النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
قوله تعالى ((يا أيها الذين أمنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا)) سورة التوبة
إلى الأرض ) وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسباباً كثيرة موجبة لقتالهم ، وذكر
منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله ( يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ) وذكر
أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا ، وعند هذا لا يبقى للانسان مانع من قتالهم
إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة . فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا
بالنسبة الى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل
وسفه .
﴿ المسألة الثانية﴾ المروى عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، وذلك
لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم ، وكان ذلك الوقت زمان
شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الروم وهابوه ، فنزلت هذه الآية .
قال المحققون : وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه أحدها : شدة الزمان في الصيف والقحط .
وثانيها : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر
الغزوات : وثالثها : إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت . ورابعها : شدة الحر في ذلك
الوقت . وخامسها : مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس
عن ذلك الغزو . والله اعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ يقال: استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفرا
ونفوراً، إذا حثهم ودعاهم اليه، ومنه قول النبي ◌ّ ((إذا استنفرتم فانفروا)) وأصل النفر
الخروج الى مكان لأمر واجب ، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير ، ومنه قولهم : فلان لا
فى العير ولا في النفير. وقوله ( اثاقلتم إلى الأرض ) أصله تثاقلتم ، وبه قرأ الأعمش ومعناه :
تباطأتم ونظيره قوله (ادارأتم) وقوله (اطيرنا بك) قال صاحب الكشاف: وضمن معنى الميل
والاخلاد فعدى بإلى ، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها ، وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه :
ونظيره (أخلد إلى الأرض واتبع هواه ) وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء
فيها ، وقوله ( ما لكم إذا قيل لكم) وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في
الانكار .
ثم قال تعالى ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا
قليل ) والمعنى كأنه قيل ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال ، وقد شرحنا المنافع العظيمة
التي تحصل عند القتال ، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم ،
٦٢
قوله تعالى ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً)) سورة التوبة
إِلَّا تَنْفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرً ا
فتركتم جميع هذه الأمور ، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود
توجب الثواب العظيم في الآخرة ؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة ، لأجل
المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل ، إن لذات الدنيا
خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة ، ومنافع الآخرة
شريفة عالية خالصة عن كل الآفات ، ودائمة أبدية سرمدية . وذلك يوجب القطع بأن متاع
الدنيا قليل حقير خسيس .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه تعالى
نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ، ولو لم يكن الجهاد واجباً لما كان هذا التثاقل
منكراً ، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه ، لأنه
عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه ، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم ، ومنافع
الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران ، وأيضا هو واجب على الكفاية ، فاذا قام به البعض سقط
عن الباقين .
﴿ المسألة الخامسة ) لقائل أن يقول إن قوله ( يا أيها الذين آمنوا) خطاب مع كل
المؤمنين .
ثم قال ﴿ ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) وهذا يدل على
أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية ، وهذا يدل على إطباق
كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة .
الجواب : أن خطاب الكل لارادة البعض مجاز مشهور في القرآن ، وفي سائر أنواع
الكلام كقوله :
إياك أعني واسمعي يا جارة
قوله تعالى ﴿ إلا تنفر وا یعذبکم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضر وه شيئاوالله على
كل شيء قدير ﴾
٦٣
قوله تعالى ((والله على كل شيء قدير )) سورة التوبة
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب
في ثواب الآخرة ، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية
للدواعي ، وهي ثلاثة انواع : الأول : قوله تعالى ( يعذبكم عذابا أليما )
واعلم أنه يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا ، وأن يكون المراد منه عذاب
الآخرة. وقال ابن عباس رضى الله عنهما : استنفر رسول الله وم # القوم فتثاقلوا، فأمسك الله
عنهم المطر . وقال الحسن : الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم . وقيل المراد منه عذاب
الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به . وقيل إنه تهديد بكل الأقسام ، وهي عذاب الدنيا وعذاب
الآخرة ، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة . الثاني : قوله ( ويستبدل قوما غيركم ) والمراد
تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه ، فان سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة
بهم ، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم ، وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء
الدين وعز الاسلام لا يحصل إلا بهم ، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم ، ونظيره
قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه ) ثم
اختلف المفسرون"، فقال ابن عباس : هم التابعون وقال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس .
وقال أبو روق : هم أهل اليمن ، وهذه الوجوه ليست تفسيراً للآية ، لأن الآية ليس فيها
إشعار بها ، بل حمل لذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها . قال الأصم معناه أن
يخرجه من بين أظهركم ، وهي المدينة . قال القاضي : هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على
أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها ، فلا يمتنع أن يظهر الله في المدينة أقواما يعينونه على
الغزو ، ولا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضا حال كونه هناك . والثالث : قوله ( ولا
تضروه شيئاً) والكناية في قول الحسن : راجعة إلى الله تعالى ، أي لا تضروا الله لأنه غني عن
العالمين ، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول ، أي لا تضروا الرسول لأن الله عصمه من
الناس ، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه .
ثم قال ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا
يجوز عليه العجز ، فاذا توعد بالعقاب فعل .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله (وما كان المؤمنون
لينفروا كافة) قال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله ◌َّير فلم ينفروا ،
وعلى هذا التقدير فلا نسخ . قال الجبائي : هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن
٦٤
=
قوله تعالى ((إلا تنصروه فقد نصره الله)) سورة التوبة
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَنْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِىَ أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِىِ الْغَارِ إِذ
يَقُولُ لِصَدِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّاللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَبَدَهُر ◌ُهُنُودٍ
لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةً اٌلَِّينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الَّهِ هِىَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَنِ بُ
حَكِيم
٤٠
المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذاباً أليما وهو عذاب النار ، فان ترك الجهاد لا يكون إلا من
المؤمنين ، فبطل بذلك قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم ، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك
الجهاد فكذا في غيره ، لأنه لا قائل بالفرق ، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في
سورة البقرة .
المسألة الثالثة﴾ قال القاضي : هذه الآية دالة على وجوب الجهاد ، سواء كان مع
الرسول أو مع غيره، لأنه تعالى قال ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا) ولم ينص
على أن ذلك القائل هو الرسول .
فان قالوا : يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى ( ويستبدل قوما غيركم ) ولقوله
( ولا تضروه شيئاً) إذ لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول .
قلنا : خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قرر ناه في أصول الفقه .
قوله تعالى ﴿إلا تنصر وه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار
إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تر وها وجعل كلمة
الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾
اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد ، وذلك لأنه تعالى ذكر في الآية
الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره ، ولم يشتغلوا بنصرته فان الله ينصره بدليل أن الله نصره
وقواه ، حين لم يكن معه إلا رجل واحد ، فههنا أولى ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول: كيف يكون قوله (فقد نصره الله ) جوابا للشرط؟
وجوابه أن التقدير إلا تنصروه ، فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد ،
ولا أقل من الواحد . والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت .
٦٥
قوله تعالى ((إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين)). سورة التوبة
﴿ المسألة الثانية) قوله (إذ أخرجه الذين كفروا) يعني قد نصره الله في الوقت الذي
أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله ( ثاني اثنين ) نصب على الحال ، أي في الحال التي كان فيها
( ثاني اثنين ) وتفسير قوله ( ثاني اثنين ) سبق في قوله ( ثالث ثلاثة ) وتحقيق القول أنه إذا حضر
اثنان فكل واحد منهما يكون ثانياً في ذينك الاثنين للآخر . فلهذا السبب قالوا : يقال فلان
ثاني اثنين ، أي هو أحدهما . قال صاحب الكشاف: وقرىء ( ثاني اثنين ) بالسكون و
( إذهما ) بدل من قوله ( إذ أخرجه ) والغار ثقب عظيم في الجبل ، وكان ذلك الجبل يقال له
ثور، في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكث رسول الله ي ليه فيه مع أبي بكر ثلاثاً . وقوله ( إذ
يقول ) بدل ثان .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ذكروا أن قريشاً ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله
* * فنزل (وإذ يمكر بك الذين كفروا) فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى
الغار، والمراد من قوله ( أخرجه الذين كفروا) هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج . وخرج
رسول الله ◌َّه وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر علياً أن يضطجع على فراشه ليمنعهم
السواد من طلبه ، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر الله به ، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر
الغار أولا، يلتمس ما في الغار، فقال له النبي ◌َّ، مالك؟ فقال بأبي أنت وأمي ، الغار
مأوى السباع والهوام ، فان كان فيه شيء كان بي لابك ، وكان في الغار جحر ، فوضع عقبه
عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول ، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا ، بكى أبو بكر خوفاً على
رسول الله وَ لّ فقال عليه السلام ((لا تحزن إن الله معنا)) فقال أبو بكر: إن الله لمعنا، فقال
الرسول ((نعم)) فجعل يمسح الدموع عن خده. ويرون عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي
بكر بكى، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده. وقيل: لما طلع المشركون فوق
الغار أشفق أبو بكر على رسول الله ﴿ ﴿ وقال إن تصب الیوم ذهب دين الله. فقال رسول الله (ما
ظنك باثنين الله ثالثهما)) وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار، وبعث الله
حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله وَ لي ((اللهم أعم أبصارهم))
فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا .
المسألة الرابعة ﴾ دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضى الله عنه من وجوه :
الأول : أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله ،
فلولا أنه عليه السلام كان قاطعاً على باطن أبي بكر ، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين
الصديقين ، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع ، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف
ظاهره ، لخافه من أن يدل أعداءه عليه ، وأيضاً لخافه من أن يقدم على قتله . فلما استخلصه
| الفخر الرازي ج١٦ م٥
٦٦
قوله تعالى ((إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين)) سورة التوبة
لنفسه في تلك الحالة ، دل على أنه عليه السلام كان قاطعاً بأن باطنه على وفق ظاهره . الثاني :
وهو أن الهجرة كانت باذن الله تعالى ، وكان في خدمة رسول الله وَ ير جماعة من المخلصين ،
وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب من أبي بكر ، فلولا أن الله تعالى أمره بأن
يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة ، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه
الصحبة ، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين . الثالث : أن كل
من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله وي ليه، أما هو فما سبق رسول الله كغيره ، بل صبر على
مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد ، وذلك يوجب
الفضل العظيم، الرابع: أنه تعالى سماه (ثاني اثنين) فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما
في الغار، والعلماء أثبتوا انه رضى الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فانه ێآ لما
أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب أبو بكر وعرض
الاسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضى الله تعالى
عنهم ، والکل آمنوا علی یدیه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله پټبعدأيام قلائل، فكان هو رضى
الله عنه (ثاني اثنين) في الدعوة إلى الله، وأيضاً كلما وقف رسول الله و # في غزوة، كان ابو بكر
رضى الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، ولما مرض رسول الله ◌َ ي قام
مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، ولما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك
: أيضاً، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه قالوا: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون
أعظم من كون الله تعالى رابعا لكل ثلاثة في قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا
خمسة إلا هو سادسهم) ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى
من الله تعالى دالا على فضيلة الانسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الانسان كان أولى .
والجواب : أن هذا تعسف بارد ، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير ،
وكونه مطلعاً على ضمير كل أحد ، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى ( ثاني اثنين ) تخصيصه بهذه
الصفة في معرض التعظيم وأيضاً قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا
الموضع دليل قاطع على أنه لو كان قاطعا بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر ؟
والوجه الخامس ﴾ من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضى الله عنه
لما حزن قال عليه الصلاة والسلام ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ولا شك أن هذا منصب عليّ ،
ودرجة رفيعة .
واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا : وحق خمسة سادسهم جبريل ،
٦٧
قوله تعالى: ((إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن)) سورة التوبة
وارادوا به أن الرسول ◌َ، وعليا، وفاطمة ، والحسن والحسين ، كانوا قد احتجبوا تحت
عباءة يوم المباهلة ، فجاء جبريل وجعل نفسه سادسا لهم ، فذكروا للشيخ الامام الوالد رحمه
الله تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه الله: لكم ما هو خير منه بقوله ((ما ظنك باثنين
الله ثالثهما)) ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل.
والوجه السادس ﴾ أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحبا للرسول وذلك يدل على
كمال الفضل . قال الحسين بن فضيل المحلى : من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله
* كان كافرا، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من (إذ يقول لصاحبه) هو أبو بكر ، وذلك يدل
على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحباً له ، اعترضوا وقالوا : إن الله تعالى وصف الكافر بكونه
صاحباً للمؤمن ، وهو قوله ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب )
والجواب : أن هناك وإن وصفه بكونه صاحباً له ذكرا إلا أنه أردفه بما يدل على الاهانة
والاذلال ، وهو قوله ( أكفرت ) أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه صاحباً له ، ذكر ما يدل على
الاجلال والتعظيم وهو قوله ( لا تحزن إن الله معنا ) فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة ؟
والوجه السابع ) في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر. قوله ( لا تحزن إن الله
معنا ) ولا شك أن المراد من هذه المعية ، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة ، وبالجملة
فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية ، فان حملوا هذه
المعية على وجه فاسد ، لزمهم إدخال الرسول فيه ، وإن حملوها على محمل رفيع شريف ، لزمهم
إدخال أبي بكر فيه ، ونقول بعبارة أخرى ، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه ، وکل من
كان الله معه فانه يكون من المتقين المحسنين ، لقوله تعالى (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم
محسنون ) والمراد منه الحصر، والمعنى : إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم ، وذلك يدل على
أن أبا بكر من المتقين المحسنين .
الوجه الثامن ﴾ في تقرير هذا المطلوب أن قوله (إن الله معنا) يدل على كونه ثاني
اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية ، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار ، وذلك منصب في
غاية الشرف ،
والوجه التاسع ﴾ أن قوله ( لا تحزن ) نهى عن الحزن مطلقا، والنهي يوجب الدوام
والتكرار ، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة ، قبل الموت وعند الموت وبعد
الموت .
والوجه العاشر﴾ قوله ( فأنزل الله سكينته عليه) ومن قال الضمير في قوله (عليه)
٦٨
قوله تعالى ((فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها)) سورة التوبة
عائد إلى الرسول فهذا باطل لوجوه :
﴿ الوجه الأول) أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات
المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر ، لأنه تعالى قال ( إذ يقول لصاحبه) والتقدير : إذ يقول محمد
لصاحبه أبي بكر لا تحزن ، وعلى هذا التقدير : فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر ،
فوجب عود الضمير اليه .
{ والوجه الثاني ) أن الحزن والخوف كانا حاصلين لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة
والسلام ، فانه عليه السلام كان آمنا ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش . فلما قال
لأبي بكر لا تحزن صار آمنا ، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه ، أولى
من صرفها إلى الرسول ◌َ ل18 ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوى النفس .
والوجه الثالث ﴾ أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال : إن
الرسول كان قبل ذلك خائفا ، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه ان يقول لأبي بكر ( لا تحزن إن
الله معنا ) فمن كان خائفا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ؟ ولو كان الأمر على ما قالوه
لوجب أن يقال : فأنزل الله سكينته عليه ، فقال لصاحبه لا تحزن ، ولما لم يكن كذلك ، بل
ذكر أولا أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن ، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول
السكينة ، وهو قوله ( فأنزل الله سكينته عليه) علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول
السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه
السكينة نازلة على قلب أبي بكر .
فان قيل : وجب أن يكون قوله ( فأنزل الله سكينته عليه) المراد منه أنه أنزل سكينته
على قلب الرسول ، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله ( وأيده بجنود لم تروها) وهذا لا يليق
إلا بالرسول ، والمعطوف يجب كونه مشاركا للمعطوف عليه ، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى
الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول .
قلنا : هذا ضعيف، لأن قوله ( وأيده بجنود لم تروها) إشارة إلى قصة بدر وهو
معطوف على قوله ( فقد نصره الله ) وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول
لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في وقعة بدر ، وإذا
كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال .
الوجه الحادي عشر﴾ من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق الكل
٦٩
قوله تعالى ((فأنزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها)) سورة التوبة
على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله و شهر وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر
وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام . روى أنه عليه الصلاة والسلام قال
((لقد كنت أنا وصاحبي في الغار بضعة عشر يوما وليس لنا طعام إلا التمر)) وذكروا أن جبريل
أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس، ففرح رسول الله و الفر بذلك وأخبر به أبا
بكر . ولما أمر الله رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر ، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري
جملين ورحلين وكسوتين ، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام . فلما قربا من
المدينة وصل الخبر إلى الانصار فخرجوا مسرعين ، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه
الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه ، ليعرفوا أن الرسول هوهو ، فلما دنوا خروا له سجدا
فقال لهم (( اسجدوا لربكم وأكرموا أخاً لكم)) ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه
الروايات من تفسير أبي بكر الاصم .
الوجه الثاني عشر﴾ أن رسول الله و لل حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر،
والأنصار ما رأوا مع رسول الله ◌َ ليل أحداً إلا أبا بكر، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه
من بين أصحابه في السفر والحضر، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا : لما لم يحضر معه في ذلك
السفر أحد إلا أبو بكر، فلو قدرنا أنه توفي رسول الله له في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره
إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي
والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمثه إلا أبو بكر، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات
الرفيعة لأبي بكر.
واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه
ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين : فالأول : قالوا إنه عليه الصلاة
والسلام قال لأبي بكر (( لا تحزن)) فذلك الحزن إن كان حقاً فكيف نهى الرسول عليه الصلاة
والسلام عنه ؟ وان كان خطأ ، لزم أن يكون أبو بكر مذنباً وعاصياً في ذلك الحزن . والثاني :
قالوا يحتمل أن يقال : إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل
الكفار عليه ، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه ، فأخذه مع نفسه دفعاً لهذا الشر. والثالث:
أنه ، وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر علياً بأن يضطجع على فراشه ،
ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صليه في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار
قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء ، فهذا العمل من عليّ ، أعلى وأعظم من كون
أبي بكر صاحبا للرسول ، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب .
والجواب عن الأول : أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة ، قال : فيقال لهم
٧٠
قوله تعالى: ((فأنزل الله سكينته عليه وايده بجنود لم تروها)) سورة التوبة
يجب في قوله تعالی لموسی علیه السلام ( لا تخف إنك أنت الأعلى ) أن يدل على أنه کان عاصيا
في خوفه ، وذلك طعن في الأنبياء ، ويجب في قوله تعالى في ابراهيم ، حيث قالت الملائكة له
( لا تخف) في قصة العجل المشوي مثل ذلك ، وفي قولهم للوط ( لا تخف ولا تحزن إنا منجوك
وأهلك ) مثل ذلك فاذا قالوا : إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية ، وإنما ذكر الله تعالى
ذلك في قوله ( لا تخف) ليفيد الأمن ، وفراغ القلب .
قلنا : لهم في المسألة كذلك .
فان قالوا : أليس إنه تعالى قال ( والله يعصمك من الناس ) فكيف خاف مع سماع هذه
الآية ؟ فنقول : هذه الآية إنما نزلت في المدينة ، وهذه الواقعة سابقة على نزولها ، وأيضا فهب
أنه كان آمنا على عدم القتل ، ولكنه ما كان آمنا من الضرب ، والجرح والإيلام الشديد .
والعجب منهم ، فانا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفا ، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في
البلاء، ولما خاف وبكى قالوا هذا السؤال الركيك ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق ،
وإنما مقصودهم محض الطعن .
والجواب عن الثاني : أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية ، فان أبا بكر لو
كان قاصداً له ، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار ، وقال لهم نحن ههنا ، ولقال ابنه
وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه ، فنسأل الله العصمة من
عصبية تحمل الانسان على مثل هذا الكلام الركيك .
والجواب عن الثالث من وجوه : الأول : أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في
تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، إلا أنا ندعي أن أبا بكر
بمصاحبته كان حاضراً في خدمة الرسول م 18 ، وعلي كان غائباً، والحاضر أعلى حالا من
الغائب . الثاني : أن علياً ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة ، أما بعدها لما عرفوا أن محمداً
غاب تركوه ، ولم يتعرضوا له . أما أبو بكر ، فانه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام
ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة ، فكان بلاؤه أشد . الثالث : أن أبا بكر رضى
الله عنه كان مشهوراً فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام
ويدعوهم إليه ، وشاهدوا منه انه دعا جمعاً من أكابر الصحابة رضى الله عنهم إلى ذلك الدين ،
وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته ، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان ، وكان يذب عن
الرسول # بالنفس والمال . وأما على بن أبي طالب رضى الله عنه ، فانه كان في ذلك الوقت
صغير السن ، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة ، ولا جهاد بالسيف والسنان ، لأن محاربته
٧١
قوله تعالى ((انفروا خفافاً وثقالاً)) .. سورة التوبة
انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْبِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَا لِكُمْ خَيْرٌ
تَكُمٌ إِن كُنتُمْتَعَلُونَ.
٤١
مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة ، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من
هذه الأحوال ، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على
علي ، ولهذا السبب ، فانهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي لم يتعرضوا له
البتة ، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم ، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد اله
أشد من خوف على كرم الله وجهه ، فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل . هذا ما نقوله في هذا
الباب على سبيل الاختصار .
أما قوله تعالى ﴿ وأيده بجنود لم تروها ﴾ فاعلم أن تقدير الآية أن يقال ( إلا تنصروه )
فلا بد له ذلك بدلیل صورتين .
﴿ الصورة الأولى) أنه قد نصره في واقعة الهجرة (إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين
إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه )
﴿ والصورة الثانية) وقعة بدر ، وهي المراد من قوله ( وأيده بجنود لم تروها) لأنه
تعالى أنزل الملائكة يوم بدر ، وأيد رسوله مثلقلوبهم، فقوله (وأيده بجنود لم تروها) معطوف
على قوله ( فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا )
ثم قال تعالى ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾ والمعنى أنه
تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة ، وكلمة الله هي العليا ، وهي قوله لا إله إلا
الله . قال الواحدي والاختيار في قوله (وكلمة الله) الرفع ، وهي قراءة العامة على
الاستئناف، قال الفراء ، ويجوز ( كلمة الله) بالنصب ، ولا أحب هذه القراءة لأنه لو نصبها
لكان الأجود أن يقال : وكلمة الله العليا ، ألا ترى أنك تقول أعتق أبوك غلامه ، ولا تقول
أعتق غلامه أبوك .
ثم قال ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ أي قاهر غالب لا يفعل إلا الصواب.
قوله تعالى ﴿ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير
لكم إن كنتم تعلمون ﴾
٧٢
قوله تعالى ((انفروا خفافاً وثقالا)). سورة التوبة
اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع الرسول ، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، أتبعه
بهذا الأمر الجزم . فقال ( انفروا خفافا وثقالا ) والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف
عليكم الجهاد أو على الصفة التي يثقل ، وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة . والمفسرون
ذكروها فالأول ( خفافا) في النفور لنشاطكم له (وثقالا ) عنه لمشقته عليكم . الثاني
( خفافا) لقلة عيالكم (وثقالا) لكثرتها . الثالث ( خفافا) من السلاح (وثقالا ) منه .
الرابع : ركبانا ومشاة . الخامس : شبانا وشيوخا . السادس : مهازيل وسمانا . السابع:
صحاحا ومرضى والصحيح ما ذكرنا إذ الكل داخل فيه لأن الوصف المذكور وصف كلي ،
يدخل فيه كل هذه الجزئيات .
فان قيل : أتقولون إن هذا الأمر يتناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ؟
قلنا : ظاهره يقتضي ذلك عن ابن مكتوم أنه قال لرسول الله وسلم : أعلي أن أنفر ، قال
((ما أنت إلا خفيف أو ثقيل)) فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه، فنزل قوله تعالى
( ليس على الأعمى حرج) وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع الرسول الر، ولم يتخلف
عن غزوات المسلمين ، ويقول : قال الله ( انفروا خفافا وثقالا ) فلا أجدني إلا خفيفا أو
ثقيلا . وعن صفوان بن عمرو قال : كنت واليا على حمص ، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه .
من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، قلت يا عم أنت معذور عند الله ، فرفع حاجبيه
وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا، ألا إن من أحبه الله ابتلاه. وعن الزهري: خرج
سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل صاحب ضرر، فقال:
استنفر الله الخفيف والثقيل ، فان عجزت عن الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع. وقيل
للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو: أنت معذور، فقال: أنزل الله علينا في سورة براءة
(انفروا خفافا وثقالا)
واعلم أن القائلين بهذا القول الذي قررناه يقولون : هذه الآية صارت منسوخة بقوله
تعالى ( ليس على الأعمى حرج ) وقال عطاء الخراساني : منسوخة بقوله ( وما كان المؤمنون
لينفروا كافة)
ولقائل أن يقول : اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، واتفقوا على أنه عليه
الصلاة والسلام خلف النساء وخلف من الرجال أقواما ، وذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس
على الأعيان ، لكنه من فروض الكفايات ، فمن أمره الرسول بأن يخرج ، لزمه ذلك خفافا
وثقالا ، ومن أمره بأن يبقى هناك ، لزمه أن يبقى ويترك النفر . وعلى هذا التقدير : فلا حاجة
:
٧٣
قوله تعالى ((لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لا تبعوك)). سورة التوبة
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدُ الََّ تَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ
بِاللهِ لَوْأَسْتَطَعْنَا تَرَجْنَا مَعَكُ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنْهُمْ لَكَذِبُونَ (٣)
إلى التزام النسخ .
ثم قال تعالى ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ وفيه قولان :
القول الأول ﴾ أن هذا يدل على أن الجهاد إنما يجب على من له المال والنفس ، فدل
على أن من لم يكن له نفس سليمة صالحة للجهاد ، ولا مال يتقوى به على تحصيل آلات الجهاد
لا يجب عليه الجهاد .
والقول الثاني ﴾ أن الجهاد يجب بالنفس إذا انفرد وقوى عليه، وبالمال إذا ضعف
عن الجهاد بنفسه، فيلزم على هذا القول أن من عجز أن ينيب عنه نفرا بنفقة من عنده فيكون
مجاهدا بماله لما تعذر عليه بنفسه، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء . .
ثم قال تعالى ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
فان قيل : كيف يصح أن يقال : الجهاد خير من القعود عنه ، ولا خير في القعود عنه .
قلنا : الجواب عنه من وجهين :
﴿الوجه الأول﴾: أن لفظ (خير) يستعمل في معنيين: أحدهما: بمعنى هذا خير من
ذلك . والثاني: بمعنى انه في نفسه خير كقوله (إني لما أنزلت إليّ من خير فقير)، وقوله (وإنه
لحب الخير لشديد) ويقال: التريد خير من الله، اي هو خير في نفسه وقد حصل من الله تعالى
فقوله (ذلكم خير لكم) المراد هذا الثاني، وعلى هذا الوجه يسقط السؤال .
﴿ الوجه الثاني﴾ سلمنا أن المراد كونه خيرا من غيره، إلا أن التقدير : أن ما يستفاد
بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما ، ولذلك
قال تعالى ( إن كنتم تعلمون) لأن ما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا
بالتأمل ، ولا يعرفه إلاّ المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق ، وأن القول بالثواب
والعقاب حق وصدق .
قوله تعالى ﴿ لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة
وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ﴾
اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله ، وکان قد ذکر قوله ( يا أيها
٧٤
قوله تعالى: ((لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك)) سورة التوبة
الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض ) عاد إلى تقرير كونهم
متثاقلين ، وبين أن أقواما ، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد ، تخلفوا في غزوة
تبوك ، وبين أنه ( لو كان عرضا قريبا وسفراً قاصداً لاتبعوك ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ العرض ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال : الدنيا عرض حاضر
يأكل منه البر والفاجر . قال الزجاج : فيه محذوف والتقدير : لو كان المدعو إليه سفرا قاصدا ،
فحذف اسم ( كان ) لدلالة ما تقدم عليه . وقوله ( سفر قاصدا) قال الزجاج : أي سهلا
قريبا . وإنما قيل لمثل هذا قاصدا ، لأن المتوسط ، بين الافراط، والتفريط ، يقال له :
مقتصد . قال تعالى ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ) وتحقيقه أن المتوسط بين الكثرة والقلة
يقصده كل أحد ، فسمي قاصدا ، وتفسير القاصد : ذو قصد ، كقولهم لابن وتامر ورابح .
قوله ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) قال الليث : الشقة بعد مسيرة إلى أرض بعيدة . يقال :
شقة شاقة ، والمعنى : بعدت عليهم الشاقة البعيدة، والسبب في هذا الاسم أنه شق على
الانسان سلوكها . ونقل صاحب الكشاف عن عيسى بن عمر : أنه قرأ( بعدت عليهم الشقة )
بكسر العين والشين .
﴿ المسألة الثانية﴾ هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ومعنى الكلام أنه
لو كانت المنافع قريبة والسفر قريبا لاتبعوك طمعاً منهم في الفوز بتلك المنافع ، ولكن طال
السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة ، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم ، فلهذا
السبب تخلفوا . ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم ( يحلفون بالله لو استطعنا
لخرجنا معكم ) إما عند ما يعاتبهم بسبب التخلف، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في
التخلف ، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق . وهذا يدل على أن
الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ((اليمين الغموس تدع الديار
بلاقع ))
ثم قال ﴿ والله يعلم إنهم لكاذبون ﴾ في قولهم ما كنا نستطيع الخروج ، فانهم كانوا
مستطيعين الخروج .
﴿ المسألة الثالثة ) دلت الآية على أن قوله (انفروا خفافا وثقالا ) إنما يتناول من كان
قادرا متمكنا ، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف .
المسألة الرابعة ﴾ استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن الاستطاعة مع
٧٥
قوله تعالى ((عفا الله عنك لم أذنت لهم)) سورة التوبة
عَنَا اللهُ عَنَكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ
الفعل ، فقال لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعا إلى
القتال ، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في قولهم : ما كنا نستطيع ذلك.، ولما كذبهم الله
تعالى في هذا القول ، علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل . واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضا له ،
وسأل نفسه هل يجوز أن يكون المراد به : ما كان لهم زاد راحلة ، وما أرادوا به نفس القدرة .
وأجاب : إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج ، فمن لا استطاعة له أولى
بالعذر . وأيضا الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال ، وإذا أريد به المال ، فانما
يراد لأنه يعين على ما يفعله الانسان بقوة البدن ، فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة .
وأجاب أصحابنا : بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل ، إلا
بوقت واحد ، فاما أن تتقدم عليه بأوقات كثيرة فذلك ممتنع ، فان الانسان الجالس في المكان لا
يكون قادرا في هذا الزمان أن يفعل فعلا في مكان بعيد عنه ، بل إنما يقدر على أن يفعل فعلا في
المكان الملاصق لمكانه . فاذا ثبت أن القدرة عند القوم لا تتقدم الفعل إلا بزمان واحد ، فالقوم
الذين تخلفوا عن رسول # ما كانوا قادرين على أصول المعتزلة ، فيلزمهم من هذه الآية ما
ألزموه علينا ، وعند هذا يجب علينا وعليهم ، أن نحمل الاستطاعة على الزاد والراحلة .
وحينئذ يسقط الاستدلال .
المسألة الخامسة ﴾ قالوا بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر عنهم أنهم
سيحلفون، وهذا اخبار عن غيب في المستقبل، والأمر لما وقع كما أخبر، كان هذا اخبارا عن
الغيب، فكان معجزا. والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾
اعلم أنه تعالى بين بقوله ﴿ لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ﴾ أنه تخلف قوم
من ذلك الغزو ، وليس فيه بيان أن ذلك التخلف ، كان باذن الرسول أم لا ؟ فلما قال بعده
( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) دل هذا ، على أن فيهم من تخلف باذنه وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من
وجهين : الأول : أنه تعالى قال ( عفا الله عنك ) والعفو يستدعي سابقة الذنب . والثاني :
٧٦
قوله تعالى: ((عفا الله عنك لم أذنت لهم)). سورة التوبة
أنه تعالى قال ( لم أذنت لهم ) وهذا استفهام بمعنى الانكار ، فدل هذا على أن ذلك الاذن كان
معصية وذنبا . قال قتادة وعمرو بن ميمون : اثنان فعلهما الرسول ، لم يؤمر بشيء فيهما ،
إذنه للمنافقين ، وأخذه الفداء من الأسارى ، فعاتبه الله كما تسمعون .
والجواب عن الأول : لا نسلم أن قوله ( عفا الله عنك ) يوجب الذنب ، ولم لا يجوز
أن يقال : أن ذلك يدل على مبالغة الله في تعظيمه وتوقيره ، كما يقول الرجل لغيره إذا كان
معظما عنده : عفا الله عنك، ما صنعت في أمري. ورضى الله عنك، ما جوابك عن كلامي ؟
وعافاك الله، ما عرفت حقي؟ فلا يكون غرضه من هذا الكلام ، إلا مزيد التبجيل والتعظيم .
وقال على بن الجهم : فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه :
تعود بعفوك إن أبعدا
عفا الله عنك ألا حرمة
ومولى عفا ورشيدا هدى
ألم تر عبدا عدا طوره
يقيك ويصرف عنك الردى
أقلني أقالك من لم يزل
والجواب عن الثاني أن نقول : لا يجوز أن يقال : المراد بقوله لم أذنت لهم ، الإنكار .
لأنا نقول : إما أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب ، فان
قلنا : إنه ما صدر عنه ذنب ، امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله ( لم أذنت لهم ) إنكار
عليه ، وإن قلنا : إنه كان قد صدر عنه ذنب ، فقوله ( عفا الله عنك ) يدل على حصول العفو
عنه ، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه ، فثبت أنه على جميع التقادير
يمتنع أن يقال : إن قوله ( لم أذنت لهم ) يدل على كون الرسول مذنبا ، وهذا جواب شاف
قاطع . وعند هذا ، يحمل قوله ( لم أذنت لهم ) على ترك الأولى والأكمل ، لا سيماً وهذه
الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا .
﴿ المسألة الثانية﴾ من الناس من قال: إن الرسول ◌َ لير، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في
بعض الوقائع . واحتج عليه بأن قوله ( فاعتبروا يا أولى الأبصار ) أمر لأولى الأبصار بالاعتبار
والاجتهاد ، والرسول كان سيدا لهم ، فكان داخلا تحت هذا الأمر ، ثم أكدوا ذلك بهذه الآية
فقالوا : إما أن يقال إنه تعالى أذن له في ذلك الاذن أو منعه عنه ، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه
والأول باطل ، وإلا امتنع أن يقول له لم أذنت لهم . والثاني باطل أيضا ، لأن على هذا
التقدير يلزم أن يقال إنه حكم بغيرما أنزل الله فيلزم دخوله تحت قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل
الله فأولئك هم الكافرون). (وأولئك هم الظالمون). (وأولئك هم الفاسقون) وذلك باطل
٧٧
قوله تعالى: ((عفا الله عنك لم أذنت لهم)) سورة التوبة
بصريح القول . فلم يبق إلا القسم الثالث ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة
من تلقاء نفسه ، فإما أن يكون ذلك مبنيا على الاجتهاد أو ما كان كذلك ، والثاني باطل ، لأنه
حكم بمجرد التشهي وهو باطل لقوله تعالى ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا
الشهوات ) فلم يبق إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة ، بناء على الاجتهاد ،
وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد .
فان قيل : فهل هذا يدل على أنه عدم الحكم بالاجتهاد أولى ، لأنه تعالى منعه من
هذا الحكم بقوله ( لم أذنت لهم ) ؟
قلنا : إنه تعالى ما منعه من ذلك الاذن مطلقا لأنه قال ( حتى يتبين لك الذين صدقوا
وتعلم الكاذبين ) والحكم الممدود الى غاية بكلمة حتى يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية ،
فهذا يدل على صحة قولنا .
فان قالوا : فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي ؟
قلنا : ما ذكرتموه محتمل إلا أن على التقدير الذي ذكرتم ، يصير تكليفه ، أن لا يحكم
البتة ، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص ، فلما ترك ذلك ، كان ذلك كبيرة ، وعلى
التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأ واقعا في الاجتهاد، فدخل تحت قوله صلى الله عليه
وسلم: ((ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)»، فكان حمل الكلام عليه أولى .
﴿ المسألة الثالثة ) دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة ، ووجوب التثبت
والتأني وترك الاغترار بظواهر الأمور والمبالغة في التفحص ، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما
يستحقه من التقريب أو الابعاد .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية ، ثم رخص له في
سورة النور فقال ( فاذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم )
﴿ المسألة الخامسة ﴾ قال أبومسلم الأصفهاني: قوله ( لم أذنت لهم ) ليس فيه ما يدل
على أن ذلك الاذن فيما ذا؟ ! فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود فأذن له ، ويحتمل أن
بعضهم استأذن في الخروج فأذن له ، مع أنه ما كان خروجهم معه صوابا ، لأجل أنهم كانوا
عيونا للمنافقين على المسلمين ، فكانوا يثيرون الفتن ويبغون الغوائل . فلهذا السبب ، ما كان
في خروجهم مع الرسول مصلحة . قال القاضي : هذا بعيد لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك
على وجه الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين ، وأيضا ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين
و بيان حالهم .
٧٨
قوله تعالى (( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر)). سورة التوبة
لَ يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلّهِ وَلْيَوْمِ الْآَنِ أَنْ يَُّهِدُواْ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ إِنََّا يَسْتَعْدِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِللهِ وَالْيَوْمِ الآخِ
وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتْرَدَّدُونَ (٤٢) وَلَوْ أَرَادُواْحُرُوجَ لَأَعَدُّواْلَهُ
◌ُدّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ أَنْبِعَائَهُمْ فَشَبََّّهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَدْعِدِينَ
٤٦
قوله تعالى ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في
ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا
مع القاعدین
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس: قوله ( لا يستأذنك ) أي بعد غزوة تبوك، وقال
الباقون هذا لا يجوز ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها ورد في قصة تبوك ، والمقصود من هذا
الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين ، فان المؤمنين متى أمروا بالخروج الى الجهاد تبادروا اليه ولم
يتوقفوا ، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار . وهذا المقصود حاصل سواء
عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي ، والمقصود أنه تعالى جعل علامة النفاق في ذلك الوقت .
الاستئذان ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا) فيه
محذوف، والتقدير : في أن يجاهدوا . إلا أنه حسن الحذف لظهوره ، ثم ههنا قولان :
﴿ القول الأول﴾ إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إصمار آخر، وعلى هذا التقدير
فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا ، وكان الأكابر من المهاجرين
والأنصار يقولون لا نستأذن النبي صل في الجهاد، فان ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى ، فأي فائدة
٧٩
قوله تعالى: ((إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر)). سورة التوبة
في الاستئذان ؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك ، ألا ترى أن علي
ابن أبي طالب لما أمره رسول ◌َّ بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له
· الرسول ((أنت مني بمنزلة هرون من موسى))
﴿القول الثاني) أنه لا بد ههنا من إضمار آخر ، قالوا لأن ترك استئذان الامام في
الجهاد غير جائز ، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان ، فثبت أنه لا بد من الاضمار ،
والتقدير : لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا ، إلا أنه حذف حرف النفي ، ونظيره قوله
(يبين الله لكم أن تضلوا) والذي دلك على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن
حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في
ر یبهم يترددون ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ بين أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الايمان بالله واليوم الآخر
ثم لما كان عدم الايمان قد يكون بسبب الشك فيه ، وقد يكون بسبب الجزم والقطع بعدمه .
بين تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب الشك والريب، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب
غير مؤمن بالله. وههنا سؤلان :
﴿ السؤال الأول﴾ أن العلم إذا كان استدلاليا كان وقوع الشك في الدليل يوجب وقوع
الشك في المدلول ، ووقوع الشك في مقدمة واحدة من مقدمات الدليل يكفي في حصول الشك
في صحة الدليل ، فهذا يقتضي أن الرجل المؤمن إذا وقع له سؤال وإشكال في مقدمة من
مقدمات دليله أن يصير شاكا في المدلول ، وهذا يقتضي أن يخرج المؤمن عن إيمانه في كل
لحظة ، بسبب أنه خطر بباله سؤال وإشكال ، ومعلوم أن ذلك باطل ، فثبت أن بناء الايمان
ليس على الدليل بل على التقليد . فصارت هذه الآية دالة على أن الأصل في الايمان هو التقليد
من هذا الوجه .
والجواب: أن المسلم وإن عرض له الشك في صحة بعض مقدمات دليل واحد إلا أن
سائر الدلائل سليمة عنده من الطعن، فلهذا السبب بقي إيمانه دائما مستمرا ،
السؤال الثاني ﴾ أليس أن أصحابكم يقولون أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ، وذلك
يقتضي حصول الشك ؟
والجواب: أنا استقصينا في تحقيق هذه المسألة في سورة الأنفال، وفي تفسير قوله (أولئك
هم المؤمنون حقاً).
٨٠
قوله تعالى ((ولكن كره الله انبعاثهم فتبطهم)). سورة التوبة
المسألة الثانية) قالت الكرامية: الإيمان هو مجرد الاقرار مع أنه تعالى شهد عليهم في
هذه الآية بأنهم ليسوا مؤمنين .
المسألة الثالثة) قوله ( وارتابت قلوبهم) يدل على أن محل الريب هو القلب فقط ،
ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة . والايمان أيضا هو القلب ، لأن محل أحد
الضدين يجب أن يكون هو محلا للضد الآخر ، ولهذا السبب قال تعالى ( أولئك كتب في قلوبهم
الايمان ) وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب ، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب
والبواقي تكون تبعا له
﴿ المسألة الرابعة) قوله (فهم في ريبهم يترددون) معناه أن الشاك المرتاب يبقى مترددا
بين النفي والاثبات ، غير حاكم بأحد القسمين ولا جازم بأحد النقيضين . وتقريره : أن
الاعتقاد إما أن يكون جازما أولا يكون ، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وان كان
مطابقا ، فان كان عن يقين فهو العلم ، وإلا فهو إعتقاد المقلد . وإن كان غير جازم ، فان كان
أحد الطرفين راجحا فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم . وإن اعتدل الطرفان فهو الريب
والشك ، وحينئذ يبقى الانسان مترددا بين الطرفين .
ثم قال تعالى ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) قرىء ( عدته) وقرىء أيضا
( عدة ) بكسر العين بغير إضافة وباضافة ، قال ابن عباس : يريد من الزاد والماء والراحلة ،
لأن سفرهم بعيد وفي زمان شديد ، وتركهم العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف . وقال
آخرون : هذا إشارة إلى أنهم كانوا قادرين على تحصيل الأهبة والعدة .
ثم قال تعالى ﴿ ولكن کره الله انبعاثهم فشبطهم ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال بعثت البعير فانبعث وبعثته
لأمر كذا فانبعث ، وبعثه لأمر كذا أي نفذه فيه ، والتثبيط رد الانسان عن الفعل الذي هم به ،
والمعنى : أنه تعالى كره خروجهم مع الرسول وَّ فصرفهم عنه.
فان قيل : إن خروجهم مع الرسول إما أن يقال إنه كان مفسدة وإما أن يقال إنه كان
مصلحة
فان قلنا : إنه كان مفسدة ، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود ؟ وإن قلنا : إنه
كان مصلحة ، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم ؟
والجواب الصحيح : أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة ، بدليل أنه تعالى صرح