النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ قوله تعالى ((يحلفون بالله لكم ليرضوكم)) سورة التوبة يَحِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ ◌ٍأَحَقُّ أَنْ يَرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (9) المعطوف عليه . قال أبو علي الفارسي : البعد لا يمنع من صحة العطف، ألا ترى أن من قرأ ( وقيله يارب ) إنما يحمله على قوله ( وعنده علم الساعة ) تقديره : وعنده علم الساعة وعلم قيله . فان قيل : ما وجه قراءه ابن عامر ( ورحمة ) بالنصب ؟ قلنا : هي علة معللها محذوف، والتقدير : ورحمة لكم يأذن إلا أنه حذف، لأن قوله ( أذن خير لكم ) يدل عليه . قوله تعالى ﴿ يحلفون بالله لکم لیرضوکم والله ورسوله أحق أن ير ضوه إن كانوا مؤمنين﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين وهو إقدامهم على اليمين الكاذبة . قيل : هذا بناء على ما تقدم ، يعني يؤذون النبي ويسيؤن القول فيه ثم يحلفون لكم . وقيل : نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله وسلّ الى المدينة أتوه واعتذروا وحلفوا ، ففيهم نزلت الآية ، والمعنى : أنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما حكى عنهم ، ليرصوا المؤمنين بيمينهم ، وكان من الواجب أن يرضوا الله بالاخلاص والتوبة، لا باظهار ما يستسرون خلافه ، ونظيره قوله ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) وأما قوله ﴿ يرضوه﴾ بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول ففيه وجوه: الأول: أنه تعالى لا يذكر مع غيره بالذكر المجمل ، بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيما له . والثاني : أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله ، فاقتصر على ذكره . ويروى أن واحد من الكفار رفع صوته . وقال : إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ، فسمع الرسول عليه السلام ذلك وقال ((وضع الحق في أهله)) الثالث: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف والرابع : أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى ، وإخلاص القلب لا يعمله إلا الله ، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر . الخامس : لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقاً لرضا الله تعالى وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما كما يقال : إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني . السادس : التقدير : والله أحق أن يرضوه ورسوله ١٢٢ قوله تعالى ((ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله)) سورة التوبة ٠١١٠٠١٠٠٠١ أَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَنَّلَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدًا فِيَهَا ذَلِكَ أَنْزِىُ اُلْعَظِيمُ ٦٣ كذلك وقوله ( إن كانوا مؤمنين ) فيه قولان : الأول : إن كانوا مؤمنين على ما ادعوا . والثاني : أنهم كانوا عالمين بصحة دين الرسول إلا أنهم أصروا على الكفر حسداً وعناداً ، فلهذا المعنى قال تعالى ( إن كانوا مؤمنين ) وفي الآية دلالة على أن رضا الله لا يحصل باظهار الايمان ما لم يقترن به التصديق بالقلب، ويبطل قول الكرامية الذين يزعمون ان الايمان ليس إلا القول باللسان . قوله تعالى ﴿ ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزى العظيم ﴾ اعلم أن المقصود من هذه الآية أيضاً ، شرح أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال أهل المعاني: قوله ( ألم تعلم ) خطاب لمن حاول الانسان تعليمه مدة وبالغ في ذلك التعليم ثم إنه لم يعلم فيقال له : ألم تعلم بعد هذه الساعات الطويلة والمدة المديدة، وإنما حسن ذلك لأنه طال مكث رسول الله وح لي معهم ، وكثرت نهاياته للتحذير عن معصية الله والترغيب في طاعته ، فالضمير في قوله ( أنه من يحادد الله ) ضمير الأمر والشأن ، والمعنى : أن الأمر والشان كذا وكذا . والفائدة في هذا الضمير هو أنه لو ذكر بعد كلمة ( أن ) ذلك المبتدأ والخبر لم يكن له كثير وقع . فأما إذا قلت الأمر والشأن كذا وكذا أوجب مزيد تعظيم وتهويل لذلك الكلام . وقوله ( من يحادد الله ) قال الليث : حاددته أي خالفته ، والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة ، واشتقاقه من الحد ، ومعنى حاد فلان فلانا ، أي صار في حد غير حده كقوله : شاقه أي صار في شق غير شقه ، ومعنى ( يحادد اللّه ) أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة . وقال أبو مسلم : المحادة مأخوذة من الحديد حدید السلاح ، ثم للمفسرين ههنا عبارات : يخالف الله ، وقيل يحارب الله ، وقيل يعاند الله . وقيل يعاد الله . ثم قال ﴿ فأن له نار جهنم ) وفيه وجوه : الأول : التقدير: فحق أن له نار جهنم . الثاني : معناه فله نار جهنم ، وإن تكرر للتوكيد ، الثالث أن نقول جواب ( من ) محذوف ، والتقدير : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له نار جهنم . قال الزجاج : ويجوز : ١٢٣ قوله تعالى ((يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة)) سورة التوبة يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِثُهُم ◌ِمَافِ قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْءُوَأْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ كسر ( إن ) على الاستئناف من بعد الفاء والقراءة بالفتح . ونقل الكعبي في تفسيره أن القراء، بالكسر موجودة. فال ابو مسلم في جهنم من أسماء النار، وأهل اللغة يكون عن العرب أن البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام عندهم ، فجاز في جهنم أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ ، ومعنى بعد قعرها أنه لا آخر لعذابها ، والخالد : الدائم ، والخزى قد يكون بمعنى الندم وبمعنى الاستحياء ، والندم هنا أولى . لقوله تعالى ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) قوله تعالى ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ واعلم أنهم كانوا يسمون سورة براءة ، الحافرة حفرت عما في قلوب المنافقين قال الحسن اجتمع اثنا عشر رجلا من المنافقين على أمر من النفاق ، فأخبر جبريل الرسول عليه الصلاة والسلام بأسمائهم ، فقال عليه الصلاة والسلام ((إن أناساً اجتمعوا على كيت وكيت ، فليقوموا وليعترفوا وليستغفروا ربهم حتى أشفع لهم )) فلم يقوموا ، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: قم يا فلان ويا فلان)) حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال ((الآن أنا كنت في أول الأمر أطيب نفساً بالشفاعة ، والله كان أسرع في الاجابة ، اخرجوا عني اخرجوا عني)) فلم يزل يقول حتى خرجوا بالكلية ، وقال الأصم : إنه عند رجوع الرسول عليه الصلاة والسلام من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلا ليفتكوا به فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة وأمره أن يرسل اليهم من يضرب وجوه رواحلهم ، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم، ثم قال ((من عرفت من القوم )) فقال لم أعرف منهم أحداً ، فذكر النبي وَلّ أسماءهم وعدهم له، وقال ((إن جبريل أخبرني بذلك)) فقال حذيفة ألا تبعث اليهم ليقتلوا ، فقال ((أكره أن تقول العرب قاتل محمد بأصحابه حتى إذا ظفر صار يقتلهم بل يكفينا الله ذلك)) فان قيّ : المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : قال أبو مسلم : هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر كل شيء ويدعي أنه عن الوحي ، ١٢٤ قوله تعالى ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)) سورة التوبة وَلَيٍ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَلْعَبُ قُلْ أَبِّهِ وَتِهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُ بَعْدَ إِيَتِكُمَّ إِن نَّعْفُ عَن طَبِقَةٍ مِنْكُرْ نُعَذِّبُ ◌َبِقَّةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوْ مُجْرِمِينَ ﴾ وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم ، فأخبر الله رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره ، وفي قوله ( استهزئوا ) دلالة على ما قلناه . الثاني : أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنهم شاهدوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه ، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم . الثالث : قال الأصم : أنهم كانوا يعرفون كونه رسولا صادقا من عند الله تعالى ، إلا أنهم كفروا به حسداً وعنادا . قال القاضي : يبعد في العالم بالله وبرسوله وصحة دينه أن يكون محادا لهما . قال الداعي إلى الله : هذا غير بعيد لأن الحسد إذا قوى في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات ، الرابع : معنى الحذر الأمر بالحذر ، أي ليحذر المنافقون ذلك . الخامس : أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته وما كانوا قاطعين بفسادها . والشاك خائف ، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم ، ثم قال صاحب الكشاف: الضمير في قوله ( عليهم ) و( تنبئهم ) للمؤمنين ، وفي قوله ( في قلوبهم ) للمنافقين ويجوز أيضا أن تكون الضمائر كلها للمنافقين ، لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم ، ومعنى (تنبئهم بما في قلوبهم ) أن السورة كأنها تقول لهم في قلوبهم كيت وكيت ، يعني أنها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنها تخبرهم . ثم قال ﴿ قل استهزؤا﴾ وهو أمر تهديد كقوله ( وقل اعملوا). (إن الله مخرج ما تحذرون ) أي ذلك الذي تحذرونه ، فان الله يخرجه إلى الوجود ، فان الشيء إذا حصل بعد عدمه ، فكأنَ فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود . قوله تعالى ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ﴾ في الآية مسائل : ١٢٥ قوله تعالى ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب )) سورة التوبة المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب نزول الآية أمورا : الأول: روى ابن عمر أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوبا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وَّ﴿ والمؤمنين، فقال واحد من الصحابة: كذبت ولأنت منافق، ثم ذهب ليخبر رسول الله * فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وكان قد ركب ناقته، فقال يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به الطريق، وكان يقول إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله ﴾ يقول «ابالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون)» ولا يلتفت اليه وما يزيده عليه. الثاني: قال الحسن وقتادة: لما سار الرسول الى تبوك قال المنافقون فيما بينهم: اتراه يظهر على الشأن ويأخذ حصونها وقصورها هيهات، هيهات، فعند رجوعه دعاهم وقال: أنتم القائلون بكذا وكذا فقالوا: ما كان ذلك بالجد في قلوبنا وانما كنا نخوض ونلعب . الثالث : روى ان المتخلفين عن الرسول ل# سألوا عما كانوا يصنعون وعن سبب تخلفهم، فقالوا هذا القول . الرابع : حكينا عن ابي مسلم انه قال في تفسير قوله (يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ) أظهروا هذا الحذر على سبيل - الاستهزاء ، فبين تعالى في هذه الآية أنه إذا قيل لهم لم فعلتم ذلك ؟ قالوا: لم نقل ذلك على سبيل الطعن، بل لأجل أنا كنا نخوض ونلعب. الخامس: اعلم أنه لا حاجة في معرفة هذه الآية الى هذه الروايات فانها تدل على أنهم ذكروا كلاما فاسدا على سبيل الطعن والاستهزاء، فلما اخبرهم الرسول بأنهم قالوا ذلك خافوا واعتذروا عنه بأنا إنما قلنا ذلك على وجه اللعب لا على سبيل الجد وذلك قولهم إنما كنا نخوض ونلعب أي ما قلنا ذلك إلا لأجل اللعب ، وهذا يدل على أن كلمة ((إنما)) تفيد الحصر إذ لو لم يكن ذلك لم يلزم من كونهم لاعبين ان لا يكونوا مستهزئين فحينئذ لا يتم هذا العذر . والجواب : قال الواحدي : أصل الخوض الدخول في مائع من الماء والطين ، ثم كثر حتى صار اسما لكل دخول فيه تلويث وأذى ، والمعنى : أنا كنا نخوض ونلعب في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق ، فأجابهم الرسول بقوله ((أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن)) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ فرق بين قولك أتستهزىء بالله، وبين قولك أبالله تستهزىء ، فالأول يقتضي الانكار على عمل الاستهزاء ، والثاني : يقتضي الانكار على إيقاع الاستهزاء في الله ، كأنه يقول هب أنك قد تقدم على الاستهزاء ولكن كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله ونظيره قوله تعالى ( لا فيها غول ) والمقصود : ليس نفى الغول ، بل نفى أن يكون خمر الجنة محلا للغول . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزئون بالله وآياته ورسوله ، ومعلوم ١٢٦ قوله تعالى ((لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)) سورة التوبة أن الاستهزاء بالله محال . فلا بدله من تأويل وفيه وجوه : الأول : المراد بالاستهزاء بالله هو الاستهزاء بتكاليف الله تعالى . الثاني : يحتمل أن يكون المراد الاستهزاء بذكر الله ، فان أسماء الله قد يستهزىء الكافر بها كما أن المؤمن يعظمها ويمجدها .قال تعالى ( سبح اسم ربك الأعلى ) فأمر المؤمن بتعظيم اسم الله . وقال ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) فلا يمتنع أن يقال ( أبالله) ويراد : أبذكر الله . الثالث: لعل المنافقين لما قالوا : كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشام وقصورها . قال بعض المسلمين : الله يعينه على ذلك وينصره عليهم ، ثم إن بعض الجهال من المنافقين ذكر كلاما مشعرا بالقدح في قدرة الله كما هو عادات الجهال والملاحدة، فكان المراد ذلك . وأما قوله ﴿وآياته ﴾ فالمراد بها القرآن ، وسائر ما يدل على الدين . وقوله ( ورسوله ) معلوم ، وذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على سبيل الاستهزاء . قم قال تعالى ﴿ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين: ﴿ القول الأول﴾ أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست. يقال : مررت بمنزل معتذر ، والاعتذار هو الدرس وأخذ الأعتذار منه . لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه . ﴿ والقول الثاني ﴾ حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع ، ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تقطع ، وعذرة الجارية سميت عذرة . لأنها تعذر أي تقطع ، ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت ، فالعذر لما كان سببا لقطع اللوم سمى عذرا ، قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم يتقاربان . ﴿ المسألة الثانية ) أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفرا، والعقل يقتضي أن الاقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائز ، فثبت أن قولهم إنما كنا نخوض ونلعب ، ما كان عذرا حقيقيا في الاقدام على ذلك الاستهزاء ، فلما لم يكن ذلك عذرا في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به لان المنع عن الكلام الباطل واجب . فقال ( لا تعتذروا ) أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم . ﴿ المسألة الثالثة) قوله ( قد كفرتم بعد إيمانكم ) يدل على أحكام . ١٢٧ قوله تعالى ((إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة)) سورة التوبة الحكم الاول أن الاستهزاء بالدين كان كفر بالله ، وذلك لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الايمان تعظيم الله تعالى بأقصى الامكان والجمع بينهما محال . الحكم الثاني أنه يدل على بطلان قول من يقول ، الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب . الحكم الثالث يدل على أن قولهم الذي صدر منهم كفر في الحقيقة ، وإن كانوا منافقين من قبل وأن الكفر يمكن أن يتجدد من الكافر حالا فحالا . الحكم الرابع يدل على أن الكفر إنما حدث بعد أن كانوا مؤمنين . ولقائل أن يقول : القوم لما كانوا منافقين فكيف يصح وصفهم بذلك ؟ قلنا : قال الحسن المراد كفرتم بعد إيمانكم الذي أظهرتموه ، وقال آخرون : ظهر كفركم للمؤمنين بعد أن كنتم عندهم مسلمين ، والقولان متقاربان . ثم قال تعالى ﴿ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم (إن نعف ونعذب ) بالنون وكسر الذال، وطائفة بالنصب والمعنى أنه تعالى حكى عن نفسه أنه يقول إن يعف عن طائفة والباقون بالياء وصمها ، وفتح الفاء على ما لم يسم فاعله ، إن يعف عن طائفة بالتذكير ، وتعذب طائفة بالتأنيث ، وحكى صاحب الكشاف عن مجاهد ، إن تعف عن طائفة على البناء للمفعول مع التأنيث ، ثم قال : والوجه التذكير لأن المسند اليه الظرف كما تقول سير بالدابة ، ولا تقول سيرت بالدابة ، وأما تأويل قراءته فهو أن مجاهدا لعله ذهب إلى أن المعنى كأنه قيل : إن ترحم طائفة فأنت كذلك ، وهو غريب والجيد القراءة العامة إن يعف عن طائفة بالتذكير وتعذب طائفة بالتأنيث . المسألة الثانية) ذكر المفسرون ، أن الطائفتين كانوا ثلاثة ، استهزأ اثنان وضحك .. ١٢٨ قوله تعالى ((إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة)) سورة التوبة واحد ، فالطائفة الأولى الضاحك ، والثانية الهازئان، وقال المفسرون : لما كان ذنب الضاحك أخف لاجرم عفا الله عنه ، وذنب الهازئين أغلظ ، فلا جرم ما عفا الله عنهما ، قال القاضي : هذا بعيد لأنه تعالى حكم على الطائفتين بالكفر ، وأنه تعالى لا يعفو عن الكافر إلا بعد التوبة والرجوع إلى الاسلام ، وأيضا لا يعذب الكافر إلا بعد إصراره على الكفر ، أما لو تاب عنه ورجع الى الاسلام فانه لا يعذبه ، فلما ذكر الله تعالى أنه يعفو عن طائفة ويعذب الأخرى ، كان فيه إضمار أن الطائفة التي أخبر أنه يعفو عنهم تابوا عن الكفر ورجعوا الى الاسلام ، وأن الطائفة التي أخبر أنه يعذبهم أصروا على الكفر ولم يرجعوا إلى الاسلام ، ولعل ذلك الواحد لما لم يبالغ في الطعن ولم يوافق القوم في الذكر خف كفره ، ثم إنه تعالى وفقه للايمان والخروج عن الكفر ، وذلك يدل على أن من خاض في عمل باطل ، فليجتهد في التقليل فانه يرجى له ببركة ذلك التقليل أن يتوب الله عليه في الكل . ﴿ المسألة الثالثة ) قالوا: ثبت بالروايات أن الطائفتين كانوا ثلاثة ، فوجب أن تكون إحدى الطائفتين إنسانا واحدا . قال الزجاج : والطائفة في اللغة أصلها الجماعة ، لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة ، قال تعالى ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وأقله الواحد ، وروى الفراء باسناده عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : الطائفة الواحد فما فوقه ، وفي جواز تسمية الشخص الواحد بالطائفة وجوه : الأول : أن من اختار مذهبا ونصره فانه لا يزال يكون ذابا عنه ناصرا له ، فكأنه بقلبه يطوف عليه ويذب عنه من كل الجوانب ، فلا يبعد أن يسمى الواحد طائفة لهذا السبب . الثاني : قال ابن الأنباري : العرب توقع لفظ الجمع على الواحد فتقول : خرج فلان الى مكة على الجمال ، والله تعالى يقول ( الذين قال لهم الناس ) يعني نعيم ابن مسعود . الثالث : لا يبعد أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفا ، ثم أدخل الهاء عليه للمبالغة ، ثم إنه تعالى علل كونه معذبا للطائفة الثانية بأنهم كانوا مجرمين . واعلم أن الطائفتين لما اشتركتا في الكفر ، فقد اشتركتا في الجرم ، والتعذيب يختصر باحدى الطائفتين ، وتعليل الحكم الخاص بالعلة العامة لا يجوز ، وأيضا التعذيب حكم حاصل في الحال وقوله ( كانوا مجرمين ) يدل على صدور الجرم عنهم في الزمان الماضي ، وتعليل الحكم الحاصل في الحال بالعلة المتقدمة لا يجوز ، بل كان الأولى أن يقال ذلك بأنهم مجرمون واعلم أن الجواب عنه أن هذا تنبيه على أن جرم الطائفة الثانية كان أغلظ وأقوى من جرم الطائفة الأولى ، فوقع التعليل بذلك الجرم الغليظ ، وأيضا ففيه تنبيه على أن ذلك الجرم بقي واستمر ولم يزل ، فأوجب التعذيب . ١٢٩ قوله تعالى ((المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض)) سورة التوبة الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَغِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنِسَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ® قوله تعالى ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ اعلم أن هذا شرح نوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم ، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة ، فقال ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) أي في صفة النفاق ، كما يقول الانسان . أنت مني وأنا منك ، أي أمرنا واحد لا مباينة فيه ولما ذكر هذا الكلام ذكر تفصيله فقال ( يأمرون بالمنكر ) ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح ، إلا أن الأعظم ههنا تكذيب الرسول وينهون عن المعروف ولفظ المعروف يدخل فيه كل حسن إلا أن الأعظم ههنا الايمان بالرسول ◌َ * ويقبضون أيديهم ، قيل من كل خير، وقيل عن كل خير واجب من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله وهذا أقرب لأنه تعالى لا يذمهم إلا بترك الواجب ويدخل فيه ترك الانفاق في الجهاد ، ونبه بذلك على تخلفهم عن الجهاد ، والأصل في هذا أن المعطى يمد يده ويبسطها بالعطاء . فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده . ثم قال ﴿ نسوا الله فنسيهم﴾ واعلم أن هذا الكلام لا يمكن اجراؤه على ظاهرة لأنا لو حملناه على النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذما ، لان النسيان ليس في وسع البشر، وأيضا فهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسى ، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسى من توابه ورحمته ، وجاء هذا على أوجه الكلام كقوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) الثاني : النسيان ضد الذكر ، فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله ، ترك الله ذكرهم بالرحمة والاحسان ، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأن من نسى شيئا لم يذكره ، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم . ثم قال ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون ﴾ أي هم الكاملون في الفسق . والله أعلم . الفخر الرازي ج١٦ م٩ ١٣٠ قوله تعالى ((وعد الله المنافقين والمنافقات)) سورة التوبة وَعَدَ اللهُ الْمُنَتْفِقِينَ وَالْمُنَفِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمُ ﴾ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَّ مِنْكُرْ قُوَّةٌ وَأَكْثَرَ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَاِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُ بِخَلَفِكُمْ كَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُ بِخَلَقِهِمْ وَخُضْتُ كَّذِى خَضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ قوله تعالى ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلافكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلافهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين من قبل في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم ، أي جازاهم على تركهم التمسك بطاعة الله أكد هذا الوعيد وضم المنافقين الى الكفار فيه ، فقال ( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها) ولا شك أن النار المخلدة من أعظم العقوبات . ثم قال ﴿ هي حسبهم ﴾ والمعنى : أن تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها ، ولا يمكن الزيادة عليها . ثم قال ﴿ ولعنهم الله ﴾ أي ألحق بتلك العقوبة الشديدة الاهانة والذم واللعن. ثم قال ﴿ ولهم عذاب مقيم ﴾ ولقائل أن يقول : معنى كون العذاب مقيما وكونه خالدا واحد ، فكان هذا تكرار ؟ والجواب : ليس ذلك تكريرا ، وبيان الفرق من وجوه : الأول : أن لهم نوعا آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنار والخلود المذكور أولا ، ولا يدل على أن العذاب بالنار دائم . وقوله ( ولهم عذاب مقيم ) يدل على أن لهم مع ذلك نوعا آخر من العذاب . ولقائل أن يقول : هذا التأويل مشكل . لأنه قال في النار المخلدة ( هي حسبهم ) وكونها حسبا يمنع ضم شيء آخر اليه . وجوابه : أنها حسبهم في الايلام والايجاع ، ومع ذلك فيضم اليه نوع آخر زيادة في ١٣١ قوله تعالى ((أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة)) الآية التوبة تعذيبهم . والثاني : أن المراد بقوله ( ولهم عذاب مقيم ) العذاب العاجل الذي لا ينفكون عنه ، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق والخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم ، وما يحذرونه أبدا من أنواع الفضائح . ثم قال ﴿ كالذين من قبلكم ﴾ واعلم أن هذا رجوع من الغيبة الى الخطاب، وهذا الكاف للتشبيه ، وهو يحتمل وجوها : الأول : قال الفراء : فعلتم كأفعال الذين من قبلكم ، والمعنى : أنه تعالى شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات ، ثم إنه تعالى وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالا واولادا ثم استمتعوا مدة بالدنيا ثم هلكوا وبادوا وانقلبوا إلى العقاب الدائم فأنتم مع ضعفكم وقلة خيرات الدنيا عندكم أولى ان تكونوا كذلك . والوجه الثاني ﴾ أنه تعالى شبه المنافقين في عدولهم عن طاعة الله تعالى ، لأجل طلب لذات الدنيا بمن قبلهم من الكفار ، ثم وصفهم تعالى بكثرة الأموال والأولاد وبأنهم استمتعوا بخلاقهم ، والخلاق النصيب ، وهو ما خلق للانسان ، أي قدر له من خير ، كما قيل له : قسم لأنها قسم ونصيب ، لأنه نصب أي ثبت ، فذكر تعالى أنهم استمتعوا بخلاقهم فأنتم أيها المنافقون استمتعتم بخلافكم كما استمتع أولئك بخلافهم . فان قيل : ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانيا ثم ذكره في حق الأولين ثالثا . قلنا : الفائدة فيه أنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ العاجلة ، فلما قرر تعالى هذا الذم عاد فشبه حال هؤلاء المنافقين بحالهم ، فيكون ذلك نهاية في المبالغة ، ومثاله : أن من أراد أن ينبه بعض الظلمة على قبح ظلمة يقول له : أنت مثل فرعون ، كان يقتل بغير جرم ويعذب من غير موجب ، وأنت تفعل مثل ما فعله ، وبالجملة فالتكرير ههنا للتأكيد ، ولما بين تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك المتقدمين في طلب الدنيا ، وفي الاعراض عن طلب الآخرة ، بين حصول المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء وفي المكر والخديعة والغدر بهم . فقال ( وخضتم كالذي خاضوا ) قال الفراء : يريد كخوضهم الذي خاضوا ، ف ( الذي ) صفة مصدر محذوف دل عليه الفعل . ١٣٢ قوله تعالى ((ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم)) سورة التوبة أَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَدٍ وَتَمُودَ وَقَوْمِ إِرَهِيمَ وَأْخَبِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِ أَتَنْهُمْ رُسُلُهُمْ بِلْبَيِّنَتِّ ◌َا كَانَ اللهُلِيَظْلِهُمْ وَلَنْكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ ثم قال تعالى ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أي بطلت حسناتهم في الدنيا بسبب الموت والفقر والانتقال من العز الى الذل ومن القوة إلى الضعف، وفي الآخرة بسبب أنهم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب (وأولئك هم الخاسرون ) حيث أتعبوا أنفسهم في الرد على الانبياء والرسل ، فما وجدوا منه إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة ، وإلا حصول العقاب في الدنيا والآخرة ، والمقصود أنه تعالى لما شبه حال هؤلاء المنافقين بأولئك الكفار بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال وإلا الخزي والخسار ، مع أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالا وأولادا منهم ، فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال القبيحة أولى أن يكونوا واقعين في عذاب الدنيا والآخرة ، محرومين من خيرات الدنيا والآخرة . قوله تعالى ﴿ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ اعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم بين أن أولئك الكفار المتقدمين منهم ، فذكر هؤلاء الطوائف الستة ، فأولهم قوم نوح والله أهلكهم بالاغراق ، وثانيهم : عاد والله تعالى أهلكهم بإرسال الريح العقيم عليهم . وثالثهم : ثمود والله أهلكهم بارسال الصيحة والصاعقة . ورابعهم : قوم إبراهيم أهلكهم الله بسلب النعمة النعمة عنهم ، وبما روى في الأخبار أنه تعالى سلط البعوضة على دماغ نمرود ، وخامسهم : قوم شعيب وهم أصحاب مدين ، ويقال : إنهم من ولد مدین ابن إبراهيم ، والله تعالى أهلكهم بعذاب يوم الظلة ، والمؤتفكات قوم لوط أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم سافلها ، وأمطر عليهم الحجارة ، وقال الواحدي ( المؤتفكات ) جمع مؤتفكة ، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب ، وتلك القرى ائتفكت بأهلها ، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها ، يقال أفكه فائتفك أي قلبه فانقلب ، وعلى هذا التفسير فالمؤتفكات صفة القرى ، وقيل ائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير الى الشر ١٣٣ قوله تعالى ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ... )) سورة التوبة وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَ وَيُؤْنُونَ الزَّكَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُوَ أُوْلَئِكَ سَيَرْتُهُمُ اللهُ إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌحَكِيمٌ ﴾ واعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ) وذكر هؤلاء الطوائف الستة وإنما قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة ، بأن سمعوا هذه الأخبار من الخلق ، وتارة لأجل أن بلاد هذه الطوائف، وهي بلاد الشام ، قريبة من بلاد العرب ، وقد بقيت آثارهم مشاهدة ، وقوله ( ألم يأتهم ) وإن كان في صفة الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير ، · أي أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام . ثم قال ﴿ أنتهم رسلهم ) وهو راجع إلى كل هؤلاء الطوائف . ثم قال ﴿ بالبينات ﴾ أي بالمعجزات ولا بد من إضمار في الكلام ، والتقدير : فكذبوا فعجل الله هلاكهم . ثم قال ﴿ فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ والمعنى: أن العذاب الذي أوصله الله اليهم ما كان ظلما من الله لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم، بل كانوا قد ظلموا أنفسهم، قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى لا يصح منه فعل الظلم وإلا لما حسن التمدح به، وذلك دل على أنه لا يظلم البتة، وذلك يدل على أنه تعالى لا يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه، ودل على أن فاعل الظلم هو العبد، وهو قوله (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) وهذا الكلام قد مر ذكره في هذا الكتاب مرارا خارجة عن الاحصاء . قوله تعالى ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمر ون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾ اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة ، ثم ذكر ١٣٤ قوله تعالى ((إن الله عزيز حكيم )) سورة التوبة عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة ، ذكر بعده في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر ، على ضد صفات المنافقين ، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد الله لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم ، فأما صفات المؤمنين فهي قوله ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) فان قيل : ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين و( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) وههنا قال في صفة المؤمنين ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) فلم ذكر في المنافقين لفظ ( من ) وفي المؤمنين لفظ( أولياء ) ؟ قلنا : قوله في صفة المنافقين ( بعضهم من بعض ) يدل على أن نفاق الاتباع ، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف، والأمر في نفسه كذلك ، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر ، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة ، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فانما حصلت لا بسبب الميل والعادة ، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية ، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين ( بعضهم من بعض ) وقال في المؤمنين ( بعضهم أولياء بعض ) واعلم أن الولاية ضد العداوة ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ الولاية القرب ، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة ، ولفظة العداوة مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه . واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال ( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله) فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق ، فالمنافق على ما وصفه الله تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر ، وينهي عن المعروف، والمؤمن بالضد منه . والمنافق لا يقوم الى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه . والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال ( ويقبضون أيديهم ) والمؤمنون يؤتون الزكاة ، والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فانه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك ، والمؤمنون بالضد منهم . وهو المراد في هذه الآية بقوله ( ويطيعون الله ورسوله) ثم لما ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة ، فلذلك قال ( أولئك سيرحمهم الله) وذكر حرف السين في قوله ( سيرحمهم الله) للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يوما ، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ونظيره ( سيجعل لهم الرحمن ). ( لسوف يعطيك ربك فترضى). (سوف يؤتيهم أجورهم) ٠٠ ١٣٥ قوله تعالى ((وعد الله المؤمنين والمؤمنات )) سورة التوبة وَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَّ ◌َِّبَةً فِى جَنَّتِ عَدٍّ وَرِضْوَنٌ مِنَ اللَّهِأَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ثم قال ﴿ إن الله عزيز حكيم) وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة ، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب . قوله تعالى ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد في الآية الأولى على سبيل الاجمال ذكره في هذه الاية على سبيل التفصيل ، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة ، ثم بين في هذه الآية أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء . فأولها قوله ( جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) والأقرب أن يقال إنه تعالى أراد بها البساتين التي يتناولها المناظر لأنه تعالى قال بعده ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، فتكون مساكنهم في جنات عدن ، ومناظرهم الجنات التي هي البساتين ، فتكون فائدة وصفها بأنها عدن ، أنها تجري مجرى الدار التي يسكنها الانسان . وأما الجنات الآخرة فهي جارية مجرى البساتين التي قد يذهب الإنسان اليها لاجل التنزه وملاقاة الأحباب . وثانيها : قوله ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) قد كثر كلام أصحاب الآثار في صفة جنات عدن . قال الحسن : سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن قوله ( ومساكن طيبة) فقالا: على الخبير سقطتَّ، سألنا الرسول وَّر عن ذلك، فقالِ وَّ ((هو قصر في الجنة من اللؤلؤ ، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء ، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء ، في كل بيت سبعون سريرا ، على كل سرير سبعون فراشاً ، على كل فراش زوجة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة ، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام ، وفي كل بيت سبعون وصيفة ، يعطي المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع)) وعن ابن عباس أنها دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر. وأقول لعل ابن عباس قال : إنها دار المقربين عند الله فانه كان أعلم بالله من أن يثبت له دارا ، وعن أبي هريرة رضى الله عنه قلت يا رسول الله حدثني عن الجنة ما بناؤها فقال «لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك ١٣٦ قوله تعالى ((وعد الله المؤمنين والمؤمنات)) سورة التوبة الأذفر وترابها الزعفران وحصاؤها الدر والياقوت ، فيها النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه )) وقال ابن مسعود : جنات عدن بطنان الجنة ، قال الأزهري : بطنانها وسطها ، وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها ماء السيل واحدها بطن ، وقال عطاء عن ابن عباس : هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى ، وسائر الجنات حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأذفر . وقال عبد الله بن عمرو : إن في الجنة قصرا يقال له عدن ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حرة ، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ، وأقول حاصل الكلام إن في جنات عدن قولان : أحدهما : أنه اسم علم لموضع معين في الجنة ، وهذه الأخبار والآثار التي نقلناها تقوى هذا القول . قال صاحب الكشاف: وعدن علم بدليل قوله ( جنات عدن التي وعد الرحمن ) ﴿ والقول الثاني) أنه صفة للجنة قال الأزهري : العدن مأخوذ من قولك عدن فلان بالمكان إذا أقام به ، يعدن عدونا . والعرب تقول : تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا ، وهو أن تلزم الابل المكان فتألفه ولا تبرحه ، ومنه المعدن وهو المكان الذي تخلق الجواهر فيه ومنبعها منه . والقائلون بهذا الاشتقاق قالوا : الجنات كلها جنات عدن . ﴿والنوع الثالث ﴾ من المواعيد التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله ( ورضوان من الله أكبر ) والمعنى أن رضوان الله أكبر من كل ما سلف ذكره ، واعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف وأعلى من السعادات الجسمانية ، وذلك لأنه إما أن يكون الابتهاج بكون مولاه راضيا عنه ، وأن يتوسل بذلك الرضا إلى شيء من اللذات الجسمانية أو ليس الأمر كذلك ، بل علمه لكونه راضيا عنه يوجب الابتهاج والسعادة لذاته من غير أن يتوسل به الى مطلوب آخر ، والأول باطل . لأن ما كان وسيلة الى الشيء لا يكون أعلى حالا من ذلك المقصود ، فلو كان المقصود من رضوان الله أن يتوسل به الى اللذات التي أعدها الله في الجنة من الأكل والشرب وقد ذكرنا أن الابتهاج بالوسيلة لا بد وأن يكون أقل حالا من الابتهاج بالمقصود . فوجب أن يكون رضوان الله أقل حالا وأدون مرتبة من الفوز بالجنات والمساكن الطيبة . لكن الأمر ليس كذلك ، لأنه تعالى نص على أن الفوز بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر ، وذلك دليل قاطع على أن السعادات الروحانية أكمل وأشرف من السعادات الجسمانية . واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الاقرار بهما معاً كما جمع الله بينهما في هذه ١٣٧ قوله تعالى (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)) سورة التوبة يَأْيُهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمُ وَبِثْسَ اَلْمَصِيرُ( الاية . ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة قال ( ذلك هو الفوز العظيم ) وفيه وجهان : الأول : أن الإنسان مخلوق من جوهرين ، لطيف علوي روحاني ، وكثيف سفلي جسماني وانضم اليهما حصول سعادة وشقاوة ، فاذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم اليها حصول السعادات الروحانية كانت الروح فائزة بالسعادات اللائقة بها ، والجسد واصلا الى السعادات اللائقة به ، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم . الثاني : أنه تعالى بين وصفه المنافقين أنهم تشبهوا بالكفار الذين كانوا قبلهم في التنعم بالدنيا وطيباتها . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية وصف ثواب المؤمنين، ثم قال (ذلك هو الفوز العظيم) والمعنى : أن هذا هو الفوز العظيم، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا . وروي انه تعالى يقول لأهل الجنة ((هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول أما أعطيكم أفضل من ذلك ، قالوا وأي شيء أفضل من ذلك . قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا )) واعلم أن دلالة هذا الحديث على أن السعادات الروحانية أفضل من الجسمانية كدلالة الآية ، وقد تقدم تقريره على الوجه الكامل . قوله تعالى ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ واعلم أنا ذكرنا أنه تعالى لما وصف المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع العقاب ، وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد ، لا جرم ذكر عقيبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطاهرة الطيبة ، ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجات العالية ، ثم عاد مرة أخرى الى شرح أحوال الكفار والمنافقين في هذه الآية فقال ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) وفي الآية سؤال ، وهو أن الآية تدل على وجوب مجاهدة المنافقين وذلك غير جائز ، فان المنافق هو الذي يستر كفره وينكره بلسانه . ومتى كان الأمر كذلك لم يجز محاربته ومجاهدته . واعلم أن الناس ذكروا أقوالا بسبب هذا الاشكال . ١٣٨ قوله تعالى ((يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)) سورة التوبة يَحْلِفُونَ بِلِّ مَاقَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَدِهِمْ وَهُمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّا أَنْ أَغْنَنُهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ومِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًّا لَهُمْ وَ إِن يَوَّوْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَالَهُمْ فِ الْأَرْضِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ ټ فالقول الأول ﴾ أنه الجهاد مع الكفار وتغليظ القول مع المنافقين وهو قول الضحاك . وهذا بعيد لأن ظاهر قوله ( جاهد الكفار والمنافقين ) يقتضي الأمر بجهادهما معا ، وكذا ظاهر قوله ( واغلظ عليهم ) راجع الى الفريقين . ﴿القول الثاني) أنه تعالى لما بين للرسول و يقر بأن يحكم بالظاهر، قال عليه السلام ((نحن نحكم بالظاهر)) والقوم كانوا يُظهرون الاسلام وينكرون الكفر ، فكانت المحاربة معهم غير جائزة )). والقول الثالث ﴾ وهو الصحيح ان الجهاد عبارة عن بذل الجهد ، وليس في اللفظ ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر فنقول : أن الآية تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين ، فأما كيفية تلك المجاهدة فلفظ الآية لا يدل عليها ، بل إنما يعرف من دليل آخر . وإذا ثبت هذا فنقول : دلت الدلائل المنفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب ان تكون بالسيف ، ومع المنافقين باظهار الحجة تارة ، وبترك الرفق ثانيا ، وبالانتهار ثالثا . قال عبد الله في قوله ﴿ جاهد الكفار والمنافقين﴾ قال تارة باليد، وتارة باللسان، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه ، فمن لم يستطع فبالقلب ، وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها . قال القاضي : وهذا ليس بشيء ، لأن إقامة الحد واجبة على من ليس بمنافق ، فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق ، ثم قال : وإنما قال الحسن ذلك ، لأحد أمرين ، إما لأن كل فاسق منافق ، وإما لأجل أن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن الرسول عليه السلام كانوا منافقين . قوله تعالى ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ومالهم في الأرض من ولى ولا نصير﴾ ١٣٩ قوله تعالى (( وكفروا بعد إسلامهم )) سورة التوبة اعلم أن هذه الآية تدل على أن أقواما من المنافقين ، قالوا كلمات فاسدة ، ثم لما قيل لهم إنكم ذكرتم هذه الكلمات خافوا ، وحلفوا أنهم ما قالوا ، والمفسرون ذكروا في أسباب النزول وجوها: الأول: روى أن النبي ◌ّ( أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ، ويعيب المنافقين المتخلفين . فقال الجلاس بن سويد : والله لئن كان ما يقوله محمد في إخواننا الذين خلفناهم في المدينة حقا مع انهم اشرافنا ، فنحن شر من الحمير ، فقال عامر ابن قيس الأنصاري للجلاس : أجل والله إن محمدا صادق ، وأنت شرمن الحمار. وبلغ ذلك الى رسول اللّه ◌َليه، فاستحضر الجلاس ، فحلف بالله أنه ما قال ، فرفع عامر يده وقال : اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب ، فنزلت هذه الآية . فقال الجلاس : لقد ذكر الله التوبة في هذه الآية ، ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر ، فتاب الجلاس ، وحسنت توبته . الثاني : روى أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذل، وأراد به الرسول صلّر. فسمع زيد بن أرقم ذلك وبلغه الى الرسول ، فهمَّ عمر بقتل عبد الله بن أبي ، فجاء عبد الله وحلف أنه لم يقل ، فنزلت هذه الآية . الثالث : روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار ، فظهر الغفاري على الجهينى ، فنادى عبد الله بن أبي : يا بني الأوس انصروا أخاكم ، والله مامثلنا ومثل محمد إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك . فذكروه للرسول عليه السلام ، فانكر عبد الله، وجعل يحلف . قال القاضي : يبعد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع وذلك لأن قوله ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) إلى آخر الآية كلها صيغ الجموع، وحمل صيغة الجمع على الواحد ، خلاف الأصل فان قيل : لعل ذلك الواحد قال في محفل ورضي به الباقون . قلنا : هذا أيضا خلاف الظاهر لأن إسناد القول إلى من سمعه ورضي به خلاف الأصل ، ثم قال : بل الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روى : أن المنافقين هموا بقتله عند رجوعه من تبوك وهم خمسة عشر تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل ، وكان عمار بن ياسر آخذا بالخطام على راحلته وحذيفة خلفها يسوقها ، فسمع حذيفة وقع أخفاف الابل وقعقعة السلاح ، فالتفت ، فاذا قوم متلثمون . فقال : اليكم اليكم يا أعداء الله، فهربوا . والظاهر أنهم لما اجتمعوا لذلك الغرض ، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه الى الكذب والتصنع في ادعاء الرسالة ، وذلك هو قول كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج . فأما قوله ﴿ وكفر وا بعد إسلامهم ﴾ فلقائل أن يقول: إنهم أسلموا ، فكيف يليق بهم هذا الكلام ؟ ١٤٠ قوله تعالى (( وكفروا بعد اسلامهم)) سورة التوبة والجواب من وجهين : الأول : المراد من الاسلام السلم الذي هو نقيض الحرب ، لأنهم لما نافقوا ، فقد أظهروا الاسلام ، وجنحوا اليه . فاذا جاهروا بالحرب ، وجب حربهم ، والثاني : أنهم أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الاسلام . وأما قوله ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ المراد إطباقهم على الفتك بالرسول، والله تعالى أخبر الرسول عليه السلام بذلك حتى احترز عنهم ، ولم يصلوا إلى مقصودهم . وأما قوله ﴿ وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ﴾ ففيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ أن في هذا الفضل وجهين: الأول: أن هؤلاء المنافقين كانوا قبل قدوم النبي ◌ّير المدينة في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة، وذلك يوجب عليهم ان يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله. والثاني: روى انه قتل للجلاس مولى، فأمر رسول الله * بديته اثني عشر ألفا فاستغنى. ﴿ البحث الثاني﴾ ان قوله ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله﴾ تنبيه على أنه ليس هناك شيء ينقمون منه ، وهذا كقول الشاعر : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحملون إن غضبوا وكقول النابغة : ولا عیب غیر أن سیوفھم بهن فلول من قراع الكتائب أي ليس فيهم عيب ، ثم قال تعالى ﴿ فان يتوبوا يك خيرا لهم ﴾ والمراد استعطاف قلوبهم بعد ما صدرت الجناية العظيمة عنهم ، وليس في الظاهر إلا أنهم إن تابوا فازوا بالخير ، فأما أنهم تابوا فليس في الآية ، وقد ذكرنا ما قالوه في توبة الجلاس . ثم قال ﴿ وإن يتولوا﴾ أي عن التوبة ﴿يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ﴾ أما عذاب الآخرة فمعلوم . وأما العذاب في الدنيا ، فقيل : المراد به أنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل اهل الحرب ، فيحل قتالهم وقتلهم وسبى أولادهم وأزواجهم واغتنام أموالهم . وقيل بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب . وقيل : المراد عذاب القبر ﴿ ومالهم في الارض من ولى ولا نصير﴾ يعني أن عذاب الله إذا حق لم ينفعه ولي ولا نصير.