النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ قوله تعالى ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا )) سورة يونس ◌َمَنْ أَظْلُ غَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِعَايَتِهِ، إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ الى الدليل الذي قررناه ، وقوله ( أفلا تعقلون ) يعني أن مثل هذا الكتاب العظيم اذا جاء على يد من لم يتعلم ولم يتلمذ ولم يطالع كتابا ولم يمارس مجادلة، يعلم بالضرورة أنه لا يكون الا على سبيل الوحي والتنزيل. وانكار العلوم الضرورية يقدح في صحة العقل. فلهذا السبب قال (أفلا تعقلون) ﴿ المسألة الثانية) قوله (ولا أدراكم به) هو من الدراية بمعنى العلم . قال سيبويه : يقال دريته ودريت به ، والأكثر هو الاستعمال بالباء . والدليل عليه قوله تعالى ( ولا أدراكم به ) ولو كان على اللغة الأخرى لقال ولا أدراكموه . اذا عرفت هذا فنقول : معنى ( ولا أدراكم به ) أي ولا أعلمكم بالله ولا أخبركم به . قال صاحب الكشاف: قرأ الحسن ( ولا أدرأكم به ) على لغة من يقول أعطأته وأرضأته في معنى أعطيته وأرضيته ويعضده قراءة ابن عباس ( ولا أنذرتكم به) ورواه الفراء ( ولا أدرأتكم ) به بالهمز ، والوجه فيه أن يكون من أدرأته إذا دفعته ، وأدرأته إذا جعلته داريا ، والمعنى : ولا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ، وعن ابن كثير ( ولأدرأكم ) بلام الابتداء لاثبات الادراء . وأما قوله تعالى ﴿ فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ﴾ فالقراءة المشهورة بضم الميم ، وقرىء ( عمرا ) بسكون الميم . قوله تعالى ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ﴾ واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر ، وذلك لأنهم التمسوا منه قرآنا يذكره من عند نفسه ، ونسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه ، ثم انه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل ، وأن هذا القرآن ليس إلا بوحي الله تعالى وتنزيله ، فعند هذا قال ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) والمراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ، لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني ، حيث افتريته على الله ، ولما أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك ، بل هو بوحي من الله تعالى وجب أن يقال إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم ، لأنه لما ظهر بالبرهان المذكور كونه من عند الله ، فاذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات ٦٢ قوله تعالى (( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم )) سورة يونس وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَكُنَا عِندَ اللِّ قُلْ أَتْفَِعُونَ اللَّه ◌ِمَا لَا يَعْلَمُ فِ اَلَّمَنَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨ الله . فوجب أن تكونوا أظلم الناس . والحاصل أن قوله ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) المقصود منه نفي الكذب عن نفسه وقوله ( أو كذب بآياته ) المقصود منه إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث أنكر وا دلائل الله ، وكذبوا بآيت الله تعالى . وأما قوله ﴿ إنه لا يفلح المجرمون ﴾ فهو تأكيد لما سبق من هذين الكلامين. والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول ( قرآنا غير هذا القرآن أوتبديل هذا القرآن لأن هذا القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي جعلوها آلهة لأنفسهم ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما يدل على قبح عبادة الأصنام ، ليبين أن تحقيرها والاستخفاف بها أمر حق وطريق متيقن . واعلم أنه تعالى حكى عنهم أمرين : أحدهما : أنهم كانوا يعبدون الأصنام . والثاني : أنهم كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله . أما الأول فقد نبه الله تعالى على فساده بقوله ( ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) وتقريره من وجوه : الأول : قال الزجاج : لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه . الثاني : أن المعبود لا بد وأن يكون أكمل قدرة من العابد ، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر البتة ، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالاصلاح وأخرى بالافساد ، وإذا كان العابد أكمل حالا من المعبود كانت العبادة باطلة . الثالث : أن العبادة أعظم أنواع التعظيم ، فهي لا تليق إلا بمن صدر عنه أعظم أنواع الانعام ، وذلك ليس إلا الحياة والعقل والقدرة ومصالح المعاش والمعاد ، فاذا كانت المنافع والمضار كلها من الله سبحانه وتعالى ، وجب أن لا تليق العبادة إلا بالله سبحانه . وأما النوع الثاني ﴾ ما حكاه الله تعالى عنهم في هذه الآية ، وهو قولهم ( هؤلاء ٦٣ قوله تعالى ((قل أتنبئون الله بما لا يعلم )) سورة يونس شفعاؤنا عند الله ) فاعلم أن من الناس من قال إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى. فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى بل نحن نشتغل بعبادة هذه الاصنام ، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى . ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله ؟ وذكروا فيه أقوالا كثيرة: فاحدها : أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل إقليم من أقاليم العالم ، روح معين من أرواح عالم الأفلاك ، فعينوا لذلك الروح صما معينا واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم ، ومقصودهم عبادة ذلك الروح ، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبداً للاله الأعظم ومشتغلا بعبودته . وثانيها : أنهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى ، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها ، ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب . وثالثها ؛ أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام والأوثان ، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات . ورابعها : أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل ، فان أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى ، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر ، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فانهم يكونون شفعاء لهم عند الله ، وخامسها : أنهم اعتقدوا أن الاله نور عظيم ، وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الاله الأكبر الصنم الأكبر ، وعلى صورة الملائكة صوراً أخرى . وسادسها : لعل القوم حلولية ، وجوزوا حلول الاله في بعض الأجسام العالية الشريفة . واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ) وتقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة . وأما قوله تعالى ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ اعلم أن المفسرين قرروا وجهاً واحدا ، وهو أن المراد من نفي علم الله تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه ، وبيان أنه لا وجود له البتة ، وذلك لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى ، وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى وجب أن لا يكون موجوداً ، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف ، فان الانسان اذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول : ما علم الله هذا منى ، ومقصود أنه ما حصل ذلك قط ، وقرىء ( أتنبئون ) بالتخفيف أما قوله ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) ٦٤ قوله تعالى ((وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا)) سورة يونس وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أَمَّةُ وَحِدَةٌ فَأَخْتَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيَا فِهِ يَحْتَلِفُونَ (3) فالمقصود تنزيه الله تعالى نفسه عن ذلك الشرك ، قرأ حمزة والكسائي ( تشركون ) بالتاء ، ومثله في أول النحل في موضعين ، وفي الروم كلها بالتاء على الخطاب ، قال صاحب الكشاف ((ما)) موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم ، قال الواحدي : من قرأ بالتاء فلقوله ( أتنبئون الله) ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي وَلّ قل أنت ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) ويجوز أن يكون الله سبحانه هو الذي نزه بنفسه عما قالوه فقال ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) قوله تعالى ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ﴾ اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام ، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد ، والمقالة الباطلة ، فقال ( وما كان الناس إلا أمة واحدة ) واعلم أن ظاهر قوله ( وما كان الناس إلا أمة واحدة ) لا يدل على أنهم أمة واحدة فيماذا ؟ وفيه ثلاثة أقوال : القول الأول ﴾ أنهم كانوا جميعاً على الدين الحق ، وهو دين الاسلام ، واحتجوا عليه بأمور : الأول : أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر باطلا ، وتزييف طريق عبادة الأصنام ، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل ، فوجب أن يكون المراد من قوله ( كان الناس أمة واحدة ) هو أنهم كانوا أمة واحدة ، إما في الاسلام وإما في الكفر ، ولا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر . فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الاسلام ، إنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه : الأول : قوله تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) وشهيد الله لا بد وأن يكون مؤمناً عدلا . فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا وفيهم مؤمن . الثاني : أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد الله تعالى ، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون . الثالث: أنه لما كانت الحكمة الأصلية في الخلق هو العبودية، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود. روى عن النبي ◌َّلل أنه قال ((إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب )) وهذا يدل ٦٥ قوله تعالى (( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم )) سورة يونس على قوم تمسكوا بالايمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر ؟ وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الايمان ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك ؟ فقال ابن عباس ومجاهد كانوا على دين الاسلام في عهد آدم وفي عهد ولده ، واختلفوا عند قتل أحد ابنيه الابن الثاني ، وقال قوم : إنهم بقوا على دين الاسلام إلى زمن نوح ، وكانوا عشرة قرون . ثم اختلفوا على عهد نوح . فبعث الله تعالى إليهم نوحاً . وقال آخرون : كانوا على دين الاسلام في زمن نوح بعد الغرق ، إلى أن ظهر الكفر فيهم . وقال آخرون : كانوا على دين الاسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحى ، وهذا القائل قال : المراد من الناس في قوله تعالى (وما كان الناس إلا أمة واحدة ) فاختلف العرب خاصة . إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول : إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي قررناه ، بين في هذه الآية أن هذا المذهب ليس مذهباً للعرب من أول الأمر ، بل كانوا على دين الاسلام ، ونفي عبادة الأصنام . ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم ، والغرض منه أن العرب إذا علموا أن هذا المذهب ما كان أصلياً فيهم ، وأنه إنما حدث بعد أن لم يكن ، لم يتعصبوا لنصرته ، ولم يتأذوا من تزييف هذا المذهب ، ولم تنفر طباعهم من إبطاله . ومما يقوى هذا القول وجهان : الأول : أنه تعالى قال ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) ثم بالغ في إبطاله بالدليل ، ثم قال عقيبة ( وما كان الناس إلا أمة واحدة ) فلو كان المراد منه بيان أن هذا الكفر كان حاصلا فيهم من الزمان القديم ، لم يصح جعل هذا الكلام دليلا على إبطال تلك المقالة . أما لو حملناه على أن الناس في أول الأمر كانوا مسلمين ، وهذا الكفر إنما حدث فيهم من زمان ، أمكن التوسل به إلى تزييف اعتقاد الكفار في هذه المقالة ، وفي تقبيح سورتها عندهم ، فوجب حمل اللفظ عليه تحصيلا لهذا الغرض . الثاني : أنه تعالى قال ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفواولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم ) ولا شك أن هذا وعيد ،" وصرف هذا الوعيد إلى أقرب الأشياء المذكورة أولى ، والأقرب هو ذكر الاختلاف ، فوجب صرف هذا الوعيد إلى هذا الاختلاف ، لا إلى ما سبق من كون الناس أمة واحدة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يقال : كانوا أمة واحدة في الاسلام لا في الكفر ، لأنهم لو كانوا أمة واحدة في الكفر لكان اختلافهم بسبب الايمان ، ولا يجوز أن يكون الاختلاف الحاصل بسبب الايمان سببا لحصول الوعيد . أما لو كانوا أمة واحدة في الايمان لكان اختلافهم بسبب الكفر ، وحينئذ يصح جعل ذلك الاختلاف سببا للوعيد . الفخر الرازي ج١٧ م٥ ٦٦ قوله تعالى ((ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه )) سورة يونس وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ◌َايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَقُلْ إِنَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَأَنْتَظِرُواْ إِ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِ ينَ ® ﴿ القول الثاني ﴾ قول من يقول المراد أمة واحدة في الكفر، وهذا القول منقول عن طائفة من المفسرين . قالوا : وعلى هذا التقدير ففائدة هذا الكلام في هذا المقام هي أنه تعالى بين للرسول عليه الصلاة والسلام ، أنه لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيبا لك ، قابلا لدينك . فان الناس كلهم كانوا على الكفر ، وإنما حدث الاسلام في بعضهم بعد ذلك ، فكيف تطمع في اتفاق الكل على الايمان ؟ ﴿القول الثالث) قول من يقول: المراد إنهم كانوا أمة واحدة في أنهم خلقوا على فطرة الاسلام ، ثم اختلفوا في الأديان . واليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويُشرِّكانه)) ومنهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية ، وحاصلها يرجع إلى أمرين : التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله . وإليه الاشارة بقوله تعالى ( قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) واعلم أن هذه المسألة قد استقصينا فيها في سورة البقرة ، فلنكتف بهذا القدرههنا . أما قوله تعالى ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون﴾ فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي ؟ وذكروا فيه وجوها : الأول : أن يقال لولا أنه تعالى أخر بأنه يبقى التكليف على عباده ، وإن كانوا به كافرين ، لقضى بينهم بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم ، لكن لما كان ذلك سببا لزوال التكليف ، ويوجب الالجاء ، وكان ابقاء التكليف أصوب وأصلح ، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة . ثم قال هذا القائل ، في ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين والظالمين . الثاني ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاما عليهم ، لقضى بينهم في اختلافهم ، بما يمتاز المحق من المبطل والمصيب من المخطىء الثالث : أن تلك الكلمة هي قوله ((سبقت رحمتى غضبي)) فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان . قوله تعالى ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل انما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ ٦٧ قوله تعالى (( واذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم )) سورة يونس وَإِذَا أَذَقْنَ النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّهُمْ إِذَا لَهُم مَّكُرُ فِى ءَايَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمٌْ ونَ اعلم أن هذا الكلام هو النوع الرابع من شبهات القوم في إنكارهم نبوته ، وذلك أنهم . قالوا : ان القرآن الذي جئنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات ، والكتاب لا يكون معجزا ، ألا ترى أن كتاب موسى وعيسى ما كان معجزة لهما ، بل كان لهما أنواع من المعجزات دلت على نبوتهما سوى الكتاب . وأيضا فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة ، كما أخبر الله تعالى أنهم قالوا ( لوشئنا لقلنا مثل هذا) وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئا آخر سوى القرآن ، ليكون معجزة له ، فحكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله ( ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ) فأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يقول عند هذا السؤال ( إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) واعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال : أقام الدلالة القاهرة على أن ظهور القرآن عليه معجزة قاهرة ظاهرة . لأنه عليه الصلاة والسلام بين أنه نشأ فيما بينهم وتربى عندهم ، وما كان مشتغلا بالفكر والتعلم قط ، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه ، وظهور مثل هذا الكتاب الشريف العالي ، على مثل ذلك الانسان الذي لم يتفق له شيء من أسباب التعلم ، لا يكون إلا بالوحي . فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز قاهر ظاهر ، وإذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام ، وتقرير رسالته ، ومثل هذا يكون مفوضا إلى مشيئة الله تعالى ، فان شاء أظهرها ، وإن شاء لم يظهرها ، فكان ذلك من باب الغيب ، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله الله أم لا ؟ ولكن سواء فعل أو لم يفعل ، فقد ثبتت النبوة، وظهر صدقه في ادعاء الرسالة ، ولا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة وبعدمها ، فظهر أن هذا الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب . قوله تعالى ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قال الله أسرع مكراً إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وفي الآية مسائل ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله ولو آية أخرى سوى القرآن ، واجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله ( إنما الغيب الله ) ذكر جوابا آخر وهو المذكور في هذه الآية ، وتقريره من وجهين : ٦٨ .... قوله تعالى ((وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم )) سورة يونس الوجه الأول ﴾ أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد وعدم الانصاف، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى ، فانهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم ، فنفتقر ههنا الى بيان أمرين : الى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد ، ثم الى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة . ﴿ أما المقام الأول ﴾ فتقريره أنه روى أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم ، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم ، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة الى الأصنام وإلى الانواء ، وعلى التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران . فقوله ( وإذا أذقنا الناس رحمة ) المراد منه تلك الأمطار النافعة . وقوله ( من بعد ضراء مستهم ) المراد منه ذلك القحط الشديد . وقوله ( إذا لهم مكر في آياتنا ) المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة الى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام . واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة ، وهو قوله تعالى ( وإذا مس الانسان الضردعانا لجنبه أو قاعداً أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية ، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة ، ويطلبون الغوائل ، وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة ، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل ، وأما المقام الثاني ﴾ هو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في إظهار سائر الآيات ، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فانهم لا يقبلونها ، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين ، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية ، والامتناع من المتابعة للغير ، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم وسلط البلاء عليهم ، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات ، فهم مع ذلك استمروا على التكذيب والجحود ، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها ، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم . الوجه الثاني ﴾ في تقرير هذا الجواب : أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش ، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور ، فاقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات ٦٩ قوله تعالى (( هو الذي يسيركم في البر والبحر )) سورة يونس هُوَ الَّذِى يُسَبُِّكُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ خَّىَ إِذَا كُنتُمْ فِ الْقُلْكِ وَجَيْنَ بِهِم بِيچ طَِّيَةٍ وَفَرِ حُواْبِهَا جَتْهَ رِيُ ◌َصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ الفاسدة ، إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية ، وقوله ( قل الله أسرع مكرا ) كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم ، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له ، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة . والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية ) قوله تعالى (وإذا أذقنا الناس رحمة) كلام ورد على سبيل المبالغة ، والمراد منه إيصال الرحمة اليهم . واعلم أن رحمة الله تعالى لا تذاق بالفم ، وإنما تذاق بالعقل ، وذلك يدل على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق . المسألة الثالثة﴾ قال الزجاج (إذا) في قوله (وإذا أذقنا الناس رحمة ) للشرط و(إذا) في قوله ( إذا لهم مكر ) جواب الشرط وهو كقوله ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ) والمعنى : إذا أذقنا الناس رحمة مكروا وإن تصبهم سيئة قنطوا. واعلم أن (إذا) في قوله ( إذا لهم مكر ) تفيد المفاجأة ، معناه أنهم في الحال أقدموا على المكر وسارعوا اليه . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ سمى تكذيبهم بآيات الله مكرا، لأن المكر عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بطريق الحيلة، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة . قال مقاتل : المراد من هذا المكر هو أن هؤلاء لا يقولون هذا رزق الله ، بل يقولون سقينا بنوء كذا . أما قوله تعالى ﴿ قل الله أسرع مكراً إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ فالمعنى أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر، فالله سبحانه وتعالى قابل مکرهم بمکړ أشد من ذلك، وهو من وجهين: الأول: ما أعد لهم يوم القيامة من العذاب الشديد، وفي الدنيا من الفضيحة والخزى والنكال. والثاني: أن رسل الله يكتبون مكرهم ويحفظونه، وتعرض عليهم ما في بواطنهم الخبيثة يوم القيامة، ويكون ذلك سببا للفضيحة التامة والخزى والنكال نعوذ بالله تعالى منه. قوله تعالى ﴿ هو الذي یسیرکم في البر والبحر حتی إذا کنتم في الفلك وجر ین بهم بر يح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ٠٠٠ ٧٠ قوله تعالى (( هو الذي يسيركم في البر والبحر)) سورة يونس بِم دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ لَبِنْ أَنْيَتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٣) فَلََّ أَجَهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ ◌َأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْبُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُ مَّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَ مَرْ جِعُكُمْ فَنُفَِّئُهُ بِمَا كُنْتُمْ نَعْمَلُونَ دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق. يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما قال (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مکر في آياتنا ) كان هذا الكلام كلاما کلیا لا ينكشف معناه تمام الانكشاف . إلا بذكر مثال كامل، فذكر الله تعالى لنقل الانسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالاً، ولمكر الإنسان مثالاً، حتى تكون هذه الآية كالمفسرّة للآية التي قبلها، وذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلى واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي . واعلم أن الانسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود ، حصل له الفرح التام والمسرة القوية ، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة . فأولها : أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة . وثانيها : أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب . وثالثها : أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع ، وأن النجاة ليست متوقعة ، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم ، والرعب الشديد ، وأيضا مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بايجاب مزيد الرعب والخوف ثم إن الانسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته ، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق ، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعاً إلى الله تعالى ، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة ، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة ، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة ، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية . ٧١ قوله تعالى (( هو الذي يسيركم في البر والبحر)) سورة يونس ﴿ المسألة الثانية ) يحكى أن واحداً قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات الصانع فقال : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر في البحر ، فقال : صف لي كيفية حالك . فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها ، وجاءت الرياح العاصفة ، فقال جعفر : هل وجدت في قلبك تضرعا ودعاء . فقال نعم . فقال جعفر : فالهك هو الذي تضرعت اليه في ذلك الوقت . ﴿المسألة الثالثة ) قرأ ابن عامر (ينشركم ) من النشر الذي هو خلاف الطي كانه أخذه من قوله تعالى ( فانتشروا في الأرض ) والباقون قرؤا ( يسيركم ) من التسيير . ﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقاً الله تعالى . قالوا : دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى ، ودل قوله تعالى ( قل سيروا في الأرض ) على أن سيرهم منهم ، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله ، فيكون كسبياً لهم وخلقاً لله . ونظيره قوله تعالى ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) وقال في آية أخرى ( إذ أخرجه الذين كفروا) وقال في آية أخرى ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) ثم قال في آية أخرى ( وأنه هو أضحك وأبكى ) وقال في آية أخرى ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قال الجبائي : أما كونه مسيراً لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك . وأما سيرهم في البر فانما أضيف إلى الله تعالى على التوسيع . فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله ، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه . وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك اليه تعالى من حيث أنه تعالى سخر لهم المركب في البر ، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بامساكه لها ، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير . وقال القفال ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) أي هو الله الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلبا للمعاش لكم، وهو المسيرلكم، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير. هذا جملة ما قيل في الجواب عنه. ونحن نقول: لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى، هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة، ولا شك أن إضافة الفعل الى الفاعل هو الحقيقة. فنقول: وجب أيضا أن يكون مسيراً لهم في البر بهذا التفسير، إذ لو كان مسيراً لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازاً بهذا الوجه، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً دفعة واحدة، وذلك باطل . واعلم أن مذهب الجبائي أنه لا امتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازاً بالنسبة الى المعنى الواحد . وأما أبو هاشم فانه يقول : إن ذلك ممتنع ، إلا أنه يقول : لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين . ٧٢ قوله تعالى ( دعوا الله مخلصین له الدين )) سورة يونس واعلم أن قول الجبائي : قد أبطلناه في أصول الفقه ، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضا بعيد. لأن هذا قول لم يقبل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله ، فكان هذا على خلاف الاجماع فيكون باطلا . واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، مع أن الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر ؟ والجواب : لم يجعل الكون في الفلك غاية لتسيير ، بل تقدير الكلام كأنه قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا . ﴿ السؤال الثاني﴾ ما جواب (إذا) في قوله ( حتى إذا كنتم في الفلك ) الجواب : هو أن جوابها هو قوله ( جاءتها ريح عاصف) ثم قال صاحب الكشاف : وأما قوله ﴿ دعوا الله﴾ فهو بدل من ظنوا لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك. وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله ( دعوا الله ) على الاستئناف . كان أوضح ، كأنه لما قيل ( جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ) قال قائل فما صنعوا ؟ فقيل ( دعوا الله ) ﴿السؤال الثالث﴾ ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ؟ الجواب فيه وجوه : الأول : قال صاحب الكشاف : المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها ، ويستدعي منهم مزيد الانكار والتقبيح . الثاني : قال أبو علي الجبائي : إن مخاطبته تعالى لعباده ، هي على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب . وكل من أقام الغائب مقام المخاطب ، حسن منه أن يرده مرة أخرى الى الغائب . الثالث : وهو الذي خطر بالبال في الحال ، أن الانتقال في الكلام لفظ الغيبة الى لفظ الحضور فانه يدل على مزيد التقرب والاكرام . وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور الى لفظة الغيبة ، يدل على المقت والتبعيد . ﴿ أما الأول﴾ فكما في سورة الفاتحة، فان قوله ( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ) كله مقام الغيبة ، ثم انتقل منها الى قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وهو يوجب علو الدرجة ، وكمال القرب ٠٠ ٧٣ قوله تعالى ( دعوا الله مخلصین له الدین)) سورة يونس من خدمة رب العالمين . ﴿ وأما الثاني﴾ فكما في الآية، لأن قوله (حتى إذا كنتم في الفلك ) خطاب الحضور ، وقوله ( وجرين بهم ) مقام الغيبة ، فههنا انتقل من مقام الحضور الى مقام الغيبة ، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد ، وهو اللائق بحال هؤلاء ، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالی الیه بالکفران، کان اللائق به ما ذکرناه. السؤال الرابع ﴾ كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء ؟ الجواب : أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة : أولها : الكون في الفلك ، وثانيها : جرى الفلك بالريح الطيبة . وثالثها : فرحهم بها. وأما القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضاً: أولها : قوله ( جاءتها ريح عاصف) وفيه سؤالان : ﴿ السؤال الأول﴾ الضمير في قوله (جاءتها) عائد الى الفلك وهو ضمير الواحد ، والضمير في قوله ( وجرين بهم ) عائد الى الفلك وهو الضمير الجمع ، فما السبب فيه ؟ الجواب عنه من وجهين : الأول : أنا لا نسلم أن الضمير في قوله ( جاءتها ) عائد إلى الفلك ، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله ( وجرين بهم بريح طيبة ) الثاني: لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ ( الفلك) يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران . السؤال الثاني﴾ ما العاطف. الجواب: قال الفراء والزجاج: يقال ريح عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ناقة عاصف وعصوف سريعة . وإنما قيل ( ريح عاصف) لأنه يراد ذات عصوف كما قيل : لابن وتامر أو لأجل أن لفظ الريح مذكر . ﴿السؤال الخامس﴾ فهو قوله (وجاءهم الموج من كل مكان ) والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر . ﴿ أما القيد الثالث) فهو قوله (وظنوا أنهم أحيط بهم ) والمراد أنهم ظنوا القرب من الهلاك ، وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد ، فقد دنوا من الهلاك . ﴿ السؤال الخامس﴾ ما المراد من الاخلاص في قوله ( دعوا الله مخلصين له الدين ) والجواب : قال ابن عباس : يريد تركوا الشرك، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئا ، ٧٤ قوله تعالى (( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم )) سورة يونس وأقروا لله بالربوبية والوحدانية . قال الحسن ( دعوا الله مخلصين ) الاخلاص الايمان ، لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى ، فيكون جاريا مجرى الايمان الاضطراري . وقال ابن زيد : هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون ، فاذا جاء الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله . وعن أبي عبيدة أن المراد من ذلك الدعاء قولهم أهيا شراهيا تفسيره يا حي يا قيوم . السؤال السادس ﴾ ما الشيء المشار اليه بقوله هذه في قوله ( لئن أنجيتنا من هذه) والجواب المراد لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصفة ، وقيل المراد لئن أنجيتنا من هذه الأمواج أو من هذه الشدائد ، وهذه الألفاظ وإن لم يسبق ذكرها ، إلا أنه سبق ذكر ما يدل عليها . ﴿السؤال السابع﴾ هل يحتاج في هذه الآية إلى إضمار؟ الجواب: نعم، والتقدير: دعوا الله مخلصين له الدين مريدين أن يقولوا لئن أنجيتنا، ويمكن أن يقال: لا حاجة إلا الاضمار، لأن قوله (دعوا الله) يصير مفسراً بقوله (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول. / واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل بين أنهم بعد الخلاص من تلك البلية والمحنة أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق . قال ابن عباس : يريد به الفساد والتكذيب والجراءة على الله تعالى ، ومعنى البغي قصد الاستعلاء بالظلم . قال الزجاج : البغي الترقي في الفساد قال الأصمعي : يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترقى إلى الفساد ، وبغت المرأة إذا فجرت . قال الواحدي : أصل هذا اللفظ من الطلب . فان قيل : فما معنى قوله ( بغير الحق ) والبغي لا يكون بحق ؟ قلنا : البغي قد يكون بالحق ، وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله وَل ببني قريظة. ثم إنه تعالى بين أن هذا البغي أمر باطل يجب على العاقل أن يحترز منه فقال ( يا ايها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ الأكثرون (متاع) برفع العين ، وقرأ حفص عن عاصم ( متاع ) بنصب العين ، أما الرفع ففيه وجهان : الأول : أن يكون قوله ( بغيكم على أنفسكم ) مبتدأ ، وقوله ( متاع الحياة الدنيا) خبرا . والمراد من قوله ( بغيكم على أنفسكم ) بغى بعضكم على بعض كما في قوله ( فاقتلوا أنفسكم ) ومعنى الكلام أن بغي بعضكم على ٧٥ قوله تعالى (( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء )) سورة يونس إِنَا مَثَلُ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِمِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَثُمُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُتْحُفَهَا وَزََّتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَتَهُمْ قَدِدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَهَاَ أَمُنَالَيْلًا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْلَمْ تَقْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيْتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (g﴾ بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها . والثاني : أن قوله ( بغيكم ) مبتدأ ، وقوله ( على أنفسكم ) خبره ، وقوله ( متاع الحياة الدنيا ) خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هو متاع الحياة الدنيا . وأما القراءة بالنصب فوجهها أن نقول : إن قوله ( بغيكم ) مبتدأ ، وقوله ( على أنفسكم ) خبره ، وقوله ( متاع الحياة الدنيا ) في موضع المصدر المؤكد ، والتقدير : تتمتعون متاع الحياة الدنيا . المسألة الثانية﴾ البغي من منكرات المعاصي. قال عليه الصلاة والسلام ((أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة)) وروى ((اثنتان يجعلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين )) وعن ابن عباس رضى الله عنهما : لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي ، وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه : يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فاربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله وعن محمد بن كعب القرظى : ثلاث من كن فيه عليه ، البغي والنكث والمكر ، قال تعالى ( إنما بغيكم على أنفسكم ) ﴿ المسألة الثالثة ) حاصل الكلام في قوله تعالى ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) أي لا يتهيأ لكم بغى بعضكم على بعض إلا أياما قليلة ، وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ( ثم الينا ) أي ما وعدنا من المجازاة على أعمالكم ( مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) في الدنيا ، والانباء هو الاخبار ، وهو في هذا الموضع وعيد بالعذاب كقول الرجل لغيره سأخبرك بما فعلت . قوله تعالى ﴿ إنما مثل الحياة الدنیا کماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم یتفکر ون﴾ ٧٦ قوله تعالى ((إنما مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء)) سورة يونس في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما قال ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) أتبعه بهذا المثل العجيب الذي ضربه لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ، ويشتد تمسكه بها ، ويقوى إعراضه عن أمر الآخرة والتأهب لها ، فقال ( إنما مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) وهذا الكلام يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المعنى فاختلط به نبات الأرض بسبب هذا الماء النازل من السماء ، وذلك لأنه إذا نزل المطر ينبت بسببه أنواع كثيرة من النبات ، وتكون تلك الأنواع مختلطة ، وهذا فيما لم يكن نابتا قبل نزول المطر . والثاني : أن يكون المراد منه الذي نبت ، ولكنه لم يترعرع ، ولم يهتز . وإنما هو في أول بروزه من الأرض ومبدأ حدوثه ، فإذا نزل المطر عليه ، واختلط بذلك المطر ، أي اتصل كل واحد منهما بالآخر اهتز ذلك النبات وربا وحسن ، وکمل واکتسی کمال الرونق والزينة ، وهو المراد من قوله تعالى ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ) وذلك لأن التزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء . فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون ، وتزينت بجميع الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة وصفرة وذهبية وبياض ، ولا شك أنه متى صار البستان على هذا الوجه ، وبهذه الصفة ، فانه يفرح به المالك ويعظم رجاؤه في الانتفاع به ، ويصير قلبه مستغرقا فيه ، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة عظيمة دفعة واحدة في ليل أو نهار من برد ، أو ريح أو سيل ، فصارت تلك الأشجار والزروع باطلة هالكة كأنها ما حصلت البتة . فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ويشتد حزنه ، فكذلك من وضع قلبه على لذات الدنيا وطيباتها ، فاذا فاتته تلك الأشياء يعظم حزنه وتلهفه عليها . واعلم أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها لخصها القاضي رحمه الله تعالى . الوجه الأول ﴾ أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه ، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وضع عليها قلبه وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت . وهو معنى قوله تعالى ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذاهم مبلسون ) خاسرون الدنيا ، وقد أنفقوا أعمارهم فيها ، وخاسرون من الآخرة ، مع أنهم متوجهون اليها . ٧٧ قوله تعالى ((انما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)) سورة يونس والوجه الثاني ﴾ في التشبيه أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد ، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد . والوجه الثالث ﴾ أن يكون وجه التشبيه مثل قوله سبحانه (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) فلما صارسعي هذا الزراع باطلا بسبب حدوث الأسباب المهلكة ، فكذلك سعى المغتر بالدنيا . والوجه الرابع ﴾ أن مالك ذلك البستان لما عمره باتعاب النفس وكد الروح ، وعلق قلبه على الانتفاع به ، فاذا حدث ذلك السبب المهلك ، صار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سبباً لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل ، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات . فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها ، فاذا مات ، وفاته كل ما نال ، صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا ، سبباً لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة . ﴿ والوجه الخامس﴾ لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد، وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية ، قد بلغ الغاية في الزينة والحسن ، ثم يعرض للأرض المتزينة به آفة ، فيزول ذلك الحسن بالكلية ، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى . فذكر هذا المثال ليدل على أن من قدر على ذلك، كان قادرا على إعادة الاحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. المسألة الثانية ﴾ المثل: قول يشبه به حال الثاني بالأول ، ويجوز أن يكون المراد من المثل الصفة . والتقدير : إنما صفة الحياة الدنيا . وأما قوله ( وازينت ) فقال الزجاج : يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاى وسكنت الزاى فاجتلب لها ألف الوصل ، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله ( اداراتم . اداركوا ) وأما قوله ﴿ وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) فقال ابن عباس رضى الله عنهما : يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها . والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائدا إلى الأرض ، لا أنه عائد إلى النبات الموجود في الارض . وأما قوله ( أتاها أمرنا ) فقال ابن عباس رضى الله عنهما : يريد عذابنا . والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها . وقوله ( فجعلناها حصيداً ) قال ابن عباس : لا شيء فيها ، وقال الضحاك : يعني ٧٨ قوله تعالى ((والله يدعو إلى دار السلام)) سورة يونس وَاَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ الَّلَكِمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٢٥ المحصود . وعلى هذا ، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتا ، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد النبات ، قال أبو عبيدة : الحصيد المستأصل ، وقال غيره : الحصيد المقطوع والمقلوع . وقوله ( كأن لم تغن بالأمس ) قال الليث . يقال للشيء إذا فنى : كأن لم يغن بالأمس . أي كأن لم يكن من قولهم غنى القوم في دارهم ، إذا أقاموا بها ، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات . وقال الزجاج : معناه : كأن لم تعمر بالأمس ، وعلى هذا الوجه فالمارد هو الأرض ، وقوله ( كذلك نفصل الآيات ) أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى ، على الترتيب . ليكون تواليها وكثرتها سبباً لقوة اليقين ، وموجباً لزوال الشك والشبهة : قوله تعالى ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم . اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، رغبهم في الآخرة بهذه الآية. ووجه الترغيب في الآخرة ما روى عن النبي وَل أنه قال (( مثلي ومثلكم شبه سيد بنى داراً ووضع مائدة وأرسل داعياً ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضى عنه السيد . ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار دار الاسلام ، والمائدة الجنة ، والداعي محمد عليه السلام)). وعن النبي ◌ّل أنه قال ((ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثقلين . أيها الناس ؛ هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام)) ﴿ المسألة الثانية) لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة، إلا أنهم اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه : الأول : أن السلام هو الله تعالى ، والجنة داره ، ويجب علينا ههنا بيان فائدة تسمية الله تعالى بالسلام ، وفيه وجوه : أحدها: أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد سلم من الفناء والتغير ، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته الى الافتقار الى الغير ، وهذه الصفة ليست الا له سبحانه كما قال ( والله الغني وأنتم الفقراء ) وقال ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ) وثانيها : أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ظلمه ، قال ( وما ربك بظلام للعبيد ) ولأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلماً . ولأن الظلم إنما يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج ، ولما ;كان الكل محالا على الله تعالى، كان الظلم محالا في حقه. وثالثها. قال المبرد: إنه تعالى يوصف ٧٩ قوله تعالى ((والله يدعو إلى دار السلام)) سورة يونس بالسلام بمعنى انه ذو السلام، اي الذي لا يقدر على السلام إلا هو، والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات. فالحق تعالى هو الساتر لعيوب المعيوبين، وهو المجيب لدعوة المضطرين، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين. قال المبرد: وعلى هذا التقدير: السلام مصدر سلم . ﴿ القول الثاني ﴾ السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات . فالسلام ههنا بمعنى السلامة ، كالرضاع بمعنى الرضاعة . فان الانسان هناك سلم من كل الآفات ، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب . ﴿ والقول الثالث ﴾ أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها قال تعالى ( سلام قولا من رب رحيم ) والملائكة يسلمون عليهم أيضاً . قال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ) وهم أيضاً يحبّي بعضهم بعضا بالسلام قال تعالى ( تحيتهم فيها سلام) وأيضاً فسلامهم يصل إلى السعداء من أهل الدنيا ، قال تعالى ( وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ) ﴿ المسألة الثالثة) اعلم أن كمال وجود الله تعالى وكمال قدرته وكمال رحمته بعباده معلوم ، فدعوته عبيده إلى دار السلام ، تدل على أن دار السلام قد حصل فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لأن العظيم إذا استعظم شيئاً ورغب فيه وبالغ في ذلك الترغيب . دل ذلك على كمال حال ذلك الشيء ، لا سيما وقد ملأ الله هذا الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله ( فروح وريحان وجنة نعيم ) ونحن نذكر ههنا كلاماً كلياً في تقرير هذا المطلوب . فنقول : الإنسان إنما يسعى في يومه لغده . ولكل إنسان غدان ، غد في الدنيا وغد في الآخرة . فنقول : غد الآخرة خير من غد الدنيا من وجوه أربعة : أولها : أن الإنسان قد لا يدرك غد الدنيا وبالضرورة يدرك غد الآخرة . وثانيها : أن بتقدير أن يدرك غد الدنيا فلعله لا يمكنه أن ينتفع بما جمعه ، إما لأنه يضيع منه ذلك المال أو لأنه يحصل في بدنه مرض يمنعه من الانتفاع به . أما غد الآخرفكل ما اكتسبه الانسان لأجل هذا اليوم ، فانه لا بد وأن ينتفع به . وثالثها : أن بتقدير أن يجد غد الدنيا ويقدر على أن ينتفع بماله ، إلا أن تلك المنافع مخلوطة بالمضار والمتاعب ، لأن سعادات الدنيا غير خالصة عن الآفات ، بل هي ممزوجة بالبليات ، والاستقراء يدل عليه . ولذلك قال عليه السلام ((من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق)) فقيل يا رسول الله وما هو؟ قال ((سرور يوم بتمامه)) وأما منافع عز الآخرة فهي ٨٠ قوله تعالى (( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة )) سورة يونس لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةُ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَ ذِلَّهُ أُوْلَئِكَ أَعَْبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَا خَلِدُونَ خالصة عن الغموم والهموم والأحزان سالمة عن كل المنفرات . ورابعها : أن بتقدير أن يصل الانسان إلى عز الدنيا وينتفع بسببه ، وكان ذلك الانتفاع خاليا عن خلط الآفات ، إلا أنه لا بد وأن يكون منقطعا . ومنافع الآخرة دائمة مبرأة عن الانقطاع، فثبت أن سعادات الدنيا مشوبة بهذه العيوب الأربعة ، وأن سعادات الآخرة سالمة عنها . فلهذا السبب كانت الجنة دار السلام . ﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر والإيمان بقضاء الله تعالى قالوا : إنه تعالى بين في هذه الآية أنه دعا جميع الخلق إلى دار السلام ، ثم بين انه ما هدى إلا بعضهم فهذه الهداية الخاصة يجب أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامة ، ولا شك أيضا أن الأقدار والتمكين وإرسال الرسل وإنزال الكتب أمور عامة ، فوجب أن تكون هذه الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه الأشياء ، وما ذاك إلا ما ذكرناه من أنه تعالى خصه المعلم والمعرفة دون غيره . واعلم أن هذه الآية مشكلة على المعتزلة وما قدروا على إيراد الاسئلة الكثيرة ، وحاصل ما ذكره القاضي في وجهين : الأول : أن يكون المراد ويهدي الله من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ، بمعنى أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فان الله يهديه اليها . والثاني : أن المراد من هذه الآية الا لطاف . وأجاب أصحابنا عن هذين الوجهين بحرف واحد ، وهو أن عندهم أنه يجب على الله فعل هذه الهداية ، وما كان واجبا لا يكون معلقا بالمشيئة ، وهذا معلق بالمشيئة ، فامتنع حمله على ما ذكره . قوله تعالى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ اعلم أنه تعالى لما دعا عباده الى دار السلام ذكر السعادات التي تحصل لهم فيها فقال ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) فيحتاج الى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة . ﴿ أما اللفظ الأول) وهو قوله ( للذين أحسنوا) فقال ابن عباس : معناه : للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله. وقال الأصم : معناه : للذين أحسنوا في كل مااتعبّدوا به، ومعناه : أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي ، واجتنبوا المنهيات من الوجه الذي صارت منهيا عنها .