النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى ((للذین احسنوا الحسنى وزيادة)) سورة يونس
والقول الثاني ﴾ أقرب الى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل
الطاعات .
﴿وأما اللفظ الثاني﴾ وهو ( الحسنى) فقال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة تأنيث
الأحسن ، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها ، ولذلك لم
تؤكد ، ولم تنعت بشيء ، وقال صاحب الكشاف : المراد : المثوبة الحسنى . ونظير هذه الآية
قوله ( هل جزاء الاحسان إلا الاحسان )
﴿ وأما اللفظ الثالث ) وهو الزيادة . فنقول: هذه الكلمة مهمة، ولأجل هذا اختلف
الناس في تفسیرها ، وحاصل كلامهم يرجع الى قولين :
﴿ القول الأول ﴾ أن المراد منها رؤية الله سبحانه وتعالى. قالوا : والدليل عليه النقل
والعقل .
أما النقل : فالحديث الصحيح الوارد فيه ، وهو أن الحسنى هي الجنة ، والزيادة هي
النظر الى الله سبحانه وتعالى .
وأما العقل : فهو أن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، فانصرف الى
المعهود السابق ، وهو دار للسلام . والمعروف من المسلمين والمتقرر بين أهل الاسلام من هذه
اللفظة هو الجنة ، وما فيها من المنافع والتعظيم . واذا ثبت هذا ، وجب أن يكون المراد من
الزيادة أمراً مغاير الكل ما في الجنة من المنافع والتعظيم ، وإلا لزم التكرار . وكل من قال بذلك
قال : إنما هي رؤية الله تعالى . فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة: الرؤية . ومما يؤكد
هذا وجهان : الأول : أنه تعالى قال ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) فأثبت لأهل الجنة
أمرين : أحدهما : نضرة الوجوه والثاني : النظر إلى الله تعالى ، وآيات القرآن يفسر بعضها
بعضا فوجب حمل الحسنى ههنا على نضرة الوجوه ، وحمل الزيادة على رؤية الله تعالى. الثاني :
أنه تعالى قال لرسوله ( (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) أثبت له النعيم ، ورؤية
الملك الكبير ، فوجب ههنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين .
القول الثاني ﴾ أنه لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية. قالت المعتزلة ويدل على
ذلك وجوه : الأول : أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله تعالى ممتنعة . والثاني : أن
الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه ، ورؤية الله تعالى ليست من جنس نعيم الجنة .
الثالث : أن الخبر يوجب التشبيه ، لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة الى جهة المرئى . وذلك
الفخر الرازي ج١٧ م٦

٨٢
قوله تعالى ((للذين احسنوا الحسنى وزيادة)) سورة يونس
يقتضي كون المرئى في الجهة ، لأن الوجه اسم للعضو المخصوص ، وذلك أيضا يوجب
التشبيه . فثبت أن هذا اللفظ لا يمكن حمله على الرؤية ، فوجب حمله على شيء آخر ، وعند
هذا قال الجبائي : الحسنى عبارة عن الثواب المستحق ، والزيادة هي ما يزيده الله تعالى على
هذا الثواب من التفضل . قال : والذي يدل على صحته ، القرآن وأقوال المفسرين .
أما القرآن : فقوله تعالى ( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله )
وأما أقوال المفسرين : فنقل عن على رضى الله عنه أنه قال : الزيادة غرفة من لؤلؤة
واحدة . وعن ابن عباس : أن الحسنى هي الحسنة ، والزيادة عشر أمثالها وعن الحسن : عشر
أمثالها إلى سبعماية ضعف، وعن مجاهد: الزيادة مغفرة الله ورضوانه. وعن يزيد بن سمرة".
الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول : ما تريدون أن أمطركم .. فلا يريدون شيئا إلا
أمطرتهم. أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا : أما قولكم إن الدلائل العقلية دلت على
امتناع رؤية الله تعالى فهذا ممنوع ، لأنا بيّنا في كتب الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف
ونهاية السخافة ، وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة
باثبات الرؤية ، وجب إجراؤها على ظواهرها . أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد
عليه . فنقول : المزيد عليه، إذا كان مقدرا بمقدار معين، وجب أن تكون الزيادة عليه مخالفة
له .
مثال الأول : قول الرجل لغيره : أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة ، فههنا يجب
أن تكون تلك الزيادة من الحنطة .
ومثال الثاني : قوله أعطيتك الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة غير
الحنطة ، والمذكور في هذه الآية لفظ ( الحسنى ) وهي الجنة ، وهي مطلقة غير مقدرة بقدر
معين ، فوجب أن تكون الزيادة عليها شيئا مغايرا لكل ما في الجنة . وأما قوله : الخبر المذكور
في هذا الباب ، اشتمل على لفظ النظر ، وعلى إثبات الوجه لله تعالى ، وكلاهما يوجبان
التشبيه . فنقول : هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية ، وأفاد إثبات الجسمية . ثم قام الدليل على
أنه ليس بجسم ، ولم يقم الدليل على امتناع رؤيته ، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على
فساده فقط ، وأيضا فقد بينا أن لفظ هذه الآية يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة
تنافي تقرير ذلك الخبر ، والله أعلم .
واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات ، شرح بعد ذلك الآفات
٠

٨٣
قوله تعالى (( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها )) سورة يونس
وَالَّذِينَ كَبُواْ السَِّّعَاتِ جَزَاءُ سَبِئَةٍ بِثْلِهَا وَتَرْهَفُهُمْ ذِلَّهُ مَّالَهُم مِّنَ اللّهِمِنْ عَصٍِ
كَأَنَّمَ أُغْنِيَتْ وُجُومُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظلِمًا أَوْلَئِكَ أَعْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٢٧
التي صانهم الله بفضله عنها ، فقال ( ولا يرهق وجوههم قتر ولاذلة ) لا يغشاها قتر وهي غبرة
فيها سواد ( ولا ذلة ) ولا أثر هوان ولا كسوف .
والصفة الأولى ﴾ هي قوله تعالى (وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها فترة )
﴿ والصفة الثانية ) هي قوله تعالى (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ) والغرض من
نفي هاتين الصفتين ، نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم ، ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره
الله تعالى خالص غنى مشوب بالمكروهات ، وأنه لا يجوز عليهم ما إذا حصل غيرّ صفحة
الوجه ، ويزيل ما فيها من النضارة والطلاقة ، ثم بين أنهم خالدون في الجنة لا يخافون
الانقطاع .
واعلم أن علماء الأصول قالوا : الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله
(والله يدعوا إلى دار السلام) يدل على غاية التعظيم . وقوله ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة )
يدل على حصول المنفعة وقوله ( ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ) يدل على كونها خالصة وقوله
( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من
عاصم كانما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه كما شرح حال المسلمين في الآية المتقدمة ، شرح حال من
أقدم على السيئات في هذه الآية ، وذكر تعالى من أحوالهم أمورا أربعة : أولها : قوله ( جزاء
سيئة بمثلها ) والمقصود من هذا القيد التنبيه على الفرق بين الحسنات وبين السيئات ، لأنه تعالى
ذكر في أعمال البر أنه يوصل إلى المشتغلين بها الثواب مع الزيادة وأما في عمل السيئات ، فانه

٨٤
قوله تعالى ((والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها)) سورة يونس
تعالى ذكر أنه لا يجازى إلا بالمثل ، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلا وذلك
حسن ، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة ، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق في عمل
السيئات ، فهو ظلم ، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد والترهيب والتحذير ، لأن الثقة بذلك إنما
تحصل إذا ثبتت حكمته، ولو فعل الظلم لبطلت حكمته تعالى الله عن ذلك ، هكذا قرره
القاضي تفريعا على مذهبه . وثانيها : قوله ( وترهقهم ذلة ) وذلك كناية عن الهوان والتحقير ،
واعلم أن الكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته ، فالانسان الناقص إذا مات بقيت
روحه ناقصة خالية عن الكمالات ، فيكون شعوره بكونه ناقصا ، سببا لحصول الذلة والمهانة
والخزى والنكال . وثالثها : قوله ( ما لهم من الله عاصم ) واعلم أنه لا عاصم من الله لا في
الدنيا ولا في الآخرة ، فان قضاءه محيط بجميع الكائنات ، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن
الغالب على الطباع العاصية، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم . أما بعد
الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من الله من عاصم . ورابعها : قوله ( كأنما أغشيت وجوههم
قطعا من الليل مظلما ) والمراد من هذا الكلام إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال ( ولا يرهق
وجوههم قتر ولا ذلة )
واعلم أن حكماء الاسلام قالوا : المراد من هذا السواد المذكور ههنا سواد الجهل وظلمة
الضلالة ، فان العلم طبعه طبع النور ، والجهل طبعه طبع الظلمة ، فقوله ( وجوه يومئذ مسفرة
ضاحكة مستبشرة ) المراهمنه نور العلم ، وروحه وبشره وبشارته ، وقوله ( ووجوه يومئذ عليها
غبرة ترهقها فترة ) المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( والذين كسبوا السيئات ) فيه وجهان : احدهما : أن يكون
معطوفا على قوله ( للذين أحسنوا ) كأنه قيل : للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات
جزاء سيئة بمثلها والثاني : أن يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها .
على معنى أن جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ، وهذا يدل على أن
حكم الله في حق المحسنين ليس إلا بالفضل ، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال بعضهم: المراد بقوله ( والذين كسبوا السيئات) الكفار
واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر ، بدليل قوله تعالى ( فأما الذين اسودت
وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) وكذلك قوله ( وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها فترة أولئك هم
الكفرة الفجرة ) ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية ( ويوم نحشرهم جميعا) والضمير في قوله ( هم)
عائد إلى هؤلاء ، ثم إنه تعالى وصفهم بالشرك ، وذلك يدل على أن هؤلاء هم الكفار ، ولأن
العلم نور وسلطان العلوم والمعارف هو معرفة الله تعالى ، فكل قلب حصل فيه معرفة الله تعالى

٨٥
قوله تعالى (( ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا )) سورة يونس
وَيَوْمَ تَخْتُ هُمْ جِعًا ثُمَّ نَقُولُ لَّذِينَ أَثْرَ كُوْ مَكَانَكُمْأَنْتُمْ وَثُرَ كَاؤُكُمْ فَرَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ
لم يحصل فيه الظلمة أصلا ، وكان الشبلي رحمة الله تعالى عليه يتمثل بهذا ويقول :
كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج
يوم يأتي الناس بالحجج
وجهك المأمول حجتنا
وقال القاضي : إن قوله ( والذين كسبوا السيئات ) عام يتناول الكافر والفاسق . إلا أنا
نقول : الصيغة وان كانت عامة إلا أن الدلائل التي ذكرناها تخصصه :
المسألة الرابعة ﴾ قال الفراء : في قوله ( جزاء سيئة بمثلها ) وجهان : الأول : أن
يكون التقدير : فلهم جزاء السيئة بمثلها ، كما قال ( ففدية من صيام ) أي فعليه . والثاني :
أن يعلق الجزاء بالباء في قوله ( بمثلها ) قال ابن الأنباري : وعلى هذا التقدير الثاني فلا بد من
عائد الموصول . والتقدير : فجزاء سيئة منهم بمثلها .
وأما قوله ﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فهو معطوف على يجازي ، لأن قوله (جزاء سيئة بمثلها)
تقديره : يجازي سيئة بمثلها ، وقرىء ( يرهقهم ذلة ) بالياء .
وأما قوله تعالى ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ﴾ ففيه مسائل ؛
المسألة الأولى ﴾ ( أغشيت ) أي ألبست (وجوههم قطعا) قرأ ابن كثير والكسائي
( قطعا ) بسكون الطاء ، وقرأ الباقون بفتح الطاء ، والقطع بسكون الطاء القطعة . وهي
البعض ، ومنه قوله تعالى ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ) أي قطعة . وأما قطع بفتح الطاء ،
فهو جمع قطعة ، ومعنى الآية : وصف وجوههم بالسواد ، حتى كأنها ألبست سوادا من
الليل ، كقوله تعالى ( وترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) وكقوله ( فأما الذين
اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم) وكقوله ( يُعرف المجرمون بسيماهم ) وتلك العلامة هي
سواد الوجه وزرقة العين .
المسألة الثانية ) قوله ( مظلما ) قال الفراء والزجاج : هو نعت لقوله ( قطعا) وقال
أبو علي الفارسي : ويجوز أن يجعل حالا كأنه قيل : أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال
ظلمته .
قوله تعالى ﴿ ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم

٨٦ قوله تعالى ( ویوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين اشركوا مكانكم انتم وشركاؤكم)» سورة يونس
فَكَفَى بِالَِّ شَهِيدًا بَدْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن
وَقَالَ ثُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إََِّنَا تَعْبُدُونَ
٢٨
◌ُّ عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ
٢٩
فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن
عبادتكم لغافلين
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار ، فالضمير في
قوله ( ويوم نحشرهم ) عائد الى المذكور السابق ، وذلك هو قوله ( والذين كسبوا السيئات )
فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر ، دل على أن المراد من قوله ( والذين كسبوا
السيئات ) الكفار ، وحاصل الكلام : أنه تعالى يحشر العابد والمعبود ، ثم إن المعبود يتبرأ من
العابد ، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وارادته ، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون
( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار ، بل يتبرؤن منهم ،
وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار ، ونظيره آيات منها قوله تعالى ( إذ
تبرأ الذين اتّبعوا من الذين اتبعوا) ومنها قوله تعالى ( ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا
يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن )
واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية ، وهي أن ما سوى الواحد
الأحد الحق ممكن لذاته ، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته ، والشيء الواحد يمتنع أن
يكون قابلا وفاعلا معا ، فما سوى الواحد الاحد الحق لا تأثير له في الايجاد والتكوين ، فالممكن
المحدث لا يليق به أن يكون معبودا لغيره ، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق ، وذلك ليس
إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته ، فبراءة المعبود من العابدين ، يحتمل أن يكون
المراد منه ما ذكرناه . والله أعلم بمراده .
{ المسألة الثانية﴾ ( الحشر) الجمع من كل جانب الى موقف واحد و( جميعا) نصب
على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم . و( مكانكم ) منصوب باضمار الزموا . والتقدير :
الزموا مكانكم و( أنتم ) تأكيد للضمير (وشركاؤكم ) عطف عليه . واعلم أن قوله
( مكانكم ) كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم
أي الزموا مكانكم حتى تسألوا ، ونظيره قوله تعالى ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا

٨٧
قوله تعالى ( وقال شرکاؤهم ما کنتم إیانا تعبدون )) سورة يونس
يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون )
أما قوله ﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضى بعد قوله ( ثم نقول ) وهو
منتظر ، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه ، بأنه سيكون صار كالكائن الراهن الآن ، ونظيره
قوله تعالى ( ونادى أصحاب الجنة )
﴿ البحث الثاني﴾ زيلنا فرقنا وميزنا. قال الفراء: قوله (فزيلنا) ليس من أزلت ،
إنما هو من زلت اذا فرقت . تقول العرب : زلت الضأن من المعز فلم تزل أي ميزتها فلم
تتميز ، ثم قال الواحدي : فالزيل والتزييل والمزايلة ، والتمييز والتفريق . قال الواحدي :
وقرىء ( فزايلنا بينهم ) وهو مثل ( فزيلنا ) وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه
الآية : هو من زال يزول وأزلته أنا ، ثم حكى عن الأزهري أنه قال : هذا غلط ، لأنه لم يميز
بين زال يزول ، وبين زال يزيل ، وبينهما بون بعيد ، والقول ما قاله الفراء ، ثم قال
المفسرون : ( فزيلنا) أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام ، وانقطع ما
كان بينهم من التواصل في الدنيا .
وأما قوله ﴿ وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ ففيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ انما أضاف الشركاء اليهم لوجوه: الأول: أنهم جعلوا نصيبا من
أموالهم لتلك الأصنام ، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، فلهذا قال تعانى ( وقال
شركاؤهم ) الثاني أنه يكفي في الاضافة أدنى تعلق ، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه
الشركة ، لا جرم حسنت اضافة الشركاء إليهم . الثالث : أنه تعالى لما خاطب العابدين
والمعبودين بقوله ( مكانكم ) صاروا شركاء في هذا الخطاب .
﴿ البحث الثاني ﴾ اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء . فقال بعضهم : هم الملائكة،
واستشهدوا بقوله تعالى ( يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون )
ومنهم من قال : بل هي الأصنام ، والدليل عليه: ان هذا الخطاب مشتمل على التهديد
والوعيد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين ، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا
الكلام . فقال بعضهم : إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها ، فلا جرم قدرت على
ذكر هذا الكلام . وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى
يسمع منها ذلك الكلام ، وهو ضعيف ، لأن ظاهر قوله ( وقال شركاؤهم ) يقتضي أن يكون
فاعل ذلك القول هم الشركاء .
فان قيل : اذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم ؟

٨٨
قوله تعالى (( هنالك تبلو كل انفس ما أسلفت)) سورة يونس
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَنْهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ
قلنا : الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله ، وأحوال القيامة غير
معلومة ، الا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن .
﴿ والقول الثالث﴾ إن المراد بهؤلاء الشركاء، كل من عبد من دون الله تعالى ، من صنم
وشمس وقمر وأنسى وجنى وملك .
البحث الثالث ﴾ هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين ، فهل يكون
تهديدا في حق المعبودين . أما المعتزلة : فانهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز . قالوا . لأنه لا ذنب
للمعبود ، ومن لا ذنب له ، فانه يقبح من الله تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد اليه .
وأما أصحابنا ، فانهم قالوا إنه تعالى لا يسأل عما يفعل .
﴿ البحث الرابع ﴾ أن الشركاء . قالوا ( ما كنتم إيانا تعبدون ) وهم كانوا قد
عبدوهم ، فكان هذا كذبا ، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل
يكذبون أم لا ، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء ، والذي نذكره ههنا ، أن منهم من
قال : إن المراد من قولهم ( ما كنتم إيانا تعبدون ) هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وارادتنا ؟ قالوا :
والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان : الأول : أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا
( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ) والثاني : أنهم قالوا ( إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) فأثبتوا
لهم عبادة ، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة ، وقد صدقوا في ذلك ، لأن من
أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور البتة . ومن الناس من أجرى
الآية على ظاهرها . وقالوا : إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها ، ثم ذكروا فيه وجوها :
الأول : أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة ، فذلك الكذب يكون جاريا مجرى كذب
الصبيان ، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين . والثاني : أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا
وجعلوها لبطلانها كالعدم ، ولهذا المعنى قالوا : إنهم ما عبدونا . والثالث : أنهم تخيلوًا في
الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة ، فهم في الحقيقة انما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات
ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات ، فهم ما عبدوها وانما عبدوا أمورا تخيلوها ولا
وجود لها في الاعيان ، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله
بغير اذنه .
قوله تعالى ﴿ هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم
ما كانوا يفترون ﴾
٠٫٠

٨٩
قوله تعالى ( وضل عنهم ما کانوا یفتر ون )) سورة يونس
واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها . وقوله ( هنالك ) معناه : في ذلك المقام وفي ذلك
الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ، وفي قوله ( تبلوا )
مباحث :
البحث الأول ﴾ قرأ حمزة والكسائي ( تتلوا ) بتاءين ، وقرأ عاصم ( نبلو كل نفس )
بالنون ونصب كل والباقون ( تبلوا ) بالتاء والباء . أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان :
الأول : أن يكون معنى قوله ( تتلوا ) أي تتبع ما أسلفت ، لأن عمله هو الذي يهديه الى
طريق الجنة والى طريق النار . الثاني : أن يكون المعنى : أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها
من خير أوشر. ومنه قوله تعالى ( إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) وقال ( فأولئك
يقرؤن كتابهم ) وأما قراءة عاصم فمعناها : أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس
بسبب اختبار ما أسلفت من العمل ، والمعنى : أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها ، إن كان
حسنا فهي سعيدة ، وإن كان قبيحا فهي شقية ، والمعنى نفعل بها فعل المختبر ، كقوله تعالى
( ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وأما القراءة المشهورة فمعناها : أن كل نفس نختبر أعمالها في
ذلك الوقت .
﴿ البحث الثاني﴾ الابتلاء عبارة عن الاختبار. قال تعالى ( وبلوناهم بالحسنات
والسيئات ) ويقال : البلاء ثم الابتلاء . أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء .
ولقائل أن يقول : إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال ، فكيف
يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء ؟
وجوابه : أن الابتلاء سبب لحدوث العلم ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز
مشهور .
وأما قوله ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى
الموضع الذي جاء منه ، وههنا فيه احتمالات : الأول : أن يكون المراد من قوله ( وردوا إلى
الله) أي وردوا الى حيث لا حكم إلا الله على ما تقدم في نظائره . والثاني : أن يكون المراد
( وردوا) إلى ما يظهر لهم من اللّه من ثواب وعقاب ، منبها بذلك على أن حكم الله بالثواب
والعقاب لا يتغير . الثالث : أن يكون المراد من قوله ( وردوا إلى الله) أي جعلوا ملجئين إلى

٩٠
قوله تعالى (( قل من يرزقكم من السماء والأرض )) سورة يونس
قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَدَرَ وَمَن يُخْرِجُ
الحَّ مِنَ الْمَيْتِ ويُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِرُ الْأَمْرَّ فَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا
نَتَّقُونَ (ِ فَ لَكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَنَّ فَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلٌ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
كَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
٣٢
الاقرار بالهيته، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى ، ولذلك قال ( مولاهم الحق )
أعنى أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق .
وأما قوله ﴿ مولاهم الحق ﴾ فقد مر تفسيره في سورة الأنعام .
وأما قوله ﴿ وضل عنهم ما کانوا یفتر ون ﴾ فالمراد أنهم كانوا يدعون فیما يعبدونه أنهم
شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى ، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة ، ويعلمون
أن ذلك باطل وافتراء واختلاق .
قوله تعالى ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون.
فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنی تصرفون،كذلك حقت کلمت ربك على
الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل الدالة على فساد هذا
المذهب .
: فالحجة الأولى ﴾ ما ذكره في هذه الآية وهو أحوال الرزق وأحوال الحواس وأحوال
الموت والحياة . أما الرزق فانه إنما يحصل من السماء والأرض ، أما من السماء فبنزول الأمطار
الموافقة . وأما من الأرض ، فلأن الغذاء إما أن يكون نباتا أو حيوانا ، أما النبات فلا ينبت إلا
من الأرض . وأما الحيوان فهو محتاج أيضا إلى الغذاء . ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان
حيوانا آخر . وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال ، فثبت أن أغذية الحيوانات يجب

٩١
قوله تعالى (( كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا )) سورة يونس
انتهاؤها الى النبات . وثبت أن تولد النبات من الأرض ، فلزم القطع بأن الارزاق لا تحصل إلا
من السماء والأرض ، ومعلوم أن مدبر السموات والأرضين ليس الا الله سبحانه وتعالى ، فثبت
أن الرزق ليس الا من الله تعالى ، وأما أحوال الحواس فكذلك ، لأن أشرفها السمع والبصر.
وكان على رضى الله عنه يقول : سبحان من بصرّ بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم ،
وأما أحوال الموت والحياة فهو قوله ( ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) ﴾ وفيه
وجهان: الأول : أنه يخرج الانسان والطائر من النطفة والبيضة ( ويخرج الميت من الحي ) أي
يخرج النطفة والبيضة من الانسان والطائر . والثاني : أن المراد منه أنه يخرج المؤمن من
الكافر ، والكافر من المؤمن ، والأكثرون على القول الأول ، وهو الى الحقيقة أقرب ، ثم إنه
تعالى لما ذكر هذا التفصيل ذكر بعده كلاما كليا ، وهو قوله ( ومن يدبر الأمر ) وذلك لأن أقسام
تدبير الله تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلى ، وفي عالمي الأرواح والأجساد أمور لا
نهاية لها ، وذكر كلها كالمتعذر، فلما ذكر بعض تلك التفاصيل ، لا جرم عقبها بالكلام الكلي
ليدل على الباقي ، ثم بين تعالى أن الرسول عليه السلام ، إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال،
فسيقولون إنه الله سبحانه وتعالى ، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله
ويقرون به ، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا الى الله زلفى . وانهم شفعاؤنا
عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فعند ذلك قال لرسوله عليه السلام
( فقل أفلا تتقون ) يعني أفلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية ، مع
اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه ، واعترافكم بأن
هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر البتة .
ثم قال تعالى ﴿ فذلكم الله ربكم ) ومعناه أن من هذه قدرته ورحمته هو ( ربكم الحق )
الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه ، وإذا ثبت أن هذا هو الحق ، وجب أن يكون ما سواه
ضلالا ، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين ، فاذا كان أحدهما حقا ، وجب
أن يكون ما سواه باطلا .
ثم قال ﴿ فأنى تصرفون﴾ والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الواضح الظاهر (فأنى
تصرفون ) وكيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر ، واعلم أن الجبائي قد استدل بهذه
الآية وقال : هذا يدل على بطلان قول المجبرة أنه تعالى يصرف الكفار عن الايمان ، لأنه لوكان
كذلك لما جاز أن يقول ( فأنى تصرفون ) كما لا يقول : إذا أعمى بصر أحدهم إني عميت ،
واعلم أن الجواب عنه سيأتي عن قريب .
أما قوله ﴿ كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ﴾ ففيه مسائل :

٩٢
قوله تعالى ( قل هل من شركائکم من يبدأ الخلق ثم يعيده )) سورة يونس
قُلْ هَلْ مِن تُرَكَبِّكُم مَّن يَبْدَؤُأ ◌َلْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُيَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَ يُعِدُهُ
فَأَنَّى تُؤْفَكُون
٣٤
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله تعالى وإرادته ،
وتقريره أنه تعالى أخبر عنهم خبرا جزما قطعا أنهم لا يؤمنون ، فلو آمنوا ، لكان إما أن يبقى
ذلك الخبر صدقا أو لا يبقى ، والأول باطل ، لأن الخبر بأنه لا يؤمن يمتنع أن يبقى صدقا حال
ما يوجد الايمان منه . والثاني أيضا باطل ، لأن انقلاب خبر الله تعالى كذبا محال ، فثبت أن
صدور الايمان منهم محال . والمحال لا يكون مرادا ، فثبت أنه تعالى ما أراد الايمان من هذا
الكافر وأنه أراد الكفر منه ، ثم نقول : إن كان قوله ( فأنى تصرفون ) يدل على صحة مذهب
القدرية ، فهذه الآية الموضوعة بجنبه تدل على فساده ، وقد كان من الواجب على الجبائي مع
قوة خاطره حين استدل بتلك الآية على صحة قوله : أن يذكر هذه الحجة عنها حتى يحصل
مقصوده .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ نافع وابن عامر (كلمات ربك) على الجمع وبعده (إن الذين
حقت عليهم كلمات ربك ) وفي حم المؤمن ( كذلك حقت كلمات ) كله بالألف على الجمع
والباقون ( كلمت ربك ) في جميع ذلك على لفظ الوحدان .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الكاف في قوله ( كذلك ) للتشبيه ، وفيه قولان : الأول: أنه كما
ثبت وحق أنه ليس بعد الحق إلا الضلال كذلك حقت كلمة ربك بأنهم لا يؤمنون : الثاني :
كما حق صدور العصيان منهم ، كذلك حقت كلمة العذاب عليهم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ (أنهم لا يؤمنون) بدل من ( كلمت ) أي حق عليهم انتفاء
الإيمان .
﴿ المسألة الخامسة﴾ المراد من كلمة الله إما اخباره عن ذلك وخبره صدق لا يقبل التغير
والزوال ، أو علمه بذلك ، وعلمه لا يقبل التغير والجهل . وقال بعض المحققين : علم الله
تعلق بأنه لا يؤمن . وخبره تعالى بأنه لا يؤمن ، وقدرته لم تتعلق بخلق الايمان فيه ، بل بخلق
الكفر فيه وإرادته لم تتعلق بخلق الايمان فيه ، بل بخلق الكفر فيه ، وأثبت ذلك في اللوح
المحفوظ ، وأشهد عليه ملائكته ، وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه ، فلو حصل الايمان
لبطلت هذه الأشياء ، فينقلب علمه جهلا ، وخبره الصدق كذبا ، وقدرته عجزا ، وإرادته
كرها ، وإشهاده باطلا ، وإخبار الملائكة والأنبياء كذبا ، وكل ذلك محال .
قوله تعالى ﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده
فأنى تؤفكون ﴾

٩٣
قوله تعالى ((قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده)) سورة يونس
واعلم أن هذا هو الحجة الثانية ، وتقريرها ما شرح الله تعالى في سائر الآيات من كيفية
ابتداء تخليق الانسان من النطفة والعلقة والمضغة وكيفية إعادته ، ومن كيفية ابتداء تخليق
السموات والأرض ، فلما فصل هذه المقامات ، لا جرم اكتفى تعالى بذكرها ههنا على سبيل
الاجمال ، وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول ﴾ ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل السؤال والاستفهام.
والجواب : أن الكلام إذا كان ظاهرا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام وتفويض الجواب
الى المسئول ، كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب .
السؤال الثاني ﴾ القوم كانوا منكرين الاعادة والحشر والنشر، فكيف احتج عليهم
بذلك ؟
والجواب : أنه تعالى قدم في هذه السورة ذكر ما يدل عليه ، وهو وجوب التمييز بين
المحسن وبين المسيء وهذه الدلالة ظاهرة قوية لا يتمكن العاقل من دفعها ، فلأجل كمال قوتها
وظهورها تمسك به ، سواء ساعد الخصم عليه أو لم يساعد .
﴿ السؤال الثالث﴾ لم أمر رسوله بأن يعترف بذلك، والالزام إنما يحصل لو اعترف
الخصم به ؟
والجواب : أن الدليل لما كان ظاهرا جليا ، فاذا أورد على الخصم في معرض
الاستفهام ، ثم إنه بنفسه يقول الأمر كذلك ، كان هذا تنبيها على أن هذا الكلام بلغ في
الوضوح الى حيث لا حاجة فيه الى اقرار الخصم به ، وأنه سواء أقر أو أنكر ، فالأمر متقرر
ظاهر .
أما قوله ﴿فأنى تؤفكون﴾ فالمراد التعجب منهم في الذهاب عن هذا الأمر الواضح
الذي دعاهم الهوى والتقليد أو الشبهة الضعيفة الى مخالفته ، لأن الإخبار عن كون الأوثان آلهة
كذب وإفك ، والاشتغال بعبادتها مع أنها لا تستحق هذه العبادة يشبه الافك .

٩٤
قوله تعالى ((قل هل من شركائكم من يهدي الى الحق)) سورة يونس
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِّكُم مَّن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَمَن يَهْدِىّ إِلَى
الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ أَمَّنَ لََّبِدِىّ إِلَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحُْونَ (2﴾ وَمَا
يََِّّعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّالَّ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
٣٦٦
قوله تعالى ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي الى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي الى
الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا ان يهدی فما لکم کیف تحكمون وما يتبع أکثرهم إلا ظنا إن
الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة ، واعلم أن الاستدلال على وجود
الصانع بالخلق أولا ، ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة في القرآن ، فحكى تعالى عن الخليل عليه
السلام أنه ذكر ذلك فقال ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وعن موسى عليه السلام، أنه ذكر
ذلك فقال : (ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأمر محمدا ◌ًي بذلك فقال ﴿ سبح
اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ﴾ وهو في الحقيقة دليل شريف ، لأن
الانسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ،
والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى ، وهو قوله
أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية .
واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ، كما قال تعالى ﴿ والله
أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم
تشكرون) وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في
اكتساب المعارف والعلوم ، وأيضا فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها الى الالتذاذ بذوق
شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة ، أما الأحوال الروحانية والمعارف
الالهية ، فانها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد ، فعلمنا أن الخلق تبع
للهداية ، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية .
إذا ثبت هذا فنقول : العقول مضطربة والحق صعب ، والافكار مختلطة ، ولم يسلم

٩٥
قوله تعالى ((قل الله يهدى للحق)) سورة يونس
من الغلط إلا الأقلون ، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا باعانة الله سبحانه وتعالى
وهدايته وإرشاده ، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم عليه السلام بعد استماع الكلام القديم
﴿رب اشرح لي صدري﴾ وكل الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة، مع أن
الأكثرين وقعوا في الضلالة ، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا
من الله تعالى .
إذا عرفت هذا فنقول : الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق ، وإما أن تكون
عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى
السعادات الحقيقية، ودللنا على أنها ليست إلا من الله تعالى. وأما الأصنام فانها جمادات لا تأثير
لها في الدعوة إلى الحق ولا في الارشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل الى جميع
الخيرات في الدنيا والآخرة ، والمرشد الى كل الكمالات في النفس والجسد ، وأن الأصنام لا
تأثير لها في شيء من ذلك ، وإذا كان كذلك كان الاشتغال بعبادتها جهلا محضاً وسفها صرفا ،
فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج : يقال هديت الى الحق ، وهديت للحق بمعنى واحد،
والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله ﴿ قل الله يهدي للحق أفمن يهدي الى الحق ﴾
المسألة الثالثة﴾ في قوله ﴿أم من لا يهدي﴾ ست قراءات: الأولى: قرأ ابن كثير
وابن عامر وورش عن نافع ﴿ يهدي ﴾ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، وهو اختيار أبي عبيدة
وأبي حاتم ، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة الى الهاء .
الثانية : قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها ،
فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في ﴿ يخصمون ﴾ قال علي بن عيسى وهو غلط على
نافع . الثالثة : قرأ أبو عمرو بالاشارة الى فتحة الهاء من غير اشباع فهو بين الفتح والجزم
مختلسة على أصل مذهبه اختياراً للتخفيف، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع .
الرابعة : قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فرارا من التقاء الساكنين ، والجزم
يحرك بالكسر. الخامسة : قرأ حماد ويجي بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع
الكسرة للكسرة . وقيل : هو لغة من قرأ ﴿نستعين ونعبد ﴾ السادسة: قرأ حمزة والكسائي
﴿ يهدي﴾ ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي. والعرب تقول: يهدي بمعنى
يهتدي . يقال : هديته فهدى ، أي اهتدى .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في لفظ الآية إشكال ، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية

٩٦
قوله تعالى (قل الله يهدي للحق)) سورة يونس
الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية ، فقوله ﴿ أم من لا يهدي إلا أن يهدى﴾ لا يليق بها .
والجواب من وجوه : الأول : لا يبعد أن يكون المراد من قوله ﴿ قل هل من شركائكم
من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ هو الأصنام . والمراد من قوله ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي إلى
الحق ﴾ رؤساء الكفر والضلالة والدعاة اليها . والدليل عليه قوله سبحانه ﴿اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ إلى قوله ﴿لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ والمراد أن الله
سبحانه وتعالى هدى الخلق الى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية . وأما
هؤلاء الدعاة والرؤساء فانهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى ، فكان
التمسك بدين الله تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال .
الوجه الثاني ﴾ في الجواب أن يقال : إن القوم لما اتخذوها آلهة ، لا جرم عبر عنها كما
يعبر عمن يعلم ويعقل ، ألا ترى أنه تعالى قال ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد
أمثالكم ﴾ مع أنها جمادات ؟ وقال ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ فأجرى اللفظ على
الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم . فكذا ههنا وصفهم الله تعالى بصفة من
يعقل ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، الثالث : أنا نحمل ذلك على التقدير ، يعني أنها لو كانت
بحيث يمكنها أن تهدي ، فانها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها ، وإذا حملنا الكلام على
هذا التقدير فقد زال السؤال . الرابع : أن البنية عندنا ليست شرطا لصحة الحياة والعقل ،
فتلك الأصنام حال كونها خشبا وحجرا قابلة للحياة والعقل ، وعلى هذا التقدير فيصح من الله
تعالى أن يجعلها حية عاقلة . ثم إنها تشتغل بهداية الغير . الخامس : أن الهدى عبارة عن النقل
والحركة يقال : هديت المرأة الى زوجها هدى ، إذا نقلت اليه ، والهدى ما يهدي إلى الحرم من
النعم، وسميت الهدية هدية لانتقالها من رجل الى غيره، وجاء فلان يهادي بين اثنين إذا كان
يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله ﴿ أم من لا يهدي إلا أن يهدى ﴾ يحتمل أن يكون معناه:
انه لا ينتقل الى مكان إلا اذا نقل اليه ، وعلى هذا التقدير : فالمراد الاشارة الى كون هذه
الاصنام جمادات خالية عن الحياة والقدرة . واعلم انه تعالى لما قرر على الكفار هذه الحجة
الظاهرة قال ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ يعجب من مذهبهم الفاسد ومقالتهم الباطلة أرباب
العقول .
/ ثم قال تعالى ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظنا﴾ وفيه وجهان: الأول: وما يتبع أكثرهم في
إقرارهم بالله تعالى إلا ظنا ، لأنه قول غير مستند الى برهان عندهم ، بل سمعوه من

٩٧
قوله تعالى ((ان الظن لا يغني من الحق شيئاً)) سورة يونس
أسلافهم . الثاني : وما يتبع أكثرهم في قولهم : الأصنام آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن .
والقول الأول أقوى ، لأنا في القول الثاني نحتاج الى ان نفسر الأكثر بالكل .
ثم قال تعالى ﴿ إن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : العمل بالقياس عمل بالظن،
فوجب أن لا يجوز ، لقوله تعالى ﴿ إن الظن لا يغنى من الحق شيئا ﴾
أجاب مثبتو القياس ، فقالو : الدليل الذي دل على وجوب العمل بالقياس دليل
قاطع ، فكان وجوب العمل بالقياس معلوما ، فلم يكن العمل بالقياس مظنونا ، بل كان
معلوما .
أجاب المستدل عن هذا السؤال ، فقال : لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه
حكما الله تعالى لكان ترك العمل به كفرا لقوله تعالى ﴿ومن لَمْ يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون﴾ ولما لم يكن، كذلك، بطل العمل به وقد يعدون عن هذه الحجة بأنهم قالوا:
الحكم المستفاد من القياس إما أن يعلم كونه حكما لله تعالى أو يظن ، أولا يعلم ولا يظن .
وإلا لكان من لم يحكم به كافرا لقوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون﴾ وبالاتفاق ليس كذلك، والثاني: باطل، لأن العمل بالظن لا يجوز لقوله تعالى
﴿ إن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ والثالث: باطل، لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوما ولا
مظنونا ، كان مجرد التشهي ، فكان باطلا لقوله تعالى ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا
الصلاة واتبعوا الشهوات ﴾
وأجاب مثبتو القياس : بأن حاصل هذا الدليل يرجع الى التمسك بالعمومات ،
والتمسك بالعمومات لا يفيد الا الظن . فلما كانت هذه العمومات دالة على المنع من التمسك
بالظن ، لزم كونها دالة على المنع من التمسك بها ، وما افضى ثبوته الى نفيه كان متروكا .
﴿ المسألة الثانية) دلت هذه الآية على أن كل من كان ظانا في مسائل الأصول ، وما
كان قاطعا ، فانه لا يكون مؤمنا .
فان قيل : فقول أهل السنة أنا مؤمن إن شاء الله ، يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم
الكفر .
قلنا : هذا ضعيف من وجوه : الاول : مذهب الشافعي رحمه الله : أن الايمان عبارة
الفخر الرازي ج١٧ م٧

٩٨
قوله تعالى ((وما كان هذا القرآن أن یفتری)) سورة يونس
٠٠٠٠٠
بَيْنَ یدیهِ
وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى
وَمَا كَانَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ
وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِنَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَةً قُلْ
فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُ مِنْ دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾
بَلْ كَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِهِ ، وَلَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيَةُ، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلظَّلِينَ
٣٩
عن مجموع الاعتقاد والاقرار والعمل ، والشك اصل في أن هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر
الله تعالى ؟ والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية . الثاني : أن الغرض
من قوله إن شاء الله . بقاء الايمان عند الخاتمة . الثالث : الغرض منه هضم النفس وكسرها
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه
وتفصیل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم یقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من
استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله كذلك
كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين﴾
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى ﴿ويقولون لولا أنزل عليه
آية من ربه ﴾ ذكرنا أن القوم إنما ذكرواذلك لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمدا إنما
يأتي به من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق ، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن
هذا الكلام ، وامتدت تلك البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه الى هذا الموضع ، ثم
إنه تعالى بين في هذا المقام ان إتيان محمد عليه السلام بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على
الله تعالى، ولكنه وحي نازل عليه من عند الله، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا الكلام بقوله
﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله﴾ وذلك يدل على أنه معجز نازل عليه من عند الله
تعالى، وأنه مبرأ عن الافتراء والافتعال فهذا هو الترتيب الصحيح في نظم هذه الآيات .
المسألة الثانية) قوله تعالى ﴿وما كان هذا القرآن أن يُفترىُ﴾ فيه وجهان : الأول:

٩٩
قوله تعالى ( وما کان هذا القرآن أن یفتری )) سورة يونس
أن قوله ﴿أن يفترى﴾ في تقدير المصدر، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله،
كما تقول: ما كان هذا الكلام إلا كذبا . والثاني: أن يقال إن كلمة ﴿ أن ﴾ جاءت ههنا
بمعنى اللام ، والتقدير : ما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله ، كقوله ﴿ وما كان المؤمنون
لينفروا كافة). (ما كان الله ليذر المؤمنين). (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ أي لم يكن ينبغي
لهم أن يفعلوا ذلك ، فكذلك ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ، أي ليس وصفه وصف شيء
يمكن أن يفترى به على الله ، لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر، والقرآن معجز لا يقدر عليه
البشر، والافتراء افتعال من فريت الأديم إذا قدرته للقطع ، ثم استعمل في الكذب كما
استعمل قولهم : اختلق فلان هذا الحديث في الكذب ، فصار حاصل هذا الكلام أن هذا
القرآن لا يقدر عليه احد إلا الله عز وجل ، ثم إنه تعالى احتج على هذه الدعوى بأمور :
﴿ الحجة الأولى) قوله ﴿ولكن تصديق الذي بين يديه﴾ وتقرير هذه الحجة من
وجوه : أحدها : أن محمدا عليه السلام كان رجلا أميا ما سافر الى بلدة لأجل التعلم ، وما
كانت مكة بلدة العلماء ، وما كان فيها شيء من كتب العلم ، ثم إنه عليه السلام أتى بهذا
القرآن ، فكان هذا القرآن مشتملا على أقاصيص الأولين ، والقوم كانوا في غاية العداوة له ،
فلولم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والانجيل. لقدحوا فيه ولبالغوا في الطعن فيه ،
ولقالوا إنك جئت بهذه الأقاصيص لا كما ينبغي، فلما لم يقل احد ذلك مع شدة حرصهم على
الطعن فيه، وعلى تقبيح صورته، علمنا أنه أتى بتلك الأقاصيص مطابقة لما في التوراة
والانجيل، مع أنه ما طالعهما ولا تلمذ لأحد فيهما، وذلك يدل على أنه عليه السلام إنما أخبر
عن هذه الأشياء بوحي من قبل الله تعالى
﴿ الحجة الثانية) أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد عليه السلام، على ما
استقصينا في تقريره في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) وإذا كان
الأمر كذلك كان مجيء محمد عليه السلام تصديقاً لما في تلك الكتب، من البشارة بمجيئه ◌َله،
فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه .
﴿ الحجة الثالثة ) أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل ،
ووقعت مطابقة لذلك الخبر ، كقوله تعالى ( ألَم غلبت الروم) الآية ، وكقوله تعالى ( لقد
صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) وكقوله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الأرض ) وذلك يدل على أن الإخبار عن هذه الغيوب المستقبلة ، إنما حصلت
بالوحي من الله تعالى ، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه ، فالوجهان الأولان :
إخبار عن الغيوب الماضية . والوجه الثالث : إخبار عن الغيوب المستقبلة ، ومجموعها عبارة
عن تصديق الذي بين يديه .

١٠٠
قوله تعالى (( لا ريب فيه من رب العالمين )) سورة يونس
النوع الثاني ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى ( وتفصيل كل شيء )
واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه ؟ فقال بعضهم : إنه معجز
لاشتماله على الاخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ، وهذا هو المراد من قوله ( تصديق الذي
بين يديه ) ومنهم من قال : إنه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة ، وإليه الاشارة بقوله
( وتفصيل كل شيء ) وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست
دينية ، ولا شك أن القسم الأول أرفع حالا وأعظم شأناً وأكمل درجة من القسم الثاني .
وأما العلوم الدينية ، فاما أن تكون علم العقائد والأديان ، وإما أن تكون علم الأعمال . أما
علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . أما
معرفة الله تعالى ، فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله ، ومعرفة صفات إكرامه ،
ومعرفة أفعاله ، ومعرفة أحكامه ، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل
وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب ، بل لا يقرب منه شيء من
المصنفات . وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر ،
وهو عام الفقه . ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن ، وإما أن يكون
علما بتصفية الباطن أو رياضة القلوب . وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم مالا يكاد
يوجد في غيره . كقوله ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وقوله (إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) فثبت أن القرآن
مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة ، عقليها ونقليها ، اشتمالا يمتنع حصوله في سائر
الكتب فكان ذلك معجزا ، وإليه الاشارة بقوله ( وتفصيل الكتاب )
أما قوله ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين﴾ فتقريره: أن الكتاب الطويل المشتمل على
هذه العلوم الكثيرة ، لا بد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض ، وحيث خلى هذا الكتاب
عنه ، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله، ونظيره قوله تعالى ( ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيراً )
واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله وصفته أن يكون
كلاما مُفترى على الله تعالى ، وأقام عليه هذين النوعين من الدلائل المذكورة ، عاد مرة أخرى
بلفظ الاستفهام على سبيل الانكار ، فقال ( أم يقولون افتراه ) ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى
على إيطال هذا القول ، فقال ( قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم
صادقين ) وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة ( وإن كنتم في ريب
مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) وههنا