النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
قوله تعالى ( أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون )) سورة يونس
يرجو ثوابه ، وكل من لم يؤمن بالله ولا بالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرجاء ، فلا جرم حسن
جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الايمان بالله واليوم الآخر .
﴿ المسألة الثانية ﴾ اللقاء هو الوصول إلى الشيء، وهذا في حق الله تعالى محال ، لكونه
منزها عن الحد والنهاية ، فوجب أن يجعل مجازا عن الرؤية ، وهذا مجاز ظاهر . فانه يقال :
لقيت فلانا إذا رأيته ، وحمله على لقاء ثواب الله يقتضي زيادة في الاضمار وهو خلاف الدليل .
واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة الله
تعالى ويكمل إشراقها ويقوى لمعانها ، وذلك هو الرؤية ، وهي من أعظم السعادات . فمن
كان غافلا عن طلبها معرضا عنها مكتفيا بعد الموت بوجدان الحسية من الأكل والشرب والوقاع
كان من الضالين .
﴿ الصفة الثانية ) من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى (ورضوا بالحياة الدنيا )
واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية ، وفراغه عن
طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في
طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، واستغراقه في طلبها .
والصفة الثالثة ) قوله تعالى ( واطمأنوا بها ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله نوع من الوجل والخوف
كما قال تعالى ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في
ذكر الله تعالى كما قال تعالى ( وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وصفة
الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا ، وفي الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه
الآية ( واطمأنوا بها ) فحقيقة الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل ، فاذا سمعوا الانذار
والتخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله تعالى .
﴿ المسألة الثانية﴾ مقتضى اللغة أن يقال: واطمأنوا اليها، إلا أن حروف الجر يحسن
إقامة بعضها مقام البعض ، فلهذا السبب قال ( واطمأنوا بها )
﴿ والصفة الرابعة ) قوله تعالى ( والذين هم عن آياتنا غافلون ) والمراد أنهم صاروا في
الإعراض عن طلب لقاء الله تعالى . بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره
ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد
بالسعادات الأخروية الروحانية ، وعلى شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية
والسعادات الدنيوية .
٠

٤٢ قوله تعالى ((ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم)) سورة يونس
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ يَهْدِهِمْ رَبْهُمْ بِمَتِهِمْ تَجْرِى مِن تَحِمُ الْأَنْهُرُ فِى
جَنَتِ النّعِيمِ
٩
واعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربعة قال ( أولئك مأواهم النار بما كانوا
یکسبون ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ النيران على أقسام: النار التي هي جسم محسوس مضيء محرق،
صاعدا بالطبع ، والاقرار به واجب ، لأجل أنه ثبت بالدلائل المذكورة أن الاقرار بالجنة والنار
حق .
﴿ القسم الثاني ﴾ النار الروحانية العقلية، وتقريره أن من أحب شيئا حبا شديدا ثم
ضاع عنه ذلك الشيء بحيث لا يمكنه الوصول اليه ، فانه يحترق قلبه وباطنه ، وكل عاقل
يقول : إن فلانا محترق القلب محترق الباطن بسبب فراق ذلك المحبوب . وألم هذه النار
أقوى بكثير من ألم النار المحسوسة .
إذا عرفت هذا فنقول : إن الأرواح التي كانت مستغرقة في حب الجسمانيات وكانت
غافلة عن حب عالم الروحانيات ، فاذا مات ذلك الانسان وقعت الفرقة بين ذلك الروح وبين
معشوقاته ومحبوباته ، وهي أحوال هذا العالم ، وليس له معرفة بذلك العالم ولا إلف مع أهل
ذلك العالم ، فيكون مثاله مثال من أخرج من مجالسة معشوقه وألقى في بئر ظلمانية لا إلف له
بها ، ولا معرفة له بأحوالها ، فهذا الانسان يكون في غاية الوحشة ، وتألم الروح فكذا هنا ،
أما لو كان نفورا عن هذه الجسمانيات عارفا بمقابحها ومعايبها وكان شديد الرغبة في اعتلاق
العروة الوثقى ، عظيم الحب لله ، كان مثاله مثال من كان محبوسا في سجن مظلم عفن مملوء من
الحشرات المؤذية والآفات المهلكة ، ثم اتفق أن فتح باب السجن وأخرج منه وأحضر في مجلس
السلطان الأعظم مع الأحباب والأصدقاء ، كما قال تعالى ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) فهذا هو الاشارة إلى تعريف
النار الروحانية والجنة الروحانية .
﴿ المسألة الثانية ﴾ الباء في قوله ( بما كانوا يكسبون ) مشعر بأن الأعمال السابقة هي
المؤثرة في حصول هذا العذاب ونظيره قوله تعالى ( ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام
للعبيد )
قوله تعالى ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم تجرى من تحتهم
الآنهار في جنات النعيم

٤٣
قوله تعالى ((اتجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم)) سورة يونس.
دَعْوَنُهُمْ فِيهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَحُِّهُمْ فِيَهَا سَلَمُ وَاِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلِّرَبِّ
الْعَلَبِينَ
دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب
العالمين ﴾
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين والجاحدين في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية
أحوال المؤمنين المحقين ، واعلم أنه تعالى ذكر صفاتهم أولا ، ثم ذكر ما لهم من الأحوال
السنية والدرجات الرفيعة ثانيا ، أما أحوالهم وصفاتهم فهي قوله ( إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات) وفي تفسيره وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن النفس الانسانية لها قوتان:
القوة النظرية ﴾ وكمالها في معرفة الأشياء ، ورئيس المعارف وسلطانها معرفة الله .
والقوة العملية ﴾ وكمالها في فعل الخيرات والطاعات ، ورئيس الأعمال الصالحة
وسلطانها خدمة الله . فقوله (إن الذين آمنوا ) إشارة إلى كمال القوة النظرية بمعرفة الله تعالى
وقوله ( وعملوا الصالحات ) إشارة إلى كمال العملية بخدمة الله تعالى ، ولما كانت القوة النظرية
مقدمة على القوة العملية بالشرف والرتبة ، لا جرم وجب تقديمها في الذكر .
الوجه الثاني ﴾ في تفسير هذه الآية قال القفال ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات )
أي صدقوا بقلوبهم ، ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من
عند الله تعالى
الوجه الثالث﴾ ( الذين آمنوا) أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة
( وعملوا الصالحات ) أي شغلوا جوارحهم بالخدمة ، فعينهم مشغولة بالاعتبار كما قال
( فاعتبروا يا أولى الابصار ) وأذنهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى كما قال ( فإذا سمعوا ما
أنزل إلى الرسول ) ولسانهم مشغول بذكر الله كما قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله)
وجوارحهم مشغولة بنور طاعة الله كما قال ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات
والأرض ) .
واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالايمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم

٤٤
قوله تعالى (( تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم )) سورة يونس
ومراتب سعاداتهم وهي أربعة .
﴿ المرتبة الأولى) قوله ( يهديهم ربهم بايمانهم تجرى من تحتهم الأنهار في جنات
النعيم )
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسير قوله ( يهديهم ربهم بايمانهم) وجوه : الأول: أنه تعالى
يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة ، والذي يدل على صحة هذا التأويل
وجوه : أحدها : قوله تعالى ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم )
وثانيها : ما روى أنه عليه السلام قال ((إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة
حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له
عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار)) وثالثها : قال مجاهد :
المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة . ورابعها : وهو الوجه العقلي أن الايمان عبارة عن
نور اتصل به من عالم القدس ، وذلك النور كالخيط المتصل بين قلب المؤمن وبين ذلك العالم
المقدس ، فان حصل هذا الخط النوراني قدر العبد على أن يقتدي بذلك النور ويرجع الى عالم
القدس ، فأما إذا لم يوجد هذا الحبل النوراني تاه في ظلمات عالم الضلالات نعوذ بالله منه .
﴿ والتأويل الثاني﴾ قال ابن الأنباري: إن إيمانهم يهديهم إلى خصائص في المعرفة
ومزايا في الألفاظ ولوامع من النور تستنير بها قلوبهم ، وتزول بواسطتها الشكوك والشبهات
عنهم ، كقوله تعالى ( والذين اهتدوا زادهم هدى) وهذه الزوائد والفوائد والمزايا يجوز
حصولها في الدنيا قبل الموت ، ويجوز حصولها في الآخرة بعد الموت ، قال القفال : وإذا حملنا
الآية على هذا الوجه . كان المعنى يهديهم ربهم بايمانهم وتجرى من تحتهم الأنهار في جنات
النعم ، إلا أنه حذف الواو وجعل قوله ( تجرى ) خبرا مستأنفا منقطعا عما قبله :
﴿ والتأويل الثالث ) أن الكلام في تفسير هذه الآية يجب أن يكون مسبوقا بمقدمات.
المقدمة الأولى ﴾ أن العمل نور والجهل ظلمة . وصريح العقل يشهد بأن الأمر
كذلك ، وما يقرره أنك إذا ألقيت مسألة جليلة شريفة على شخصين ، فاتفق أن فهمها
أحدهما وما فهمها الآخر ، فانك ترى وجه الفاهم متهللا مشرقا مضيئا ، ووجه من لم يفهم
عبوسا مظلما منقبضا ، ولهذا السبب جرت عادة القرآن بالتعبير عن العلم والايمان بالنور ، وعن
الجهل والكفر بالظلمات .

٤٥
قوله تعالى ((تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم)) سورة يونس.
والمقدمة الثانية ﴾ أن الروح كاللوح ، والعلوم والمعارف كالنقوش المنقوشة في ذلك
اللوح . ثم ههنا دقيقة ، وهي أن اللوح الجسماني إذا رسمت فيه نقوش جسمانية فحصول
بعض النقوش في ذلك اللوح مانع من حصول سائر النقوش فيه ، فأما لوح الروح فخاصيته
على الضد من ذلك ، فان الروح إذا كانت خالية عن نقوش المعارف والعلوم فانه يصعب عليه
تحصيل المعارف والعلوم ، فاذا احتال وحصل شيء منها ، كان حصول ما حصل منها معينا له
على سهولة تحصيل الباقي ، وكلما كان الحاصل أكثر كان تحصيل البقية أسهل ، فالنقوش
الجسمانية يكون بعضها مانعا من حصول الباقي ، والنقوش الروحانية يكون بعضها معينا على
حصول البقية ، وذلك يدل على أن أحوال العالم الروحاني بالضد من أحوال العالم
الجسماني .
المقدمة الثالثة ) أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك
الدنيا وطلب الآخرة ، والأعمال المذمومة ما تكون بالضد من ذلك .
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الانسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور هذه
المعرفة ، ثم إذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في التوجه الى الآخرة وفي
الاعراض عن الدنيا ، وكلما كانت هذه الأحوال أكمل كان استعداد النفس لتحصيل سائر
المعارف أشد ، وكلما كان الاستعداد أقوى وأكمل كانت معارج المعارف أكثر وإشراقها ولمعانها
أقوى ، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية ، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه الهداية
المسار اليها بقوله تعالى ( يهديهم ربهم بايمانهم )
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى ( تجري من تحتهم الأنهار ) المراد منه أنهم يكونون جالسين
على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم ، ونظيره قوله تعالى ( قد جعل ربك
تحتك سريا) وهي ما كانت قاعدة عليها ، ولكن المعنى بين يديك ، وكذا قوله ( وهذه الأنهار
تجري من تحتي ) المعنى بين يدي فكذا ههنا .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الايمان هو المعرفة والهداية المترتبة عليها أيضا من جنس المعارف ، ثم
إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم، بل قال: (يهديهم ربهم بإيمانهم) وذلك يدّل على أن
العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام
لقبول النفس للنتيجة. ثم إذا حصل هذا الاستعداد، كان التكوين من الحق سبحانه وتعالى.
وهذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق والجواد الحق، ليس إلا الله سبحانه وتعالى.
﴿ المرتبة الثانية﴾ من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى

٤٦
قوله تعالى (( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام )) سورة يونس
( دعواهم فيها سبحانك اللهم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في دعواهم وجوه: الأول: أن الدعوى ههنا بمعنى الدعاء،
يقال : دعا يدعودعاء ودعوى ، كما يقال : شكى يشكو شكاية وشكوى . قال بعض المفسرين
(دعواهم ) أي دعاؤهم . وقال تعالى في أهل الجنة ( لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون ) وقال في
آية أخرى ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) ومما يقوي أن المراد من الدعوى ههنا الدعاء ، هو
أنهم قالوا : اللهم . وهذا نداء لله سبحانه وتعالى ، ومعنى قولهم ( سبحانك اللهم ) إنا
نسبحك ، كقول القانت في دعاء القنوت ((اللهم إياك نعبد)) الثاني: أن يراد بالدعاء
العبادة ، ونظيره قوله تعالى ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) أي وما تعبدون . فيكون
معنى الآية أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر
لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى : الثالث : قال بعضهم : لا
يبعد أن يكون المراد من الدعوى نفس الدعوى التي تكون للخصم على الخصم . والمعنى :
أن أهل الجنة يدعون في الدنيا وفي الآخرة تنزيه الله تعالى عن كل المعايب والاقرار له بالالهية .
قال القفال : أصل ذلك أيضا من الدعاء ، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما .
الرابع : قال مسلم ( دعواهم ) أي قولهم وإقرارهم ونداؤهم ، وذلك هو قولهم ( سبحانك
اللهم ) الخامس : قال القاضي : المراد من قوله ( دعواهم ) أي طريقتهم في تمجيد الله تعالى
وتقديسه وشأنهم وسنتهم . والدليل على أن المراد ذلك أن قوله ( سبحانك اللهم ) ليس بدعاء
ولا بدعوى ، إلا أن المدعي للشيء مواظبا على ذكره ، لا جرم جعل لفظ الدعوى كناية عن
تلك المواظبة والملازمة . فأهل الجنة لما كانوا مواظبين على هذا الذكر ، لا جرم أطلق لفظ
الدعوى عليها . السادس : قال القفال : قيل في قوله ( لهم ما يدعون ) أي ما يتمنونه ،
والعرب تقول : ادع ما شئت على ، أي تمن . وقال ابن جريج : أخبرت أن قوله ( دعواهم
فيها سبحانك اللهم) هو أنه إذا مر بهم طير يشتهونه ( قالوا سبحانك اللهم ) فيأتيهم الملك
بذلك المشتهى ، فقد خرج تأويل الآية من هذا الوجه ، على أنهم إذا اشتهوا الشيء قالوا
سبحانك اللهم ، فكان المراد من دعواهم ما حصل في قلوبهم من التمني ، وفي هذا التفسير
وجه آخر هو أفضل وأشرف مما تقدم ، وهو أن يكون المعنى أن تمنيهم في الجنة أن يسبحوا الله
تعالى ، أي تمنيهم لما يتمنونه ، ليس الا في تسبيح الله تعالى وتقديسه وتنزيهه . السابع : قال
القفال أيضا : ويحتمل أن يكون المعنى في الدعوى ما كانوا يتداعونه في الدنيا في أوقات
حروبهم ممن يسكنون اليه ويستنصرونه ، كقولهم : يا آل فلان ، فأخبر الله تعالى أن أنسهم في
الجنة بذكرهم الله تعالى ، وسكونهم بتحميدهم الله . ولذتهم بتمجيدهم الله تعالى .

٤٧
قوله تعالى (( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام )) سورة يونس
المسألة الثانية ﴾ أن قوله ( سبحانك اللهم ) فيه وجهان :
الوجه الأول ﴾ قول من يقول : أن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر علامة على طلب
المشتهيات قال ابن جريج : إذا مر بهم طيرا اشتهوه ؛ قالوا سبحانك اللهم فيؤتون به ، فاذا
نالوا منه شهوتهم قالوا ( الحمد لله رب العالمين ) وقال الكلبي : قوله ( سبحانك اللهم ) علم
بين أهل الجنة والخدام ، فاذا سمعوا ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون . واعلم أن هذا القول
عندي ضعيف جدا ، وبيانه من وجوه : أحدها : أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن أهل
الجنة جعلوا هذا الذكر العالي المقدس علامة على طلب المأكول والمشروب والمنكوح ، وهذا في
غاية الخساسة . وثانيها : أنه تعالى قال في صفة أهل الجنة (ولهم ما يشتهون ) فاذا اشتهوا
أكل ذلك الطير ، فلا حاجة بهم الى الطلب ، واذا لم يكن بهم حاجة الى الطلب ، فقد سقط
هذا الكلام . وثالثها : أن هذا يقتضي صرف الكلام عن ظاهره الشريف العالي الى محمل
خسيس لا اشعار للفظ به ، وهذا باطل .
﴿ الوجه الثاني﴾ في تأويل هذه الآية أن نقول: المراد اشتغال أهل الجنة بتقديس الله
سبحانه وتمجيده والثناء عليه ، لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر وابتهاجهم به وسرورهم به ،
وكمال حالهم لا يحصل إلا منه ، وهذا القول هو الصحيح الذي لا محيد عنه ، ثم على هذا
التقدير ففي الآية وجوه :
أحدها : قال القاضي : إنه تعالى وعد المتقين بالثواب العظيم ، كما ذكر في أول هذه
السورة من قوله ( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) فاذا دخل أهل الجنة الجنة ،
ووجدوا تلك النعم العظيمة ، عرفوا أن الله تعالى كان صادقا في وعده إياهم بتلك النعم ،
فعند هذا قالوا ( سبحانك اللهم ) أي نسبحك عن الخلف في الوعد والكذب في القول .
وثانيها : أن نقول : غاية سعادة السعداء ، ونهاية درجات الأنبياء والأولياء استسعادهم
بمراتب معارف الجلال .
واعلم أن معرفة ذات الله تعالى والاطلاع على كنه حقيقته مما لا سبيل للخلق إليه ، بل
الغاية القصوى معرفة صفاته السلبية أو صفاته الاضافية . أما الصفات السلبية فهي المسماة
بصفات الجلال ، وأما الصفات الاضافية فهي المسماة بصفات الاكرام ، فلذلك كان كمال
الذكر العالي مقصور عليها ، كما قال سبحانه وتعالى ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام )
وكان يقول ((ألظوا بياذا الجلال والاكرام)) ولما كانت السلوب متقدمة بالرتبة على
الاضافات ، لا جرم كان ذكر الجلال متقدما على ذكر الاكرام في اللفظ . وإذا ثبت أن غاية

٤٨
قوله تعالى (( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام )) سورة يونس
سعادة السعداء ليس إلا في هذين المقامين ، لا جرم ذكر الله سبحانه وتعالى كونهم مواظبين على
هذا الذكر العالي المقدس ، ولما كان لا نهاية لمعارج جلال الله ولا غاية لمدارج إلهيته وإكرامه
وإحسانه ، فكذلك لا نهاية لدرجات ترقى الأرواح المقدسة في هذه المقامات العلية الالهية .
وثالثها : أن الملائكة المقربين كانوا قبل تخليق آدم عليه السلام مشتغلين بهذا الذكر ، ألا ترى
أنهم قالوا ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) فالحق سبحانه ألهم السعداء من أولاد آدم ،
حتى أتوا بهذا التسبيح والتحميد ، ليدل ذلك على أن الذي أتى به الملائكة المقربون قبل خلق
العالم من الذكر العالي ، فهو بعينه أتى به السعداء من أولاد آدم عليه السلام ، بعد انقراض
العالم ، ولما كان هذا الذكر مشتملا على هذا الشرف العالي ، لا جرم جاءت الرواية بقراءته في
أول الصلاة، فان المصلي إذا كبر قال ((سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك
ولا إله غيرك ))
﴿ المرتبة الثالثة ) من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى ( وتحيتهم فيها سلام) قال
المفسرون : تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام ، وتحية الملائكة لهم بالسلام ، كما قال تعالى
( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) وتحية الله تعالى لهم أيضا بالسلام كما
قال تعالى ( سلام قولا من رب رحيم ) قال الواحدي : وعلى هذا التقدير يكون هذا من إضافة
المصدر إلى المفعول ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أن مواظبتهم على ذكر هذه الكلمة ، مشعرة
بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات وفي معرض المخافات ، فاذا أخرجوا من الدنيا ووصلوا
إلى كرامة الله تعالى ، فقد صاروا سالمين من الآفات ، آمنين من المخافات والنقصانات . وقد
أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يذكرون هذا المعنى في قوله ( وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا
الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها
لغوب )
﴿ المرتبة الرابعة﴾ من مراتب سعاداتهم قوله سبحانه وتعالى (وآخر دعواهم أن الحمد
لله رب العالمين ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ) قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا هذه الكلمات العالية المقدسة
على أحوال أهل الجنة بسبب الأكل والشرب . فقالوا : إن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئا قالوا :
سبحانك اللهم وبحمدك ، وإذا أكلوا وفرغوا . قالوا : الحمد لله رب العالمين ، وهذا القائل
ما ترقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب ، وحقيق لمثل هذا الانسان أن يعد في زمرة
البهائم . وأما المحقون المحققون ، فقد تركوا ذلك ، ولهم فيه أقوال. روى الحسن البصري
عن رسول الله ور أنه قال ((إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم))
وقال الزجاج : أعلم الله تعالى أن أهل الجنة يفتتحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه . ويختتمون
بشكره والثناء عليه ، وأقول : عندي في هذا الباب وجوه أخر : فأحدها : أن أهل الجنة لما
i

٤٩
قوله تعالى ((ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير)) سورة يونس
وَلَوْ يُعَبِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الثَّرَّ أَسْتِعْجَاهُمْ بِنْخَيْرٍ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ
استسعدوا بذكر سبحانك اللهم وبحمدك ، وعاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات
والمخافات ، علموا أن كل هذه الأحوال السنية والمقامات القدسية ، إنما تيسرت باحسان الحق
سبحانه وإفضاله وإنعامه ، فلا جرم اشتغلوا بالحمد والثناء . فقالوا ( الحمد لله رب العالمين )
وإنما وقع الختم على هذا الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح الله تعالى وتمجيده من أعظم نعم الله تعالى
عليهم . والاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة ، فلهذا السبب وقع الختم على
هذه الكلمة ، وثانيها : أن لكل انسان بحسب قوته معراجا ، فتارة ينزل عن ذلك المعراج ،
وتارة يصعد إليه . ومعراج العارفين الصادقين ، معرفة الله تعالى وتسبيح الله وتحميد الله ، فاذا
قالوا ( سبحانك اللهم ) فهم في عين المعراج ، وإذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات . كان
الحاصل عند ذلك النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين واليه الاشارة بقوله ( وتحيتهم فيها
سلام ) ثم أنه مرة أخرى يصعد الى معراجه ، وعند الصعود يقول ( الحمد لله رب العالمين )
فهذه الكلمات العالية اشارة الى اختلاف أحوال العبد بسبب النزول والعروج . وثالثها : أن
نقول: إن قولنا الله اسم لذات الحق سبحانه، فتارة ينظر العبد الى صفات الجلال وهي المشار
إليها بقوله (سبحانك) ثم يحاول الترّقي منها إلى حضرة جلال الذات، ترقيا يليق بالطاقة
.البشرية، وهي المشار اليها بقوله (اللهم) فاذا عرج عن ذلك المكان . واخترق في أوائل تلك
الأنوار رجع الى عالم الاكرام ، وهو المشار اليه بقوله ( الحمد لله رب العالمين) فهذه كلمات
بالبال ودارت في الخيال، فان حقت فالتوفيق من الله تعالى، وإن لم يكن كذلك فالتكلان على
رحمة الله تعالى.
المسألة الثانية﴾ قال الواحدي (أن) في قوله ( أن الحمد لله) هي المخففة من
الشديدة ، فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله :
أن هالك كل من يحفى وينتعل
على معنى أنه هالك . وقال صاحب النظم ( أن) ههنا زائدة ، والتقدير: وآخر
دعواهم الحمد لله رب العالمين ، وهذا القول لبس بشيء، وقرأ بعضهم ( أن) الحمد لله
بالتشديد ، ونصب الحمد .
قوله تعالى ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم فنذر الذين
لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ﴾
الفخر الرازي ج١٧ م٤

٥٠
قوله تعالى (( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير)) سورة يونس
لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي ◌ُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أَ
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر شبهات
المنكرين للنبوة مع الجواب عنها .
فالشبهة الأولى ﴾ أن القوم تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا عليه السلام بالنبوة
فأزال الله تعالى ذلك التعجب بقوله ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) ثم ذكر
دلائل التوحيد ودلائل صحة المعاد . وحاصل الجواب أنه يقول : إني ما جئتكم إلا بالتوحيد
والاقرار بالمعاد ، وقد دللت على صحتها ، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى .
﴿ والشبهة الثانية ) للقوم أنهم كانوا أبدا يقولون: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً في
ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فأجاب الله تعالى عن هذه
الشبهة بما ذكره في هذه الآية . فهذا هو الكلام في كيفية النظم . ومن الناس من ذكر فيه وجوها
أخرى : فالأول : قال القاضي : لما بين تعالى فيما تقدم الوعد والوعيد أتبعه بما دل على أن من
حقّهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من بقاء التكليف .
والثاني : ما ذكره القفال : وهو أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا
بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، وكانوا عن آيات الله غافلين ؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى
أنذرهم استعجلوا العذاب جهلا منهم وسفها .
﴿ المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول
العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك
فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) وقال تعالى ( سأل سائل بعذاب واقع )
الآية . ثم إنها لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله ( أولئك مأواهم النار بما كانوا
يكسبون ) استعجلوا ذلك العذاب ، وقالوا : متى يحصل ذلك كما قال تعالى ﴿يستعجل بها
الذين لا يؤمنون بها) وقال في هذه السورة بعد هذه الآية ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم
صادقين ) إلى قوله ( آلآن وقد كنتم به تستعجلون ) وقال في سورة الرعد ( ويستعجلونك
بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلاث ) فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل
إيصال الشر إليهم ، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب اليهم لماتوا وهلكوا ، لأن تركيبهم في

٥١
قوله تعالى ((ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير)) سورة يونس
الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من صلبهم من
كان مؤمنا ، وذلك يقتضى أن لا يعاجلهم بايصال ذلك الشر.
﴿ المسألة الثالثة﴾ في لفظ الآية إشكال، وهو أن يقال: كيف التعجل بالاستعجال ،
وكان الواجب أن يقابل التعجيل بالتعجيل ، والاستعجال بالاستعجال .
والجواب عنه من وجوه : الأول : قال صاحب الكشاف: أصل هذا الكلام ، ولو
يعجل الله للناس الشرتعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير
اشعارا بسرعة اجابته واسعافه بطلبهم ، حتى كأن استعجالهم تعجيل لهم . الثاني : قال
بعضهم حقيقة قولك عجلت فلانا طلبت عجلته ، وكذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلا ،
كأنك طلبت فيه العجلة والاستعجال أشهر وأظهر في هذا المعنى ، وعلى هذا الوجه يصير
معنى الآية لو أراد الله عجلة الشرللناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم ، قال
صاحب هذا الوجه ، وعلى هذا التقدير : فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر الآية . الثالث : أن
كل من عجل شيئا فقد طلب تعجيله ، وإذا كان كذلك ، فكل من كان معجلا كان
مستعجلا ، فيصير التقدير ، ولو استعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى
وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها ، لأن اللائق به تعالى هو التكوين واللائق بهم هو
الطلب .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ أنه تعالى سمى العذاب شرافي هذه الآية ، لأنه أذى في حق المعاقب
ومکر وه عنده كما أنه سماء سيئة في قوله ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ) وفي قوله ( وجزاء
سيئة سيئة مثلها )
المسألة الخامسة﴾ قرأ ابن عامر (لقضى) بفتح اللام والقاف (أجلهم ) بالنصب،
يعني لقضى الله ، وينصره قراءة عبد الله ( لقضينا إليهم أجلهم ) وقرأ الباقون بضم القاف وكسر
الضاد وفتح الياء ( أجلهم ) بالرفع على ما لم يسم فاعله .
﴿ المسألة السادسة ﴾ المراد من استعجال هؤلاء المشركين الخير هو أنهم كانوا عند نزول
الشدائد يدعون الله تعالی بکشفها ، وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك في آيات كثيرة کقوله ( ثم
إذا مسكم الضرفاليه تجارون ) وقوله ( وإذا مس الانسان الضردعانا )
﴿ المسألة السابعة ﴾ لسائل أن يسأل فيقول : کیف اتصل قوله ( فنذر الذين لا يرجون
لقاءنا ) بما قبله وما معناه ؟

٥٢
قوله تعالى (( واذا مس الانسان الضردعانا لجنبه )) سورة يونس
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَنَ الضُّدَعَنَا ◌ِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَّ
كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآَ إِلَى ضُرٍّ مَّسَُّ كَّالِكَ زُ يِنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
وجوابه أن قوله ( ولو يعجل الله للناس ) متضمن معنى نفي التعجيل ، كأنه قيل : ولا
يعجل لهم الشر، ولا يقضي اليهم أجلهم فيذرهم في طغيانهم أي فيمهلهم مع طغيانهم إلزاما
للحجة .
﴿ المسألة الثامنة﴾ قال أصحابنا: إنه تعالى لما حكم عليهم بالطغيان والعمه امتنع أن
لا يكونوا كذلك . وإلا لزم أن ينقلب خبر الله الصدق كذبا وعلمه جهله وحكمه باطلا ، وکل
ذلك محال ، ثم إنه مع هذا كلفهم وذلك يكون جاريا مجرى التكليف بالجمع بين الضدين .
قوله تعالى ﴿ وإذا مس الانسان الضر دعانا جنبه أو قاعداً أو قائما فلما کشفنا عنه ضره مر
كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم وجهان: الأول : أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو
أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك ولقضى عليه ، فبين في هذه الآية ما يدل على غاية ضعفه
ونهاية عجزه ، ليكون ذلك مؤكدا لما ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات . الثاني : أنه
تعالى حكى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب ، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في
ذلك الطلب والاستعجال ، لأنه لو نزل بالانسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه ، فانه يتضرع إلى
الله تعالى في إزالته عنه وفي دفعه عنه وذلك يدل على أنه ليس صادقاً في هذا الطلب .
﴿ المسألة الثانية ﴾ المقصود من هذه الآية، بيان أن الانسان قليل الصبر عند نزول
البلاء ، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء ، فاذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء
مضطجعاً أو قائما أو قاعداً ، مجتهدا في ذلك الدعاء طالباً من الله تعالى إزالة تلك المحنة ،
وتبديلها بالنعمة والمنحة ، فاذا كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر ، ولم يتذكر
ذلك الضر ولم يعرف قدر الانعام ، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالی لکشف ضره ، وذلك يدل
على ضعف طبيعة الانسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً

٥٣
قوله تعالى (( وإذا مس الانسان الضردعانا لجنبه )) سورة يونس
على أن هذه الطريقة مذمومة ، بل الواجب على الانسان العاقل أن يكون صابراً عند نزول
البلاء شاكراً عند الفوز بالنعماء ، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة
والرفاهية . حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة، وعن رسول الله وَيقول أنه قال (( من سره
أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء»
واعلم أن المؤمن إذا ابتلى ببلية ومحنة ، وجب عليه رعاية أمور : فأولها : أن يكون
راضيا بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه . وإنما وجب عليه ذلك لأنه تعالى
مالك على الاطلاق وملك بالاستحقاق . فله أن يفعل في ملكه ما شاء كما يشاء ، ولأنه حكيم
على الاطلاق وهو منزه عن فعل الباطل والعبث ، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب ، وإذا كان
كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل ، وإن أزالها عنه فهو فضل ،
وحينئذ يجب عليه الصبر والسكوت وترك القلق والاضطراب . وثانيها أنه في ذلك الوقت إن
اشتغل بذكر الله تعالى والثناء عليه بدلا عن الدعاء كان أفضل ، لقوله عليه السلام حكاية عن
رب العزة ((من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)) ولأن الاشتغال
بالذكر اشتغال بالحق ، والاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس ، ولا شك أن الأول
أفضل ، ثم إن اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحا في الدين ،
وبالجملة فانه يجب أن يكون الدين راجحا عنده على الدنيا . وثالثها : أنه سبحانه إذا أزال عنه
تلك البلية فانه يجب عليه أن يبالغ في الشكر وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء ،
وأحوال الشدة والرخاء ، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء . وههنا مقام آخر أعلى
وأفضل مما ذكرناه ، وهو أن أهل التحقيق قالوا : إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولا
بالنعمة لا بالمنعم كان عند البلية مشغولا بالبلاء لا بالمبلى ، ومثل هذا الشخص يكون أبدا في
البلاء ، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء ، وأما في وقت حصول النعماء فان
خوفه من زوالها يكون أشد أنواع البلاء ، فان النعمة كلما كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل ،
كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشاً ، فثبت أن من كان مشغولا بالنعمة كان أبداً في لجة
البلية . أما من كان في وقت النعمة مشغولا بالمنعم ، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولا
بالمبلى . وإذا كان المنعم والمبلي واحداً ، كان نظره أبداً على مطلوب واحد ، وكان مطلوبه
منزهاً عن التغير مقدساً عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء ، غرقا
في بحر السعادات ، واصلا إلى أقصى الكمالات ، وهذا النوع من البیان بحر لا ساحل له ،
ومن أراد أن يصل اليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر .
المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في ( الانسان) في قوله (وإذا مس الانسان الضر) فقال
٠
٠٠

٥٤
.-
قوله تعالى (( وإذا مس الانسان الضردعانا لجنبه )) سورة يونس
بعضهم ، إنه الكافر ، ومنهم من بالغ وقال : كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الانسان ،
فالمراد هو الكافر، وهذا باطل ، لأن قوله ( يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه
فأما من أوتي كتابه بيمينه ) لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه ، وكذلك قوله ( هل أتى على
الانسان حين من الدهر ) وقوله ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ) وقوله ( ولقد خلقنا
الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) فالذي قالوه بعيد ، بل الحق أن نقول :. اللفظ المفرد
المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف اليه ، وإن لم يحصل هناك
معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صونا له عن الاجمال والتعطيل . ولفظ ( الانسان )
ههنا لائق بالكافر ، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة .
﴿ المسألة الرابعة) في قوله ( دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ) وجهان :
الوجه الأول﴾ أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله ( لجنبه) في موضع الحال بدليل
عطف الحالين عليه ، والتقدير : دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما .
فان قالوا : فما فائدة ذكر هذه الأحوال ؟
قلنا : معناه : إن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر،
سواء كان مضطجعا أو قاعدا أو قائما .
والوجه الثاني ﴾ أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديدا لأحوال الضر، والتقدير :
وإذا مس الانسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما دعانا وهو قول الزجاج . والأول : أصح ، لأن
ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر ، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء
يقتضي مبالغة الانسان في الدعاء ، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب .
﴿المسألة الخامسة﴾ في قوله (مر) وجوه الأول: المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى
قبل مس الضر ونسى حال الجهد. الثاني: مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع اليه كأنه لا
عهد له به .
﴿ المسألة السادسة) قوله تعالى ( كأن لم يدعنا إلى ضرمسه) تقديره : كأنه لم يدعنا ،
ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف ونظيره قوله تعالى ( كأن لم يلبثوا ) قال الحسن : نسى
ما دعا الله فيه ، وما صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه .
المسألة السابعة ﴾ قال صاحب النظم: قوله (وإذا مس الانسان ) (إذا) موضوعة
للمستقبل .

٥٥
قوله تعالى (( کذلك زین للمسرفین ما كانوا يعملون )» سورة يونس
ثم قال ﴿ فلما كشفنا﴾ وهذا الماضي، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية أنه هكذا
كان فيما مضى وهكذا يكون في المستقبل . فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على مافيه من
المعنى المستقبل ، وما فيه من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي ، وأقول البرهان العقلي
مساعد على هذا المعنى وذلك لأن الانسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر ، وجيل أيضا
على الغرور والبطر والنسيان والتمرد والعتو، فاذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على كثرة
الدعاء والتضرع ، وإظهار الخضوع والانقياد ، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه
النسيان فنسي إحسان الله تعالى إليه ، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران . فهذه
الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته ، وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورين ولا عذر لهم .
﴿ المسألة الثامنة) في قوله تعالى (كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ أن هذا المزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان، فرع على مسألة
الجبر والقدر وهو معلوم .
﴿ البحث الثاني ﴾ في بيان السبب الذي لأجله سمى الله سبحانه الكافر مسرفا . وفيه
وجوه :
الوجه الأول ﴾ قال أبو بكر الأصم : الكافر مسرف في نفسه وفي ماله ومضيع لهما ،
أما في النفس فلأنه جعلها عبداللوثن ، وأما في المال فلأنهم كانوا يضيعون أموالهم في البحيرة
والسائبة والوصيلة والحام .
﴿ الوجه الثاني ﴾ قال القاضي: إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء كثير
التضرع والدعاء ، وعند زوال البلاء ونزول الآلاء معرضا عن ذكر الله متغافلا عنه غير مشتغل
بشكره، كان مسرفا في أمر دينه متجاوزاً للحد في الغفلة عنه، ولا شبه في أن المرء كما يكون
مسرفا في الانفاق فكذلك يكون مسرفا فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح، إذا تجاوز
الحد فيه .
الوجه الثالث ﴾ وهو الذي خطر بالبال في هذا الوقت ، أن المسرف هو الذي ينفق
المال الكثير لأجل الغرض الخسيس ، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها خسيسة جداً في مقابلة
سعادات الدار الآخرة . والله تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك
السعادات العظيمة ، فمن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية
الخسيسة ، كان قد انفق أشياء عظيمة كثيرة ، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة ، فوجب

٥٦
قوله تعالى (( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا )) سورة يونس
وَلَقَدْ أَهْلَكَ الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَمَا كَانُواْ
◌ِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (8) ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَفَ فِىِ الْأَرْضِ مِنْ
بَعْدِهِمْ لِنَظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
أن يكون من المسرفين .
﴿ البحث الثالث ﴾ الكاف في قوله تعالى (كذلك) للتشبيه . والمعنى : كما زين لهذا
الكافر هذا العمل القبيح المنكر زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الاعراض عن الذكر
ومتابعة الشهوات .
قوله تعالى ﴿ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما
كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر
كيف تعملون
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في بيان كيفية النظم. اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم كانوا
يقولون ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب
أليم ) ثم إنه أجاب عنه بأن ذكر أنه لاصلاح في إجابة دعائهم ، ثم بين أنهم كاذبون في هذا
الطلب لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع الى الله تعالى في إزالتها والكشف لها ، بين في هذه
الآية ما يجري مجرى التهديد ، وهو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم ،
والغرض منه أن يكون ذلك رادعا لهم عن قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا
حجارة من السماء ، لأنهم متى سمعوا أن الله تعالى قد يجيب دعائهم وينزل عليهم الاستئصال ،
ثم سمعوا من اليهود والنصارى أن ذلك قد وقع مرارا كثيرة . صار ذلك رادعا لهم وزاجراً
عن ذكر ذلك الكلام، فهذا وجه حسن مقبول في كيفية النظم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف (لما) ظرف لأهلكنا، والواو في قوله
( وجاءتهم ) للحال ، أي ظلموا بالتكذيب . وقد جاءتهم رسلهم بالدلائل والشواهد على
صدقهم وهي المعجزات ، وقوله ( وما كانوا ليؤمنوا ) يجوز أن يكون عطفا على ظلموا ، وأن
يكون اعتراضا ، واللام لتأكد النفي ، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر وهذا

٥٧
قوله تعالى ( وإذا تتلى علیهم آياتنا بینات )) سورة يونس
وَإِذَا يُعْلَى عَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَيْجُونَ لِقَاءَنَا أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآَ
أَوْ بَقِلَُّ قُلْ مَايَكُونُ بِى أَنْ أَبَدَِّهُ مِن ◌ِقَآٍَّ نَفْسِىّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّمَا يُوحَىَ إِلَّ إِ
أَخَافُ إِنْ عَصَبْتُ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِ (8)
يدل على أنه تعالى إنما أهلكهم لأجل تكذيبهم الرسل، فكذلك يجزى كل مجرم ، وهو وعيد
لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله ، وقرىء ( يجزي ) بالياء وقوله(ثم جعلناكم خلائف)
الخطاب للذين بعث إليهم محمد عليه الصلاة والسلام ، أي استخلفناكم في الأرض بعد
القرون التي أهلكناهم ، لننظر كيف تعملون ، خيراً أوشراً، فنعاملكم على حسب عملكم .
بقي في الآية سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ كيف جاز النظر إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة؟
والجواب : أنه استعير لفظ النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه ، وشبه هذا
العلم بنظر الناظر وعيان المعاين .
السؤال الثاني ﴾ قوله ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف
تعملون ) مشعر بأن الله تعالى ما كان عالما بأحوالهم قبل وجودهم .
والجواب : المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ،
ليجازيهم بحسبه كقوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وقد مر نظائر هذا . وقال رسول الله وله
((إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون)) وقال قتادة : صدق الله
ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا ، فأروا الله من أعمالكم خيراً ، بالليل والنهار .
المسألة الثالثة ﴾ قال الزجاج : موضع ( كيف) نصب بقوله ( تعملون ) لأنها حرف ،
لاستفهام والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، ولو قلت : لننظر خيراً تعملون أم شرا ، كان
العامل في خير وشر تعملون .
قوله تعالى ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا
أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت
ربي عذاب يوم عظيم ﴾
فيه مسائل :

٥٨
قوله تعالى (( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات )) سورة يونس
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم وكلماتهم التي
ذكروها في الطعن في نبوة النبي ◌َعليه، حكاها الله تعالى في كتابه وأجاب عنها .
واعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره ، علم أن القرآن مرتب على أحسن
الوجوه .
﴿ المسألة الثانية ) روى عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن خمسة من الكفار كانوا
يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام وبالقرآن. الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن
وائل السهمي ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحرث بن حنظلة ، فقتل الله
كل رجل منهم بطريق آخر ، كما قال ( إنا كفيناك المستهزئين ) فذكر الله تعالى أنهم كلما تلى
عليهم آيات ( قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر
والنشر، منكرين للبعث والقيامة ، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه : الأول : قال
الأصم ( لا يرجون لقاءنا ) أي لا يرجون في لقائنا خيراً على طاعة ، فهم من السيئات أبعد أن
يخافوها . الثاني : قال القاضي : الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع ، لكنه قد يدل على المضار من
بعض الوجوه ، لان من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب ، وهو القصد بالتكليف ، لا يخاف
أيضا ما يوعده به من العقاب ، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور .
واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم ، الا أن البيان التام أن يقال : كل من
كان مؤمنا بالبعث والنشور فانه لا بد وأن يكون راجيا ثواب الله وخائفا من عقابه ، وعدم اللازم
يدل على عدم الملزوم ، فلزم من نفي الرجاء الايمان بالبعث . فهذا هو الوجه في حسن هذه
الاستعارة .
﴿ البحث الثاني﴾ أنهم طلبوا من رسول الله ور أحد أمرين على البدل: فالأول: أن
يأتهم بقرآن غير هذا القرآن . والثاني : أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال ، لأنه إذا بدل هذا
القرآن بغيره ، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئاً
واحدا . وأيضاً مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة والسلام اقتصر
في الجواب على نفي أحدهما ، وهو قوله ( ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) وإذا ثبت أن
كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر ، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلا .
والجواب : أن أحد الأمرين غير الآخر ، فالاتيان بكتاب آخر ، لا على ترتيب هذا
القرآن ولا على نظمه ، يكون إتيانا بقرآن آخر ، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم
بعض الأشياء مدحها ، ومكان آية رحمة اية عذاب ، كان هذا تبديلا ، أو نقول : الاتيان
بقرآن غير هذا هو أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب . مع كون هذا الكتاب باقيا

٥٩
قوله تعالى ((إن أتبع إلا ما يوحى)) سورة يونس.
بحاله ، والتبديل هو أن يغير هذا الكتاب . وأما قوله : إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد
القسمين .
قلنا : الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني . وإذا كان
كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني . وإنما قلنا : الجواب عن أحد القسمين عين
الجواب عن الثاني لوجهين : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من
تلقاء نفسه ، لأنه وارد من الله تعالى ولا يقدر على مثله ، كما لا يقدر سائر العرب على مثله ،
فكان ذلك متقرراً في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن ، فقد دلهم بذلك
على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا . والثاني : أن التبديل أقرب إلى الامكان من المجيء
بقرآن غير هذا القرآن ، فجوابه عن الأسهل يكون جوابا عن الأصعب ، ومن الناس من قال :
لا فرق بين الاتيان بقرآن غير هذا القرآن وبين تبديل هذا القرآن ، وجعل قوله ( ما يكون لي
أن أبدله ) جواباً عن الأمرين ، إلا أنه ضعيف على ما بيناه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: أحدهما :
أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء ، مثل أن يقولوا : إنك لو جئتنا بقرآن آخر
غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك ، وغرضهم من هذا الكلام السخرية والتطير . والثاني : أن
يكونوا قالوه على سبيل الجد ، وذلك أيضا يحتمل وجوها : أحدهما : أن يكونوا قالوا ذلك على
سبيل التجربة والامتحان ، حتى أنه إن فعل ذلك ، علموا أنه كان كذابا في قوله : إن هذا
القرآن نزل عليه من عند الله . وثانيها : أن يكون المقصود من هذا الالتماس أن هذا القرآن
مشتمل على ذم آلهتهم والطعن في طرائقهم ، وهم كانوا يتأذون منها ، فالتمسوا كتابا آخر ليس
فيه ذلك . وثالثها : أن بتقدير أن يكونوا قد جوزواكون هذا القرآن من عند الله ، التمسوا منه
أن يلتمس من الله نسخ هذا القرآن وتبديله بقرآن آخر . وهذا الوجه أبعد الوجوه .
واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره الله تعالى أن يقول : إن هذا التبديل غير جائز مني
( إن أتبع إلا ما يوحى إلى ) ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن
عصى . ويتفرع على هذه الآية فروع :
الفرع الأول﴾ أن قوله (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) معناه: لا أتبع إلا ما يوحى
إلي ، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالوحي ، وهذا يدل على أنه لم يحكم
قط بالاجتهاد .
﴿ الفرع الثاني﴾ تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: دل هذا النص على أنه عليه

٦٠
قوله تعالى (( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم )) سورة يونس
قُل لَّوْشَآءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ, عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَ نَّكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِكُمْ عُرًامِنْ
قَبْلِهِة أَفَلَا تَعْقِلُونَ
١٦
الصلاة والسلام ما حكم إلا بالنص . فوجب أن يجب على جميع الأمة أن لا يحكموا إلا بمقتضى
النص لقوله تعالى ( واتبعوه )
﴿ الفرع الثالث﴾ نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: إن ذلك منسوخ بقوله
( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) وهذا بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام
والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية .
﴿ الفرع الرابع ﴾ قالت المعتزلة: ان قوله ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم
عظيم ) مشروط بما يكون واقعا بلا توبة ولا طاعة أعظم منها ، ونحن نقول فيه تخصيص
ثالث . وهو أن لا يعفو عنه ابتداء ، لأن عندنا يجوز من الله تعالى أن يعفو عن أصحاب
الكبائر .
قوله تعالى ﴿ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فیکم عمرا من قبله
أفلا تعقلون ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنا بينا فيما سلف، أن القوم إنما التمسوا منه ذلك الالتماس،
لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه ، على سبيل الاختلاق
والافتعال ، لا على سبيل كونه وحيا من عند الله . فلهذا المعنى احتج النبي عليه الصلاة
والسلام على فساد هذا الوهم بما ذكر الله تعالى في هذه الآية . وتقريره أن أولئك الكفار كانوا
قد شاهدوا رسول الله وسلم من أول عمره الى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع
كتابا ولا تلمذ لاستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم
بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ، ودقائق علم الأحكام ، ولطائف علم
الأخلاق ، وأسرار قصص الأولين . وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من
له عقل سليم فأنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل الا بالوحي والالهام من الله تعالى ، فقوله ( لو
شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ) حكم منه عليه الصلاة والسلام بأن هذا القرآن وحي
من عند الله تعالى، لا من اختلاقي ولا من افتعالي . وقوله ( فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ) اشارة