النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ قوله تعالى (( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله )) سورة التوبة وثالثا : أن يقولوا لواهب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه . وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه . قال أهل المعاني : هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه الى الجور في القسمة ، مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل الى الدنيا . قال الضحاك: كان رسول الله لا يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره ، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه . وأما المنافقون : فان أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا ، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين . وقيل : إن النبي لو كان يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم ، فسخط المنافقون . وقوله ( إذا هم يسخطون ) كلمة ( إذا ) للمفاجأة ، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط . ثم قال ﴿ولو أنهم رضوا﴾ الآية والمعنى: ولو أنهم رضوا بما أعطاهم رسول الله يَثيل من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قلّ ، وقالوا : كفانا ذلك وسيرزقنا الله غنيمة أخرى ، فيعطينا رسول الله وسلّ أكثر مما أعطانا اليوم، إنا إلى طاعة الله وإفضاله وإحسانه الراغبون. واعلم أن جواب ((لو)) محذوف، والتقدير: لكان خيراً لهم وأعود عليهم ، وذلك لأنه غلب عليهم النفاق ولم يحضر الايمان في قلوبهم ، فيتوكلوا على الله حق توكله ، وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل ، وهو كقولك للرجل : لو جئتنا ، ثم لا تذكر الجواب ، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمرا عظيما . ﴿المسألة الثانية﴾ الآية تدل على أن من طلب الدنيا آل أمره في الدين إلى النفاق. وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن الله فيه، وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق، والأصل في هذا الباب أن يكون راضيا بقضاء الله، ألا ترى أنه قال (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون) فذكر فيه مراتب أربعة : ﴿ المرتبة الأولى ﴾ الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمه بأنه تعالی حکیم منزه عن العبث. والخطأ ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور ، وكل ما کان حكما له وقضاء كان حقا وصوابا لا اعتراض عليه . والمرتبة الثانية ) أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم ، وهو قوله ( وقالوا حسبنا الله ) يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم الله وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية ، فحسبنا الله . ١٠٢ قوله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة ◌َِا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَلِكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُهُمْ وَفِ الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ـ والمرتبة الثالثة) وهي أن الانسان إذا لم يبلغ تلك الدرجة العالية التي عندها يقول ( حسبنا الله) نزل منها الى مرتبة أخرى وهي أن يقول ( سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير ، وإما في الآخرة وهي أولى وأفضل . والمرتبة الرابعة ﴾ أن يقول (إنا إلى الله راغبون) فنحن لا نطلب من الايمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا ، وإنما المراد إما اكتساب سعادات الآخرة ، وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فانه قال ( إنا إلى الله راغبون) ولم يقل : انا الى ثواب الله راغبون. ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي يحملكم عليه ؟ قالوا الخوف من عقاب الله، فقال أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون الله ، فقال : ما الذي يحملكم عليه ، فقالوا : الرغبة في الثواب ، فقال أصبتم ، ثم مر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا : لا نذكره للخوف من العقاب ، ولا للرغبة في الثواب ، بل لاظهار ذلة العبودية، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته. فقال: أنتم المحقون المحققون. قوله تعالى ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول ◌َ له في الصدقات، بين لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء ، ولا تعلق لي بها ، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها ، فلم يبق لهم طعن في الرسول بسبب أخذ الصدقات . وههنا مقامات . ﴿ المقام الأول﴾ بيان الحكمة في أخذ القليل من أموال الأغنياء، وصرفها إلى المحتاجين من الناس. والمقام الثاني ﴾ بيان حال هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في هذه الآية . أما المقام الأول ﴾ فنقول : الحكمة في إيجاب الزكاة أمور ، بعضها مصالح عائدة إلى ١٠٣ قوله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة معطي الزكاة ، وبعضها عائدة إلى آخذ الزكاة . س ﴿ أما القسم الأول﴾ فهو أمور: الأول : أن المال محبوب بالطبع، والسبب فيه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها ، ولعينها لا لغيرها لأنه لا يمكن أن يقال : إن كل شيء فهو محبوب لمعنى آخر وإلا لزم ، إما التسلسل وإما الدور ، وهما محالان ، فوجب الانتهاء في الأشياء المحبوبة إلى ما يكون محبوباً لذاته . والكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته فلما كانت القدرة صفة الكمال ، وصفة الكمال محبوبة لذاتها ، كانت القدرة محبوبة لذاتها . والمال سبب لحصول تلك القدرة ، ولكما لها في حق البشر فكان أقوى أسباب القدرة في حق البشرهو المال ، والذي يتوقف عليه المحبوب فهو محبوب ، فكان المال محبوباً ، فهذا هو السبب في كونه محبوباً إلا أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال باخراج طائفة منه من يده ، ليصير ذلك الاخراج كسراً من شدة الميل إلى المال ، ومنعاً من انصراف النفس بالكلية اليها وتنبها لها على أن سعادة الانسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال وإنما تحصل بانفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى فايجاب الزكاة علاج صالح متعين لازالة مرض حب الدنيا عن القلب ، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة . وهو المراد من قوله ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا . ﴿ والوجه الثاني) وهو أن كثرة المال ، توجب شدة القوة وكمال القدرة، وتزايد المال يوجب تزايد القدرة ، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك القدرة ، وتزايد تلك اللذات ، يدعو الانسان إلى أن يسعى في تحصيل المال الذي صار سبباً لحصول هذه اللذات المتزايدة ، وبهذا الطريق تصير المسألة مسألة الدور ، لأنه إذا بالغ في السعي ازداد المال وذلك يوجب ازدياد القدرة ، وهو يوجب ازدياد اللذة وهو يحمل الانسان على أن يزيد في طلب المال ، ولما صارت المسألة مسألة الدور ، لم يظهر لها مقطع ولا آخر ، فأثبت الشرع لها مقطعاً آخراً وهو أنه أوجب على صاحبه صرف طائفة من تلك الأموال إلى الانفاق في طلب مرضاة الله تعالى ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه . والوجه الثالث ﴾ أن كثرة المال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب ، وسببه ما ذكرنا من أن كثرة المال سبب لحصول القدرة ، والقدرة محبوبة لذاتها ، والعاشق إذا وصل لمعشوقه استغرق فيه ، فالانسان يصير غرقا في طلب المال ، فان عرض له مانع يمنعه عن طلبه استعان بماله وقدرته على دفع ذلك المانع ، وهذا هو المراد بالطغيان ، واليه الاشارة بقوله سبحانه وتعالى ( إن الانسان ليطغي أن رآه استغنى ) فايجاب الزكاة يقلل الطغيان ، ويرد ١٠٤ قوله تعالى ((انما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة القلب إلى طلب رضوان الرحمن . والوجه الرابع ﴾ أن النفس الناطقة لها قوتان، نظرية وعملية، فالقوة النظرية كما لما في التعظيم لأمر الله ، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله ، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتصافه بكونه محسنا إلى الخلق ساعيا في إيصال الخيرات اليهم دافعا الآفات عنهم، ولهذا السرقال عليه الصلاة والسلام ((تخلقوا بأخلاق الله)) ﴿والوجه الخامس﴾ أن الخلق إذا علموا في الانسان كونه ساعيا في إيصال الخيرات اليهم ، وفي دفع الافات عنهم أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم اليه لا محالة ، على ما قاله عليه الصلاة والسلام ((جبلت القلوب على حب من أحسن اليه وبغض من أساء اليها )) فالفقراء إذا علموا أن الرجل الغني يصرف اليهم طائفة من ماله ، وأنه كلما كان ماله أكثر كان الذي يصرفه اليهم من ذلك المال أكثر ، أمدوه بالدعاء والهمة ، وللقلوب آثار وللارواح حرارة . فصارت تلك الدعوات سببا لبقاء ذلك الانسان في الخير والخصب ، واليه الاشارة بقوله تعالى ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وبقوله عليه الصلاة والسلام (( حصنوا أموالكم بالزكاة )) ﴿ والوجه السادس ﴾ أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء ، فان الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج اليه ، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن غيره ، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام ، ولذلك فان الاستغناء عن الشيء صفة الحق ، والاستغناء بالشيء صفة الخلق ، فالله سبحانه لما أعطى بعض عبيده أموالا كثيرة فقد رزقه نصيبا وافرا من باب الاستغناء بالشيء . فاذا امره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء إلى المقام الذي هو أعلى منه ، وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء . ﴿ والوجه السابع ﴾ أن المال سمى مالا لكثرة ميل كل أحد اليه ، فهو غاد ورائح، وهو سريع الزوال مشرف على التفرق ، فما دام يبقى في يده كان كالمشرف على الهلاك والتفرق . فاذا أنفقه الانسان في وجهة البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يمكن زواله ، فانه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة، وسمعت واحداً يقول: الانسان لا يقدر أن يذهب بذهبه إلى القبر ، فقلت بل يمكنه ذلك فانه إذا أنفقه في طلب الرضوان الأكبر فقد ذهب به إلى القبر وإلى القيامة . والوجه الثامن ﴾ وهو أن بذل المال تشبه بالملائكة والأنبياء ، وامساكه تشبه بالبخلاء المذمومين ، فكان البذل أولى . والوجه التاسع ﴾ أن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق سبحانه وتعالى ، والسعي ١٠٥ قوله تعالى ((انما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة في تحصيل هذه الصفة بقدر القدرة تخلق بأخلاق الله وذلك منتهى كمالات الانسانية . ﴿ والوجه العاشر﴾ أن الإنسان ليس له إلا ثلاثة أشياء: الروح والبدن والمال. فاذا أمر بالايمان فقد صار جوهر الروح مستغرقا في هذا التكليف . ولما أمر بالصلاة فقد صار اللسان مستغرقا بالذكر والقراءة ، والبدن مستغرقا في تلك الأعمال ، بقي المال ؛ فلو لم يصر المال مصروفا الى أوجه البر والخير لزم أن يكون شح الانسان بماله فوق شحه بروحه وبدنه ، وذلك جهل ، لأن مراتب السعادات ثلاثة : أولها : السعادات الروحانية . وثانيها : السعادات البدنية وهي المرتبة الوسطى . وثالثها : السعادات الخارجية وهي المال والجاه . فهذه المراتب تجري مجرى خادم السعادات النفسانية ، فاذا صار الروح مبذولا في مقام العبودية ، ثم حصل الشح ببذل المال لزم جعل الخادم في مرتبة أعلى من المخدوم الأصلي ، وذلك جهل . فثبت أنه يجب على العاقل أيضا بذل المال في طلب مرضاة الله تعالى. والوجه الحادي عشر ﴾ أن العلماء قالوا: شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم ، والزكاة شكر النعمة ، فوجب القول بوجوبها لما ثبت أن شكر المنعم واجب . والوجه الثاني عشر ﴾ أن إيجاب الزكاة يوجب حصول الألف بالمودة بين المسلمين ، وزوال الحقد والحسد عنهم ، وكل ذلك من المهمات ، فهذه وجوه معتبرة في بيان الحكمة الناشئة من إيجاب الزكاة العائدة إلى معطى الزكاة ، فأما المصالح العائدة من إيجاب الزكاة الى من يأخذ الزكاة فهي كثيرة ، الأول : أن الله تعالى خلق الأموال ، وليس المطلوب منها أعيانها وذواتها . فان الذهب والفضة لا يمكن الانتفاع بهما في أعيانهما إلا في الأمر القليل ، بل المقصود من خلقهما أن يتوسل بهما إلى تحصيل المنافع ودفع المفاسد ، فالانسان إذا حصل له من المال بقدر حاجته كان هو أولى بامساكه لأنه يشاركه سائر المحتاجين في صفة الحاجة ، وهو ممتاز عنهم بكونه ساعياً في تحصيل ذلك المال ، فكان اختصاصه بذلك المال أولى من اختصاص غيره ، وأما إذا فضل المال على قدر الحاجة، وحضر انسان آخر محتاج، فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال. أما في حق المالك، فهو أنه سعى في اكتسابه وتحصيله، وأيضا شدة تعلق قلبه به، فان ذلك التعلق أيضاً نوع من أنواع الحاجة. وأما في حق الفقير ، فاحتياجه إلى ذلك المال يوجب تعلقه به، فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت الحكمة الالهية رعاية كل واحد من هذين السببين بقدر الامكان. فيقال حصل للمالك حق الاكتساب وحق تعلق قلبه به، وحصل للفقير حق الاحتياج، فرجحنا جانب المالك، وأبقينا عليه الكثير وصرفنا إلى الفقير يسيرا منه توفيقاً بين الدلائل بقدر الامكان. الثاني: أن المال الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الانسان في بيته بقي معطلا عن المقصود الذي لأجله خلق المال، ١٠٦ قوله تعالى ((انما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة مے وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا تصير تلك الحكمة معطلة بالكلية. الثالث : أن الفقراء عيال الله لقوله تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) والأغنياء خزان الله لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله، ولولا أن الله تعالى ألقاها في أيديهم والا لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقلٍ ذكي يسعى أشد السعي، ولا يملك ملء بطنه طعاما، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفواً صفواً. إذا ثبت هذا فليس يستبعد أن يقول الملك لخازنه : اصرف طائفة مما في تلك الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي . ﴿ الوجه الرابع﴾ أن يقال: المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج اليه، وأهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكلية ؛ لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم ، فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال الى الفقير . ﴿ الوجه الخامس﴾ أن الشرع لما أبقى في يد المالك أكثر ذلك المال وصرف إلى الفقير منه جزءً قليلا ، تمكن المالك من جبر ذلك النقصان بسبب أن يتجر بما بقي في يده من ذلك المال ويربح ويزول ذلك النقصان . أما الفقير ليس له شيء أصلا ، فلو لم يصرف اليه طائفة من أموال الأغنياء لبقى معطلا وليس له ما يجبره ، فكان ذلك أولى . ﴿ الوجه السادس﴾ أن الأغنياء لو لم يقوموا باصلاح مهمات الفقراء فربما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين ، أو على الاقدام على الافعال المنكرة كالسرقة وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة فوجب القول بوجوبها . ﴿ الوجه السابع﴾ قال عليه الصلاة والسلام ((الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر)) والمال محبوب بالطبع ، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر ، وكأنه قيل : أيها الغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين ، فأخرج من يدك نصيبا منه حتى تصبر على فقدان ذلك المقدار فتصير بسببه من الصابرين ، وأيها الفقير ما أعطيتك الاموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ، ولكني أوجب على الغني أن يصرف اليك طائفة من ذلك المال حتى إذا دخل ذلك المقدار في ملكك شكرتني ، فصرت من الشاكرين ، فكان إيجاب الزكاة سببا في جعل جميع المكلفين موصوفين بصفة الصبر والشكر معا. ﴿ الوجه الثامن﴾ كأنه سبحانه يقول للفقير إن كنت قد منعتك الأموال الكثيرة ، ولكني جعلت نفسي مديوناً من قبلك ، وإن كنت قد أعطيت الغني أموالا كثيرة لكني كلفته أن يعدوا خلفك ، وأن يتضرع اليك حتى تأخذ ذلك القدر منه ، فتكون كالمنعم عليه بأن خلصته من النار . ١٠٧ قوله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين )) سورة التوبة فان قال الغني : قد أنعمت عليك بهذا الدينار ، فقل أيها الفقير: بل أنا المنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار ، وفي الآخرة من عذاب النار ، فهذه جملة من الوجوه في حكمة إيجاب الزكاة بعضها يقينية ، وبعضها اقناعية، والعالم بأسرار حكم الله وحكمته لیس إلا الله . والله أعلم . ﴿ المقام الثاني ﴾ في تفسير هذه الآية . وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قوله ( إنما الصدقات للفقراء) الآية تدل على أنه لا حق في الصدقات لأحد الا لهذه الأصناف الثمانية ، وذلك مجمع عليه ، وأيضا فلفظة ( إنما ) تفيد الحصر وتدل عليه وجوه: الأول: أن كلمة ( إنما) مركبة من ((ان)) و((ما)) وكلمة إن للاثبات وكلمة ما للنفي ، فعند اجتماعهما وجب بقاؤهما على هذا المفهوم ، فوجب أن يفيدا ثبوت المذكور ، وعدم ما يغايره ، الثاني : أن ابن عباس تمسك في نفي ربا الفضل بقوله عليه الصلاة والسلام ((إنما الربا في النسيئة)) ولولا أن هذا اللفظ يفيد الحصر، والا لما كان الأمر كذلك ، وأيضا تمسك بعض الصحابة في أن الاكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عليه الصلاة والسلام ((انما الماء من الماء)) ولولا أن هذه الكلمة تفيد الحصر والا لما كان كذلك. وقال تعالى ( إنما الله إله واحد ) والمقصود بيان نفي الالهية للغير والثالث: الشعر. قال الأعشى : وإنما العزة للكاثر ولست بالأکثر منھم حصی وقال الفرزدق : أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فثبت بهذه الوجوه أن كلمة ( إنما) للحصر، ومما يدل على أن الصدقات لا تصرف إلا لهذه الاصناف الثمانية أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل ((إن كنت من الاصناف الثمانية فلك فيها حق وإلا فهو صداع في الرأس، وداء في البطن)) وقال (( لا تحل الصدقة لغني ولا لذى مرة سوی )) ﴿ المسألة الثانية) اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم يلمزون الرسول عليه السلام في أخذ الصدقات ، بين تعالى أنه إنما يأخذها لهؤلاء الأصناف الثمانية ، ولا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه ومتصليه ، قد بينا أن أخذ القليل من مال الغني ليصرف الى الفقير في دفع حاجته هو الحكمة المعينة ، والمصلحة اللازمة ، وإذا كان الأمر كذلك كان همز المنافقين ولمزهم عين السفه والجهالة ، فكان عليه الصلاة السلام يقول (( ما أوتيكم شيئاً ولا أمنعكم ، انما أنا ١٠٨ قوله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة خازن أضع حيث أمرت )) ﴿ المسألة الثالثة﴾ مذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجوز صرف الصدقة الى بعض هؤلاء الأصناف فقط ، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وأبي العالية والنخعى ، وعن سعيد بن جبير لو نظرت الى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فحبوتهم بها كان أحب إلى ، وقال الشافعي رحمه الله : لا بد من صرفها الى الأصناف الثمانية ، وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز واحتج بأنه تعالى ذكر هذه القسمة في نص الكتاب . ثم أكدها بقوله ( فريضة من الله ) قال ولا بد في كل صنف من ثلاثة ، لأن أقل الجمع ثلاثة ، فان دفع سهم الفقراء الى فقيرين ضمن نصيب الثالث وهو ثلث سهم الفقراء . قال ولا بد من التسويه في أنصباء هذه الأصناف الثمانية ، مثل أنك إن وجدت خمسة أصناف ولزمك أن تتصدق بعشرة دراهم ، جعلت العشرة خمسة أسهم كل سهم درهمان ، ولا يجوز التفاضل ، ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين وأقل عددهم ثلاثة ، ولا يلزمك التسوية بينهم ، فلك أن تعطي فقيرا درهما وفقيرا خمسة أسداس درهم وفقيرا سدس درهم ، هذه صفة قسمة الصدقات على مذهب الشافعي رحمه الله . قال المصنف الداعي إلى الله رضى الله عنه: الآية لا دلالة فيها على قول الشافعي رحمه الله ، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف الثمانية ، وذلك لا يقتضي في صدقة زيد بعينه أن تكون لجملة هؤلاء الثمانية . والدليل عليه العقل والنقل . أما النقل : فقوله تعالى ( واعلموا أنماغنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) الآية ، فأثبت خمس الغنيمة لهؤلاء الطوائف الخمس ، ثم لم يقل أحد إن كل شيء يغنم بعينه فانه يجب تفرقته على هذه الطوائف ، بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف، فأما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعا على كل هؤلاء فلا ، فكذا ههنا مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية . فاما أن يقال : إن صدقه زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الاصناف الثمانية ، فاللفظ لا يدل عليه البتة . وأما العقل : فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء ذلك المجموع ، ولا يلزم أن لا يبقى فرق بين الكل وبين الجزء . فثبت بما ذكرنا أن لفظ الآية لا دلالة فيه على ما ذكره ، والذي يدل على صحة قولنا وجوه : الأول : أن الرجل الذي لا يملك الا عشرين دينارا لما وجب عليه اخراج نصف دينار ، فلو كلفناه أن نجعله على أربعة وعشرين قسما لصار كل واحد من تلك الأقسام حقيرا صغيرا غير منتفع به في مهم معتبر . الثاني : أن هذا التوقيف لو كان معتبرا لكان أولى الناس برعايته أكابر الصحابة ، ولو كان الأمر كذلك ١٠٩ قوله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة لوصل هذا الخبر الى عمر بن الخطاب والى ابن عباس وحذيفه وسائر الأكابر ، ولو كان كذلك لما خالفوا فيه ، وحيث خالفوا فيه علمنا أنه غير معتبر . الثالث: وهو أن الشافعي رحمه الله له اختلاف رأي في جواز نقل الصدقات، أما لم يقل أحد بوجوب نقل الصدقات، فالانسان اذا كان في بعض القرى ولا يكون هناك مكاتب ولا مجاهد غاز ولا عامل ولا أحد من المؤلفة ، ولا يمر به أحد من الغرباء ، واتفق أنه لم يحضر في تلك القرية من كان مديونا فكيف تكليفه ؟ فان قلنا : وجب عليه أن يسافر بما وجب عليه من الزكاة الى بلد يجد هذه الأصناف فيه ، فذاك قول لم يقل به احد ! واذا أسقطنا عنه ذلك فحينئذ يصح قولنا فهذا ما نقوله في هذا الباب . والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ في تعريف الأصناف الثمانية، فالأول والثاني هم الفقراء والمساكين ، ولا شك أنهم هم المحتاجون الذين لا يفي خراجهم بدخلهم . ثم اختلفوا فقال بعضهم : الذي يكون أشد حاجة هو الفقير ؛ وهو قول الشافعي رحمه اللّه وأصحابه ، وقال آخرون: الذي يكون أشد حاجة هو المسكين ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، ومن الناس من قال: لا فرق بين الفقراء والمساكين، والله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيء واحد وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، واختيار أبي علي الجبائي، وفائدته تظهر في هذه المسألة، وهو أنه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين قالوا لفلان الثلث، والذين قالوا الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف. وقال الجبائي: إنه تعالى ذكرهم باسمين لتوكيد أمرهم في الصدقات لأنهم هم الأصول في الأصناف الثمانية . وأيضا الفائدة فيه أن يصرف اليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم . واعلم أن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات وإنما تظهر في الوصايا ، وهو ان رجلا لو قال : أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين ، وجب دفع المائتين عند الشافعي رحمه الله الى من كان أشد حاجة ، وعند أبي حنيفة رحمه الله الى من كان أقل حاجة ، وفي حجة الشافعى رحمه الله وجوه : ﴿ الوجه الأول﴾ أنه تعالى إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم ، وهذا يدل على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة ، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ألا ترى أنه يقال : أبو بكر وعمر ومن فضل عثمان على علي عليه السلام قال في ذكرهما عثمان وعلي، ومن فضل علياً على عثمان يقول علي وعثمان، وأنشد عمر قول الشاعر : ١١٠ قوله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة كفى الشيب والاسلام للمرء ناهياً فقال هلا قدّم الاسلام على الشيب ؟ فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين . ﴿ الوجه الثاني﴾ قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ من المسكين ، لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل : مطبوخ وطبيخ ، ومجروح وجريح ، فثبت أن الفقير إنما سمى فقيراً لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الاقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد : لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزب قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار ، يضرب مثلا لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور ، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى ( وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ) جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي . الوجه الثالث﴾ ما روى أنه عليه الصلاة والسلام، كان يتعوذ من الفقر، وقال ((كاد الفقر أن يكون كفرا)) ثم قال ((اللهم أحينى مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين)) فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الحديثان ، لأنه تعوذ من الفقر ، ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقص البتة . ﴿ الوجه الرابع﴾ أن كونه مسكيناً، لا ينافي كونه مالكا للمال بدليل قوله تعالى ( أما السفينة فكانت لمساكين ) فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الانسان سمي فقيراً مع أنه يملك شيئا . فان قالوا : الدليل عليه قوله تعالى ( والله الغني وأنتم الفقراء) فوصف الكل ، بالفقر مع أنهم يملكون أشياء . قلنا : هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى ، فان أحداً سوى الله تعالى لا يملك البتة شيئاً بالنسبة إلى الله فصح قولنا . ﴿ الوجه الخامس) قوله تعالى ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة) والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي ألصق بالتراب من شدة الفقر ، فتقيد . ١١١ قوله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) سورة التوبة المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه ( ذا متربة ) وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئاً ، فهذا يدل على أن كونه مسكيناً لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء . الوجه السادس ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئاً ، قال وهم أهل الصفة، صفة مسجد رسول الله ( وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس وجه الاستدلال : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسرابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحداً شيئاً أشد من أحوال من يحتاج، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالا من المسكين . ﴿ الوجه السابع ﴾ أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون ، فالفقير إذا سأل الناس وتضرع اليهم وعلم أنه متى تضرع اليهم أعطوه شيئاً فقد سكن قلبه ، وزال عنه الخوف والقلق ، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم ؛ لأنه إذا أجيب بالرد ومنع سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال ، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير ، ويقال : تمسكن الرجل إذا لان وتواضع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام للمصلي (( تأن وتمسكن)) يريد تواضع وتخشع ، فدل هذا على أن المسكين هو السائل إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال في آية أخرى ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) فلما ثبت بما ذكرناههنا أن المسكين هو السائل ، وجب أن يكون المحروم هو الفقير ، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان ، فثبت أن الفقير أسوأ حالا من المسكين . ﴿الوجه الثامن) أنه عليه الصلاة والسلام قال ((أحيني مسكيناً)) الحديث، والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكيناً ، وهو عليه الصلاة والسلام حين توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكيناً لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء أما الفقير فانه يدل على الحاجة الشديدة لقوله عليه الصلاة والسلام ((كاد الفقر أن يكون كفراً)) فثبت بهذا أن الفقر أشد حالا من المسكنة ﴿ الوجه التاسع ﴾ أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان، كما أن السواد ١١٢ قوله تعالى ((والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم)) سورة التوبة والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا : الترفع والتمسكن ضدان ؛ فمن كان منقاداً لكل أحد خائفاً منهم متحملا لشرهم ساكتاً عن جوابهم متضرعاً اليهم . قالوا : إن فلاناً يظهر الذل والمسكنة ، وقالوا : إنه مسكين عاجز ، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغني ، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكيناً ، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعاً عن التواضع والمسكنة ، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله . ﴿ الوجه العاشر) قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة ((خذها من أغنيائهم، وردها على فقرائهم)) ولو كانت الحاجة في المساكين أشد، لوجب أن يقول : وردها على مساكينهم ، لأن ذكر الأهم أولى ، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين ، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالا من الفقير بوجوه : الأول: احتجوا بقوله تعالى ( أو مسكيناً ذا متربة) وصف المسكين بكونه ذا متربة ، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة ، وأيضاً أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له ، ولا فاقه أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع . الثاني : احتجوا بقول الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سيد سماه فقيراً وله حلوبة . الثالث : قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس . الرابع : نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو ابن العلاء أنهما قالا ؛ الفقير الذي له ما يأكل . والمسكين الذي لا شيء له ، وقال يونس : الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له ، وقلت لأعرابي أفقير أنت ؟ قال : لا والله بل مسكين . والجواب : عن تمسكهم بالآية أنا بينا أن هذه الآية حجة لنا ، فانه لما قيد المسكين المذكور ههنا بكونه ذا متربة دل ذلك على أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة قوله أنه صرف الطعام الواجب في الكفارات اليه ، قلنا : نعم إنه أوجب صرفه إلى المسكين المقيد بقيد كونه ذا متربة ، وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق المسكين . والجواب : عن استدلالهم ببيت الراعي أنه ذكر أن هذا الذي هو الآن موصوف بكونه فقيراً فقد كانت له حلوبة ثم السيد لم يترك شيئا ، فلم لا يجوز أن يقال كانت له حلوبة ثم لما لم يترك له شيء وصف بكونه فقيراً ؟ ١١٣ قوله تعالى ((والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم)) سورة التوبة والجواب : عن قولهم المسکین هو الذي یسکن حیث یحضر لأجل أنه ليس له بيت قلنا : بل المسكين هو الطواف على الناس الذي يكثر إقدامه على السؤال ، وسمي مسكينا إما لسكونه عندما ينتهرونه ويردونه ، وإنما لسكون قلبه بسبب عمله أن الناس لا يضيعونه مع كثرة سؤاله إياهم ، وأما الروايات التي ذكروها عن أبي عمرو ويونس فهذا معارض بقول الشافعي وابن الأنباري رحمهما الله ، وأيضا نقل القفال في تفسيره عن جابر بن عبد الله أنه قال : الفقراء فقراء المهاجرين ، والمساكين الذين لم يهاجروا ، وعن الحسن الفقير الجالس في بيته ، والمسكين الذي يسعى وعن مجاهد الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين الذي يسأل ، وعن الزهري الفقراء هم المتعفغون الذين لا يخرجون ، والمساكين الذين يسألون ، قال مولانا الداعي إلى الله : هذه الأقوال كلها متوافقة على أن الفقير لا يسأل ، والمسكين يسأل ، ومن سأل وجد ، فكان المسكين أسهل وأقل حاجة . الصنف الثالث ) قوله تعالى (والعاملين عليها) وهم السعاة لجباية الصدقة، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، وقول عبد الله بن عمر وابن زيد ، وقال مجاهد والضحاك : يعطون الثمن من الصدقات ، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي رحمه الله يقول هذا أجرة العمل فيتقدر بقدر العمل ، والصحيح أن مولى الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملا على الصدقات ليناله منها ، لأن رسول الله وَئية أبى أن يبعث أبا رافع عاملا على الصدقات ، وقال أما علمت أن مولى القوم منهم . وإنما قال ( والعاملين عليها ) لأن كلمة على تقيد الولاية كما يقال فلان على بلد كذا إذا كان واليا عليه . الصنف الرابع ﴾ قوله تعالى (والمؤلفة قلوبهم ) قال ابن عباس : هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول اللّه ◌َ له يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلا ، أبو سفيان ، والأقرع ابن حابس ، وعيينة بن حصن ، وحويطب بن عبد العزى ، وسهل بن عمرو من بني عامر ، والحرث ابن هشام ، وسهيل بن عمرو الجهني ، وأبو السنابل ، وحكيم بن حزام . ومالك بن عوف ، وصفوان ابن أمية ، وعبد الرحمن بن يربوع ، والجد بن قيس ، وعمر بن مرداس . والعلاء بن الحرث، أعطى رسول الله لو كل رجل منهم مائة من الابل ورغبهم في الاسلام ، إلا عبد الرحمن ابن يربوع أعطاه خمسين من الابل وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الابل ، فقال يا رسول الله ما كنت أرى أن أحداً من الناس أحق بعطائك منى فزاده عشرة ، ثم سأله فزاده عشرة ، وهكذا حتى بلغ مائة ، ثم قال حكيم : يا رسول الله اعطيتك الأولى التي رغبت عنها خيرام هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام ((بل التي رغبت عنها)) فقال : الفخر الرازي ج١٦ م٨ ١١٤ قوله تعالى ((والغارمين وفى سبيل الله)) سورة التوبة والله لا آخذ غيرها: فقيل مات حكيم وهو أكثر قريش ما لا وشق على رسول الله لو تلك العطايا لكن ألفهم بذلك . قال المصنف رحمه الله : هذه العطايا إنما كانت يوم حنين ولا تعلق لها بالصدقات ، ولا أدري لأي سبب ذكر ابن عباس رضى الله عنهما هذه القصة في تفسير هذه الآية ، ولعل المراد بيان أنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة ، فاما أن يجعل ذلك تفسيرا لصرف الزكاة اليهم فلا يليق بابن عباس ، ونقل القفال أن أبا بكر رضى الله عنه أعطى عدى بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة ، وقال المقصود أن يستعين الامام بهم على استخراج الصدقات من الملاك . قال الواحدي : إن الله تعالى أغنى المسلمين عن تأليف قلوب المشركين ، فإن رأى الامام أن يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين ، فاما المؤلفة من المشركين فانما يعطون من مال الفىء لا من الصدقات وأقول إن قول الواحدي ان الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام دفع قسما من الزكاة اليهم لكنا بينا أن هذا لم يحصل البتة ، وأيضا فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين بل قال ( والمؤلفة قلوبهم ) وهذا عام في المسلم وغيره ، والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ وأن للامام أن يتألف قوما على هذا الوصف ويدفع اليهم سهم المؤلفة لأنه دليل على نسخه البتة . الصنف الخامس ) قوله (وفي الرقاب ) قال الزجاج : وفيه محذوف، والتقدير: وفي فك الرقاب وقد مضى الاستقصاء في تفسيره في سورة البقرة في قوله ( والسائلين وفي الرقاب ) ثم في تفسير الرقاب أقوال : ﴿ القول الأول﴾ إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به ، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله ، والليث بن سعد ، واحتجوا بما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال : قوله ( وفي الرقاب ) يريد المكاتب وتأكد هذا بقوله تعالى ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) والقول الثاني﴾ وهو مذهب مالك وأحمد وإسحق أنه موضوع لعتق الرقاب يشتري به عبيد فيعتقون . والقول الثالث ﴾ قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعى ، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطي منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله ( وفي الرقاب ) يقتضي أن یکون له فيه مدخل وذلك ینافي كونه تاماً فيه . ١١٥ قوله تعالى ((والغارمين وفي سبيل الله)) سورة التوبة والقول الرابع ﴾ قول الزهري ، قال سهم الرقاب نصفان ، نصف للمكاتبين من المسلمين ، ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا ، وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة ، قال أصحابنا والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد باذن المكاتب، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للاصناف الأربعة الذين تقدم ذكرهم بلام التمليك وهو قوله ( إنما الصدقات للفقراء) ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال ( وفي الرقاب ) فلا بد لهذا الفرق من فائدة ، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع اليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤا وأما ( في الرقاب ) فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق ، ولا يدفع اليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤا ، بل يوضع في الرقاب بان يؤدي عنهم ، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم ، وفي الغزاة يصرف المال الى اعداد ما يحتاجون اليه في الغزو وابن السبيل كذلك . والحاصل : أن في الأصناف الأربعة الأول ، يصرف المال اليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤًا ، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال اليهم ، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة . الصنف السادس ﴾ قوله تعالى (والغارمين) قال الزجاج : اصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق والغرام العذاب اللازم ، وسمى العشق غراما لكونه أمراً شاقا ولازما ، ومنه : فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن ، وسمى الدين غراما لكونه شاقا على الانسان ولازما له ، فالمراد بالغارمين المديونون ، ونقول : الدين ان حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية ، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة ، والمعضية لا تستوجب الاعانة ، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان : دين حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة ، ودین حصل بسبب حمالات وإصلاح ذات بين ، والكل داخل في الآية ، وروى الأصم في تفسيره أن النبي وَ الو لما قضى بالغرة في الجنين ، قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله قال لحمد بن مالك بن النابغة ((أعنهم بغرة من صدقاتهم)) وكان حمد على الصدقة يومئذ . الصنف السابع ﴾ قوله تعالى (وفي سبيل الله) قال المفسرون : يعني الغزاة : قال الشافعي رحمه الله : يجوز أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنيا وهو مذهب مالك وإسحق وأبي عبيد . وقال أبو حنيفة وصاحباه رحمهم الله: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا . واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله ( وفي سبيل الله) لا يوجب القصر على كل الغزاة ، فلهذا المعنى نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد ، لأن قوله ( وفي سبيل الله ) عام في الكل . ١١٦ قوله تعالى ((والغارمين وفي سبيل الله ، سورة التوبة والصنف الثامن﴾ أبن السبيل قال الشافعي رحمه الله: ابن السبيل المستحق للصدقة وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة . قال الأصحاب : ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة ، جاز أن يدفع اليه سهم ابن السبيل ، فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية ﴿ المسألة الخامسة ﴾ في أحكام هذه الأقسام: الحكم الأول اتفقوا على أن قوله ( إنما الصدقات ) دخل فيه الزكاة الواجبة ، لأن الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة ، قال تعالى ( خذ من أموالهم صدقة) وقال عليه الصلاة والسلام ((ليس فيما دون خمسة ذود وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل فيها لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة فاذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة. فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة وتكون الفائدة أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء ، والأقرب أن المراد من لفظ الصدقات ههنا هو الزكوات الواجبة ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى أثبت هذه الصدقات بلام التمليك للاصناف الثمانية ، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة ، الثاني : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن مصرف الصدقات ليس إلا لهؤلاء الثمانية ، وهذا الحصر إنما يصح لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة ، أما لو أدخلنا فيها المندوبات لم يصح هذا الحصر، لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء " المساجد، والرباطات، والمدارس ، وتكفين الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه. الثالث : أن قوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء ) إنما يحسن ذكره لو كان قد سبق بيان تلك الصدقات وأقسامها حتى ينصرف هذا الكلام اليه ، والصدقات التي سبق بيانها وتفصيلها هي الصدقات الواجبة فوجب انصراف هذا الكلام اليها . الحكم الثاني دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الامام ومن يلي من قبله ، والدليل عليه أن الله تعالى جعل للعاملين سهما فيها ، وذلك يدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل والعامل هو الذي نصبه الامام لأخذ الزكوات ، فدل هذا النص على أن الامام هو الذي يأخذ هذه الزكوات ، وتأكد هذا النص بقوله تعالى ( خذ من أموالهم صدقة ) فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر ، ويمكن أن يتمسك في إثباته بقوله تعالى ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) فاذا كان ذلك الحق حقا ١١٧ قوله تعالى ((والغارمين وفي سبيل الله)) سورة التوبة للسائل والمحروم وجب أن يجوز له دفعه اليه ابتداء . الحكم الثالث نص القرآن يدل على أن العامل له في مال الزكاة حق ، واختلفوا في أن الإِمام هل له فيه حق ؟ فمنهم من أثبته قال : لأن العامل إنما قدر على ذلك العمل بتقويته وإمارته ، فالعامل في الحقيقة هو الامام ، ومنهم من منعه وقال : الآية دلت على حصر مال الزكاة في هؤلاء الثمانية ، والامام خارج عنهم فلا يصرف هذا المال اليه . الحكم الرابع اختلفوا في هذا العامل إذا كان غنيا هل يأخذ النصيب ؟ قال الحسن : لا يأخذ إلا مع الحاجة وقال الباقون : يأخذ وإن كان غنيا لأنه يأخذه أجرة على العمل ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : للعامل في مال الزكاة الثمن ، لأن الله تعالى قسم الزكاة على ثمانية أصناف فوجب أن يحصل له الثمن ، كما أن من أوصى بمال لثمانية أنفس حصل لكل واحد منهم ثمنه ، وقال الأكثرون : بل حقه بقدر مؤنته عند الجباية والجمع . الحكم الخامس اتفقوا على أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية واختلفوا أنه هل يجوز صنعه في بعض الأصناف فقط؟ وقد سبق دلائل هاتين المسألتين ، إلا أنا إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط فهذا إنما يجوز في غير العامل ، وأما وضعه بالكلية في العامل فذلك غير جائز بالاتفاق . الحكم السادس أن العامل والمؤلفة مفقودان في هذا الزمان ، ففيه الأصناف الستة والأولى صرف الزكاة إلى هذه الأصناف الستة على ما يقوله الشافعي ، لأنه الغاية في الاحتياط ، أما إن لم يفعل ذلك أجزأه على ما بيناه . الحكم السابع عموم قوله ( للفقراء والمساكين ) يتناول الكافر والمسلم إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية وشرح أحوالهم . قال ( فريضة من الله ) ١١٨ قوله تعالى ((ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)) ... )) سورة التوبة وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الَِّّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنُ قُلْ أَذُنُ خَيٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِنَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَ امُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الَّهِلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ( قال الزجاج ( فريضة ) منصوب على التوكيد ، لأن قوله ( إنما الصدقات ) لهؤلاء جار مجرى قوله : فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة ، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر ، وعن النبي وَلّ أنه قال ((إن الله تعالى لم يرض الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه )) والمقصود من هذه التأكيدات تحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف . ثم قال ﴿ والله عليم﴾ أي أعلم بمقادير المصالح (حكيم ) لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم ﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله أنه أذن على وجه الطعن والذم ، وفي الآية مسائل : و المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي بكر عنه ( أذن خير ) مرفوعين منونين ، على تقدير : إن كان كما تقولون إنه أذن ، فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من ان يكذبكم ، والباقون ( أذن خير لكم ) بالاضافة ، أي هو أذن خير ، لا أذن شر، وقرأ نافع ( أذن ) ساكنة الذال في كل القرآن ، والباقون بالضم وهما لغتان مثل عنق وظفر . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال ابن عباس رضى الله عنه: أن جماعة من المنافقين، ذكروا النبي وَّ بما لا ينبغي من القول. فقال بعضهم لا تفعلوا فانا نخاف أن يبلغه ما نقول ، فقال الجلاس بن سويد بل نقول ما شئنا ، ثم نذهب اليه ونحلف أنا ما قلنا ، فيقبل قولنا ، وإنما محمد أذن سامعة ، فنزلت هذه الآية . وقال الحسن : كان المنافقون يقولون ما هذا الرجل إلا أذن ، من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له . وروى الأصم أن رجلا منهم . قال لقومه إن كان ما يقول محمد حقاً ، فنحن شرمن الحمير فسمعها ابن امرأته ، فقال والله إنه لحق وإنك أشر من ٠ ٠ قوله تعالى ((قل اذن خير لكم يؤمن بالله)) سورة التوبة ١١٩ حمارك، ثم بلغ النبي و لر ذلك فقال بعضهم إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك، فنزلت هذه الآية على وفق قوله . فقال القائل يا رسول الله لم أسلم قط قبل اليوم ، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن على والله لأشكرنه ثم قال الأصم أظهر الله تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا . فقال ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) ثم قال ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ ثم قال ( ومنهم من عاهد الله) إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب ، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبياً حقاً من عند الله . ﴿ المسألة الثالثة ) اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي ، ثم فسرذلك الايذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن ، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع ، فلهذا السبب سموه بأنه أذن ، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال : جعل فلان علينا عينا ، أي جاسوسا متفحصا عن الأمور ، فكذا ههنا . ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله ﴿ قل أذن خير لكم ﴾ والتقدير : هب أنه أذن لكنه خير لکم وقوله ( أذن خیر ) مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثم بين كونه ( أذن خير ) بقوله ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ) جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام ( أذن خير ) فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية . أما الأول﴾ وهو قوله (يؤمن بالله) فلأن كل من آمن بالله كان خائفاً من الله، والخائف من الله لا يقدم على الايذاء بالباطل . وأما الثاني ﴾ وهو قوله (ويؤمن للمؤمنين ) فالمعنى أنه يسلم للمؤمنين قولهم ، والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد ، سلم لهم ذلك القول : وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار . فان قيل : لم عدى الايمان إلى الله بالباء وإلى المؤمنين باللام؟ قلنا : لأن الايمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر ، فعدى بالباء . والايمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فيتعدى بالام ، كما في قوله ( وما أنت بمؤمن لنا) وقوله ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ) وقوله ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) وقوله ( آمنتم له قبل أن آذن لكم ) وأما الثالث ﴾ وهو قوله ( ورحمة للذين آمنوا منكم ) فهذا أيضا يوجب الخيرية لأنه .. ١٢٠ قوله تعالى ((ورحمة للذين آمنوا منكم )) سورة التوبة يجري أمركم على الظاهر ، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم ، ولا يسعى في هتك أستارکم ، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة یوجب کونه ( أذن خیر ) ولما بین کونه سببا للخير والرحمة بين أن كل من اذاه استوجب العذاب الأليم ، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة اليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزى ، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالاساءة وخيراته بالشرور ، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى . المسألة الرابعة ) أما قراءة من قرأ ( أذن خير ) بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه . الوجه الأول ﴾ التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرونه، ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن ، وهو قوله ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ) والمعنى أن من كان موصوفا بهذه الصفات ، فكيف يجوز الطعن فيه ، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم القلب سريع الاغترار؟ ﴿ الوجه الثاني﴾ أن يضمر مبتدأ، والتقدير: هو أذن خير لكم ، أي هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم ، لأنه يقبل معاذيركم ، ويتغافل عن جهالاتكم ، فكيف جعلتم هذه الصفة طعناً في حقه ؟ الوجه الثالث﴾ وهو وجه متكلف ذكره صاحب النظم. فقال ( أذن ) وإن كان رفعاً بالابتداء في الظاهر لكن موضعه نصب على الحال وتأويله قل هو أذنا خير أي إذا كان أذنا فهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم ، ونظيره ، وهو حافظاً خير لكم ، أي هو حال كونه حافظاً خير لكم إلا أنه لما كان محذوفا وضع الحال مكان المبتدأ تقديره ، وهو حافظ خير لكم وإضمار ((هو)) في القرآن كثير . قال تعالى ( سيقولون ثلاثة ) أي هم ثلاثة ، وهذا الوجه شدید التكلف ، وإن کان قد استحسنه الواحدي جداً . المسألة الخامسة ﴾ قرأ حمزة (ورحمة) بالجر عطفا على ( خير ) كأنه قيل : أذن خير ورحمة ، أي مستمع كلام يكون سببا للخير والرحمة . فان قيل : وكل رحمة خير ، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير؟ قلنا : لأن أشرف أقسام الخير هو الرحمة ، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير ، كما في قوله تعالى ( وملائكته وجبريل وميكال ) قال أبو عبيد : هذه القراءة بعيدة لأنه تباعد المعطوف عن