النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ قوله تعالى: ((ولكن كره اللّه انبعاثهم فتبطهم)) سورة التوبة بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا يخرجوا ، فلم عاتب الرسول في الأذن ؟ فنقول : قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال : ليس في قوله لم أذنت لهم أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذن لهم في القعود ، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم ، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال ، قال أبومسلم والدليل على صحة ما قلنا إن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة ، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه ، وتأكد ذلك بسائر الآيات ، منها قوله تعالى ( فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا) ومنها قوله تعالى ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم ) إلى قوله ( قل لن تتبعونا) فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم . ﴿ والوجه الثاني﴾ من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله (لم أذنت لهم ) إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود ، فنقول : ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لاجل ان إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود كان مفسدون وبيان من وجوه: الاول: أنه عليه الصلاة والسلام اذن قبل اتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر، ولهذا السبب قال تعالى (لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) الثاني: أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود ؛ فهم كانوا يقعدون من تلقاء انفسهم، وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخيفا وفاتت تلك المصالح. والثالث: أنهم لما استأذنوا رسول الله ي ليه غضب عليهم وقال (اقعدوا مع القاعدين) على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله (وقيل اقعدوا مع القاعدين) ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا: قد اذن لنا فقال تعالى (لم أذنت لهم) أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم ان يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم؟ الرابع: ان الذين يقولون بأن الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا: "إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد، وذلك غير جائز، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الاقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جاريا مجرى الاقدام على الاجتهاد مع حصول النص، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك . ﴿ المسألة الثانية ) قالت المعتزلة البصرية: الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية ، بدليل قوله تعالى ( ولكن كره الله انبعاثهم ) قال أصحابنا : معنى ( كره الله) أراد عدم ذلك الشيء. قالت البصرية : العدم لا يصلح أن يكون متعلقا ، وذلك لأن الارادة عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الفخر الرازي ج١٦ م٦ ٨٢ قوله تعالى: ((لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا)). سورة التوبة لَوْنَرَجُواْ فِيكُ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَأَوْضَعُواْ ◌َِكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَّعُونَ لَهُمَّ وَاللَّهُ عَلِيُمْ بِالتَِّينَ الآخر ، والعدم نفي محض ، وأيضا فالعدم المستمر لا تعلق للارادة بالعدم به ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وجعل العدم عدما محال ، فثبت أن تعلق الارادة بالعدم محال ، فامتنع القول بأن المراد من الكراهة إرادة العدم . أجاب أصحابنا : بأنا نفسر الكراهة في حق الله بارادة ضد ذلك الشيء ، فهو تعالى أراد منهم السكون ، فوقع التعبير عن هذه الارادة بكونه تعالى كارها لخروجهم مع الرسول . ﴿ المسألة الثالثة) احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى (فثبطهم) أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث ، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا إذا صرحنا بالحق ، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي اليه ، فاذا صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه ، ثم إن صيرورة تلك الداعية جازمة أو فاترة ، إن كانت من العبد لزم التسلسل ، وإن كانت من الله ؛ فحينئذ لزم المقصود . لأن تقوية الداعية ليست إلا من الله، ومتى حصلت تلك التقوية لزم حصول الفعل ، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر ، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ المقصود منه التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف على ما ذكره في قوله (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟ فيحتمل أن يكون القائل بذلك هو الشيطان على سبيل الوسوسة ، ويحتمل أن يكون بعضهم قال ذلك لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، لأن من يتولى الفساد يحب التكثر بأشكاله ، ويحتمل أن يكون القائل هو الرسول يسل# لما أذن لهم في التخلف فعاتبه الله، ويحتمل أن يكون القائل هو الله سبحانه لأنه قد كره خروجهم للافساد ، وكان المراد إذا كنتم مفسدين فقد كره الله انبعاثكم على هذا الوجه فأمركم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص . ثم بين ذلك بقوله تعالى بعد ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين ﴾ ٨٣ قوله تعالى ((لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا )) سورة التوبة اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنواع المفاسد الحاصلة من خروجهم وهي ثلاثة : الأول : قوله ( لو خرجوا فيكم . ما زادوكم إلا خبالا ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الخبال الشر والفساد في كل شيء، ومنه يسمى العته بالخبل، والمعتوه بالمخبول ، وللمفسرين عبارات قال الكلبي : إلا شرا ، وقال يمان : إلا مكرا ، وقيل : إلا غيا ، وقال الضحاك : إلا غدرا ، وقيل : الخبال الاضطراب في الرأي، وذلك بتزيين امر لقوم وتقبيحه لقوم آخرين، ليختلفوا وتفترق كلمتهم. ﴿ المسألة الثانية) قال بعض النحويين قوله (إلا خبالا ) من الاستثناء المنقطع وهو أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، كقولك : ما زادوكم خيرا إلا خبالا ، وههنا المستثنى منه غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الأعم . والعام هو الشيىء، فكان الاستثناء متصلا ، والتقدير : ما زادوكم شيئا إلا خبالا . ﴿ المسألة الثالثة ) قالت المعتزلة : إنه تعالى بين في الآية الأولى أنه كره انبعاثهم ، وبين في هذه الآية أنه إنما كره ذلك الانبعات لكونه مشتملا على هذا الخبال والشر والفتنة ، وذلك يدل على أنه تعالى يكره الشر والفتنة والفساد على الاطلاق ، ولا يرضى إلا بالخير ، ولا يريد إلا الطاعة . ﴿ النوع الثاني﴾ من المفاسد الناشئة من خروجهم قوله تعالى (ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ) وفي الايضاح قولان نقلهما الواحدي . ﴿ القول الاول) وهو قول أكثر أهل اللغة ، أن الايضاع حمل البعير على العدو ، ولا يجوز أن يقال : أوضع الرجل اذا سار بنفسه سيرا حثيثا ، يقال : وضع البعير اذا عدا واوضعه الراكب اذا حمله عليه . قال الفراء : العرب تقول : وضعت الناقة ، وأوضع الراكب ، وربما قالوا للراكب وضع . والقول الثاني﴾ وهو قول الاخفش وابي عبيد أنه يجوز ان يقال: أوضع الرجل اذا سار بنفسه سيرا حثيثا من غير أن يراد أنه وضع ناقته ، روى أبو عبيد أن النبي مَّر، افاض من عرفة وعليه السكينة واوضع في وادي محسر. وقال لبيد : ونسخوا بالطعام وبالشراب أرانا موضعين لحكم غيب أراد مسرعين، ولا يجوز أن يكون يريد موضعين الابل لأنه لم يرد السير في الطريق، ٨٤ قوله تعالى: ((ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة)) سورة التوبة وقال عمر بن أبي ربيعة : وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا تبا لهن بالعدوان لما عرفتني قال الواحدي : والآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد . واعلم أن على القولين : فالمراد من الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنمائم ، فان اعتبرنا القول الأول كان المعنى : ولأوضعوا ركائبهم بينكم ، والمراد الاسراع بالنمائم ، لأن الراكب أسرع من الماشي ، وان اعتبرنا القول الثاني كان المراد أنهم يسرعون في هذا التضريب . ﴿ المسألة الرابعة﴾ نقل صاحب الكشاف عن ابن الزبير أنه قرأ ﴿ولأوقصوا ﴾ من وقصت الناقة وقصا اذا اسرعت وأوقصتها ، وقرىء ولأرفضوا . فان قيل : كيف كتب في المصحف ﴿ولا أوضعوا﴾ بزيادة الألف؟ أجاب صاحب الكشاف بأن الفتحة كانت ألفا قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع ، فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحتها ألفا أخرى ونحوه ﴿ أولا أذبحنه ﴾ المسألة الخامسة ﴾ قوله ﴿خلالكم﴾ أي فيما بينكم، ومنه قوله ﴿وفجرنا خلالهما نهرا﴾ وقوله ﴿فجاسوا خلال الديا﴾ وأصله من الخلل، وهو الفرجة بين الشيئين وجمعه خلال ، ومنه قوله ﴿ فترى الودق يخرج من خلاله ﴾ وقرىء من ﴿ خلله ﴾ وهي مخارج مصب القطر ، وقال الأصمعي : تخللت القوم اذا دخلت بين خللهم وخلاهم . ويقال : جلسنا خلال بيوت الحي وخلال دورهم أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور . اذا عرفت هذا فنقول : قوله ﴿ولأوضعوا خلالكم ﴾ أي بالنميمة والافساد وقوله ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم، وقال الأصمعي: أبغني كذا أي اطلبه لي ، ومعنى أبغني وابغ لي ، سواء ، وإذا قال ابغني ، فمعناه : أعني على ما بغيته ، ومعنى ﴿الفتنة﴾ ههنا افتراق الكلمة وظهور التشويش . واعلم أن حاصل الكلام هو أنهم لو خرجوا فيهم ما زادوهم الا خبالا ، والخبال هو الافساد الذي يوجب اختلاف الرأي وهو من أعظم الأمور التي يجب الاحتراز عنها في الحروب لأن عند حصول الاختلاف في الرأي يحصل الانهزام والانكسار على أسهل الوجوه . ثم بين تعالى أنهم لا يقتصرون على ذلك بل يمشون بين الأكابر بالنميمة فيكون الافساد أكثر ، وهو المراد بقوله ﴿ ولأوضعو خلالكم ٨٥ قوله تعالى ((لقد ابتغوا الفتنة من قبل)) سورة التوبة لَقَدِ أَبْتَغَواْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ خَّى جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَلِهُونَ ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ اَلْذَن ◌ِى وَلَا تَفْنِىِّ أَا فِ الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَِّفِرِينَ فأما قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم﴾ ففيه قولان: الأول : المراد فيكم عيون لهم ينقلون اليهم ما يسمعون منكم ، وهذا قول مجاهد وابن زيد . والثاني : قال قتادة : فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم ، فاذا ألقوا اليهم انواعا من الكلمات الموجبة لضعف القلب قبولها وفتروا بسببها عن القيام بأمر الجهاد كما ينبغي . فان قيل : كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ونيتهم في الجهاد ؟ قلنا : لا يمتنع فيمن قرب عهده بالاسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم ولا يمتنع كون بعض الناس مجبولين على الجبن والفشل وضعف القلب ، فيؤثر قولهم فيهم ، ولا يمتنع أن يكون بعض المسلمين من أقارب رؤساء المنافقين فينظرون اليهم بعين الاجلال والتعظيم ، فلهذا السبب يؤثر قول هؤلاء الأكابر من المنافقين فيهم ، ولا يمتنع أيضا ان يقال : المنافقون على قسمين : منهم من يقتصر على النفاق ولا يسعى في الأرض بالفساد ، ثم ان الفريق الثاني من المنافقين يحملونهم على السعي بالفساد بسبب القاء الشبهات والاراجيف اليهم . ثم انه ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم ، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في القاء غيرهم في وجوه الآفات والمخالفات . والله اعلم . قوله تعالى ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الا في الفتنة سقطوا وان جهنم المحيطة بالكافرين ﴾ اعلم أن المذكور في هذه الآية نوع آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك . قال ابن جريج : هو أن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي ◌َّة ، وقيل المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي 8﴿ مع اصحابه ، وقيل : طلبوا صد اصحابك عن الدين ٨٦ قوله تعالى: ((ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني)) سورة التوبة وردهم الى الكفر وتخذيل الناس عنك ، ومعنى الفتنة هو الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة ، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين وسلمهم الله منه ، وقوله ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ تقليب الأمر تصريفه وترديده لأجل التدبر والتأمل فيه ، يعني اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك . يقال : في الرجل المتصرف في وجوه الحيل فلان حول قلب ، أي يتقلب في وجوه الحيل . ثم قال تعالى ﴿ حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون﴾ والمعنى: أن هؤلاء المنافقين كانوا مواظبين على وجه الكيد والمكر واثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء الحق الذي كان في حكم المذاهب ، والمراد منه القرآن ودعوة محمد ، وظهر أمر الله الذي كان كالمستور والمراد بأمر الله الاسباب التي أظهرها الله تعالى وجعلها مؤثرة في قوة شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، وهم لها كارهون أي وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله كارهون ، وفيه تنبيه على أنه لا أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في اثارة الشر، فانهم منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد ، والله تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم وأتى بضد مقصودهم ، فلما كان الامر كذلك في الماضي ، فهذا يكون في المستقبل . ثم قال تعالى ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ﴾ يريد ائذن لي في القعود ولا تفتني بسبب الأمر بالخروج ، وذكروا فيه وجوها : الاول : لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الاثم بأن لا تأذن لي ، فانك ان منعتني من القعود وقعدت بغير اذنك وقعت في الاثم ، وعلى هذا التقدير فيحتمل ان يكونوا ذكروه على سبيل السخرية ، وان يكونوا ايضا ذكروه على سبيل الجد ، وان كان ذلك المنافق منافقا كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقا ، وان كان غير قاطع بذلك . والثاني : لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فان الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها . والثالث : لا تفتني فاني ان خرجت معك هلك مالي وعيالي . والرابع : قال الجد .ابن قيسٍ: قد علمت الانصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ، يعني نساء الروم ، ولكني اعينك بمال فاتركني ، وقرىء ﴿ولا تفتني﴾ من أفتنه ﴿ ألا في الفتنة سقطوا﴾ والمعنى انهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة ، وهم في الحال ما وقعوا الا في الفتنة فان اعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله ، والتمرد عن قبول التكليف . وأيضا فهم يبقون خالفين عن المسلمين ، . خائفين من أن يفضحهم الله، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي ﴿ سقط﴾ لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى . قال أهل المعاني : وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما ، فانه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض ، ألا ترى أن القوم انما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون . ٨٧ قوله تعالى: ((إن تصبك حسنة تسؤهم)) سورة التوبة . إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَُّؤْهُمّ وَإِن تُّصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ( قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَمْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتْوَكَّلٍ الْمُؤْمِنُونَ الْ ثم قال تعالى ﴿ وان جهنم المحيطة بالكافرين ﴾ قيل: انها تحيط بهم يوم القيامة . وقيل ان اسباب تلك الاحاطة حاصلة في الحال ، فكأنهم في وسطها . وقال الحكماء المسلمون : انهم كانوا محرومين من نور معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما كانوا يعتقدون لانفسهم كمالا وسعادة سوى الدنيا وما فيها من المال والجاه ، ثم انهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين ، وقصد الرسول بكل سوء ، وكانوا يشاهدون ان دولة الاسلام ابدا في الترقي والاستعلاء والتزايد ، وكانوا في أشد الخوف على انفسهم وأولادهم وأموالهم، والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية ، فكانوا في أشد الخوف ، بسبب الاحوال العاجلة ، والخوف الشديد مع الجهل الشديد ، أعظم انواع العقوبات الروحانية ، فعبر الله عن تلك الأحوال بقوله ﴿وإن جهنم المحيطة بالكافرين ﴾ قوله تعالى ﴿ ان تصبك حسنة تسؤهم وان تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون . قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ اعلم ان هذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن خبث بواطنهم ، والمعنى : ان تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفراً ، او كان غنيمة ، او كان انقيادا لبعض ملوك الاطراف، يسؤهم ذلك ، وان تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به ، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به ، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم ، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن مقام التحدث بذلك ، والاجتماع له الى أهاليهم ، وهم فرحون مسرورون ، ونقل عن ابن عباس ان الحسنة في يوم بدر ، والمصيبة في يوم أحد ، فان ثبت بخبر ان هذا هو المراد وجب المصير اليه ، والا فالواجب حمله على كل حسنة ، وعلى كل مصيبة ، اذ. المعلوم من حال المنافقين انهم في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكره الله ههنا . ثم قال تعالى ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ وفيه أقوال : ﴿ القول الأول﴾ ان المعنى انه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء ، ولا شدة ولا رخاء الا وهو مقدر علینا مکتوب عند الله ، وکونه مکتوبا عند الله یدل علی کونه معلوما عند ٨٨ قوله تعالى: ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). سورة التوبة الله مقضيا به عند الله، فان ما سواه ممكن ، والممكن لا يترجح الا بترجيح الواجب ، والممكنات باسرها منتهية الى قضائه وقدره . واعلم ان اصحابنا يتمسكون بهذه الآية في ان قضاء الله شامل لكل المحدثات وان تغير الشيء عما قضى الله به محال ، وتقرير هذا الكلام من وجوه : أحدها : ان الموجود اما واجب واما ممكن ، والممكن يمتنع ان يترجح احد طرفيه على الآخر لنفسه ، فوجب انتهاؤه الى ترجيح الواجب لذاته ، وما سواه فواجب بايجاده وتأثيره وتكوينه . ولهذا المعنى قال النبي عليه السلام ((جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة)) وثانيها: أن الله تعالى لما كتب جميع الاحوال في اللوح المحفوظ فقد علمها وحكم بها ، فلو وقع الامر بخلافها لزم انقلاب العلم جهلا والحكم الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ، وقد أطنبنا في شرح هذه المناظرة في تفسير قوله تعالى ﴿ ان الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ فان قيل : انه تعالى انما ذکر هذا الكلام تسلية للرسول في فرحهم بحزنه ومکارهه فاي تعلق لهذا المذهب بذلك ؟ قلنا: السبب فيه قوله ◌َل﴿ ((من علم سرالله في القدر هانت عليه المصائب)) فانه اذا علم الانسان ان الذي وقع امتنع ان لا يقع ، زالت المنازعة عن النفس وحصل الرضا به . القول الثاني﴾ في تفسير هذه الآية ان يكون المعنى ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ﴾ اي في عاقبة امرنا من الظفر بالعدو والاستيلاء عليهم ، والمقصود ان يظهر للمنافقين ان احوال الرسول والمسلمين وان كانت مختلفة في السرور والغم ، الا ان في العاقبة الدولة لهم والفتح والنصر والظفر من جانبهم ، فيكون ذلك اغتياظا للمنافقين وردا عليهم في ذلك الفرح . والقول الثالث﴾ قال الزجاج : المعنى اذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين للاجر العظيم ، والثواب الكثير ، وان صرنا غالبين ، صرنا مستحقين للثواب في الآخرة ، وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا ، واذا كان الامر كذلك ، صارت تلك المصائب والمخزانات کي جنب هذا الفوز بهذه الدرجات العالية متحملة ، وهذه الاقوال وان كانت حسنة ، الا ان الحق الصحيح هو الاول . ثم قال تعالى ﴿ هو مولانا ﴾ والمراد به ما يقوله أصحابنا أنه سبحانه يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء ، وأراد لأجل انه مالك لهم وخالق لهم ، ولأنه لا اعتراض عليه في شيء من افعاله ، فهذا الكلام ينطبق على ما تقدم ، ولذا قلنا انه تعالى وان أوصل الى بعض عبيده انواعا من المصائب فانه يجب الرضا بها لانه تعالى مولاهم وهم عبيده ، فحسن منه تعالى تلك ٨٩ قوله تعالى: ((قل هل تربصون بنا الا احدى الحسنيين)) سورة التوبة وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُ اللهُ ١٤٠٠٠١٠٠ قُلْ هَلْ تَرَبَصُونَ بِنَا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيْنِ بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهِة أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبِّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مَُّرَبِصُونَ التصرفات ، بمجرد كونه مولى لهم ، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من افعاله . ثم قال تعالى ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ معناه أنه وان لم يجب عليه لأحد من العبيد شيء من الاشياء ولا أمر من الأمور الا انه مع هذا عظيم الرحمة كثير الفضل والاحسان ، فوجب ان لا يتوكل المؤمن في الأصل الا عليه ، وان يقطع طمعه الا من فضله ورحمته ، لأن قوله ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) يفيد الحصر وهذا كالتنبيه على ان حال المنافقين بالضد من ذلك وانهم لا يتوكلون الا على الاسباب الدنيوية واللذات العاجلة الفانية . قوله تعالى ﴿ قل هل تر بصون بنا الا احدی احسنیین ونحن نتر بص بکم ان يصيبكم الله بعذاب من عنده او بأيدينا فتربصوا انا معكم متر بصون ﴾ اعلم ان هذا هو الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين ، وذلك لان المسلم اذا ذهب الى الغزو ، فان صار مغلوبا مقتولا فاز بالاسم الحسن في الدنيا والثواب العظيم الذي اعده الله للشهداء في الآخرة ، وان صار غالبا فاز بالدنيا بالمال الحلال والاسم الجميل ، وهي الرجولية والشوكة والقوة ، وفي الآخرة بالثواب العظيم . واما المنافق اذا قعد في بيته فهو في الحال قعد في بيته مذموما منسوبا الى الجبن والفشل. وضعف القلب والقناعة بالامور الخسيسة من الدنيا على وجه يشاركه فيها النسوان والصبيان والعاجزون من النساء ، ثم يكونون ابدا خائفين على انفسهم واولادهم واموالهم ، وفي الآخرة ان ماتوا فقد انتقلوا الى العذاب الدائم في القيامة ، وان اذن الله في قتلهم وقعوا في القتل والاسر والنهب ، وانتقلوا من الدنيا الى عذاب النار ، فالمنافق لا يتربص بالمؤمن الا احدى الحالتين المذكورتين ، وكل واحدة منهما في غاية الجلالة والرفعة والشرف، والمسلم يتربص بالمنافق احدى الحالتين المذكورتين ، اعني البقاء في الدنيا مع الخزي والذل والهوان ، ثم الانتقال الى عذاب القيامة والوقوع في القتل والنهب مع الخزي والذل ، وكل واحدة من هاتين الحالتين في غاية الخساسة والدناءة ، ثم قال تعالى للمنافقين ﴿ فتربصوا﴾ بنا احدى الحالتين الشريفتين ﴿انا معكم متربصون﴾ وقوعكم في احدى الحالتين الخسيستين النازلتين . قال الواحدي : يقال فلان يتربص بفلان الدوائر اذا كان ينتظر وقوع مكروه به ، وهذا قد سبق الكلام فيه . وقال أهل المعاني : التربص ، التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ، ولذلك قيل : فلان يتربص بالطعام اذا تمسك به الى حين ٩٠ قوله تعالى ((قل انفقوا طوعا أو كرها) سورة التوبة قُلْ أَنفِقُواْ طَوْءًا أَوْ كَرُّهَا لَّنْ يُتَقَّبِّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ زيادة سعره ، والحسنى تأنيث الاحسن . واختلفوا في تفسير قوله ﴿ بعذاب من عنده او بایدینا ﴾ قیل : من عند الله ، اي بعذاب ینزله الله علیهم في الدنیا ، او بایدینا بان یأذن لنا في قتلكم . وقيل : بعذاب من عند الله ، يتناول عذاب الدنيا والآخرة ، او بأيدينا القتل . فان قيل : اذا كانوا منافقين لا يحل قتلهم مع اظهارهم الايمان ، فكيف يقول تعالى ذلك ؟ قلنا قال الحسن : المراد بأيدينا ان ظهر نفاقكم ، لان نفاقكم اذا ظهر كانوا كسائر المشركين في كونهم حربا للمؤمنين ، وقوله ﴿ فتربصوا﴾ وان كان بصيغة الأمر ، الا ان المراد منه التهديد ، كما في قوله ﴿ ذق إنك انت العزيز الكريم ﴾ والله أعلم. قوله تعالى ﴿ قل انفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم انكم كنتم قوما فاسقين ﴾ اعلم انه تعالى لما بين في الآية الاولى ان عاقبة هؤلاء المنافقين هي العذاب في الدنيا وفي الآخرة ، بين أنهم وان أتوا بشيء من أعمال البر فانهم لا ينتفعون به في الآخرة ، والمقصود بيان ان اسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم ، وان اسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا وفي الآخرة وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿كرها﴾ بضم الكاف ههنا وفي النساء والأحقاف، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم في المشقة ، وفي النساء والتوبة بالفتح من الاكراه والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك . فقيل : هما لغتان . وقيل : بالضم المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه . ﴿ المسألة الثانية) قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي ◌ّ ر ائذن لي في القعود وهذا مالي اعينك به . واعلم ان السبب وان كان خاصا الا ان الحكم عام ، فقوله ﴿ أنفقوا طوعا أو كرها ﴾ وان كان لفظه أمر ، الا ان معناه معنى الشرط والجزاء ، والمعنى : سواء انفقتم طائعين او مكرهين فلن يقبل ذلك منكم . واعلم ان الخبر والامر يتقاربان ، فيحسن اقامة كل واحد منهما مقام الآخر . أما اقامة الأمر مقام الخبر ، فكما ههنا ، وكما في قوله ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ وفي قوله ﴿ قل ١ ٠ ٩١ قوله تعالى ((لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوماً فاسقين)) سورة التوبة - من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ وأما اقامة الخبر مقام الأمر ، فكقوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن﴾. ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ وقال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لاملومة لدينا ولا مقلية ان تقلت وقوله ﴿ طوعا أو كرها ﴾ يريد طائعين أو كارهين. وفيه وجهان: الأول: طائعين من غير الزام من الله ورسوله أو مكرهين من قبل الله ورسوله ، وسمي الالزام اكراها لأنهم منافقون ، فكان الزام الله اياهم الانفاق شاقا عليهم كالاكراه . والثاني : أن يكون التقدير : طائعين من غير إكراه من رؤسائكم ، لان رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون الاتباع على الانفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم . ثم قال تعالى ﴿لن يتقبل منكم) يحتمل أن يكون المراد أن الرسول وليه لا يتقبل تلك الأموال منهم ، ويحتمل ان يكون المراد انها لا تصير مقبولة عند الله . ثم قال تعالى ﴿ انكم كنتم قوما فاسقين ﴾ وهذا اشارة الى ان عدم القبول معلل بكونهم فاسقين . قال الجبائي : دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات ، لأنه تعالى بين ان نفقتهم لا تقبل البتة ، وعلل ذلك بكونهم فاسقين ، ومعنى التقبل هو الثواب والمدح ، واذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا مدح ، فلما علل ذلك بالفسق دل على ان الفسق يؤثر في ازالة هذا المعنى ، ثم ان الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة ، وهو ان الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين ، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين ، والجمع بينهما محال . فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالا . واعلم انه كان الواجب عليه ان لا يذكر هذا الاستدلال بعد ما أزال الله هذه الشبهة على أبلغ الوجوه ، وهو قوله ﴿ وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ﴾ فبين تعالى بصريح هذا اللفظ أنه لا مؤثر في منع قبول هذه الاعمال الا الكفر ، وعند هذا يصير هذا الكلام من أوضح الدلائل على ان الفسق لا يحبط الطاعات ، لأنه تعالى لما قال ﴿ انكم كنتم قوما فاسقين ﴾ فكأنه سأل سائل وقال : هذا الحكم معلل بعموم كون تلك الاعمال فسقا ، او بخصوص كون تلك الاعمال موصوفة بذلك الفسق ؟ فبين تعالى به ما أزال هذه الشبهة ، وهو أن عدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقا ، بل بخصوص وصفه وهو كون ذلك الفسق كفرا . فثبت ان هذا الاستدلال باطل . ٩٢ قوله تعالى ((وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم)) سورة التوبة ٠٠٠١٤٠١٠٠٠٠٠ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الَّصَلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَ يُنْفِقُونَ إِلَّ وَهُمْ كَرِمُونَ ﴾ ثم قال تعالى﴿ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم الا انهم کفر وا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم کسالى ولا ينفقون الا وهم کارهون ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ دل صريح هذه الآية على انه لا تأثير للفسق من حيث انه فسق في هذا المنع ، وذلك صريح في بطلان قول المعتزلة على ما لخصناه وبيناه . ﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر اللفظ يدل على ان منع القبول بمجموع الامور الثلاثة، وهي الكفر بالله ورسوله ، وعدم الاتيان بالصلاة الا على وجه الكسل ، والانفاق على سبيل الكراهية . a ولقائل أن يقول : الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبول ، وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر ، فكيف يمكن اسناد هذا الحكم الى السببين الباقيين ؟ وجوابه : أن هذا الاشكال انما يتوجه على قول المعتزلة ، حيث قالوا : ان الكفر لكونه كفرا يؤثر في هذا الحكم ، أما عندنا فان شيئا من الافعال لا يوجب ثوابا ولا عقابا بالبتة ، وانما هي معرفات واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد محال ، بل نقول : ان هذا من أقوى الدلائل اليقينية على أن هذه الأفعال غير مؤثرة في هذه الاحكام لوجوه عائدة اليها ، والدليل عليه انه تعالى بين أنه حصلت هذه الامور الثلاثة في حقهم ، فلو کان کل واحد منها موجبا تاما لهذا الحكم ، لزم ان يجتمع على الاثر الواحد اسباب مستقلة ، وذلك محال ، لان المعلول يستغني بكل واحد منها عن كل واحد منها ، فيلزم افتقاره اليها باسرها حال استغنائه عنها بأسرها ، وذلك محال ، فثبت ان القول بكون هذه الافعال مؤثرة في هذه الاحكام يفضي الى هذا المجال ، فكان القول به باطلا . ﴿ المسألة الثالثة ) دلت هذه الآية على ان شيئا من أعمال البر لا يكون مقبولا عند الله مع الكفر بالله . فان قيل : فکیف الجمع بينه وبين قوله ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ﴾؟ ٩٣ قوله تعالى: ((فلا تعجبك اموالهم ولا أولادهم ... )). سورة التوبة . فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِدُ الله ◌ِيُعَذِّبَهُم بِهَ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ ٤ موجه أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَِّفِرُونَ. قلنا : وجب أن يصرف ذلك الى تأثيره في تخفيف العقاب ، ودلت الآية على ان الصلاة لازمة للكافر ، ولولا ذلك لما ذمهم الله تعالى على ما فعلها على وجه الكسل . فان قالوا: لم لايجوز أن يقال الموجب للذم ليس هو ترك الصلاة ؟ قلنا: بل الموجب للذم هو الاتيان بها على وجه الكسل جاريا مجرى سائر تصرفاتها من قيام وقعود ، وكما لا يكون قعودهم على وجه الكسل مانعا من تقبل طاعتهم ، فكذلك كان يجب في صلاتهم لولم تجب عليهم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ مضى تفسير الكسالى في سورة النساء. قال صاحب الكشاف ﴿ كسالى﴾ بالضم والفتح جمع الكسلان : نحو سكارى وحيارى في سكران وحيران . قال المفسرون : هذا الكسل معناه أنه ان كان في جماعة صلى ، وان كان وحده لم يصل . قال المصنف: ان هذا المعنى انما أثر في منع قبول الطاعات ، لأن هذا المعنى يدل على انه لا يصلي طاعة لأمر الله وانما يصلي خوفا من مذمة الناس ، وهذا القدر لا يدل على الكفر . أما لما ذكره الله تعالی بعد ان وصفهم بالکفر ، دل علی ان الکسل انما کان لانهم يعتقدون انه غیر واجب ، وذلك يوجب الكفر . أما قوله ﴿ولا ينفقون الا وهم كارهون﴾ فالمعنى: أنهم لا ينفقون لغرض الطاعة ، بل رعاية للمصلحة الظاهرة ، وذلك انهم كانوا يعدون الانفاق مغرما وضيعة بينهم ، وهذا يوجب ان تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والانفاق في سبيل الله ، لأن الله تعالى ذم المنافقين بكراهتهم الانفاق ، وهذا معنى قوله عليه السلام (( أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم )) فان أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق . . قال المصنف رضي الله عنه : حاصل هذه المباحث يدل على ان روح الطاعات الاتيان بها لغرض العبودية والانقياد في الطاعة ، فان لم يؤت بها لهذا الغرض ، فلا فائدة فيه ، بل ربما صارت وبالاعلى صاحبها . ﴿ المسألة الخامسة﴾ ﴿وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم ﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿ أن يقبل ﴾ بالياء والباقون بالتاء على التأنيث. وجه الأولين : ان النفقات في معنى الانفاق ، كقوله ﴿ فمن جاءه موعظة﴾ ووجه من قرأ التأنيث ان الفعل مسند الى مؤنث . قال صاحب الكشاف: قرىء ﴿ نفقاتهم﴾ و﴿ نفقتهم﴾ على الجمع والتوحيد. وقرأ السلمي ﴿ أن يقبل منهم نفقاتهم ﴾ على اسناد الفعل الى الله عز وجل . قوله تعالى ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون ﴾ ٩٤ قوله تعالى ((فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم)) سورة التوبة اعلم أنه تعالى لما قطع في الآية الاولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة ، بين ان الاشياء التي يظنونها من باب المنافع في الدنيا ، فانه تعالى جعلها اسباب تعظيمهم في الدنيا ، وأسباب اجتماع المحن والآفات عليهم ، ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه ، فانه تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم ، بين ما لهم في الآخرة من العذاب الشديدوما لهم في الدنيامن وجوه المحنة والبلية ، ثم بين بعد ذلك ان ما يفعلونه من اعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة . ثم بين في هذه الآية أن ما يظنون انه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند هذا يظهر ان النفاق جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا ، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا ، وإذا وقف الانسان على هذا الترتيب عرف انه لا يمكن ترتيب الكلام على وجه أحسن من هذا . ومن الله التوفيق . وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ هذا الخطاب ، وان كان في الظاهر مختصا بالرسول عليه السلام، الا ان المراد منه كل المؤمنين ، أي لا ينبغي ان تعجبوا بأموال هؤلاء المنافقين والكافرين ، ولا بأولادهم ولا بسائر نعم الله عليهم ، ونظيره قوله تعالى ﴿ولا تمدن عينيك ﴾ الآية . ﴿ المسألة الثانية ﴾ الاعجاب: السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ، ومع اعتقاد انه ليس لغيره ما يساويه ، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله ، فانه لا يبعد في حكم الله ان يزيل ذلك الشيء عن ذلك الانسان ويجعله لغيره ، والانسان متى كان متذكرا لهذا المعنى زال اعجابه بالشيء ، ولذلك قال عليه السلام (( ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه)) وكان عليه السلام يقول ((هلك المكثِّرون)) وقال عليه السلام (( مالك من مالك الا ما اكلت فأفنيت او لبست فأبليت او تصدقت فأمضيت )) وذکر عبيد بن عمیر ، ورفعه الى الرسول عليه السلام (( من كثر ماله اشتد حسابه ومن كثر بيعه كثرت شياطينه ، ومن ازداد من السلطان قربا ، ازداد من الله بعدا)) والاخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة ، والمقصود منها الزجر عن الاتكال الى الدنيا ، والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها . قال بعض المحققين : الموجودات بحسب القسمة العقلية على اربعة اقسام : الاول : الذي يكون ازلیا ابديا ، وهو الله جل جلاله . والثاني : الذي لا يكون ازلیا ولا ابديا وهو الدنيا . والثالث : الذي يكون ازلیا ولا يكون ابديا وهذا محال الوجود ، لانه ثبت بالدليل ان ما ثبت قدمه امتنع عدمه . والرابع : الذي يكون ابديا ولا يكون ازليا وهو الآخرة وجميع ٩٥ قوله تعالى ((إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)) سورة التوبة المكلفين ، فان الآخرة لها اول ، لكن لا آخر لها، وكذلك المكلف سواء كان مطيعا او كان عاصيا فلحياته اول ، ولا آخر لها . واذا ثبت هذا ثبت ان المناسبة الحاصلة بين الانسان المكلف وبين الآخرة اشد من المناسبة بينه وبين الدنيا ، ويظهر من هذا انه خلق للآخرة لا للدنيا ، فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا ، وان لا يميل قلبه اليها فان المسكن الاصلي له هو الآخرة لا الدنيا . أما قوله ﴿ انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قال النحويون: في الآية محذوف، كأنه قيل: انما يريد الله ان يملي لهم فيها ليعذبهم، ويجوز ايضا ان يكون هذا اللام بمعنى ((أن)) كقوله ﴿يريد الله ليبين لكم ﴾ اي ان یبين لكم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال مجاهد والسدى وقتادة : في الآية تقديم وتأخير، والتقدير : فلا تعجبك أموالهم ولا اولادهم في الحياة الدنيا ، انما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة . وقال القاضي : وههنا سؤالان : الأول : وهو أن يقال : المال والولد لا يكونان عذابا ، بل هما من جملة النعم التي منَّ الله بها على عباده ، فعند هذا التزم هؤلاء التقديم والتأخير ، فكيف يكون المال والولد عذابا؟ فلا بد لهم من تقدير حذف في الكلام بان يقولوا أراد التعذيب بها من حيث كانت سببا للعذاب ، وإذا قالوا ذلك فقد استغنوا عن التقديم والتأخير ، لأنه يصح ان يقال يريد الله ان يعذبهم بها في الدنيا من حيث كانت سببا للعذاب ، وايضا فلو انه قال ﴿ فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم في الحياة الدنيا ﴾ لم يكن لهذه الزيادة كثير فائدة ، لأن من المعلوم ان الاعجاب بالمال والولد لا يكون الا في الدنيا ، وليس كذلك حال العذاب ، فانها قد تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة ، فثبت ان القول بهذا التقديم والتأخير ليس بشيء . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الأموال والأولاد يحتمل أن تكون سببا للعذاب في الدنيا، ويحتمل أن تكون سببا للعذاب في الآخرة . أما كونها سببا للعذاب في الدنيا فمن وجوه : الأول : أن كل من كان حبه للشيء أشد وأقوى ، كان حزنه وتألم قلبه على فواته أعظم وأصعب، وكان خوفه على فواته أشد وأصعب ، فالذين حصلت لهم الأموال الكثيرة والأولاد إن كانت تلك الأشياء باقية عندهم كانوا في ألم الخوف الشديد من فواتها ، وإن فاتت وهلكت كانوا في ألم الحزن الشديد بسبب فواتها . فثبت أنه بحصول موجبات السعادات الجسمانية لا ينفك عن تلك القلب ، إنما بسبب خوف فواتها وإما بسبب الحزن من وقوع فواتها . والثاني : أن هذه يحتاج في اكتسابها ٩٦ قوله تعالى: ((انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)) سورة التوبة وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة ، ثم عند حصولها يحتاج الى متاعب أشد وأشق وأصعب وأعظم في حفظها ، فكان حفظ المال بعد حصوله أضعب من اكتسابه ، فالمشغوف بالمال والولد أبدا يكون في تعب الحفظ والصون عن الهلاك ، ثم إنه لا ينتفع إلا بقليل من تلك الأموال ، فالتعب كثير والنفع قليل . والثالث : أن الإنسان إذا عظم حبه لهذه الأموال والأولاد ، فاما أن تبقى عليه هذه الأموال والأولاد الى آخر عمره ، أولا تبقى ، بل تهلك وتبطل . فإن كان الأول ، فعند الموت يعظم حزنه وتشتد حسرته ، لأن مفارقة المحبوب شديدة ، وترك المحبوب أشد وأشق ، وإن كان الثاني وهو أن هذه الأشياء تهلك وتبطل حال حياة الانسان عظم أسفه عليها ، واشتد تألم قلبه بسببها ، فثبت أن حصول الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا . الرابع : أن الدنيا حلوة ، خضرة ، والحواس مائلة اليها ، فاذا كثرت وتوالت استغرقت فيها وانصرفت النفس بكليتها اليها ، فيصير ذلك سببا لحرمانه عن ذكر اللّه، ثم إنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوة وقهر، وكلما كان المال والجاه أكثر. كانت تلك القسوة اقوى واليه الاشارة بقوله تعالى: ان الإنسان ليطغى: ان رآه استغنى فظهر ان كثرة الأموال والأولاد سبب قوي في زوال حب الله وحب الآخرة عن القلب وفي حصول حب الدنيا وشهواتها في القلب، فعند الموت كأن الانسان ينتقل من البستان الى السجن ومن مجالسة الاقرباء والأحباء الى موضع الكربة والغربة فيعظم تألمه وتقوى حسرته، ثم عند الحشر حلالها حساب، وحرامها عقاب. فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا والآخرة . فان قيل : هذا المعنى حاصل للكل ، فما الفائدة في تخصيص هؤلاء المنافقين بهذا العذاب ؟ قلنا : المنافقون مخصوصون بزيادات في هذا الباب : أحدها : أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الاخر علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا ، فبهذا العلم يفتر حبه للدنيا ، وأما المنافق لما اعتقد أنه لا سعادة له إلا في هذه الخيرات العاجلة عظمت رغبته فيها، واشتد حبه لها، وكانت الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر في حقه، وتقوى عند قرب الموت وظهور علاماته، فهذا النوع من العذاب حاصل لهم في الدنيا بسبب حب الاموال والاولاد. وثانيها: أن النبي ◌َّ كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال في وجوه الخيرات ، ويكلفهم إرسال أموالهم الى الجهاد والغزو ، وذلك يوجب تعريض أولادهم للقتل ، والقوم كانوا يعتقدون أن محمدا ليس بصادق في كونه رسولا من عند الله وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة ، وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير فائدة ، ولا شك أن هذا أشق على القلب جدا ، فهذه الزيادة من التعذيب ، كانت حاصلة للمنافقين . وثالثها : أنهم يبغضون محمدا عليه الصلاة والسلام بقلوبهم ، ثم كانوا يحتاجون الى بذل أموالهم وأولادهم ٩٧ قوله تعالى ((وتزهق انفسهم وهم كافرون )) سورة التوبة ونفوسهم في خدمته ، ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة . ورابعها : أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهورا تاما ، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار ، وحينئذ يتعرض الرسول لهم بالقتل، وسبي الأولاد ونهب الأموال ، وكلما نزلت آية خافوا من ظهور الفضيحة ، وكلما دعاهم الرسول خافوا من أنه ربما وقف على وجه من وجوه مكرهم وخبثهم وكل ذلك مما يوجب تألم القلب ومزيد العذاب . وخامسها : أن كثيرا من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء ، كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة ، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ، شهد بدرا وكان من الله بمكان ، وهم خلق كثير مبرئون عن النفاق وهم كانوا لا يرتضون طريقة آبائهم في النفاق ، ويقدحون فيهم ، ويعترضون عليهم ، والابن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به واستيحاشه منه ، فصار حصول هؤلاء الأولاد سببا لعذابهم . وسادسها : أن فقراء الصحابة وضعافهم كانوا يذهبون في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام الى الغزوات ، ثم يرجعون مع الاسم الشريف والثناء العظيم والفوز بالغنائم ، وهؤلاء المنافقون مع الأموال الكثيرة والأولاد الأقوياء ، كانوا يبقون في زوايا بيوتهم أشباه الزمنى والضعفاء من الناس ، ثم إن الخلق ينظرون اليهم بعين المقت والازدراء والسّمة بالنفاق ، وكأن كثرة الأموال والأولاد صارت سببا لحصول هذه الأحوال ، فثبت بهذه الوجوه أن كثرة أموالهم صارت سببا لمزيد العذاب في الدنيا في حقهم . ﴿ المسألة الرابعة) احتج أصحابنا في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو مراد الله تعالى بقوله ( وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) قالوا : لأن معنى الآية أن الله تعالى أراد إرهاق أنفسهم مع الكفر ومن أراد ذلك فقد أراد الكفر . أجاب الجبائي فقال :معنى الآية أنه تعالى أراد إزهاق أنفسهم حين كانوا كافرين ، وهذا لا يقتضي كونه تعالى مريدا للكفر ، ألا ترى أن المريض قد يقول للطبيب : أريد أن تدخل علي في وقت مرضي ، فهذه الارادة لا توجب كونه مريدا لمرض نفسه ، وقد يقول للطبيب : أريد أن تطيب جراحتي ، وهذا لا يقتضي أن يكون مريدا لحصول تلك الجراحة ، وقد يقول السلطان لعسكره : اقتلوا البغاة حال إقدامهم على الحرب ، وهذا لا يدل علی کونه مریدا لذلك الحرب ، فكذا ههنا . والجواب: أن الذي قاله تمويه عجيب، وذلك لأن جميع الأمثلة التي ذكرها يرجع حاصلها الى حرف واحد، وهو أنه يريد إزالة ذلك الشبىء، فاذا قال المريض للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي ، كان معناه : أريد أن تسعى في إزالة مرضي ، وإذا قال له : أريد الفخر الرازي ج١٦ م٧ ٩٨ قوله تعالى ((ويحلفون بالله انهم لمنكم)) سورة التوبة لَوْ يَجِدُونَ وَيَحْلِفُونَ بِلَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَفُونَ ( مَلْجَعًا أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ مُدَّخَلَا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( ٥٧ أن تطيب جراحتي كان معناه : أريد أن تزيل عني هذه الجراحة، وإذا قال السلطان : اقتلوا البغاة حال إقدامهم على الحرب ، كان معناه : طلب إزالة تلك المحاربة وإبطالها وإعدامها ، فثبت أن المراد والمطلوب في كل هذه الأمثلة إعدام ذلك الشيء وإزالته فيمتنع أن يكون وجوده مرادا بخلاف هذه الآية ، وذلك لأن إزهاق نفس الكافر ليس عبارة عن إزالة كفره ، وليس أيضا مستلزما لتلك الازالة ، بل هما أمران متناسبان ، ولا منافاة بينهما البتة ، فلما ذكر الله في هذه الآية أنه أراد إزهاق أنفسهم حال كونهم كافرين ، وجب أن يكون مريدا لكونهم كافرين حال حصول الازهاق، كما أنه لو قال: أريد أن ألقى فلانا حال كونه في الدار، فانه يقتضي أن يكون قد أراد كونه في الدار ، وتمام التحقيق في هذا التقدير : أن الازهاق في حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر ، ومريد الشيء مريد لما هو من ضروراته ، فلما أراد الله الازهاق حال الكفر ، وثبت أن من أراد شيئا فقد أراد جميع ما هو من ضروراته ، لزم كونه تعالى مريدا لذلك الكفر ، فثبت أن الأمثلة التي أوردها الجبائي محض التمويه . قوله تعالى ﴿ ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا اليه وهم يجمحون ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا ، خائبين عن جميع منافع الآخرة والدنيا ، عاد إلى ذكر قبائحهم وفضائحهم ، وبين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال ( ويحلفون بالله) أي المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم ( إنهم لمنكم ) على دينكم ثم قال تعالى ﴿ وما هم منكم ﴾ أي ليسوا على دينكم ( ولكنهم قوم يفرقون ) القتل ، فأظهر واالايمان وأسروا النفاق، وهو كقوله تعالى (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون) والفرق الخوف، ومنه يقال: رجل فروق. وهو الشديد الخوف، ومنها : أنهم لو وجدوا مفرا يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا اليه ولفارقوكم ، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن عن القلب ، فقوله ( لو يجدون منجأ ) الملجأ : المكان الذي يتحصن فيه ، ومثله اللجأ مقصورا مهموزا ، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم ، ومثله التجأ والجأته إلى كذا ، أي جعلته ٠ ٩٩ قوله تعالى (( ومنهم من يلمزك في الصدقات))سورة التوبة وَمِنْهُمْ مَّن يَلْيِزُكَ فِ الصَّدَقَِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن ◌َّْ يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَءَ اتَنُهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ, وَقَالُواْ حَسْجُنَا اللهُ سَيُؤْتِنَا اللهُ ٥٨ يَسْخَطُونَ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ: إِنَّ إِلَى اللهِ رَغِبُونَ مضطراً اليه ، وقوله ( أو مغارات ) هي جمع مغارة ، وهي الموضع الذي يغور الانسان فيه ، أي يستتر . قال أبو عبيد : كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك ، ومنه غار الماء في الأرض وُغارت العين ، وقوله ( مدخلا ) قال الزجاج : أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالا ، لأن التاء مهموسة ، والدال مهجورة ، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من الدخول ، كالمتلج من الولوج . ومعناه : المسلك الذي يستتر بالدخول فيه . قال الكلبي وابن زيد : نفقاكنفق اليربوع . والمعنى: أنهم لوجدوا مكانا على أحد هذه الوجوه الثلاثة ، مع أنها شر الأمكنة (ولّ لولّوا اليه) أي رجعوا اليه. يقال : ولّ بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله ( وهم يجمعون ) أي يسرعون إسراعا لا يردّ وجهوهم شيء ، ومن هذا يقال : جمع الفرس وهو فرس جموح ، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام ، والمراد الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة . واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهى : الملجأ ، والمغارات ، والمدخل ، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه ، فالملجأ يحتمل الحصون ، والمغارات الكهوف في الجبال ، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار . قال صاحب الكشاف: قرىء ( مدخلا) من دخل و ( مدخلا ) من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم ، وقرأ أبي بن كعب ( متدخلا) وقرأ ( لو ألو اليه) أي لالتجاؤا، وقرأ أنس (يجمزون) فسئل عنه فقال : يجمعون ويجمزون ويشتدون واحد. قوله تعالى ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ﴾ اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون : إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته وينسبونه الى أنه لا يراعي العدل ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال أبو سعيد الخدرى رض الله عنه: بينما النبي و لم يقسم مالا إذ ١٠٠ قوله تعلى ((ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله )) سورة التوبة جاءه المقداد بن ذي الخويصرة التميمي ، وهو حرقوص بن زهير ، أصل الخوارج فقال : اعدل يا رسول الله، فقال («ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل )) فنزلت هذه الآية . قال الكلبي : قال رجل من المنافقين يقال له أبو الجواظ لرسول الله ◌َ له: تزعم أن الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم تضعها في رعاء الشاء؟ فقال رسول الله وي ليه («لا أبالك أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا؟)) فلما ذهب، قال عليه الصلاة والسلام ((احذروا هذا وأصحابه فانهم منافقون)) وروى أبو بكر الأصم رضى الله عنه في تفسيره: أنهلم * قال لرجل من أصحابه ((ما علمك بفلان)) فقال مالي به علم إلا إنك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء ، فقال عليه الصلاة والسلام، ((إنه منافق أداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره)) فقال: لو أعطيت فلانا بعض ما تعطيه، فقال عليه الصلاة والسلام ((إنه مؤمن أَكِلْهُ إلى إيمانه ، وأما هذا فمنافق أداريه خوف إفساده )) ﴿ المسألة الثانية) قوله (يلمزك) قال الليث: اللمز كالهمز في الوجه. يقال : رجل لمزة يعيبك في وجهك ، ورجل همزة يعيبك بالغيب . وقال الزجاج : يقال لمزت الرجل ألمزه بالكسر، وألمزه بضم الميم إذا عبته ، وكذلك همزته أهمزته همزاً . إذا عيبته ، والهمزة اللمزة : الذي يغتاب الناس ويعبهم ، وهذا يدل على أن الزجاج لم يفرق بين الهمز واللمز . قال الأزهري : وأصل الهمز واللمز الدفع . قال : همزته ولمزته اذا دفعته ، وفرق أبو بكر الأصم بينهما ، فقال : اللمز أن يشير الى صاحبه بعيب جليسه ، والهمز أن يكسرعينه على جليسه الى صاحبه . اذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : يلمزك يغتابك . وقال قتادة: يطعن عليك. وقال الكلبي : يعيبك في أمر ما ، ولا تفاوت بين هذه الرويات إلا في الألفاظ . قال أبو على الفارسي : ههنا محذوف والتقدير : يعيبك في تفريق الصدقات . قال مولانا العلامة الداعي إلى الله : لفظ القرآن وهو قوله ( ومنهم من يلمزك في الصدقاتْ ) لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب ، إلا أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك ، ولولا هذه الروايات لكان يحتمل وجوها أخر سواها . فأحدها : أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقاً غير جائز ، لأن انتزاع كسب الانسان من يده غير جائز. أقصى ما في الباب أن يقال : يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا يقولون إن الله تعالى أغنى الأغنياء ، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء : فاما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول : فهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن بعض اليهود ، وهو أنهم قالوا ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) وثانيها : أن يقولوا : هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير، فوجب أن تقنع بأقل من ذلك .