النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ قوله تعالى (( واتل عليهم نبأ نوح )) سورة يونس وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأْ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ، يَنْقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَيْكُم مَّقَاعِى وَتَذْكِى بِعَايَتِ الِّ فَعَلَى اللَِّتَوَكَلْتُ فَأَجْعُواْأَمْرَكُمْ وَثُرَكَاءَ كُمْ ثُمَ لَا يَكُنْ أَمْرُ كُمْ عَلَيْكُمْ مَُّةُ أَقْضُواْإِلَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ﴾ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ◌َمَا سَأَلْتُ مِّنْ أَبْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَِّ وَأَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِنَ ( ولكنه لا يختص بهذه الصورة بل كل من قال في ذات الله تعالى وفي صفاته قولا بغير علم وبغير حجة بينة کان داخلا في هذا الوعيد ، ومعنى قوله ( لا يفلح ) قد ذكرناه في أول سورة البقرة في قوله تعالى ( وأولئك هم المفلحون ) وبالجملة فالفلاح عبارة عن الوصول إلى المقصود والمطلوب ، فمعنى أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة ، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى ، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال : إن ذلك المقصود الخسيس متاع قليل في الدنيا ، ثم لا بد من الموت ، وعند الموت لا بد من الرجوع الى الله وعند هذا الرجوع لا بد من أن يذيقه العذاب الشديد بسبب ذلك الكفر المتقدم ، وهذا كلام في غاية الانتظام ونهاية الحسن والجزالة . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظر ون.فان توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات ، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه : أحدها : أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فاذا انتقل الانسان من ذلك الفن من العلم الى فن آخر ، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلا قويا . وثانيها : ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة ١٤٢ قوله تعالى ( إن کان کبر علیکم مقامي وتذکیري بآيات الله )» ا سورة یونس بمن سلف من الأنبياء ، فان الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت . وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن الجهال وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم ، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا لانكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم ، وحينئذ يقللون من أنواع الايذاء ، والسفاهة . ورابعها : أنا قد دللنا على أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ، ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ومن غير نقصان ، دل ذلك على أنهن ◌َّليه إنما عرفها بالوحي والتنزيل . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة . فالقصة الأولى ﴾ قصة نوح عليه السلام ، وهي المذكورة في هذه الآية ، وفيها وجهان من الفائدة : الأول : أن قوم نوح عليه السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق . فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار ، وداعية الى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة . والثاني : أن كفارمكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره. الرسول عليه السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت ، فانه ما جاءنا هذا العذاب ، فالله تعالى ذکر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه علیه السلام کان خوفھم بهذا العذاب وکانوا یکذبونه فیه ، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا ههنا . ﴿ المسألة الثانية ﴾ أن نوحا عليه السلام قال لقومه ( ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ) وهذا جملة من الشرط والجزاء ، أما الشرط ، فهو مركب من قیدین : القيد الأول ﴾ قوله ( ان كان كبر عليكم مقامي ) قال الواحدي : في البسيط يقال : كبر يكبر كبرا في السن ، وكبر الأمر والشيء اذا عظم يكبر كبرا وكبارة . قال ابن عباس : ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالاقامة . يقال : أقام بين أظهرهم مقاما واقامة ، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه ، وأراد بالمقام ههنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله ( كبر عليكم مقامي ) جار مجرى قولهم : فلان ثقيل الظل . واعلم أن سبب هذا الثقل أمران : أحدهما : أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما . والثاني : أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق ٠٠٠٠ ٫ ١٤٣ قوله تعالى (( فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم )) سورة يونس الباطلة . والغالب أن من ألف طريقة في الدين فانه يثقل عليه أن يدعى الى خلافها ، ويذكر له رکاکتها ، فان اقترن بذلك طول مدة الدعاء کان أثقل وأشد كراهية ، فان اقترن به إیراد الدلائل القاهرة على فساد ذلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل . ﴿ والقيد الثاني ﴾ هو قوله ( وتذكيري بآيات الله ) واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات ، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فانه يستثقل الانسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله ( إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ) معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهرا وكلامهم مسموعا ، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود . واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية ، أما الجزاء ففيه قولان : ﴿القول الأول﴾ أن الجزاء هو قوله (فعلى الله توكلت) يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الاقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله . واعلم أنه عليه السلام كان أبدا متوكلا على الله تعالى ، وهذا اللفظ يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة ، لكن المعنى أنه انما توكل على الله في دفع هذا الشر في هذه الساعة . ﴿والقول الثاني) وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله (فاجمعوا أمركم وشركاءكم) وقوله (فعلى الله توكلت) كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام ان كنت أنكرت على شيئا فالله حسبى فاعمل ما تريد، واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب . ﴿القيد الأول﴾ قوله (فأجمعوا أمركم) وفيه بحثان: البحث الأول ﴾ قال الفراء : الاجماع الإعداد والعزيمة على الامر وأنشد : یا ليت شعري والمنى لا ينفع هل اغدون يوما وأمري مجمع فاذا أردت جمع التفرق قلت : جمعت القوم فهم مجموعون ، وقال أبو الهيثم : أجمع أمره ، أي جعله جميعا بعد ما كان متفرقا ، قال : وتفرقه ، أي جعل يتدبره فيقول : مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه ، أي جعله جميعا فهذا هو الأصل في الاجماع ، ومنه قوله تعالى ( وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ) ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل : أجمعت على الأمر ، أي عزمت عليه ، والأصل أجمعت الأمر . البحث الثاني ﴾ روى الأصمعي عن نافع ( فاجمعوا أمركم ) بوصل الألف من الجمع ١٤٤ قوله تعالى (( ثم لا یکن أمركم علیکم غمة )) سورة يونس وفيه وجهان : الأول : قال أبو علي الفارسي : فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت . الثاني : قال ابن الأنباري : المراد من ههنا وجوه كيدهم ومكرهم ، فالتقدير : ولا تدعوا من أمركم شيئا إلا أحضرتموه . والقيد الثاني ﴾ قوله ( وشركاءكم ) وفيه أبحاث : البحث الأول ﴾ الواوههنا بمعنى مع ، والمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم ، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك . ﴿ البحث الثاني ﴾ يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم، فان كان المراد هو الأول فانما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع ، وان كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر . البحث الثالث ﴾ قرأ الحسن وجماعة من القراء ( وشركاؤكم) بالرفع عطفا على الضمير المرفوع ، والتقدير : فأجمعوا أنتم وشركاؤكم . قال الواحدي : وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) لأن قوله ( أمركم ) فصل بين الضمير وبين المنسوق ، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة ، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف . ﴿القيد الثالث ) قوله ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) قال أبو الهيثم : أي مبهما من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة : لعمري ما أمري عليّ بغمة نهاري ولا ليلي علي بسرمد وقال الليث : إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له . قال الزجاج : أي ليكن أمركم ظاهرا منکشفا ﴿ القيد الرابع﴾ قوله ( ثم اقضوا إلي ) وفيه بحثان: البحث الأول ﴾ قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكر وهكم وما توعدونني به ، تقول العرب : قضى فلان ، يريدون مات ومضى ، وقال بعضهم : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه . وبه يسمى القاضي ، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله ( ثم اقضوا إلي ) أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم ، ومنه قوله تعالى ( وقضينا إلى ١٤٥ قوله تعالى « فكذبوه فنجیناه ومن معه في الفلك )) سورة يونس بني إسرائيل في الكتاب ) أي أعلمناهم إعلاما قاطعا ، قال تعالى ( وقضينا إليه ذلك الأمر ) قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول كلمة ( إلي ) في هذا الموضع من قولهم برئت اليك وخرجت اليك من العهد ، وفيه معنى الاخبار فكانه تعالى قال : ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكما مفروغا منه . ﴿ البحث الثاني) قرىء ثم أفضوا الي بالفاء بمعنى ثم انتهوا الي بشرِّكم، وقيل : هو من أفضى الرجل اذا خرج الى الفضاء ، أي أصحروا به الي وأبرزوه إلي . القيد الخامس ﴾ قوله ( ولا تنظرون ) معناه لا تمهلون بعد اعلامكم إياي ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الالفاظ ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال أنه عليه السلام قال ((في أول الأمر فعلى الله توكلت فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل والايذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى)) ثم انه عليه السلام أورد ما يدل على صحة دعوته فقال (( فأجمعوا أمركم )) فكأنه يقول لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا الى انفسهم شركاءهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوي بمكانهم وبالتقرب اليهم ، ثم لم يقتصر على هذين بل ضم اليهما ثالثا وهو قوله ( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ) وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم اليها رابعا فقال ( ثم اقضوا الي ) والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور الى ، ثم ضم الى ذلك خامسا . وهو قوله ( ولا تنظرون ) أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه كان قاطعا بأن كيدهم لا يصل اليه ومكرهم لا ينفذ فيه . وأما قوله تعالى ﴿ فان توليتم فما سألتكم من أجر ﴾ فقال المفسرون : هذا اشارة الى أنه ما أخذ منهم مالاً على عودتهم إلى دين الله تعالى . ومتى كان الانسان فارغا من الطمع كان قوله له أقوى تأثيرا في القلب . وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال : إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه وذلك لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين . إما بايصال الشرأو بقطع المنافع ، فبين فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيرا ، لأنه ما أخذ منهم شيئا فكان يخاف أن يقطعوا منه خيرا ثم قال ﴿ إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ وفيه قولان : الأول : أنكم سواء قبلتم دين الاسلام أو لم تقبلوا ، فأنا مأمور بأن أكون على دين الاسلام . الفخر الرازي ج١٧ م١٠ ١٤٦ قوله تعالى (( ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم )) سورة يونس فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَهُ وَمَن مَّعَهُ، فِ الَّفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَبِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ ◌ِفَايَتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( ثُمَّبَثْنَ مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْيِهِمْ ابَهُ وهُم بِالْبَيِنَتِ ◌َمَا كَانُوْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَبُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ كَلِكَ نَطْبَعُ عَ قُلُوبٍ الْمُعْتَدِينَ ٧٤ والثاني : أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة . وهذا الوجه أليق بهذه الموضع ، لأنه لما قال ( ثم اقضوا إلي ) بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى الكلمات التي جرت بين نوح وبين أولئك الكفار ، ذكر ما إليه رجعت عاقبة تلك الواقعة ، أما في حق نوح وأصحابه فأمران : أحدهما : أنه تعالى نجاهم من الكفار . الثاني : أنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق ، وأما في حق الكفار فهو أنه تعالى أغرقهم وأهلكهم . وهذه القصة إذا سمعها من صدق الرسول ومن كذب به كانت زجرا للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح . وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الايمان ، ليصلو إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح ، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ . وعلى هذا الوجه ذكر تعالى أقاصيص الأنبياء عليهم السلام . وأما تفاصيل هذه القصة ، فهي مذكورة في سائر السور . قوله تعالى ﴿ ثم بعثنا من بعده رسلا إلی قومهم فجاؤهم بالبينات فما کانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ﴾ اعلم أن المراد : ثم بعثنا من بعد نوح رسلا ولم يسمهم ، وكان منهم هود ، وصالح، وإبراهيم ولوط ، وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين بالبينات ، وهي المعجزات القاهرة ، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب ، ولم يزجرهم ما بلغهم من ١٤٧ قوله تعالى ( ثم بعثنا من بعدهم موسی وهرون )) سورة يونس ثمَ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَثُرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَِ وَمَلَإِهِ، بِعَايَتِنَا فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٤) فَلَمَّا جَاءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَاذَا لَسِحْرُ ◌ُبِينٌ (﴾ قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ كُرْ أَسِحُرُ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَِّحِرُونَ (#) إهلاك الله تعالی المکذبین من قوم نوح عن ذلك ، فلهذا قال ( فما کانوا لیؤمنوا بما کذبوا به من قبل ) وليس المراد عين ما كذبوا به ، لأن ذلك لم يحصل في زمانهم بل المراد بمثل ما كذبوا به من البينات ، لأن البينات الظاهرة على الأنبياء عليهم السلام أجمع كأنها واحدة . ثم قال تعالى ﴿ كذلك نطبع على قلوب المعتدين ﴾ واحتج أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الايمان بهذه الآية وتقريره ظاهر . قال القاضي : الطبع غير مانع من الايمان بدليل قوله تعالى ( بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) ولو كان هذا الطبع مانعا لما صح هذا الاستثناء ؟ والجواب : أن الكلام في هذه المسألة قد سبق على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) فلا فائدة في الإِعادة . القصة الثانية قصة موسى عليه السلام قوله تعالى ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبر وا وكانوا قوما مجرمين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءکم أسحر هذا ولا يفلح الساحر ون ﴾ اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير . وفيه سؤال واحد ، وهو أن القوم لما قالوا : إن هذا لسحر مبين ، فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا ( أسحر هذا) على سبيل الاستفهام ؟ وجوابه : أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا ( أسحر هذا) بل قال ١٤٨ قوله تعالى ((قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا)) سورة يونس قَالُواْ أَجِثْتَنَا لِتَلْفِتَنَ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ◌َابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكَ الْكِبْرِيَاءُ فِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكَا بِمُؤْمِنِينَ (٨﴾ وَقَالَ فِرْ عَوْنُ أَنْتُونِ بِكُلِّ سَحٍِ عَلِيمٍ ﴾ فَلَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَىّ أَلْقُوْ مَا أَنتُم مُلْقُونَ (*) فَلَا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِثْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَبُيْطِلُهُ، إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ (چے ( أتقولون للحق لما جاءكم ) ما تقولون ، ثم حذف عنه مفعول ( أتقولون ) لدلالة الحال عليه ، ثم قال مرة أخرى ( أسحر هذا) وهذا استفهام على سبيل الانكار ، ثم احتج على أنه ليس بسحر ، وهو قوله ( ولا يفلح الساحرون ) يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه ( ولا يفلح الساحرون ) وأما قلب العصاحية وفلق البحر، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل والتمويه ، فثبت أنه ليس بسحر . قوله تعالى ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الکبر یاء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى عليه السلام ، وعللوا عدم القبول بأمرين : الأول : قوله ( أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ) قال الواحدي : اللفت في أصل اللغة الصرف عن أمر ، وأصله أن يقال : لفت عنقه اذا لواها ، ومن هذا يقال : التفت إليه ، أي أمال وجهه إليه . قال الأزهري : لفت الشيء وقتله اذا لواه ، وهذا من المقلوب . واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا : لا نترك الدين الذي نحن عليه ، لأنا وجدنا آباءنا عليه ، فقد تمسكوا بالتقليد ، ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الاصرار . ١٤٩ قوله تعالى ((ويحق الله الحق بكلماته)) سورة يونس والسبب الثاني﴾ في عدم القبول قوله ( وتكون لكما الكبرياء في الأرض ) قال المفسرون : المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر، والخطاب لموسى وهرون . قال الزجاج : سمى الملك كبرياء ، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا ، وأيضا فالنبي اذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه ، فصار أكبر القوم . واعلم أن السبب الأول : إشارة إلى التمسك بالتقليد ، والسبب الثاني : إشارة إلى الحرص على طلب الدنيا ، والجد في بقاء الرياسة ، ولما ذكر القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا ( وما نحن لكما بمؤمنين) واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك ، وأرادوا أن يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر ، ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السحر ، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم ، ( فقال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) فان قيل : كيف أمرهم بالكفر والسحر ، والأمر بالكفر كفر ؟ قلنا : إنه عليه السلام أمرهم بالقاء الحبال والعصي ، ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد وسعى باطل ، لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر ، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى ما جئتم به هو السحر الباطل ، والغرض منه أن القوم قالوا لموسى : إن ما جئت به سحر ، فذكر موسى عليه السلام أن ما ذكرتموه باطل ، بل الحق أن الذي جئتم به هو السحر والتمويه الذي يظهر بطلانه ، ثم أخبرهم بأن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل ، وقد أخبر الله تعالى في سائر السور أنه كيف أبطل ذلك السحر ، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف كل تلك الجبال والعصي . ﴿ المسألة الثانية) قوله ( ما جئتم به السحر) ما ههنا موصولة بمعنى الذي وهي مرتفعة بالابتداء ، وخبرها السحر ، قال الفراء : وإنما قال ( السحر ) بالألف واللام ، لأنه جواب كلام سبق . ألا ترى أنهم قالوا : لما جاءهم موسى هذا سحر ، فقال لهم موسى بل ما جئتم به السحر ، فوجب دخول الألف واللام ، لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة ، يقول الرجل. لغيره : لقيت رجلا فيقول له من الرجل فيعيده بالألف واللام ، ولو قال له من رجل لم يقع في فهمه أنه سأله عن الرجل الذي ذكره له . وقرأ أبو عمرو ( السحر ) بالاستفهام ، وعلى هذه القراءة ما استفهامية مرتفع بالابتداء ، وجئتم به في موضع الخبر كأنه قيل : أي شيء جئتم به . ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع ( السحر ) كقوله تعالى ( أأنت قلت للناس ) والسحر بدل من المبتدأ ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام ، كما تقول كم مالك ١٥٠ قوله تعالى ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه )) سورة يونس ◌َآَءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَ ئِمْ أَن يَفْتِهُمْ وإِنَّ فِرْعَوّنَ لَعَلٍ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ٨٣ أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلت أعشرون بدلا من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر لأنك اذا ابدلته من المبتدأ صار في موضعه وصار ما كان خيراً عن المبدل منه خبرا عنه . ثم قال تعالى ﴿ إن الله سيبطله ﴾ أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه (إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) أي لا يقويه ولا يكمله . ثم قال ﴿ ويحق الله الحق ) ومعنى احقاق الحق اظهاره وتقويته . وقوله ( بكلماته ) أي بوعده موسى . وقيل بما سبق من قضائه وقدره ، وفي كلمات الله أبحاث غامضة عالية ، وقد ذكرناها في بعض مواضع من هذا الكتاب . قوله تعالى ﴿ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وانه لمن المسرفين ﴾ واعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة . وما ظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر ، ثم إنه تعالى بين أنهم مع مشاهدة المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية من قومه، وانما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد لتر ، لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر ، فبين أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة ، لأن الذي ظهر من موسى عليه السلام كان في الاعجاز في مرأى العين أعظم ، ومع ذلك فما آمن به منهم الا ذرية . واختلفوا في المراد بالذرية على وجوه : الأول : أن الذرية ههنا معناها تقليل العدد . قال ابن عباس : لفظ الذرية على وجوه : الأول : أن الذرية ههنا معناها تقليل العدد . قال ابن عباس : لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير ، ولا سبيل إلى حمله على التقدير على وجه الاهانة في هذا الموضع فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد . الثاني : قال بعضهم : المراد أولاد من دعاهم ، لأن الآباء استمروا على الكفر ، إما لأن قلوب الأولاد ألين أو دواعيهم على الثبات على الكفر أخف . الثالث : أن الذرية قوم كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل . الرابع : الذرية من آل فرعون آسية امرأة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطتها . وأما الضمير في قوله ( من قومه ) فقد اختلفوا أن المراد من قوم موسى أو من قوم فرعون ، لأن ذكرهما جميعا قد تقدم والأظهر أنه عائد إلى موسى ، لأنه أقرب المذكورين ولأنه نقل إن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل . ١٥١ قوله تعالى « وقال موسی یا قوم إن كنتم آمنتم بالله )) سورة يونس وَقَالَ مُوسَى يَنْقَوْمِ إِن كُنتُمْءَامَنْتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَُّواْ إِنَ كُنتُ مُسْلِينَ ﴾ فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَلْنَا رَبَّا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةُ لِلْقَوْمِ الظَّالِنَ (٥﴾ وَجِنَا بِرَهْتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْفِرِينَ أما قوله ﴿على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ﴾ ففيه أبحاث : ﴿ البحث الأول ﴾ أن أولئك الذين آمنوا بموسى كانوا خائفين من فرعون جدا ، لأنه كان شديد البطش وكان قد أظهر العداوة مع موسى ، فاذا علم ميل القوم إلى موسى كان يبالغ في إيذائهم ، فلهذا السبب كانوا خائفين منه . ﴿ البحث الثاني﴾ إنما قال ( وملئهم) مع أن فرعون واحد لوجوه : الأول : أنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع ، والمراد التعظيم . قال الله تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر ) الثاني : أن المراد بفرعون آل فرعون . الثالث : أن هذا من باب حذف المضاف كأنه أريد بفرعون آل فرعون . ثم قال ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم . ثم قال ﴿ وإن فرعون لعال في الأرض ﴾ أي لغالب فيها قاهر ( وانه لمن المسرفين) قيل : المراد أنه كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في أمر من الأمور ، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين ، وقيل : إنما كان مسرفا لأنه كان من أخس العبيد ، فادعى الالهية . قوله تعالى ﴿ وقال موسی یا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ أن قوله ( ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) جزاء معلق على شرطين: أحدهما متقدم . والآخر متأخر ، والفقهاء قالوا : المتأخر يجب أن يكون متقدما والمتقدم يجب أن يكون متأخرا . ومثاله أن يقول الرجل لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا . وانما كان الأمر كذلك ، لأن مجموع قوله : إن دخلت الدار فأنت ١٥٢ قوله تعالى ( وقال موسی یا قوم إن كنتم آمنتم بالله )) سورة يونس طالق ، صار مشروطا بقوله إن كلمت زيدا ، والمشروط متأخر عن الشرط ، وذلك يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ متقدما في المعنى ، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخرا في المعنى ، والتقدير : كأنه يقول لامرأته حال ما كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق ، فلو حصل هذا التعليق قبل إن كلمت زيدا لم يقع الطلاق . اذا عرفت هذا فنقول : قوله ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا ، لأن يصيروا مخاطبين بقوله ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ) فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل ، والأمر كذلك ، لأن الاسلام عبارة عن الاستسلام ، وهو إشارة إلى الانقياد للتكاليف الصادرة عن الله تعالى وإظهار الخضوع وترك التمرد ، وأما الايمان فهو عبارة عن صيرورة القلب عارفا بأن واجب الوجود لذاته واحد . وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه ، وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى . ويحصل في القلب نور التوكل على الله فهذه الآية من لطائف الأسرار ، والتوكل على الله عبارة عن تفويض الأمور بالكلية الى الله تعالى والاعتماد في كل الاحوال على الله تعالى . واعلم أن من توكل على الله في كل المهمات كفاه الله تعالى كل الملمات لقوله ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه . ﴿ المسألة الثانية) أن هذا الذي أمر موسى قومه به وهو التوكل على الله هو الذي حكاه الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال ( فعلى الله توكلت ) وعند هذا يظهر التفاوت بين الدرجتين لأن نوحا عليه السلام وصف نفسه بالتوكل على الله تعالى ، وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فكان نوح عليه السلام تاما ، وكان موسى عليه السلام فوق التمام . المسألة الثالثة﴾ إنما قال ( فعليه توكلوا) ولم يقل توكلوا عليه ، لأن الأول يفيد الحصر كأنه عليه السلام أمرهم بالتوكل عليه ونهاهم عن التوكل على الغير ، والأمر كذلك ، لأنه لما ثبت أن كل ما سواه فهو ملكه وملكه تحت تصرفه وتسخيره وتحت حكمه وتدبيره ، امتنع في العقل أن يتوكل الانسان على غيره ، فلهذا السبب جاءت هذه الكلمة بهذه العبارة ، ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا قوله ( وقالوا على الله توكلنا ) أي توكلنا عليه ، ولا نلتفت إلى أحد سواه ، ثم لما فعلوا ذلك اشتغلوا بالدعاء ، فطلبوا من الله تعالى شيئين: أحدهما : ان قالوا (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) وفيه وجوه: الأول: ان المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا لوقع في قلوبهم أنا لو كنا على الحق لما سلطتهم ١٥٣ قوله تعالى ((وأوحينا الى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما )) سورة يونس وَأَوْحَبْنَآَ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّةَ الِقَوْمُِّّ بِمِصْرَ بُيُونًا وَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةُ وَأَقِيِّمُواْ الصَّلَوَةَ وَبَشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ AV علينا، فيصير ذلك شبهة قوية في إصرارهم على الكفر فيصير تسليطهم علينا فتنة لهم. الثاني: انك لوسلطتهم علينا لاستوجبوا العقاب الشديد في الآخرة وذلك يكون فتنة لهم. الثالث (لا تجعلنا فتنة لهم) أي موضع فتنة لهم، أي موضع عذاب لهم. الرابع: أن يكون المراد من الفتنة المفتون، لأن إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق، والتكوين بمعنى المكون، والمعنى: لا تجعلنا مفتونين، أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالظلم والقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه، وهذا التأويل متأكد بما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) وأما المطلوب الثاني في هذا الدعاء فهو قوله تعالى (ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) وأعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم ، وذلك لأنا إن حملنا قولهم ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) على أنهم سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل فتضرعوا الى تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم. وذلك يدل على ان عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين كان ذلك أيضا دليلا على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة . قوله تعالى ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهرون باتخاذ المساجد والاقبال على الصلوات يقال : تبوأ المكان ، أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطنا ، والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون اليه للعبادة والصلاة . ثم قال ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ) وفيه أبحاث : ١٥٤ قوله تعالى «وأوحینا الی موسی واخیه» سورة يونس البحث الأول ﴾ من الناس من قال : المراد من البيوت المساجد كما في قوله تعالى ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﴾ ومنهم من قال: المراد مطلق البيوت ، اما الاولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة ، ثم قالوا : والمراد من قوله ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة، وقال الفراء: واجعلوا بيوتكم قبلة ، أي الى القبلة ، وقال ابن الانباري : واجعلوا بيوتكم قبلة أي قبلا يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان ، والمراد الجمع واختلفوا في أن هذه القبلة أين كانت ؟ فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه ، إلا أنه نقل عن ابن عباس أنه قال : كانت الكعبة قبلة موسی عليه السلام . وكان الحسن يقول : الكعبة قبلة كل الانبياء ، وإنما وقع العدل عنها بأمر الله تعالى في ايام الرسول عليه السلام بعد الهجرة . وقال آخرون : كانت تلك القبلة جهة بيت المقدس . وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه الآية مطلق البيت ، فهؤلاء لهم في تفسير قوله ﴿ قبلة﴾ وجهان : الأول : المراد بجعل تلك البيوت قبلة أي متقابلة، والمقصود منه حصول الجمعية واعتضاد البعض بالبعض . وقال آخرون : المراد واجعلوا دوركم قبلة ، أي صلوا في بيوتكم . ﴿ البحث الثاني﴾ أنه تعالى خص موسى وهرون في أول هذه الآية بالخطاب فقال ان تبوآ لقومكما بمصر بيوتا ﴾ ثم عمم هذا الخطاب فقال ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهرون أن يتبوآ لقومهما بيوتا للعبادة وذلك مما يفوض الى الانبياء ، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على الكل ، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال ﴿ وبشر المؤمنين﴾ وذلك لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة ، فخص الله تعالى موسى بها ، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هرون تبع له . ﴿ البحث الثالث ) ذكر المفسرون في كيفية الواقعة وجوها ثلاثة : الأول : أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم ، كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الاسلام في مكة . الثاني : قيل : إنه تعالى لما أرسل موسى اليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني اسرائيل ومنعهم من الصلاة ، فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من فرعون . الثالث : أنه تعالى لما أرسل موسى اليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهرون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الاعداء . وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الاعداء . ١٥٥ قوله تعالى ( وقال موسی ربنا إنك آتیت فرعون وملأه زینة )) سورة يونس وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآَ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَمْوَلَّا فِى الْخَيَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا ◌ِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوِهِمْ وَأَشْهُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ خَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (﴾ قَالَ قَدْ أُحِبَتِ دَّعْوَتُكَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَّعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلُونَ (13) قوله تعالى ﴿ وقال موسی ر بنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ر بنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ﴾ اعلم أن موسى لما بالغ في اظهار المعجزات الظاهرة القاهرة ورأى القوم مصرين على الجحود والعناد والانكار ، أخذ يدعو عليهم ، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر اولا سبب اقدامهم على تلك الجرائم ، وكان جرمهم هو أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين ، فلهذا السبب قال موسى عليه السلام ﴿ ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ﴾ والزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت، والمال ما يزيد على هذه الاشياء من الصامت والناطق . ثم قال ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي وعاصم (ليضلوا) بضم الياء وقرأ الباقون بفتح الياء . المسألة الثانية ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ويريد اضلالهم وتقريره من وجهين : الأول : أن اللام في قوله ( ليضلوا ) لام التعليل ، والمعنى : أن موسى قال يارب العزة إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا ، فدل هذا على أنه تعالى قد يريد إضلال المكلفين . الثاني : أنه قال ( واشدد على قلوبهم ) فقال الله تعالى ( قد أجيبت دعوتكما ) وذلك أيضاً يدل على المقصود . قال القاضي : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم . ويدل عليه وجوه : الأول : أنه ثبت أنه تعالى منزه عن فعل القبيح وإرادة الكفر ١٥٦ قوله تعالى ( ربنا لیضلوا عن سبيلك )» سورة یونس قبيحة . والثاني : أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم ، لأنه لا معنى للطاعة إلا الاتيان بما يوافق الارادة ، ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد القلوب ، والثالث : أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد ، لجوزنا أن يبعث الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال ، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين المضلين باظهار المعجزات عليهم ، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن . والرابع : أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهرون عليهما السلام ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) وأن يقول ( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ) ثم انه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا ، لأن ذلك كالمناقضة ، فلا بد من حمل أحدهما على موافقة الآخر . الخامس : أنه لا يجوز أن يقال : إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الايمان . واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب . وإذا ثبت هذا فنقول: وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه: الأول: أن اللام في قوله (ليضلوا) لام العاقبة كقوله تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال، وقد أعلمه الله تعالى، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ. الثاني: أن قوله (ربنا ليضلوا عن سبيلك) أي لئلا يضلوا عن سبيلك ، فحذف لا لدلالة المعقول عليه كقوله (يبين الله لكم أن تضلوا) والمراد أن لا تصلوا، وكقوله تعالى (قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة) والمراد لئلا تقولوا، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام. الثالث: أن يكون موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التعجب المقرون بالانكار. والتقدير كأنك آتيتهم ذلك الغرض فانهم لا ينفقون هذه الأموال إلا فيه وكأنه قال: آتيتهم زينة وأموالا لأجل أن يضلوا عن سبيل الله ثم حذف حرف الاستفهام كما في قول الشاعر : . كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا أراد أكذبتك فكذا ههنا . الرابع : قال بعضهم : هذه اللام لام الدعاء وهي لام مكسورة تجزم المستقبل ويفتتح بها الكلام ، فيقال ليغفر الله للمؤمنين وليعذب الله الكافرين ، والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك . الخامس : أن هذه اللام لام التعليل لكن بحسب ظاهر الأمر لا في نفس الحقيقة وتقريره أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال وصارت تلك الأموال سببا لمزيد البغي والكفر ، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطى المال لأجل الإضلال فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى . السادس : بينا في تفسير قوله تعالى ( يضل به كثيرا ) في ١٥٧ قوله تعالى ( ربنا لیضلوا عن سبيلك )) سورة يونس أول سورة البقرة إن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى الهلاك يقال : الماء في اللبن أي هلك فيه . إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( ربنا ليضلوا عن سبيلك ) معناه : ليهلكوا ويموتوا ، ونظيره قوله تعالى ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . واعلم أنا قد أجبنا عن هذه الوجوه مراراً كثيرة في هذا الكتاب ، ولا بأس بأن نعيد بعضها في هذا المقام فنقول : الذي يدل على أن حصول الاضلال من الله تعالى وجوه : الأول : أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية ، فلما لم تحصل الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده ، علمنا أن حصوله ليس من العبد بل من الله تعالى . فان قالوا : إنه ظن بهذا الضلال أنه هدى؟ فلا جرم قد أوقعه وأدخله في الوجود فنقول : فعلى هذا يكون إقدامه على تحصيل هذا الجهل بسبب الجهل السابق ، فلو كان حصول ذلك الجهل السابق بسبب جهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن هذه الجهالات والضلالات لا بد من انتهائها إلى جهل أول وضلال أول ، وذلك لا يمكن أن یکون باحداث العبد وتكوينه لأنه كرهه وإنما أراد ضده ، فوجب أن يكون من الله تعالى . الثاني : أنه تعالى لما خلق الخلق بحيث يحبون المال والجاه حباً شديدا لا يمكنه إزالة هذا الحب عن نفسه البتة ، وكان حصول هذا الحب يوجب الاعراض عمن يستخدمه ويوجب التكبر عليه وترك الالتفات إلى قوله وذلك يوجب الكفر ، فهذه الأشياء بعضها يتأدى الى البعض تأديا على سبيل اللزوم أن يكون فاعل هذا الكفر هو الذي خلق الانسان مجبولا على حب المال والجاه . الثالث : وهو الحجة الكبرى أن القدرة بالنسبة الى الضدين على السوية ، فلا يترجح أحد الطرفين على الثاني الا لمرجح ، وذلك المرجح ليس من العبد وإلا لعاد الكلام فيه ، فلا بد وأن يكون من الله تعالى ، وإذا كان كذلك كانت الهداية والاضلال من الله تعالى . الرابع : أنه تعالى أعطى فرعون وقومه زينة وأموالا وقوى حب ذلك المال والجاه في قلوبهم . وأودع في طباعهم نفرة شديدة عن خدمة موسى عليه السلام والانقياد له ، لا سيما وكان فرعون كالمنعم في حقه والمربي له والنفرة عن خدمة من هذا شأنه راسخة في القلوب ، وكل ذلك يوجب اعراضهم عن دعوة موسى عليه السلام وإصرار هم على انكار صدقه ، فثبت بالدليل العقلي أن إعطاء الله تعالى فرعون وقومه زينة الدنيا وأموال الدنيا لا بد وأن يكون موجباً لضلالهم فثبت أن ما أشعر به ظاهر اللفظ فقد ثبت صحته بالعقل الصريح فكيف يمكن ترك ظاهر اللفظ في مثل هذا المقام وكيف يحسن حمل الكلام على الوجوه المتكلفة الضعيفة جداً . ١٥٨ قوله تعالى (( ربنا لیضلوا عن سبيلك )) سورة يونس . اذا عرفت هذا فنقول : ﴿ أما الوجه الأول﴾ وهو حمل اللام على لام العاقبة فضعيف، لأن موسى عليه السلام ما كان عالماً بالعواقب . فان قالوا : إن الله تعالى أخبره بذلك ؟ قلنا : فلما أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون كان صدور الايمان منهم محالا ، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذبا وهو محال والمفضى الى المحال محال . ﴿ وأما الوجه الثاني) وهو قولهم يحمل قوله ( ليضلوا عن سبيلك ) على أن المراد لئلا يفضلوا عن سبيلك فنقول :. إن هذا التأويل ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره . وأقول: إنه لما شرع في تفسيره قوله تعالى (ماأصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ثم نقل عن بعض أصحابنا أنه قرأ ( فمن نفسك) على سبيل الاستفهام بمعنى الانكار ، ثم إنه استبعد هذه القراءة وقال إنها تقتضي تحريف القرآن وتغييره . وتفتح باب تأويلات الباطنية وبالغ في إنكار تلك القراءة وهذا الوجه الذي ذكره ههنا شرمن ذلك ، لأنه قلب النفي إثباتا والاثبات نفيا وتجويزه يفتح باب أن لا يبقى الاعتماد على القرآن لا في نفيه ولا في اثباته وحينئذ يبطل القرآن بالكلية وهذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد منه الاستفهام بمعنى الانكار ، فان تجويزه يوجب تجويز مثله في سائر المواطن ، فلعله تعالى إنما قال ( أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) على سبيل الانكار والتعجب . وأما بقية الجوابات فلا يخفى ضعفها . ثم انه تعالى حكى عن موسى عليه السلام ﴿ ربنا اطمس على أموالهم﴾ وذكرنا معنى الطمس عند قوله تعالى ( من قبل أن نطمس وجوها) والطمس هو المسخ .. قال ابن عباس رضى الله عنهما : بلغنا ان الدراهم والدنانير، صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا، وجعل سكّرهم حجارة . ثم قال ﴿ واشدد على قلوبهم ) ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الايمان . قال الواحدي : وهذا دليل على ان الله تعالى يفعل ذلك بمن يشاء ، ولولا ذلك لما حسن من موسى عليه السلام هذا السؤال . ثم قال ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ وفيه وجهان: أحدهما : أنه يجوز أن ١٥٩ قوله تعالى (( قال قد أجیبت دعوتكما فاستقما »سورةيونس يكون معطوفا علی قوله ( ليضلوا ) والتقدير : ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وقوله ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ) يكون اعتراضا . والثاني : يجوز أن يكون جواباً لقوله ( واشدد ) والتقدير : اطبع على قلوبهم وقسّها حتى لا يؤمنوا ، فانها تستحق ذلك . ثم قال تعالى ﴿ قد أجيبت دعوتكما﴾ وفيه وجهان: الأول : قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : ان موسی کان یدعو وهرون کان يؤمن ، فلذلك قال ( قد أجيبت دعوتكما ) وذلك لأن من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضا داع ، لأن قوله آمين تأويله استجب فهو سائل كما أن الداعي سائل أيضاً . الثاني : لا يبعد أن يكون كل واحد منهما ذكر هذا الدعاء،غايةما في الباب أن يقال : إنه تعالى حکی هذا الدعاء عن موسى بقوله ( وقال موسی ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ) إلا أن هذا لا ينافي أن يكون هرون قد ذكر ذلك الدعاء أيضاً . وأما قوله ﴿ فاستقيما﴾ يعني فاستقيما على الدعوة والرسالة، والزيادة في إلزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا فلا تستعجلا ، قال ابن جريج : إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة . وأما قوله ﴿ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ﴾ ففيه بحثان: ﴿ البحث الأول ﴾ المعنى: لا تتبعان سبيل الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجاباً كان المقصود حاصلا في الحال، فربما أجاب الله تعالى دعاء انسان في مطلوبه، إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال، وهذا كما قال تعالى لنوح عليه السلام (إني أعظك ان تكون من الجاهلين) واعلم ان هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن قوله. ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) لا يدل على صدور الشرك منه . ﴿ البحث الثاني﴾ قال الزجاج : قوله ( ولا تتبعان) موضعه جزم ، والتقدير : ولا تتبعا ، إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها ، وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة ، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية ، وقرأ ابن عامر ( ولا تتبعان ) بتخفيف النون . ١٦٠ قوله تعالى (( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر)) سورة يونس وَجَزْنَا بِدَنِيّ إِسْرَِّيَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوّنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُّ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ◌َامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَءِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِينَ ءَالْفَلْنَ وَقَدْ عَصَبْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ فَلْيَوْمَ تَجِكَ بِبَدَنِكَ ◌ِّكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَتِنَا لَغَفِلُونَ. قوله تعالى ﴿ وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون اعلم أن تفسير اللفظ في قوله ( وجاوزنا ببني اسرائيل البحر ) مذكور في سورة الأعراف ، والمعنى : أنه تعالى لما أجاب دعاءهما أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسرلهم أسبابه ، وفرعون كان غافلا عن ذلك ، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج على عقبهم وقوله ( فاتبعهم ) أي لحقهم . يقال : أتبعه حتى لحقه ، وقوله ( بغياً وعدواً ) البغي طلب الاستعلاء بغير حق ، والعدو الظلم ، روى أن موسى عليه السلام لما خرج مع قومه وصلوا إلى طرف البحر . وقرب فرعون مع عسكره منهم ، فوقعوا في خوف شديد ، لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك ، فأنعم الله عليهم بأن أظهر لهم طريقاً في : البحر على ما ذكر الله تعالى هذه القصة بتمامها في سائر السور ، ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا او خرجوا وأبقى الله تعالى ذلك الطريق ببساً ، ليطمع فرعون وجنوده في التمكن من العبور ، فلما دخل مع جمعه أغرقه الله تعالى بأن أوصل أجزاء الماء ببعضها وأزال الفلق ، فهو معنى قوله ( فاتبعهم فرعون وجنوده ) وبين ما كان في قلوبهم من البغي وهي محبة الافراط في قتلهم وظلمهم، والعدو وهو تجاوز الحد، ثم ذكر تعالى أنه لما أدركه الغرق أظهر كلمة الاخلاص ظنا منه أنه ينجيه من تلك الآفة وههنا سؤلان : السؤال الأول﴾ أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ فكيف حكى الله تعالى عنه أنه ذكر ذلك؟