النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١. قوله تعالى « وان يمسسك الله بضر فلا کاشف له الا هو» سورة يونس وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ، إِلَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدْ لِفَضْلِهِ» يَصِيبَ بِهِ، مَن يَسَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ ١٠٧ والممكن لذاته معدوم بالنظر الى ذاته وموجود بايجاد الحق ، واذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له الا بايجاد الحق ، وعلى هذا التقدير فلا نافع الا الحق ولا ضار الا الحق ، فكل شيء هالك إلا وجهه واذا كان كذلك ، فلا حكم الا لله ولا رجوع في الدارين الا الى الله . ثم قال في آخر الآية ﴿ فان فعلت فانك اذا من الظالمين ﴾ يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين ، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، فاذا كان ما سوى الحق معز ولا عن التصرف ، كانت اضافة التصرف الى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما . فان قيل : فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الاخلاص ؟ قلنا : لا . لأن وجود الخبز وصفاته كلها بايجاد الله وتكوينه ، وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله للانتفاع به لا يكون منافيا للرجوع بالكلية الى الله ، الا أن شرط هذا الاخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات الا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها . وموجودة بايجاد الحق وهالكة بأنفسها وباقية بابقاء الحق ، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدما محضا بحسب انفسها . ويرى نور وجوده وفيض احسانه عاليا على الكل . قوله تعالى ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلأراد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه سبحانه وتعالى قرر في آخر هذه السورة أن جميع الممكنات مستندة اليه وجميع الكائنات محتاجة اليه ، والعقول والهة فيه ، والرحمة والجود والوجود فائض منه واعلم ان الشيء إما أن يكون ضارا وإما ان يكون نافعا ، وإما ان يكون لا ضارا ولا نافعا . وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير ، ولما كان الضر أمرا وجوديا لا جرم قال فيه ١٨٢ قوله تعالى (( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم)) سورة يونس قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُرُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنََّا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، ١٠٨ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيٍ وان يمسسك الله بضر ﴾ ولما کان الخیر قد یکون وجودیا وقد یکون عدمیا ، لا جرم لم یذکر لفظ الامساس فيه بل قال ﴿وإن يردك بخير﴾ والآية دالة على أن الضر والخير واقعان بقدرة الله تعالى وبقضائه فيدخل فيه الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والسرور والآفات والخيرات والآلام واللذات والراحات والجراحات ، فبين سبحانهوتعالى أنهانقضى لأحدشرا فلا كاشفله إلا هو ، وإن قضي لأحد خيرا فلاراد لفضله البتة ثم في الآية دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى رجح جانب الخير على جانب الشرمن ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى لما ذكر إمساس الضربين أنه لا كاشف له إلا هو ، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار لأن الاستثناء من النفي إثبات ، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه بل قال إنه لاراد لفضله ، وذلك يدل على ان الخير مطلوب بالذات، وأن الشرمطلوب بالعرض كما قال النبي ◌َ له رواية عن رب العزة أنه قال ((سبقت رحمتي غضبي )) الثاني: أنه تعالى قال في صفة الخير ﴿يصيب به من يشاء من عباده﴾ وذلك يدل على أن جانب الخير والرحمة أقوى وأغلب . والثالث : أنه قال ﴿وهو الغفور الرحيم ﴾ وهذا ايضا يدل على قوة جانب الرحمة وحاصل الكلام في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والايجاد والتكوين والابداع ، وأنه لا موجد سواه ولا معبود الا إياه ، ثم نبه على ان الخير مراد بالذات ، والشرمراد بالعرض وتحت هذا الباب اسرار عميقة ، فهذا ما نقوله في هذه الآية . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال المفسرون: إنه تعالى لما بين في الآية الأولى في صفة الاصنام أنها لا تضرولا تنفع ، بين في هذه الآية أنها لا تقدر ايضا على دفع الضرر الواصل من الغير ، وعلى الخير الواصل من الغير ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو ﴾ يعني بمرض وفقر فلا دافع له الا هو . وأما قوله ﴿وإن يردك بخير﴾ فقال الواحدي: هو من المقلوب معناه وإن يرد بك الخير ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهما بالآخر ، وأقول التقديم في اللفظ يدل على زيادة العناية فقوله ﴿وان يردك بخير﴾ يدل على أن المقصود هو الانسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله ، فهذه الدقيقة لا تستفاد الا من هذا التركيب . قوله تعالى ﴿ قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ﴾ ١٨٣ قوله تعالى ((واتبع ما یوحی الیك)) سورة يونس وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرُ حَتَّى يَحْكُرَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْخَلِكِينَ واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد وزين آخر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مستبدا بالخلق والابداع والتكوين والاختراع ، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية، وفي تفسيرها وجهان: الاول: أنه من حكم له في الأزل بالاهتداء ، فسيقع له ذلك ، ومن حكم له بالضلال ، فكذلك . ولا حيلة في دفعه ، الثاني : وهو الكلام اللائق بالمعتزلة قال القاضي : إنه تعالى بين أنه أكمل الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة ﴿ فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ﴾ فلا يجب على من السعي في إيصالكم الى الثواب العظيم ، وفي تخليصكم من العذاب الاليم أزيد مما فعلت ، قال ابن عباس : هذه الآية منسوخة باية القتال . ثم إنه تعالى ختم هذه الخاتمة بخاتمة أخرى لطيفة ، فقال : ﴿ واتبع ما يوحى اليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ﴾ والمعنى أنه تعالى أمره باتباع الوحي والتنزيل ، فان وصل اليه بسبب ذلك الاتباع مكروه فليصبر عليه الى ان يحكم الله فيه . وهو خير الحاكمين ، وانشد بعضهم في الصبر شعرا فقال : سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري وأصبر حتى يحكم الله في امري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني صبرت على شيء أمر من الصبر تمَّ تفسير هذه السورة والله أعلم بمراده وبأسرا كتاب بعون الله وحسن توفيقه ، يقول جامع هذا الكتاب: مختمت تفسير هذه السورة يوم السبت من شهر الله الأصم رجب سنة إحدى وستمائة وكنت ضيق الصدر كثير الحزن بسبب وفاة الوالد الصالح محمد أفاض الله على روحه وجسده أنواء المغفرة والرحمة، وأنا ألتمس من كل من يقرأ هذا الكتاب وينتفع به من المسلمين أن يخص ذلك المسكين وهذا المسكين بالدعاء والرحمة والغفران، والحمد لله رب العالمين، وصلاة على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين . ٠ ١٨٤ قوله تعالى (( الر کتاب أحكمت آیاته )) سورةهود (١١) سُوْرَة هُوْ دَمْكِيَّة وَآَيَّاتِهَا ثلاثٌ وٌعِشْرُونَ وَمَانَة مكية ، إلا الآيات : ١٢ و١٧ و١١٤ فمدنية وآياتها ١٢٣ نزلت بعد سورة يونس ◌ِإِلَّهِالرَّحْمِلَحِمِ بِسُـ الَّرْ كِتَبُّ أَحْكَتْ ءَدْتُهُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى) اعلم أن قوله ( الر) اسم للسورة وهو مبتدأ . وقوله (كتاب ) خبره ، وقوله ( أحكمت آياته ثم فصلت ) صفة للكتاب . قال الزجاج : لا يجوز أن يقال ( الر) مبتدأ ، وقوله ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ) خبر ، لأن ( الر) ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده ، وهذا الاعتراض فاسد ، لأنه ليس من شرط كون الشيء مبتدأ أن يكون خبره محصورا فيه ، ولا أدري كيف وقع للزجاج هذا السؤال ، ثم إن الزجاج اختار قولا آخر. وهو أن يكون التقدير: الر هذا كتاب أحكمت آياته ، وعندي أن هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير يقع قوله ( الر ) كلاما باطلا لا فائدة فيه ، والثاني : أنك اذا قلت هذا كتاب، فقولك ((هذا)) يكون إشارة إلى أقرب المذكورات ، وذلك هو قوله (الر) فيصير حينئذ ألر مخبرا عنه بأنه كتاب أحكمت آياته، فيلزمه على هذا القول ما لم يرض به في القول الأول، فثبت أن الصواب ما ذكرناه . المسألة الثانية) في قوله (أحكمت آياته) وجوه : الأول ( أحكمت آياته ) نظمت نظما رصيفاً محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف. الثاني : أن الأحكام ١٨٥ قوله تعالى (( الر كتاب أحكمت آياته )) سورة هود عبارة عن منع الفساد من الشيء . فقوله ( أحكمت آياته ) أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها . واعلم أن على هذا الوجه لا يكون كل الكتاب محكما ، لأنه حصل فيه آيات منسوخة ، إلا أنه لما كان الغالب كذلك صح إطلاق هذا الوصف عليه إجراء للحكم الثابت في الغالب مجری الحكم الثابت في الکل . الثالث : قال صاحب الکشاف( أحكمت ) يجوز أن يكون نقلا بالهمزة من حكم بضم الكاف اذا صار حكيما ، أي جعلت حكيمة ، كقوله ( آيات الكتاب الحكيم ) الرابع : جعلت آياته محكمة في أمور: أحدها : أن معاني هذا الكتاب هي التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والمعاد ، وهذه المعاني لا تقبل النسخ ، فهي في غاية الاحكام ، وثانيها : أن الآيات الواردة فيه غير متناقضة ، والتناقض ضد الأحكام فاذا خلت آياته عن التناقض فقد حصل الاحكام . وثالثها : أن ألفاظ هذه الآيات بلغت في الفصاحة والجزالة إلى حيث لا تقبل المعارضة ، وهذا أيضا مشعر بالقوة والاحكام . ورابعها : أن العلوم الدينية إما نظرية وإما عملية . أما النظرية فهي معرفة الله تعالى ومعرفة الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، وهذا الكتاب مشتمل على شرائف هذه العلوم ولطائفها ، وأما العملية فهي إما أن تكون عبارة عن تهذيب الأعمال الظاهرة وهو الفقه ، أو عن تهذيب الأحوال الباطنة وهي علم التصفية ورياضة النفس ، ولا نجد كتابا في العالم يساوي هذا الكتاب في هذه المطالب ، فثبت أن هذا الكتاب مشتمل على أشرف المطالب الروحانية وأعلى المباحث الالهية ، فكان كتابا محكما غير قابل للنقض والهدم . وتمام الكلام في تفسير المحكم ذكرناه في تفسيرُ قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) ﴿ المسألة الثالثة ) في قوله ( فصلت) وجوه : أحدها : أن هذا الكتاب فصل كما تفصل الدلائل بالفوائد الروحانية ، وهي دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص . والثاني : أنها جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية . الثالث ( فصلت ) بمعنى أنها فرقت في التنزيل وما نزلت جملة واحدة ، ونظيره قوله تعالى ( فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات) والمعنى مجيء هذه الآيات متفرقة متعاقبة . الرابع: فصل ما يحتاج اليه العباد أي جعلت مبينة ملخصة. الخامس: جعلت فصولا إحلالاً وحراما، وأمثالا وترغيبا، وترهيبا ومواعظ، وأمرا ونهيا لكل معنى فيها فصل، قد أفرد به غير مختلط بغيره حتى تستكمل فوائد كل واحد منها، ويحصل الوقوف على كل باب واحد منها على الوجه الأكمل . ١٨٦ قوله تعالى ((الركتاب احكمت آياته)) سورة هود المسألة الرابعة ) معنى ( ثم ) في قوله ( ثم فصلت ) ليس للتراخي في الوقت ، لكن في الحال كما تقول : هي محكمة أحسن الاحكام ، ثم مفصلة أحسن التفصيل ، وكما تقول : فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل . المسألة الخامسة ﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء ( أحكمت آياته ثم فصلت ) أي أحكمتها أنا ثم فصلتها ، وعن عكرمة والضحاك ( ثم فصلت ) أي فرقت بين الحق والباطل . ﴿ المسألة السادسة﴾ احتج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق من ثلاثة أوجه : الأول : قال المحكم : هو الذي أتقنه فاعله ، ولولا أن الله تعالى يحدث هذا القرآن وإلا لم يصح ذلك لأن الاحكام لا يكون إلا في الأفعال ، ولا يجوز أن يقال : كان موجودا غير محكم ثم جعله الله محكما ، لأن هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكما أن يكون محدثا ، ولم يقل أحد بأن القرآن بعضه قديم وبعضه محدث ، الثاني : أن قوله ( ثم فصلت ) يدل على أنه حصل فيه انفصال وافتراق ، ويدل على أن ذلك الانفصال والافتراق إنما حصل بجعل جاعل ، وتكوين مكوِّن، وذلك أيضا يدل على المطلوب . الثالث : قوله ( من لدن حكيم خبير ) والمراد من عنده ، والقديم لا يجوز أن يقال : إنه حصل من عند قديم آخر ، لأنهما لو كانا قديمين لم يكن القول بأن أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس . أجاب أصحابنا بأن هذه النعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات . ونحن معترفون بأنها محدثة مخلوقة ، وإنما الذي ندعى قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف والأصوات . المسألة السابعة ﴾ قال صاحب الكشاف قوله ( من لدن حكيم خبير ) يحتمل وجوها : الأول : أنا ذكرنا أن قوله ( كتاب ) خبر و( أحكمت ) صفة لهذا الخبر ، وقوله ( من لدن حكيم خبير ) صفة ثانية والتقدير : الر. كتاب من لدن حكيم خبير . والثاني : أن يكون خبراً بعد خبر والتقدير : الر . من لدن حكيم خبير . والثالث : أن يكون ذلك صفة لقوله ( أحكمت . وفصلت ) أي أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير ، وعلى هذا التقدير فقد حصل بين أول هذه الآية وبين آخرها نكتة لطيفة كأنه يقول أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور . ١٨٧ قوله تعالى (( ألا تعبدوا الا الله انني لكم منه نذير وبشير)) سورة هود أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّا اللَّهَ إِنَِّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمْتِعُ مَتَعًا حَسَنًا إِلَّ أَجَلٍ مُّسَخَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَّهُ, وَ إِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمِ كَبِيرٍ (چه إِلَى اللّهِ مَرْ جِعُكُمَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُچ قوله تعالى ﴿ ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفر وا ربكم ثم توبوا اليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فاني أخاف عليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ﴾ اعلم أن في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن في قوله ( ألا تعبدوا إلا الله ) وجوها : الأول : أن يكون مفعولا له والتقدير : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت : لأجل ألا تعبدوا إلا الله وأقول هذا التأويل يدل على أنه لا مقصود من هذا الكتاب الشريف إلا هذا الحرف الواحد ، فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب ، فقد خاب وخسر. الثاني : أن تكون ( أن ) مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول والحمل على هذا أولى ، لأن قوله ( وأن استغفروا) معطوف على قوله ( ألا تعبدوا) فيجب أن يكون معناه : أي لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفا على النهي ، فان كونه بمعنى لئلا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه . والثالث : أن يكون التقدير : الركتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليأمر الناس أن لا يعبدوا إلا الله ويقول لهم ، إنني لكم منه نذير وبشير والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية ) اعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف من وجوه : الأول : أنه تعالى أمر بأن لا يعبدوا إلا الله ، وإذا قلنا : الاستثناء من النفي اثبات ، كان معنى هذا الكلام النهي عن عبادة غير الله تعالى ، والأمر بعبادة الله تعالى ، وذلك هو الحق ، لأنا بينا أن ما سوى الله فهو محدث مخلوق مربوب ، وانما حصل بتكوين الله وإيجاده ، والعبادة عبارة عن اظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن ، فثبت أن عبادة غير الله منكرة ، والاعراض عن عبادة الله منكر . ١٨٨ قوله تعالى (( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه )) سورة هود واعلم أن عبادة الله مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة ، لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته فكان الأمر بعبادة الله أمرا بتحصيل المعرفة أولا . ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله ( الذي خلقكم والذين من قبلكم ) وإنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة ، فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة . ثم قال ﴿ إنني لكم منه نذير وبشير﴾ وفيه مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ أن الضمير في قوله (منه) عائد إلى الحكيم الخبير، والمعنى : انني لكم نذير وبشير من جهته . ٠ ﴿ البحث الثاني﴾ أن قوله ( ألا تعبدوا إلا الله) مشتمل على المنع عن عبادة غير الله، وعلى الترغيب في عبادة الله تعالى ، فهو عليه الصلاة والسلام نذير على الأول بالحاق العذاب الشديد لمن لم يأت بها . وبشير على الثاني بالحاق الثواب العظيم لمن أتى بها . واعلم أنهنَّي ما بعث إلا لهذين الأمرين ، وهو الانذار على فعل ما لا ينبغي ، والبشارة على فعل ما ينبغي . ﴿ المرتبة الثانية ) من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله (وأن استغفروا ربكم ) والمرتبة الثالثة ﴾ قوله ( ثم توبوا إليه ) واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه : الوجه الأول﴾ أن معنى قوله (وأن استغفروا) اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم ، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة ، فقال ( ثم توبوا اليه ) لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة . وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا باظهار التوبة ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المذنب معرض عن طريق الحق ، والمعرض المتمادى في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الاعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات ، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالاعراض عما يضاده ، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات ، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار ، وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب ، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة . ١٨٩ قوله تعالى (( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه )) سورة هود الوجه الثاني ﴾ في فائدة هذا الترتيب أن المراد : استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف . الوجه الثالث﴾ وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ، ثم توبوا من الأعمال الباطلة . ﴿ الوجه الرابع﴾ الاستغفار طلب من الله لازالة ما لا ينبغي. والتوبة سعي من الانسان في إزالة ما لا ينبغي ، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فانه هو الذي يقدر على تحصيله ، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة لأنها عمل يأتي به الانسان ويتوسل به إلى دفع المكروه والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمة على الاستعانة بسعي النفس . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يترتب عليها من الآثار النافعة والنتائج المطلوبة ، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في نوعين ، لأنه إما أن يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة ، أما المنافع الدنيوية : فهي المراد من قوله ( يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ) وهذا يدل على أن المقبل على عبادة الله والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم الحال مرفه البال ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول ﴾ أليس أن النبي ) قال ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) وقال أيضا ((خص البلاء بالانبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل)) وقال تعالى (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية. ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما؟ الجواب : من وجوه . الأول : المراد أنه تعالى لا يعذبهم بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذي كفروا . الثاني : أنه تعالى يوصل اليهم الرزق كيف كان ، واليه الاشارة بقوله ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ) الثالث : وهو الأقوى عندي أن يقال إن المشتغل بعبادة الله وبمحبة الله مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه ، فكل من كان إمعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه عن الخلق أتم وأكمل ، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر ، كان الابتهاج والسرور أتم ، لأنه أمن من تغير مطلوبه ، وأمن من زوال محبوبه ، فاما من كان مشتغلا بحب غير الله ، كان أبدا في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله ، فكان عيشه منغّصا وقلبه مضطربا ، ولذلك قال الله ١٩٠ قوله تعالى (( يمتعكم متاعاً حسنا إلى أجل مسمى )) سورة هود تعالى في صفة المشتغلين بخدمته (فلنحيينه حياة طيبة ) ﴿ السؤال الثاني﴾ هل يدل قوله (إلى أجل مسمى) على أن للعبد أجلين ، وأنه يقع في ذلك التقديم والتأخير ؟ والجواب : لا . ومعنى الآية أنه تعالى حكم بأن هذا العبد لو اشتغل بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني ، ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت آخر ، لكنه تعالى عالم بأنه لو اشتغل بالعبادة أم لا فان أجله ليس إلا في ذلك الوقت المعين ، فثبت أن لكل إنسان أجلا واحدا فقط . السؤال الثالث ﴾ لم سمى منافع الدنيا بالمتاع ؟ الجواب : لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها ، ونبه على كونها منقضية بقوله تعالى ( إلى أجل مسمى ) فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية ، ثم لما بين تعالى ذلك قال ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) والمراد منه السعادات الأخروية ، وفيها لطائف وفوائد . الفائدة الأولى ﴾ أن قوله ( ویؤت كل ذي فضل فضله ) معناه ویؤت كل ذي فضل موجب فضله ومعلوله والأمر كذلك . وذلك لأن الانسان إذا كان في نهاية البعد عن الاشتغال، بغير الله وكان في غاية الرغبة في تحصيل أسباب معرفة الله تعالى فحينئذ يصير قلبه فصاً لنقش الملكوت ومرآة يتجلى بها قدس اللاهوت ، إلا أن العلائق الجسدانية الظلمانية تكدر تلك الأنوار الروحانية ، فاذا زالت هذه العلائق أشرقت تلك الأنوار وتلألأت تلك الأضواء وتوالت موجبات السعادات ، فهذا هو المراد من قوله ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) الفائدة الثانية ) أن هذا تنبيه على أن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة وذلك لأنها مقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا ، فلما كان الاعراض عن غير الحق والاقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية ، فكذلك مراتب السعادات الأخروية غير متناهية ، فلهذا السبب قال ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) الفائدة الثالثة ) أنه تعالى قال في منافع الدنيا ( يمتعكم متاعا حسنا) وقال في سعادات الآخرة ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) وذلك يدل على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه وليس إلا بايجاده وتكوينه وإعطائه وجوده . وكان الشيخ الامام الوالد رحمه الله تعالى يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ، فأكثر الناس عقولهم ضعيفة واشتغال عقولهم بهذه الوسائط الفانية يعميها عن مشاهدة أن الكل منه ، فأما الذين توغلوا في المعارف الالهية ٠٢ ٠ ١٩١ قوله تعالى ( ویؤت كل ذي فضل فضله )) سورة هود وخاضوا في بحار أنوار الحقيقة علموا أن ما سواه ممكن لذاته موجود بايجاده ، فانقطع نظرهم عما سواه وعلموا أنه سبحانه وتعالى هو الضار والنافع ، والمعطى والمانع . ثم إنه تعالى لما بین هذه الأحوال قال ﴿ وإن تولوا فاني أخاف علیکم عذاب يوم کبیر﴾ والأمر كذلك ، لأن من اشتغل بعبادة غير الله صار في الدنيا أعمى ، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ، والذي يبين ذلك أن من أقبل على طلب الدنيا ولذاتها وطيباتها قوي حبه لها ومال طبعه إليها وعظمت رغبته فيها ، فاذا مات بقي معه ذلك الحب الشديد والميل التام وصار عاجزا عن الوصول إلى محبوبه ، فحينئذ يعظم البلاء ويتكامل الشقاء ، فهذا القدر المعلوم عندنا من عذاب ذلك اليوم ، وأما تفاصيل تلك الأحوال فهي غائبة عنا ما دمنا في هذه الحياة الدنيوية . ثم بين أنه لا بد من الرجوع إلى الله تعالى بقوله ( إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير) واعلم ان قوله (إلي مرجعكم) فيه دقيقة، وهي: أن هذا اللفظ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره، فيدل هذا على أنه لا مدبر ولا متصرف هناك الا هو. والأمر كذلك أيضا في هذه الحياة الدنيوية ، إلا أن أقواما اشتغلوا بالنظر إلى الوسائط فعجزوا عن الوصول إلى مسبب الأسباب ، فظنوا أنهم في دار الدنيا قادرون على شيء ، وأما في دار الآخرة ، فهذا الحال الفاسد زائل أيضا ، فلهذا المعنى بين هذا الحصر بقوله ( إلى الله مرجعكم ) ثم قال ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ وأقول إن هذا تهديد عظيم من بعض الوجوه وبشارة عظيمة من سائر الوجوه . أما إنه تهديد عظيم فلأن قوله تعالى ( الى الله مرجعكم ) يدل على أنه ليس مرجعنا إلا اليه ، وقوله ( وهو على كل شيء قدير ) يدل على أنه قادر على جميع المقدورات لادافع لقضائه ولا مانع لمشيئته، والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذنوب العظيمة مشكل وأما أنه بشارة عظيمة فلأن ذلك يدل على قدرة غالبة وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف تام وعجز عظيم لهذا العبد ، والملك القاهر العالى الغالب إذا رأى عاجزا مشرفا على الهلاك فانه يخلصه من الهلاك ، ومنه المثل المشهور : ملكت فاسجح . يقول مصنف هذا الكتاب : قد أفنيت عمري في خدمة العلم والمطالعة للكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور، والكريم إذا قدر غفر ، وأسألك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين ومجيب دعوة المضطرين أن تفيض سجال رحمتك على ١٩٢ قوله تعالى (( ألا إنهم يثنون صدورهم)) سورة هود أَلَّ إِنَّهُمْ يَنْنُونَ صُدُورَهُمْلِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْنُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ ولدي وفلذة كبدي وأن تخلصنا بالفضل والتجاوز والجود والكرم . قوله تعالى ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ﴾ اعلم أنه تعالى لما قال ( وإن تولوا) يعني عن عبادته وطاعته ( فاني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ) بين بعده أن التولى عن ذلك باطنا كالتولي عنه ظاهرا فقال ( ألا إنهم ) يعني الكفار من قوم محمد ◌َّ يثنون صدورهم ليستخفوا منه . واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار شيئين : الأول : أنهم يثنون صدورهم يقال : ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته ، وفي الآية وجهان: ﴿ الوجه الأول ) روى أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأسلنا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد ، فكيف يعلم بنا ؟ وعلى هذا التقدير : كان قوله ( يثنون صدورهم ) كناية عن النفاق ، فكأنه قيل : يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى ، ثم نبه بقوله ( ألا حين يستغشون ثيابهم ) على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم . الوجه الثاني﴾ روى أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه ، والتقدير كأنه قيل : إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم ، لئلا يسمعوا كلام رسول الله وما يتلو من القرآن ، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطعن . وقوله ( ألا ) للتنبيه ، فنبه أولا على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة ( ألا ) للتنبيه على ذكر الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم ، وهو حين يستغشون ثيابهم ، كأنه قيل : ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من الله، ألا إنهم إيستخفون حين يستغشون ثيابهم ، ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله ( يعلم ما يسرون وما يعلنون ) ١٩٣ الجزء الثانى عشر قوله تعالى ((وما من دابة في الأرض إلا على الله)) سورة هود وَمَا مِن دَآَةٍ فِىِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِرِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَفَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى کِنَپٍمُبِينٍ ٦ قوله تعالى ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل فی کتاب مبین اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه ( یعلم.ما یسرون وما يعلنون ) أردفه بما يدل على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، فثبت أن رزق كل حيوان إنما يصل اليه من الله تعالى ، فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال الزجاج : الدابة اسم لكل حيوان ، لأن الدابة اسم مأخوذ من الدبیب ، وبینت هذه اللفظة على هاء التأنيث ، وأطلق علی کل حيوان ذي روح ذكرا كان أو أنثى ، إلا أنه بحسب عرف العرب اختص بالفرس ، والمراد بهذا اللفظ في هذه الآية الموضوع الأصلي اللغوي ، فيدخل فيه جميع الحيوانات ، وهذا متفق عليه بين المفسرين ، ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة ، وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال ، والله يحصيها دون غيره ، وهو تعالى عالم بكيفية طبائعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها وسمومها ومساكنها ، وما يوافقها وما يخالفها ، فالاله المدبر لاطباق السموات والأرضين ؛ وطبائع الحيوان والنبات ، کیفلا يكون عالما بأحوالها ؟ روی أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي اليه تعلق قلبه بأحوال أهله ، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، ورفع الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، ويذكرني ولا ينساني. ﴿ المسألة الثانية ﴾ تعلق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرزق قد يكون حراما ، قالوا لأنه ثبت أن إيصال الرزق الى كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد وبحسب الاستحقاق ، والله تعالى لا يخلّ بالواجب ، ثم قد نرى إنسانا لا يأكل من الحلال طول عمره ، فلو لم يكن الحرام رزقا لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه ، فيكون تعالى قد أخل بالواجب وذلك محال ، فعلمنا أن الحرام قد يكون رزقا ، وأما قوله ( ويعلم مستقرها ومستودعها) فالمستقر هو مكانه من الأرض والمستودع حيث كان مودعا قبل الاستقرار في صلب أو رحم أو الفخر الرازي ج١٧ م١٣ ١٩٤ قوله تعالى ((وهو الذي خلق السموات والأرض )) سورة هود وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِئَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَّ عَرْشُهُ، عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَيْنَ قُلْتَ إِنَّكُم مَّعُونُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحِرْسَبِينَ ٧ بيضة ، وقال الفراء : مستقرها حيث تأوى اليه ليلا أو نهارا . ومستودعها موضعها الذي تموت فيه ، وقد مضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام ، ثم قال ( كل في كتاب مبين ) قال الزجاج : المعنى أن ذلك ثابت في علم الله تعالى ، ومنهم من قال : في اللوح المحفوظ ، وقد ذكرنا فائدة ذلك في قوله ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) قوله تعالى ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات ، أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادرا على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد من هذین الدلیلین یدل علی کمال علم الله وعلى كمال قدرته . واعلم أن قوله تعالى ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ﴾ قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء . بقى ههنا أن نذكر ( وكان عرشه على الماء ) قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الربح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء ، قال أبو بكر الأصم : معنى قوله ( وكان عرشه على الماء ) كقولهم : السماء على الأرض . وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض ، وقالت المعتزلة: في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما، لأنه لا يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء، لأنه تعالى لما خلقهما فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث، بالعرش والماء، لأنه تعالى لما خلقهما فاما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث، فبقي الأول وهو أنه خلقهما لمنفعة، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال، لكونه متعالياً عن النفع والضرر أو إلى الغير، فوجب أن يكون ذلك الغیر حیا، لأن غير الحي لا ينفع. وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة، وأما أبو مسلم ١٩٥ قوله تعالى (( وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام )) سورة هود الأصفهاني فقال معنى قوله ( وكان عرشه على الماء ) أي بناؤه السموات كان على الماء ، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس ، وبين أنه تعالى إذا بنى السموات على الماء كانت أبدع وأعجب ، فان البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت ، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء ؟ وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات والأرض ؟ والجواب : فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه : الأول : أن العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك ، والثاني : أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار وإلا لزم أن تكون أقسام العالم غير متناهية ، وذلك يدل على ما ذكرناه . والثالث : أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، وذلك يدل أيضا على ما ذكرنا . ﴿ السؤال الثاني ﴾ هل يصح ما يروى أنه قيل يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض ؟ فقال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء . والجواب : أن هذه الرواية ضعيفة ، والأولى أن يكون الخبر المشهور أولى بالقبول وهو قوله + # ((كان الله وما كان معه شيء، ثم كان عرشه على الماء)). السؤال الثالث ﴾ اللام في قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) يقتضي أنه تعالى خلق السموات والأرض لابتلاء المكلف فكيف الحال فيه ؟ والجواب ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكثير لمصلحة المكلفين ، وقد قال بهذا القول طوائف من العقلاء ، ولكل طائفة فيه وجه آخر سوى الوجه الذي قال به الآخرون ، وشرح تلك المقالات لا يليق بهذا الكتاب . والذين قالوا إن أفعاله وأحكامه غير معللة بالمصالح قالوا : لام التعليل وردت على ظاهر الأمر ، ومعناه أنه تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من تجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض . ﴿ السؤال الرابع﴾ الابتلاء إنما يصح على الجاهل بعواقب الأمور وذلك عليه تعالى محال ، فكيف يعقل حصول معنى الابتلاء في حقه ؟ والجواب : أن هذا الكلام على سبيل الاستقصاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى في أول ١٩٦ قوله تعالى ((ولئن أخرّنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة)) سورة هود وَلَبِنْ أَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أَمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لََّقُولُنَّ مَا يَحِْسُهُ وَ أَلَا يَوْمَ يَأْتِهِمْ ٥٠٠٠ مَّا كَانُواْ بِهِ ، يَسْتَهْزِءُونَ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم سورة البقرة ( لعلكم تتقون ) واعلم أنه تعالى لما بين أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر، لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة ، فعند هذا خاطب محمدا عليه الصلاة والسلام وقال ( ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) ومعناه أنهم ينكرون هذا الكلام ويحكمون بفساد القول بالبعث . فان قيل : الذي يمكن وصفه بأنه سحر ما يكون فعلا مخصوصا ، وكيف يمكن وصف هذا القول بأنه سحر ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : قال القفال : معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازا لهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم . الثاني : أن معنى قوله ( إن هذا إلا سحر مبين ) هو أن السحر أمر باطل ، قال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام ( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ) فقوله ( إن هذا إلا سحر مبين ) أي باطل مبين . الثالث : أن القرآن هو الحاكم بحصول البعث وطعنوا في القرآن بكونه سحرا لأن الطعن في الأصل يفيد الطعن في الفرع . الرابع : قرأ حمزة والكسائي ( إن هذا إلا سحر ) يريدون النبي ◌ّ والساحر كاذب . قوله تعالى ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة مسدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم لیس مصر وفا عنهم وحاق بهم ما کانوا به يستهز ئون ﴾ اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول و لو بقولهم (إن هذا إلا سحر مبين ) فحكى عنهم في هذه الآية نوعا آخر من أباطيلهم وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول و 38 به أخذوا في الاستهزاء ويقولون : ما السبب الذي حبسه عنا ؟ ١٩٧ ((ولئن اذقنا الانسان رحمة ثم نزعناها)) سورة هود وَلَيِنْ أَذَقْنَا ◌ٌلْإِنسَانَ مِنَّا رََّةٌ ثُمَّ تَعْتَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَعُوسٌ كَفُورٌ ﴾ وَلَبِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّعَاتُ عَنِيٍ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورَ (ي﴾ فأجاب الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب الذي كانوا يستهزؤن به لم ينصرف ذلك العذاب عنهم وأحاط بهم ذلك العذاب . بقي ههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ المراد من هذا العذاب هو عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ؟ الجواب : للمفسرين فيه وجوه : الأول : قال الحسن : معنى حكم الله في هذه الآية أنه لا يعذب أحدا منهم بعذاب الاستئصال وأخرُ ذلك إلى يوم القيامة ، فلما أخر الله عنهم ذلك العذاب قالوا على سبيل الاستهزاء ما الذي حبسه عنا ؟ والثاني : أن المراد الأمر بالجهاد وما نزل بهم يوم بدر ، وعلى هذا الوجه تأولوا قوله ( وحاق بهم ) أي نزل بهم هذا العذاب يوم بدر . ﴿ السؤال الثاني﴾ ما المراد بقوله (إلى أمة معدودة ) الجواب من وجهين : الأول : أن الأصل في الأمة هم الناس والفرقة . فاذا قلت : جاءني أمة من الناس ، فالمراد طائفة مجتمعة قال تعالى ( وجد عليه أمة من الناس يسقون ) وقوله ( وادكر بعد أمة ) أي بعد انقضاء أمة وفنائها فكذا ههنا قوله ( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) أي إلى حين تنقضي أمة من الناس ، انقرضت بعد هذا الوعيد بالقول ، لقالوا ماذا يحسبه عنا وقد انقرض من الناس الذين كانوا متوعدين بهذا الوعيد ؟ وتسمية الشيء باسم ما يحصل فيه كقولك : كنت عند فلان صلاة العصر، أي في ذلك الحين . الثاني : أن اشتقاق الأمة من الأم، وهو القصد ، كأنه يعني الوقت المقصود بايقاع هذا الموعد فيه . السؤال الثالث ﴾ لم قال (وحاق ) على لفظ الماضي مع أن ذلك لم يقع ؟ والجواب : قد مر في هذا الكتاب آيات كثيرة من هذا الجنس ، والضابط فيها أنه تعالى أخبر عن أحوال القيامة بلفظ الماضي مبالغة في التأكيد والتقرير . قوله تعالى ﴿ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا ١٩٨ قوله تعالى ((ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته) سورة هود إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَكِكَرِلَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَبْرُ كَبِيرُ (! الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير﴾ اعلم أنه تعالى لما ذکر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد وأن یحیق بهم، ذكر بعده ما يدل على كفرهم، وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب. فقال (ولئن أذقنا الانسان) وفيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ لفظ ( الانسان ) في هذه الآية فيه قولان : القول الأول﴾ أن المراد منه مطلق الانسان ويدل عليه وجوه: الأول أنه تعالى استثنى منه قوله ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) والاستثناء يخرج من الكرم ما لولاه لدخل ، فثبت أن الانسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر ، وذلك يدل على ما قلناه . الثاني : أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى ( والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وموافقة أيضا لقوله تعالى ( إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشرجزوعا وإذا مسه الخير منوعا) الثالث : أن مزاج الانسان مجبول على الضعف والعجز . قال ابن جريج : في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت بك نعمة من الله فأنت كفور ، فاذا نزعت منك فيؤس قنوط . والقول الثاني ﴾ أن المراد منه الكافر، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا المانع ، وههنا لا مانع فوجب حمله عليه . والمعهود السابق هو الكافر المذكور في الآية المتقدمة . الثاني : أن الصفات المذكورة للانسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه یؤسا ، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) ووصفه أيضاً بكونه كفورا ، وهو تصريح بالكفر . ووصفه أيضاً بأنه عند وجدان الراحة يقول : ذهب السيئات عني ، وذلك جراءة على الله تعالى ، ووصفه أيضاً بكونه فرحا ( والله لا يحب الفرحين ) ووصفه أيضاً بكونه فخوراً ، وذلك ليس من صفات أهل الدين . ثم قال الناظرون لهذا القول : وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات . المسألة الثانية ﴾ لفظ الإذاقة والذوق يفيدأقل ما يوجد به الطعم ، فكان المراد أن ١٩٩ قوله تعالى ((ولئن أذقنا الانسان منا رحمة »سورة هود الانسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان ، وبادراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران . فالدنيا في نفسها قليلة ، والحاصل منها للانسان الواحد قليل ، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل . ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين ، فهذه الإذاقة قليل من قليل ، ومع ذلك فان الانسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الاتيان بالطريق الحسن معها . وأما النعماء فقال الواحدي : إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها ، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء ، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء ، والمضرة والضراء . المسألة الثالثة ) اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية ، بل هي أبداً في التغير والزوال ، والتحول والانتقال ، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات ، وإما أن يكون بالعكس من ذلك ، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحرمات إلى الطيبات . أما القسم الأول ﴾ فهو المراد من قوله (وإذا أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه لیؤس کفور ) وحاصل الكلام أنه تعالى حکم على هذا الانسان بأنه یؤس كفور . وتقريره أن يقال : أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤساً ، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي ، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخری فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس . وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فانه لا يحصل له اليأس ، بل يقول لعله تعالى يردها إلى بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت ، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فانه يكون كفوراً لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الانسان حصلها بسبب جده وجهده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة . فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوساً وعند حصولها يكون كفوراً . وأما القسم الثاني ﴾ وهو أن ينتقل الانسان من المكروه إلى المحبوب، ومن المحنة إلى النعمة ، فههنا الكافريكون فرحا فخورا . أما قوة الفرح فلان منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية ، فاذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها ، وأما كونه فخوراً فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به ، فحاصل الكلام أنه تعالى بين أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين ، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين . ثم لما قرر ذلك قال ( إلا ٢٠٠ قوله تعالى (( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك)) سورة هود فَعَّكَ تَارِكْ بَعْضَ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَضَابِقٌ بِهِءَ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكُ إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ وَكِيلُ الذين صبروا وعملوا الصالحات ) والمراد منه ضد ما تقدم فقوله ( إلا الذين صبروا) المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين ، وقوله (وعملوا الصالحات ) المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين. ثم بين حالهم فقال ( أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) فجمع لهم بين هذين المطلوبين . أحدهما : زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله ( لهم مغفرة ) والثاني : الفوز بالثواب وهو المراد من قوله ( وأجر كبير ) ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضا معجز بحسب معانيه . قوله تعالى ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من كلمات الكفار ، والله تعالى بين أن قلب الرسول ضاق بسببه ، ثم إنه تعالى قواه وأيده بالاكرام والتأييد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى ) روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة قالوا : يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا ، وقال آخرون : ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك . قال : لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية . واختلفوا فيراد بقوله ( تارك ما يوحى إليك ) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال المشركون للنبي وَعليه («ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بك))، وقال الحسن طلبوا منه أن لا يقول (إن الساعة آتية ) وقال بعضهم : المراد نسبتهم إلى الجهل والتقليد والاصرار على الباطل . ﴿ المسألة الثانية) أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يخون في الوحي والتنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه ، لأن تجويزه يؤدي إلى الشك في کل الشرائع والتكاليف وذلك يقدح في النبوة وأيضا فالمقصود من الرسالة تبليغ تكاليف الله تعالى وأحكامه فاذا لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها ،