النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ قوله تعالى (( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم سورة يونس إذا عرفت هذه المقدمة. فنقول: إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد له بطريق المعجزة ، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها، فالاستدلال بالمعجز، هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان العلم، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل. ﴿المسألة الثانية﴾ اعلم انه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة: أولها كونه موعظة من عند الله، وثانيها: كونه شفاء لما في الصدور. وثالثها: كونه هدى. ورابعها: كونه رحمة للمؤمنين ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصية. فنقول: إن الأرواح لما تعلقت بالاجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس ، وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها. ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر الدرجة ، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية، فصار ذلك الاستغراق سبباً لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح، فلا بد لها من طبيب حاذق، فان من وقع في المرض الشديد، فان لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة مات لا محالة، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب، وكان هذا البدن قابلا للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة ، وزال السقم . إذا عرفت هذا فنقول: ان محمداً ◌ٍّ ، كان كالطبيب الحاذق ، وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة . ثم ان الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة . ﴿ المرتبة الأولى﴾ أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي. ويأمره بالاحتراز عن تلك الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض ، وهذا هو الموعظة ، فانه لا معنى للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى ، والمنع عن كل ما يشغل القلب بغير الله . ﴿ المرتبة الثانية ﴾ الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض ، فكذلك الأنبياء عليهم السلام اذا منعوا الخلق عن فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا ينبغي . فحينئذ يأمر ونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في ازالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة ، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) وذلك لأنا ذكرنا ١٢٢ قوله تعالى ((يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم)) سورة يونس أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض ، فاذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهراً عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت . والمرتبة الثالثة ﴾ حصول الهدى ، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها الا بعد المرتبة الثانية ، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للتجلّيات القدسية والأضواء الالهية . وفيض الرحمة عام غير منقطعٍ على ما قال عليه الصلاة والسلام ((إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها )) وأيضاً فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل ، والكل في حق الحق ممتنع ، فالمنع في حقه ممتنع ، فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية ، إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة ، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور ، فاذا زالت تلك الأحوال ، فقد زال العائق فلا بد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية ، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى ، فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت ، وأول هذه المرتبة هو قوله ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ) وأوسطها قوله تعالى ( ففروا إلى الله ) وآخرها قوله ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) ومجموعها قوله ( ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ) وسيجىء تفسير هذه الآيات في مواضعها باذن الله تعالى ، وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه ( وهدی ) ﴿وأما المرتبة الرابعة ﴾ فهي أن تصير النفس البالغة الى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم ، وذلك هو المراد بقوله ( ورحمة للمؤمنين ) وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى ، لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس هو الذي يكون وجهه مقابلا لوجه الشمس ، فان لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه ، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين ، لم تنتفع بأنوارهم ، ولم يصل اليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة ، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس ، فلا جرم يبقى خالص الظلمة ، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء . ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها ، وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة ، والاخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات ، وأبعد النهايات ، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة ، والشفاء ١٢٣ قوله تعالى (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)) سورة يونس اشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة ، والهدى وهو اشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة ، والرحمة وهي اشارة الى كونها بالغة . في الكمال والاشراق الى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة ، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ، ولا تقديم ما تأخر ذكره ، ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الاسرار العالية الالهية قال ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفر حوا هو خير مما يجمعون ) والمقصود منه الاشارة الى ما قرره حكماء الاسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الاعادة انتهى . ﴿ المسألة الثانية ) قوله ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفر حوا) وتقديره : بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم يقول مرة أخرى ( فبذلك فليفر حوا) والتكرير للتأكيد . وأيضاً قوله ( فبذلك فليفر حوا) يفيد الحصر، يعني يجب أن لا يفرح الانسان إلا بذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين : أحدهما : أنه يجب أن لا يفرح الانسان بشيء من الأحوال الجسمانية ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن جماعة من المحققين قالوا : لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام ، والمعنى العدمى لا يستحق أن يفرح به . والثاني : أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية ، لكنها معنوية من وجوه : الأول : أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها . ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع ، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية . والثاني : أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة ، فانه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج . وأما الآلام : فان كل جزء من أجزاء بدن الانسان معه نوع آخر من الآلام ، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر . والثالث : أن اللذات الجسمانية لا تكون خالصة البتة . بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره ، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى . الرابع : أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية ، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر ، كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد ، ولذلك قال المعري : ان حزنا في ساعة الموت أضعا ف سرور في ساعة الميلاد فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته . الخامس : أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء ، لأن لذة الأكل لا تبقى ١٢٤ قوله تعالى (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا)) سورة يونس بحالها ، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة . السادس : أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة ، فانها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير ، فاما اللذات الروحاينة فإنها بالضد في جميع هذه الجهات، فثبت .من الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل ، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ، ونور الكبرياء . ﴿ والبحث الثاني ﴾ من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فانه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي ، بل يجب أن يفرح بها من حيث أنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته ، فلهذا السبب قال الصديقون : من فرح بنعمة الله من حيث أنها تلك النعمة فهو مشرك ، أما من فرح بنعمة الله من حيث أنها من الله كان فرحه بالله ، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي ، بل من حيث أنها بفضل الله وبرحمة الله ، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل ، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب ، أما المفسرون فقالوا : فضل الله الاسلام ، ورحمته القرآن . وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله . ﴿ المسألة الرابعة) قرىء (فلتفرحوا) بالتاء ، قال الفراء : وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء قال : معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد خير مما يجمع الكفار ، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي (فبذلك فافرحوا) والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقيم يا زيد وليقيم زيد، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد، الا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضا وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وکان الكسائي یعیب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلا فجعله عيبا الا أن ذلك هو الأصل، وروى عن النبي وسلم أنه قال في بعض المشاهد ((لتأخذوا مصافكم)) يريد به خذوا، هذا كله كلام الفراء. وقرىء (تجمعون) بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الانسان حصل فيه معنى يدعوه الى حمد الله تعالى والى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية، وما دام الروح متعلقا بهذا الجسد، فانه لا ينفك عن حب الجسد، وعن طلب اللذات الجسمانية، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين، وقال: حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الالهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية، والترجيح ١٢٥ قوله تعالى ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق )) سورة يونس قُلْ أَرَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَهُ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَامًا وَحَلًا قُلْ ءَالَهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمَ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الَِّ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللّه ◌َذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ٦٠ لجانب العقل ، لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل . قوله تعالى ﴿ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولکن اکثرهم لا یشکر ون﴾ وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى) اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً، ولا أستحسن واحداً منها . والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى وجهان : الأول : أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة . وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم ((إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على الله تعالى ، أوتعلمون أنه حكم حكم الله به)) والأول طريق باطل بالاتفاق ، فلم يبق إلا الثاني ، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة ، ولما بطل هذا ، ثبت أن هذه الأحكام إنما وصلت اليكم بقول رسول أرسله الله اليكم ونبي بعثه الله اليكم ، وحاصل الكلام أن حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة ، يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول . ﴿ الطريق الثاني ﴾ في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام ، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه . وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في انكارها ، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل ١٢٦ قوله تعالى ( وما تکون في شأن وما تتلوا منه من قرآن )) سورة يونس وَمَا تَكُونُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَتْلُوْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلِ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ والحرمة ، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد ، والمقصود مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم ، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب . ﴿ المسألة الثانية ) المراد بالشيء الذي جعلوه حراما ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضا قوله تعالى ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) إلى قوله ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) وأيضا قوله تعالى ( ثمانية ازواج من الضأن اثنين ومن المعزاثنين ) والدليل عليه أن قوله ( فجعلتم منه حراما ) إشارة إلى أمر تقدم منهم ، ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا ، فوجب توجه هذا الكلام إليه ، ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك . قال لرسوله عليه الصلاة والسلام ( قل الله أذن لكم أم على الله تفترون ) وهذه القسمة صحيحة ، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله تعالى أولم تكن من الله ، فان كانت من الله تعالى ، فهو المراد بقوله ( الله اذن لكم ) وإن كانت ليست من الله . فهو المراد بقوله ( أم على الله تفترون ) ثم قال تعالى ﴿وما ظن الذين يفترون على الله الكذب ﴾ وهذا وان كان في صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله . وقرأ عيسى بن عمر( وما ظن ) على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجىء به على لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي . ثم قال ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ أي باعطاء العقل وإرسال وإنزال الكتب ( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) فلا يستعملون العقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب الله . المسألة الثالثة﴾ ما في قوله تعالى ( قل أرأيتم ما أنزل الله) فيه وجهان أحدهما : بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في الاستفهام ، فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج ، ومعنى أنزل ههنا خلق وأنشأ كقوله ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) وجاز أن يعبر عن الخلق بالانزال ، لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من الماء من ضرع وزرع وغيرهما ، فلما كان ايجاده بالإنزال سمى انزالا . قوله تعالى ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ١٢٧ قوله تعالى ( وما تکون في شأن وما تتلوا منه من قرآن )) سورة يونس ◌ُهُودًا إِذْ تُفِضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِتَبِ مُبِينٍ عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أکبر إلا في كتاب مبين ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بايراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار ، وفي أمره بايراد الجواب عن شبهاتهم، وفي أمره بتحمل أذاهم ، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين ، وتمام الخوف والفزع للمذنبين ، وهو كونه سبحانه عالماً بعمل كل واحد ، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف ، فان الانسان ربما أظهر من نفسه نسكا وطاعة وزهدا وتقوى ، ويكون باطنه مملوءاً من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك . فاذا كان الحق سبحانه عالماً بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين . المسألة الثانية ﴾ اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين ، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد ، أما الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام . فالأول منهما قوله ( وما تكون في شأن ) واعلم أن ( ما ) ههنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤون ، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله . قال الأخفش: وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله ، وفيه وجهان: قال ابن عباس : وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن : في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها . والثاني : منهما قوله تعالى ( وما تتلوا منه من قرآن ) واختلفوا في أن الضمير في قوله ( منه) إلى ماذا يعود ؟ وذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول: أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله و 98 ، بل هو معظم شأنه ، وعلى هذا التقدير ، فكان هذا داخلا تحت قوله ( وما تكون في شأن ) إلا أنه خصه بالذكر تنبيها على علو مرتبته ، كما في قوله تعالى (وملائكته وجبريل وميكال ) وكما في قوله ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ١٢٨ قوله تعالى ( وما تکون في شأن وما تتلوا منه من قرآن)) سورة يونس نوح وإبراهيم ) الثاني : أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير : وما تتلو من القرآن من قرآن ، وذلك لأنه كما أن القرآن اسم للمجموع ، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والاضمار قبل الذكر ، يدل على التعظيم . الثالث : أن يكون التقدير : وما تتلومن قرآن من الله أي نازل من عند الله ، وأقول : قوله ( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ) أمران مخصوصان بالرسول العملاء. وأما قوله ﴿ولا تعملون من عمل ﴾ فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة. والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولا ، ثم عمم الخطاب مع الكل ، هو أن قوله ( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ) وإن كان بحسب الظاهر خطاباً مختصا بالرسول ، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه ، لأنه من المعلوم أنه اذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب . والدليل عليه قوله تعالى ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) ثم إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال ( ولا تعملون من عمل ) فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين . ثم قال تعالى ﴿ إلا كنا عليكم شهودا﴾ وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل شيء ، وعالم بكل شيء ، أما على أصول أهل السنة والجماعة ، فالأمر فيه ظاهر ، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى . فكل ما يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة ، فكلها حصلت بايجاد الله تعالى وإحداثه . والموجد للشيء لا بد وأن يكون عالما به ، فوجب كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، وأما على أصول المعتزلة ، فقد قالوا : إنه تعالى حى وكل من كان حياً ، فانه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات ، والموجب لتلك العالمية ، هو ذاته سبحانه . فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر المعلومات ، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات . أما قوله تعالى ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ فاعلم أن الافاضة ههنا الدخول في العمل على جهة الاصباب إليه وهو الانبساط في العمل ، يقال القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه ، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم ، فتفرقوا . فان قيل ( إذا ) ههنا بمعنى حين ، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم شهوداً حين تفيضون فيه . وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه ، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل . ١٢٩ قوله تعالى (( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة )) سورة يونس قلنا : هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبارة عن علمه، وهذا ممنوع ، فان الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه ، وأما العلم ، فلا يمتنع تقدمه على الشيء ، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام ، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غداً كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها . واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد ، فقال ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أصل العزوب من البعد. يقال: كلاء عازب إذا كان بعيد المطلب ، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل ، والرجل سمى عزبا لبعده عن الأهل ، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ الكسائي (وما يعزب ) بكسر الزاي ، والباقون بالضم ، وفيه لغتان : عزب يعزب ، وعزب يعزب . ﴿المسألة الثالثة) قوله ( من مثقال ذرة) أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل ، والمعنى : ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، وهي تكون خفيفة الوزن جدا ، وقوله ( في الأرض ولا في السماء ) فالمعنى ظاهر . فان قيل : لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ ( عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ) ؟ فان قيل : لم قدم ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ ( عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ) ؟ قلنا : حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل بذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع . ثم قال ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ وفيه قراءتان قرأ حمزة ( ولا أصغر ولا أكبر ) بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب . واعلم أن قوله ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ) تقديره . وما يعزب عن ربك مثقال الفخر الرازي ج١٧ م٩ ١٣٠ قوله تعالى (( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة )) سورة يونس ذرة فلفظ ( مثقال ) عند دخول كلمة ( من ) عليه مجرور بحسب الظاهر ، ولكنه مرفوع في المعنى ، فالمعطوف عليه ان عطف على الظاهر كان مجروراً إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف ، فكان مفتوحا وإن عطف على المحل ، وجب كونه مرفوعاً ، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذا قوله ( ما لكم من إله غيره ) و( غيره ) وقال الشاعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا هذا ما ذكره النحويون ، قال صاحب الكشاف : لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب : وحينئذ يلزم أن يكون الشئء الذي في الكتاب خارجا عن علم الله تعالى وإنه باطل . وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين : الوجه الأول ﴾ أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد . وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المخلوقة على قسمين : قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض ، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول ، مثل: الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والعلوية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله : وما يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين ، أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين . وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالما بها محيطا بأحوالها، والغرض منه الرد على من يقول: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات، وهو المراد من قوله ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ والوجه الثاني ﴾ في الجواب أن نجعل کلمة ﴿ إلا ﴾ في قوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ استثناء منقطعا لكن بمعنى هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم عنه جوابا آخر فقال: قوله ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ ههنا تم الكلام وانقطع، ثم وقع الابتداء بكلام آخر، وهو قوله ﴿إلا في كتاب مبين﴾ أي وهو أيضا في كتاب مبين قال: والعرب تضع ((إلا)) موضع ((واو النسق)) كثيرا على معنى الابتداء، كقوله تعالى ﴿لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم﴾ يعني ومن ظلم. وقوله ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا﴾ يعني والذين ظلموا، وهذا الوجه في غاية التعسف . ١٣١ قوله تعالى ((ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم )) سورة يونس الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ ٣ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَّاءَ اللهِلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ ( يَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِ الحَيَّةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ لَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ الَّ ذَلِكَ و هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمَ ( ٦٤ وأجاب صاحب الكشاف : بوجه رابع : فقال : الاشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ على قوله ﴿من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ﴾ إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل ، لكنا لا نقول ذلك ، بل نقول : الوجه في القراءة بالنصب في قوله ﴿ ولا أصغر من ذلك ﴾ الحمل على نفي الجنس . وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء ، وخبره قوله ﴿ في كتاب مبين ﴾ وهذا الوجه اختيار الزجاج . قوله تعالى ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) اعلم أنا بينا أن قوله تعالى ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من القرآن ﴾ مما يقوى قلوب المطيعين ، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية ، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى) اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية الى تبين أن الولي من هو؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه . فنقول : أما إن الوحي من هو؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول . أما القرآن ، فهو قوله في هذه الآية ﴿ الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ فقوله ﴿ آمنوا﴾ إشارة الى كمال حال القوة النظرية وقوله ﴿وكانوا يتقون ﴾ إشارة الى كمال حال القوة العملية . وفيه مقام آخر ، وهو أن يحمل الايمان على مجموع الاعتقاد والعمل ، ثم نصف الولي بأنه كان متقيا في الكل . أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال ، فهو يقدس الله تعالى عن أن يكون كماله وجلاله مقتصرا على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به ، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار . فثبت أنه أبدا يكون في مقام الخوف والتقوى. وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي الله عنه أن النبي قطه ١٣٢ قوله تعالى ((ألا إن اولياء الله لا خوف عليهم )) سورة يونس قال (( هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس )) ثم قرأ هذه الآية، وعن النبي ◌َ لي أنه قال ((هم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم)) قال أهل التحقيق: السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع ، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله ﴿ سماهم في وجوههم من أثر السجود ) وأما الأثر ، فقال ابو بكر الأصم : أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة اليه ، وأما المعقول فنقول : ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الوال واللام والياء يدل على معنى القرب ، فولي كل شيء هو الذي يكون قريبا منه ، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال ، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفة الله تعالى سبحانه ، فان رأى رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله . وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك تحرك في خدمة الله، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله ، فهنالك يكون في غاية القرب من الله ، فهذا الشخص يكون ولياً لله تعالى ، وإذا كان كذلك كان الله تعالى ولياً له أيضا كما قال الله تعالى ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور﴾ ويجب أن يكون الأمر كذلك ، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين . وقال المتكلمون : ولي الله من يكون آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة ، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي . وأما قوله تعالى في صفتهم ﴿ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ ففيه بحثان : ﴿ البحث الأول ﴾ أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من الخوف ، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه . البحث الثاني ﴾ قال بعض المحققين : ان نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه : أحدها : أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصا لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) وعلى ما قال ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات )) وثانيها : أن المؤمن ، وإن صفا عيشه في الدنيا ، فانه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد ، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى ، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى ﴿ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ على أمر الآخرة ، فهذا كلام محقق ، وقال بعض العارفين : إن الولاية عبارة عن القرب فولى الله تعالى هو الذي يكون في غاية ١٣٣ قوله تعالى ((لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة )) سورة يونس القرب من الله تعالى ، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله ، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة ، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فان صاحبها لا يخاف شيئا ، ولا يحزن بسبب شيء ، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل الا بعد الشعور به ، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى ، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن ؟ وهذه درجة عالية ، ومن لا يذقها لم يعرفها ، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة ، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية ، كما يحصل لغيره ، وسمعت أن ابراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه ، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له ، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه ، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفا منها . والشيخ ما كان فازعا من تلك السباع ، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة ، فقال المريد : كيف تليق هذه الحالة بما قبلها ؟ فقال الشيخ : إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى . المسألة الثانية ﴾ قال أكثر المحققين: إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محفل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ وبقوله تعالى ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة) وأيضا فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال : بل يحصل فيه أنواع من الخوف ، وذكروا فيه أخبارا تدل عليه الا ان ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . وأما قوله ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ ففيه ثلاثة أوجه : الأول: النصب بكونه صفة للأولياء والثاني : النصب على المدح . والثالث : الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى . وأما قوله تعالى ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ ففيه أقوال: الأول : المراد منه الرؤيا الصالحة، عن النبي و له: أنه قال ((البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)) وعنه عليه الصلاة والسلام ((ذهبت النبوة وبقيت المبشرات)) وعنه عليه الصلاة والسلام ((الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان ، فاذا حلم أحدكم حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فانه لا يضره)) وعنه ويليه ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة )) وعن ابن مسعود ، الرؤيا ثلاثة : الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل ، وحضور الشيطان ، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة . وعن ابراهيم الرؤيا ثلاثة ، ١٣٤ قوله تعالى ((لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة )) سورة يونس فالمبشرمن الله جزء من سبعين جزءا من النبوة والشيء يهم به أحدکم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان ، فاذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رأيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي واعلم أنا إذا حملنا قوله ﴿ لهم البشرى ﴾ على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله ، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فانه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ على سبيل الحصر والتخصيص . القول الثاني ﴾ في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر . قال ؟ قلت يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس . فقال (( تلك عاجل بشرى المؤمن )) واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبا لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فاذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضا فنور معرفة الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الانسان مخدوما بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الانسان ، ثم إنها إذا شاهدت الانسان هابته وفرت منه وما ذاك الا لمهابة النفس الناطقة . والقول الثالث ﴾ في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى ﴿ تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة) وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ﴾ وسلام الله عليهم كما قال ﴿ سلام قولا من رب رحيم﴾ ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال . : ١٣٥ قوله تعالى ((ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا)) سورة يونس وَلَ يَحْزُنُكَ قَوْلهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لَِِّ جَميعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (﴾ أُلَّ إِنَّ لَهِ مَنْ فِ السَّمَنَوَاتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَ يَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ثُرَ كَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ١٦ السارة فكل ذلك من المبشرات . ﴿ والقول الرابع﴾ إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وکریم ثوابه . ودليله قوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ﴾ واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلا فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله ﴿وفي الآخرة ﴾ ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ والمراد أنه لا خلف فيها، والكلمة والقول سواء . ونظيره قوله ﴿ ما يبدل القول لدي ﴾ وهذا أحد ما يقوى أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ﴾ ثم بين تعالى أن ﴿ذلك هو الفوز العظيم) وهو كقوله تعالى ﴿وإذا رأيت ثمَّ رأيت نعيما وملكا كبيرا﴾ ثم قال القاضي: قوله ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديما. ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديما. وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه : قوله تعالى ﴿ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ألا إن الله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها . عدلوا الى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك ، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله ﴿ ولا يحزنك قولهم ان العزة لله جميعا ﴾ واعلم أن الانسان انما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز كونه مؤثرا ١٣٦ قوله تعالى (( الا إن لله من في السموات ومن في الأرض )) سورة يونس في حاله ، فاذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من أن يكون سببا لحزنه . ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله ﴿ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا﴾ فاذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم الى هذا الدين كان لا محالة ناصرا له ومعينا ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف . فان قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفا حتى احتاج الى الهجرة والهرب ، ثم من بعد ذلك يخاف حالا بعد حال ؟ قلنا : إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقا والوقت ما كان معينا ، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت . وأما قوله تعالى ﴿ إن العزة لله جميعا﴾ ففيه أبحاث : البحث الأول ﴾ قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي الى ان القوم كانوا يقولون ﴿ إن العزة لله جميعا﴾ وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك . أما اذا كسرت الألف كان ذلك استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الاعراب . قال صاحب الكشاف: وقرأ أبو حيوة ﴿ أن العزة ﴾ بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على صريح التعليل . البحث الثاني﴾ فائدة ﴿إن العزة لله) في هذا المقام أمور: الأول: المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم ، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والايذاء ، ومثله قوله تعالى ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي). (إنا لننصر رسلنا﴾ الثاني: قال الأصم : المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى . فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الاشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم اليك . فان قيل : قوله ﴿إن العزة لله جميعا﴾ كالمضادة لقوله تعالى ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ ١٣٧ قوله تعالى (( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه )) سورة يونس هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ٦٧ قلنا : لا مضادة ، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله . أما قوله ﴿ هو السميع العليم﴾ أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك . وأما قوله ﴿ألا ان الله من في السموات ومن في الأرض﴾ ففيه وجهان: الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة ﴿ألا إن لله ما في السموات والأرض) وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له ، وأما ههنا فكلمة ﴿من ﴾ مختصة بمن يعقل ، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالا على أن الكل ملكه وملكه . والثاني : أن المراد ﴿ من في السموات ﴾ العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان، وانما خصهم بالذكر ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحا في جعل الأصنام شركاء الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون الا الظن ﴾ وفي كلمة ﴿ ما﴾ قولان: الأول: أنه نفى وجحد، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا لله تعالى . ومثاله أن أحدنا لوظن أن زيدا في الدار وما كان فيها ، فخاطب إنسانا في الدار ظنه زيدا فانه لا يقال : إنه خاطب زيدا بل يقال خاطب من ظنه زيدا . الثاني : أن ﴿ ما ﴾ استفهام ، كأنه قيل : أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء . ثم قال تعالى ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة ، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له ﴿وإن هم إلا يخرصون﴾ وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ قوله تعالى ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ إعلم أنه تعالى لما ذكر قوله ﴿ إن العزة لله جميعا﴾ احتج عليه بهذه الآية، والمعنى أنه ١٣٨ قوله تعالى (( قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه )) سورة يونس قَالُواْ آتَخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَتَهُ, هُوَ الْغَنِىُّ لَهُ، مَا فِ السَّمَنَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ إِنْ عِندَ كُم مِّنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى الَِّ مَالَا تَعْلَمُونَ (3) تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه ، وجعل النهار مبصرا أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار ، والمبصر الذي يبصر، والنهار يبصر فيه ، وإنما جعله مبصرا على طريق نقل الاسم من السبب الى المسبب . فان قيل : إن قوله ﴿هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه ، وقوله ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعا كثيرة من الدلائل . قلنا : إن قوله تعالى ﴿ لتسكنوا﴾ لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة . أما قوله تعالى ﴿ إن في ذلك الآيات لقوم يسمعون ﴾ فالمراد يتدبرون ما يسمعون ويعتبرون به قوله تعالى ﴿ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم ﴿ اتخذ الله ولدا﴾ ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول: الملائكة بنات الله، ويحتمل ان يكون المراد قوله من يقول : الأوثان أولاد الله ، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك. ثم انه تعالى لما استنكر هذا القول قال: بعده ﴿هو الغني له ما في السموات وما في الأرض﴾ واعلم أن كونه تعالى غنيا مالكا لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد ، وبيان ذلك من وجوه : الأول : أنه سبحانه غني مطلقا على ما في هذه الآية ، والعقل أيضا يدل عليه ، لأنه لو كان محتاجا لافتقر الى صانع آخر ،وهو محال. وكل من كان غنيا فانه لا بد أن يكون فردا منزها عن الاجزاء والأبعاض ، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الانسان ، ثم يتولد عن ذلك ١٣٩ قوله تعالى (( له ما في السموات وما في الأرض )) سورة يونس الجزء مثله ، وإذا كان هذا محالا ثبت أن كونه تعالى غنيا يمنع ثبوت الولد له . ﴿ الحجة الثانية) أنه تعالى غني وكل من كان غنيا كان قديما أزليا باقيا سرمديا، وكل من كان كذلك امتنع عليه الانقراض والانقضاء ، والولد انما يحصل للشيء الذي ينقضي ، وينقرض ، فيكون ولده قائما مقامه ، فثبت أن كونه تعالى غنيا ، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد . ﴿ الحجة الثالثة ) أنه تعالى غني وكل من كان غنيا فانه يمتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة واذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد . ﴿ الحجة الرابعة ) أنه تعالى غني، وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له ولد ، لأن اتخاذ الولد انما يكون في حق من يكون محتاجا حتى يعينه ولده على المصالح الحاصلة والمتوقعة ، فمن كان غنيا مطلقا امتنع عليه اتخاذ الولد . ﴿ الحجة الخامسة) ولد الحيوان إنما يكون ولدا له بشرطين: إذا كان مساويا له في الطبيعة والحقيقة ، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لأنه تعالى غني مطلقا ، وكل من كان غنيا مطلقا كان واجب الوجود لذاته ، فلو كان لواجب الوجود ولد ، لكان ولده مساويا له . فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضا واجب الوجود ، لكن كونه واجب الوجود يمنع من تولده من غيره ، وإذا لم يكن متولدا من غيره لم يكن ولدا ، فثبت أن كونه تعالى غنيا من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له ، وهذه الثلاثة مع الثلاثة الأول في غاية القوة . ﴿ الحجة السادسة ) أنه تعالى غنى، وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له أب وأم ، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدسا عن الأولاد . فان قيل : يشكل هذا بالوالد الأول ؟ قلنا : الوالد الأول لا يمتنع كونه ولدا لغيره ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الوالد الأول من أبوين يقدمانه . أما الحق سبحانه فانه يمتنع افتقاره إلى الأبوين ، وإلا لما كان غنيا مطلقا . ﴿ الحجة السابعة﴾ إنه تعالى غني مطلقا، وكل من كان غنيا مطلقا امتنع أن يفتقر في إحداث الأشياء إلى غيره . ١٤٠ قوله تعالى ((قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون )) سورة يونس ـ مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ٧٠ مَرِْعُهُمْ فُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيَدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ اذا ثبت هذا فنقول : هذا الولد ، إما أن یکون قدیما أو حادثا ، فان کان قديما فهو واجب الوجود لذاته ، إذ لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى المؤثر ، وافتقار القديم إلى المؤثر يقتضي إيجاد الموجود وهو محال ، وإذا كان واجب الوجود لذاته لم يكن ولدا لغيره ، بل كان موجودا مستقلا بنفسه ، وأما ان كان هذا الولد حادثا والحق سبحانه غنى مطلقا فكان قادرا على احداثه ابتداء من غير تشريك شيء آخر ، فكان هذا عبدا مطلقا ، ولم يكن ولدا ، فهذه جملة الوجوه المستنبطة من قوله ( هو الغني ) الدالة على أنه يمتنع أن يكون له ولد . أما قوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ فاعلم أنه نظير قوله ( إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا) وحاصله يرجع الى أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن ، وكل ممكن محتاج ، وكل محتاج محدث ، فكل ما سوى الواحد الأحد الحق محدث ، والله تعالى محدثه وخالقه وموجده. وذلك يدل على فساد القول باثبات الصاحبة والولد. ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا اليه، عطف عليهم بالانكار والتوبيخ فقال (ان عندكم من سلطان بهذا) منبها بهذا على أنه لا حجة عندهم في ذلك البتة. ثم بالغ في ذلك الانكار فقال (أتقولون على الله ما لا تعلمون) وقد ذكرنا أن هذه الآية يحتج بها في إبطال التقليد في أصول. الديانات. ونفاة القياس وأخبار الآحاد قد يحتجون بها في ابطال هذين الأصلين وقد سبق الكلام. فيه . قوله تعالى ﴿قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما کانوا یکفر ون﴾ اعلم انه تعالى لما بين بالدليل القاهر أن اثبات الولد لله تعالى قول باطل. ثم بين أنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله ، فقد ظهر أن ذلك المذهب افتراء على الله ونسبة لما لا يليق به اليه ، فبين أن من هذا حاله فانه لا يفلح البتة . ألا ترى أنه تعالى قال في أول سورة المؤمنون ( قد أفلح المؤمنون ) وقال في آخر هذه السورة ( انه لا يفلح الكافرون ) واعلم أن قوله ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) يدخل فيه هذه الصورة