فكيف ناداه مع كفره؟ فأجابوا عنه من وجوه : الأول : أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته . والثاني : أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر ، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فانه يقبل الايمان فصار قوله ﴿ يا بني اركب معنا ﴾ كالدلالة على أنه طلب منه الايمان وتأكد هذا بقوله ﴿ولا تكن مع الكافرين ﴾ أي تابعهم في الكفر واركب معنا . والثالث : أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء ، والذي تقدم من قوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز عليه أن لا يكون هو داخلا فيه . القول الثاني ﴾ أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ ﴿ونادى نوح ابنها﴾ والضمير لامرأته ، وقرأ محمد ابن على وعروة بن الزبير ﴿ابنه﴾ بفتح الهاء يريد أن ﴿ ابنها﴾ إلا انهما اكتفيا بالفتحة عن الألف ، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال : والله ما كان ابنه فقلت : إن الله حكى عنه أنه قال ﴿ إن ابني من أهلي﴾ وأنت تقول: ما كان ابنا له ، فقال: لم يقل : إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي . ﴿ القول الثالث﴾ أنه ولد على فراشه لغير رشدة ، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الانبياء عن تلك الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن . وأما قوله تعالى ﴿ فخانتاهما ﴾ فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه . قيل لابن عباس رضي الله عنهما : ما كانت تلك الخيانة فقال : كانت امرأة نوح تقول : زوجي مجنون ، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به . ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى ﴿ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ وأيضا قوله تعالى ﴿الزاني لا