النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
قوله تعالى ((هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق)) سورة التوبة
هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ، بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ، عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَلَوْكَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ
يفيد زيادة عدم الارادة وهي المنع والامتناع، والدليل عليه قوله : ﴿ ((وان أرادوا ظُلْمنا أبينا))
فامتدح بذلك ، ولا يجوز ان يمتدح بانه يكره الظلم ، لان ذلك يصح من القوي والضعيف ،
ويقال : فلان أبى الضيم ، والمعنى ما ذكرناه ، وانما سمى الدلائل بالنور لان النور يهدي إلى
الصواب . فكذلك الدلائل تهدي الى الصواب في الاديان .
قوله تعالى ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون﴾
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الاعداء انهم يحاولون ابطال امر محمدپ( وبین تعالى انه یأبی
ذلك الابطال وانه يتم امره ، بین کيفية ذلك الاتمام فقال ﴿ هو الذي ارسل رسوله بالهدی ودین
الحق ﴾
واعلم ان كمال حال الأنبياء صلوات الله عليهم لا تحصل الا بمجموع امور : أولها :
كثرة الدلائل والمعجزات ، وهو المراد من قوله ﴿ أرسل رسوله بالهدى ﴾ وثانيها : كون دينه
مشتملا على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح ومطابقة الحكمة وموافقة
المنفعة في الدنيا والآخرة ، وهو المراد من قوله ﴿ودين الحق﴾ وثالثها : صيرورة دينه مستعليا
على سائر الاديان عاليا عليها غالبا لأضدادها قاهرالمنكريها ، وهو المراد من قوله ﴿ ليظهره على
الدین کله ﴾
واعلم ان ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة ، وقد يكون بالكثرة والوفور ، وقد
يكون بالغلبة والاستيلاء ، ومعلوم انه تعالى بشر بذلك ، ولا يجوز ان يبشرالا بأمر مستقبل غير
حاصل ، وظهور هذا الدين بالحجة مقرر معلوم ، فالواجب حمله على الظهور بالغلبة .
فان قيل : ظاهر قوله ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ يقتضي كونه غالبا لكل الاديان وليس
الامر كذلك فان الاسلام لم يصر غالبا لسائر الاديان في ارض الهند والصين والروم ، وسائر
اراضي الكفرة !
قلنا أجابوا عنه من وجوه :

٤٢ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا ان كثيرا من الاحبار والرهبان)) سورة التوبة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًاً مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالأُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ
بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَ
فِي سَبِيلِ اللّهِ فَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
﴿ الوجه الاول﴾ انه لا دين بخلاف الاسلام الا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم
في بعض المواضع ، وان لم يكن كذلك في جميع مواضعهم ، فقهروا اليهود وأخرجوهم من
بلاد العرب ، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها من ناحية الروم والغرب ، وغلبوا
المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الاصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند ، وكذلك
سائر الاديان فثبت ان الذي اخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل وكان ذلك اخبارا عن
الغيب فكان معجزا .
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب ان نقول: روى عن أبي هرير رضي الله عنه أنه قال:
هذا وعد من الله بانه تعالى يجعل الاسلام عاليا على جميع الاديان . وتمام هذا انما يحصل عند
خروج عيسى ، وقال السدي : ذلك عند خروج المهدي ، لا يبقى أحد الا دخل في الاسلام او
ادى الخراج .
﴿الوجه الثالث﴾ المراد: ليظهر الاسلام على الدين كله في جزيرة العرب، وقد حصل
ذلك فإنه تعالى ما ابقى فيها أحداً من الكفار
﴿الوجه الرابع﴾ أن المراد من قوله ﴿ليظهر على الدين كله﴾ ان يوقفه على جميع
شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء .
﴿ الوجه الخامس﴾ أن المراد من قوله ﴿ليظهره على الدين كله﴾ بالحجة والبيان الا ان
هذا ضعيف ؛ لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله . والتقوية بالحجة والبيان كانت حاصلة من اول
الامر ، ويمكن ان يجاب عنه بأن في مبدأ الامر كثرت الشبهات بسبب ضعف المؤمنين واستيلاء
الكفار ، ومنع الكفار سائر الناس من التأمل في تلك الدلائل . أما بعد قوة دولة الاسلام
عجزت الكفار فضعفت الشبهات ، فقوي ظهور دلائل الاسلام ، فكان المراد من تلك البشارة
هذه الزيادة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا ان كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس
بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله
فبشرهم بعذاب اليم.

٤٣
قوله تعالى ((يوم يحمى عليها في نار جهنم)) سورة التوبة
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارٍ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَاذَا مَا
دَكَرٌ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْثِرُونَ (
٣٥
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم
لانفسکم فذوقوا ما كنتم تکنز ون ﴾
اعلم انه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية
والترفع على الخلق ، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ اموال الناس ، تنبيها على
ان المقصود من اظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر ، أخذ أموال الناس بالباطل ، ولعمري
من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الايات كأنها ما أنزلت الا في شأنهم
وفي شرح احوالهم ، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت الى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع
المخلوقات وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى اذا آل الى الرغيف الواحد تراه
يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قد عرفت ان الاحبار من اليهود، والرهبان من النصارى بحسب
العرف ، فالله تعالى حكى عن كثير منهم انهم ليأكلون أموال الناس بالباطل ، وفيه أبحاث :
﴿ البحث الاول ﴾ أنه تعالى قيد ذلك بقوله ﴿كثيرا﴾ ليدل بذلك على ان هذه الطريقة
طريقة بعضهم لا طريقة الكل ، فان العالم لا يخلو عن الحق واطباق الكل على الباطل كالممتنع
هذا يوهم انه كما ان اجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك سائر الأمم .
﴿ البحث الثاني﴾ انه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله ﴿ليأكلون ﴾
والسبب في هذه الاستعارة ، ان المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل ، فسمي الشيء
باسم ما هو أعظم مقاصده ، أو يقال من أكل شيئا فقد ضمنه الى نفسه ومنعه من الوصول الى
غيره ، ومن جمع المال فقد ضم تلك الاموال الى نفسه ، ومنعها من الوصول الى غيره ، فلما
حصلت المشابهة بين الاكل وبين الاخذ من هذا الوجه ، سمي الاخذ بالأكل . أو يقال : ان
من اخذ اموال الناس ، فاذا طولب بردها ، قال اكلتها وما بقيت ، فلا أقدر على ردها ، فلهذا
السبب سمي الأخذ بالأكل .
﴿ البحث الثالث) أنه قال ﴿ ليأكلون أموال الناس بالباطل﴾ وقد اختلفوا في تفسير
هذا الباطل على وجوه : الأول : أنهم كانوا يأخذون الرشوة في تخفيف الاحكام والمسامحة في
الشرائع . والثاني : أنهم كانوا يدعون عند الحشرات والعوام منهم ، أنه لا سبيل لأحد الى

٤٤
قوله تعالى ((والذين يكنزون الذهب والفضة)) سورة التوبة
الفوز بمرضاة الله تعالى الا بخدمتهم وطاعتهم ، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا
يغترون بتلك الأكاذيب . الثالث : التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد نية .
فأولئك الأحبار والرهبان ، كانوا يذكرون في تأويلها وجوها فاسدة ، ويحملونها على محامل
باطلة ، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب ، ويأخذون الرشوة . والرابع : أنهم كانوا
يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه ، فاذا قرروا ذلك قالوا: وتقوية الدين
الحق واجب . ثم قالوا : ولا طريق الى تقويته الا اذا كان اولئك الفقهاء اقواما عظماء اصحاب
الأموال الكثيرة والجمع العظيم ، فبهذه الطريق يحملون العوام على ان يبذلوا في خدمتهم
نفوسهم واموالهم ، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون اموال الناس ، وهي بأسرها حاصرة
في زماننا ، وهو الطريق لاكثر الجهال والمزورين الى اخذ اموال العوام والحمقى من الخلق .
ثم قال ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ويمنعون عن
متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان ، وفي زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانوا
يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع .
قال المصنف رضي الله عنه: غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه ، فبين تعالى في
صفة الاحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين ، فالمال هو المراد بقوله ﴿ ليأكلون
أموال الناس بالباطل ﴾ وأما الجاه فهو المراد بقوله ﴿ويصدون عن سبيل الله ﴾ فانهم لو اقروا
بان محمدا على الحق لزمهم متابعته ، وحينئذ يبطل حكمهم وتزول حرمتهم فلأجل
الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد مسجلة ، ويبالغون في القاء الشبهات
وفي استخراج وجوه المكر والخديعة ، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والاتباع لمنهجه
الصحيح .
ثم قال ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب
أليم ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله ﴿والذين﴾ احتمالات ثلاثة: لأنه يحتمل ان يكون المراد
بقوله ﴿ الذين ﴾ أولئك الاحبار والرهبان، ويحتمل أن يكون المراد كلاما مبتدأ على ما قال
بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين ، ويحتمل ان يكون المراد منه كل من كنز المال ولم
يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان او كان من المسلمين ، فلا شك ان
اللفظ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ، وروي عن زيد بن وهب . قال : مررت

٤٥
قوله تعالى ((والذين يكنزون الذهب والفضة)) سورة التوبة
بأبي ذر فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد ؟ فقال كنت بالشام فقرأت ﴿ والذين يكنزون
الذهب والفضة ) فقال معاوية هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت : أنها فيهم وفينا،
فصار ذلك سبباً للوحشة بيني وبينه ،فكتب إليّ عثمان أن أقبل إليّ، فلما قدمت المدينة انحرف
الناس عني ، كأنهم لم يروني من قبل فشكوت ذلك الى عثمان فقال لى تنح قريبا فقلت اني
والله لن أدع ماكنت أقول. وعن الأحنف، قال : لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول : بشر
الكافرين برضف يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي/احدهم حتى تخرج من نغض
كتفه حتى يرفض بدنه ، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه ، فلما سمع القوم
ذلك تركوه فاتبعته وقلت : ما رأيت هؤلاء الا كرهوا ما قلت لهم : فقال ما عسى ان يصنع في
قريش .
قال مولانا رضي الله عنه : ان كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم وهم أهل
الكتاب ، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله
ليأكلون أموال الناس بالباطل ﴾ ووصفهم أيضا بالبخل الشديد والامتناع عن اخراج
الواجبات عن أموال انفسهم بقوله ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ وان كان المراد مانعی
الزكاة من المؤمنين ، كان التقدير انه تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال
الناس بالباطل ، ثم ندب المسلمين الى اخراج الحقوق الواجبة من اموالهم ، وبين ما في تركه
من الوعيد الشديد ، وان كان المراد الكل ، كان التقدير انه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ
اموال الناس بالباطل ، ثم اردفه بوعيد كل من امتنع عن اخراج الحقوق الواجبة من ماله .
تنبيها على انه لما كان حال من امسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ
مال غيره بالباطل والتزوير والمكر .
المسألة الثانية ﴾ اصل الكنز في كلام العرب هو الجمع ، وكل شيء جمع بعضه إلى
بعض فهو مكنوز يقال : هذا جسم مكتنز الاجزاء واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز
المذموم فقال الاكثرون : هو المال الذي لم تؤد زكاته ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
ما أدیت زکاته فلیس بکنز. وقال ابن عمر: کل ما أدیت زکاته فلیس بکنز وانكان تحتسبع
أراضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وان كان فوق الأرض، وقال جابر: اذا اخرجت الصدقة
من مالك فقد اذهبت عنه شره وليس بكنز. وقال ابن عباس: في قوله ﴿ولا ينفقونها في سبيل
الله﴾ يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم. قال القاضي: تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل
إليه، بل الواجب ان يقال: الكنز هو المال الذي ما اخرج عنه ما وجب اخراجه عنه، ولا فرق
بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات، وبين ما يلزم من نفقة الحج او الجمعة ، وبين ما يجب

٤٦
قوله تعالى ((والذين يكنزون الذهب والفضة)) سورة التوبة
اخراجه في الدين والحقوق والانفاق على الاهل او العيال وضمان المتلفات واروش الجنايات
فيجب في كل هذه الاقسام ان يكون داخلا في الوعيد .
القول الثاني ) أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم ، سواء أدیت زكاته أو لم
تؤد . واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور : الأول : عموم قوله تعالى
( لها ما كسبت) فان ذلك يدل على أن كل ما اكتسبه الانسان فهو حقه . وكذا قوله تعالى ( ولا
يسألكم أموالكم) وقوله عليه الصلاة والسلام (( نعم المال الصالح للرجل الصالح)) وقوله
عليه السلام (( كل امرىء أحق بكسبه)) وقوله عليه السلام (( ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان
باطنا ، وما بلغ ان يزكى ولم يزك فهو كنز)) وإن كان ظاهرا . الثاني : أنه كان في زمان
الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة كعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وكان عليه السلام يعدّهم
من أكابر المؤمنين . الثالث : أنه عليه السلام ندب الى إخراج الثلث أو أقل في المرض ، ولو
كان جمع المال محرماً لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله ، بل كان يأمر الصحيح في
حال صحته بذلك ، واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوده : الأول : عموم هذه الآية ،
ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال ، فالمصير الى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة
ترك لظاهر هذه الآية ، فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل . والثاني : ما روى سالم بن الجعد
أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﴾ («تباً للذهب تباً للفضة ، قالها ثلاثا ، فقالوا له أي مال
نتخذ؟ قال : لسانا ذاكرا ، وقلبا خاشعا ، وزوجة تعين أحدكم على دينه)). وقال عليه السلام
((من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها))، وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار ، فقال عليه السلام
((كية)) وتوفي آخر فوجد في مئزره دينارين فقال عليه الصلاة والسلام ((كيتان)) والثالث: ما
روى عن الصحابة في هذا الباب فقال علي : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه
الزكاة أو لم تؤد ، وعن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز . وعن
أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع ويقول جاءت
القطار تحمل النار وبشر الكنازين بكي في الجباه والجنوب والظهور والبطون . والرابع :. أنه
تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات ، فاذا حصل للانسان قدر ما يدفع به
حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته ومنعها من الغير
الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها ، فكان هذا الانسان بهذا المنع مانعا من ظهور حكمته ومانعا
من وصول إحسان الله إلى عبيده .
واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير ،
إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع ، فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى ، أما

٤٧
قوله تعالى: ((والذين يكنزون الذهب والفضة)). سورة التوبة
بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ أن الإنسان إذا أحب شيئا فكلما كان وصوله اليه أكثر والتذاذه
بوجدانه أكثر ، كان حبه له أشد وميله اقوى . فالانسان إذا كان فقيرا فكأنه لم يذق لذة
الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة ، فاذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة ، فصار
ميله أشد فكلما صارت أمواله أزيد، كان التذاذه به أكثر، وكان حرصه. في طلبه وميله الى
تحصيله أشد، فثبت ان تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، فالحرص متعب للروح
والنفس والقلب وضرره شديد، فوجب على العاقل ان يحترز عن الاضرار بالنفس. وأيضا قد
بينا انه كلما كان المال اكثر كان الحرص أشد، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال الى حد ينقطع
عنده الطلب ويزول الحرص ، لقد كان الانسان يسعى في الوصول الى ذلك الحد. أما لما ثبت
بالدليل أنه كلما كان تملّك الأموال اكثر كان الضرر الناشىء من الحرص أكبر، وأنه لا نهاية لهذا
الضرر ولهذا الطلب، فوجب على الانسان ان يتركه في أول الأمر كما قال:
فيصر آخره أولا
رأى الأمر یفضي الى آخر
﴿ والوجه الثاني﴾ ان كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق
وأصعب ، فيبقى الانسان طول عمره تارة في طلب التحصيل ، وأخرى في تعب الحفظ ، ثم
إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات ، وذلك هو الخسران المبين .
﴿ والوجه الثالث ﴾ أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان، كما قال تعالى (إن الانسان
ليطغي أن رآه استغنى) والطغيان يمنع من وصول العبد الى مقام رضوان الرحمن ، ويوقعه في
الخسران والخذلان .
﴿الوجه الرابع﴾ أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعى في تنقيص المال، ولو كان تكثيره
فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه .
فان قيل: لم قال عليه السلام ((اليد العليا خير من اليد السفلى))؟
قلنا : اليد العليا إنما إفادة صفة الخيرية ، لأنه أعطى ذلك القليل ، فبسبب أنه حصل
في ماله ذلك النقصان القليل حصلت له الخيرية ، وبسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليلة
حصلت المرجو حية .
﴿ المسألة الثالة) جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة ، أما منع زكاة النقود
فقوله في هذه الآية ( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) وأما منع زكاة المواشي فما روى في الحديث
أنه تعالى يعذب اصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق اليه تلك المواشي كأعظم ما

٤٨
قوله تعالى ((ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)) سورة التوبة
تكون في أجسامها فتمر على أربابها فتطؤهم بأظلافها وتنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها
عادت اليهم أولادها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب .
﴿ المسألة الرابعة﴾ الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلى، والدليل عليه قوله تعالى
( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم )
فان قيل : هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء .
قلنا : نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلى لنسائه ، وأيضا ترتيب هذا الوعيد على جمع
الذهب والفضة حكم مرتب على وصف يناسبه ، وهو أن جمع ذلك المال يمنعه من صرفه إلى
المحتاجين مع أنه لا حاجة به إليه ، إذ لو احتاج إلى إنفاقه لما قدر على جمعه ، وإقدام غير المحتاج
على منع المال من المحتاج يناسب أن يمنع منه ، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع ، فأينما
حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد ، وأيضا أن العموميات الواردة في إيجاب
الزكاة موجودة في الحلى المباح قال عليه السلام ((هاتوا ربع عشر أموالكم)) وقال (( في الرقة ربع
العشر)) وقال (( يا علي ليس عليك زكاة، فاذا ملكت عشرين مثقالا، فأخرج نصف مثقال))
وقال (( ليس في المال حق سوى الزكاة ((وقال)) لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) فهذه الآية
مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلى المباح ، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من
الكتاب ، وهو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه لا زكاة في الحلى المباح ، ولم يوجد في
الأخبار أيضا معارض إلا أن أصحابنا نقلوا فيه خبراً، وهو قوله عليه السلام ((لا زكاة في الحلى
المباح)) إلا أن أبا عيسى الترمذي قال: لم يصح عن رسول الله وَّ في الحلى خبر صحيح،
وأيضا بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلىء لأنه قال لا زكاة في الحلى ، ولفظ الحلى
مفرد محلى بالألف واللام ، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق ، وجب انصرافه إليه
والمعهود في القرآن في لفظ الحلى اللآ لىء . قال تعالى (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ) وإذا كان
كذلك انصرف لفظ الحلى إلى اللآلىء ، فسقطت دلالته ، وأيضا الاحتياط في القول بوجوب
الزكاة ، وأيضا لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس ، لأن النص خير من القياس . فثبت أن
الحق ما ذكرناه .
﴿المسألة الخامسة﴾ أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة ثم قال (ولا ينفقونها) وفيه
وجهان: الأول: أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه: أحدها أن كل واحد منهما جملة وآنية
دنانير ودراهم، فهو كقوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وثانيها: أن يكون التقدير،
ولا ينفقون الكنوز. وثالثها: قال الزجاج : التقدير: ولا ينفقون تلك الأموال .

٤٩
قوله تعالى (( يوم تحمى عليها في نار جهنم)). سورة التوبة
1
الوجه الثاني ﴾ أن يكون الضمير عائداً إلى اللفظ وفيه وجوه: أحدهما : أن يكون
التقدير ولا ينفقون الفضة ، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث أنهما معا يشتركان
في ثمن الأشياء ، وفي كونهما جوهرين شریفین ، وفي كونهما مقصودین بالكنز ، فلما كانا
متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر . وثانيها : أن ذكر أحدهما
.. قد يغني عن الآخر كقوله تعالى ( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) جعل الضمير للتجارة .
وقال ( ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئاً) فجعل الضمير للاثم . وثالثها : أن يكون
التقدير : ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله :
وإني وقيار بها لغريب
أي وقیار كذلك .
فان قيل : ما السبب في أن خصّهما بالذكر من بين سائر الأموال ؟
قلنا : لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز .
واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة . قال ( فبشرهم بعذاب أليم).
أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة ، إنما يكنزونهما ليتوصلوابهما
إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة ، فقيل هذا هو الفرج . كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب
وإكرامهم ليس إلا الشتم ، وأيضا فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب ، فيتغير بسببه لون
بشرة الوجه ، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم .
ثم قال تعالى ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم
وظهورهم ﴾ هذا ما كنزتم لأنفسكم ، وفي قراءة أبي ( وبطونهم ) وفيه سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ لا يقال أحميت على الحديد، بل يقال: أحميت الحديد فما الفائدة
في قوله ( یوم تحمى أعليها )
والجواب : ليس المراد أن تلك الأموال. تحمى على النار، بل المراد أن النار تحمى على
تلك الأموال التي هي الذهب والفضة ، أي یوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد ، وهو مأخوذ
من قوله ( نار حامية ) ولو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة .
فان قالوا : لما كان المراد يوم تحمى النار عليها ، فلم ذكر الفعل ؟
قلنا : لأن النار تأنيثها لفظى ، والفعل غير مسند في الظاهر اليه ، بل إلى قوله ﴿ عليها ﴾
الفخر الرازي ج١٦ م٤

٥٠
قوله تعالى ((يوم يحمى عليها في نار جهنم)) سورة التوبة
فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ ( تحمى ) بالتاء .
السؤال الثاني ﴾ ما الناصب لقوله ( يوم)
الجواب : التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يُحُمى عليها .
السؤال الثالث ﴾ لم خصت هذه الأعضاء ؟
والجواب لوجوه : أحدها : أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر
أثره في الوجوه ، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان ، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على
ظهورهم ، فلما طلبوا تزين هذه الاعضاء الثلاثة ، لا جرم حصل الكي على الجباه والجنوب
والظهور . وثانيها : أن هذه الاعضاء الثلاثة مجوفة ، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم
تألمها بسبب وصول أدنى أثر اليها بخلاف سائر الاعضاء . وثالثها: قال أبو بكر الوراق :
خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ظهره .
ورابعها : ان المعنى انهم يكوون على الجهات الأربع ، إما من مقدمه فعلى الجبهة، وإما من
خلفه فعلى الظهور ، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين . وخامسها : ان ألطف أعضاء
الانسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة جنبه ، والعضو الذي هو أصلب أعضاء
الانسان ظهره ، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي ،
والغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء ، وسادسها : أن كمال حال
بدن الانسان في جماله وقوته . أما الجمال فمحله الوجه ، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة ، فاذا
وقع الكي في الجبهة ، فقد زال الجمال بالكلية ، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان ، فاذا
حصل الكي عليهما فقد زالت القوة عن البدن ، فالحاصل : أن حصول الكي في هذه الاعضاء
الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة ، والانسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول
القوة .
﴿السؤال الرابع ﴾ الذي يجعل كياساً على بدن الانسان هو كل ذلك المال أو القدر الواجب
من الزكاة .
والجواب : مقتضى الآية : الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزأ معيناً ، بل لا
جزء إلا والحق متعلق به ، فوجب أن يعذبه الله بكل الأجزاء .
ثم إنه تعالى قال ﴿ هذا ما كنزتم لأنفسكم ﴾ والتقدير: فيقال لهم : هذا ما كنزتم
لأنفسكم فذوقوا والغرض منه تعظيم الوعيد ، لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو من

قوله تعالى ((إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً)) سورة التوبة
إِنَّ عِدَّةَ الثُّهُورِ عِندَ الهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِ حِكِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَنَّتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مُمُ ذَلِكَ أَلِّنُ الْقَيِمُ فَلَا تَعْلُواْ فِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَدِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَافَةٌ كما يُقَدِلُونَكُمْ كَافَّةُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه
وجوزوا خلاف ذلك ، فعظم الله تبكيتهم بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تؤثروا به
رضا ربكم ولا قصدتم بالانفاق منه نفع أنفسكم والخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم
ادخرتموه ليجعل عقابا لكم على ما تشاهدونه ، ثم يقول تعالى ( فذوقوا ما كنتم تكنزون )
ومعناه لم تصرفوه لمنافع دینکم ودنیاکم على ما أمركم الله به ( فذوقوا ) وبال ذلك به لا بغيره .
قوله تعالى ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات
والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما
يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ﴾
اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين ، وهو
إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله ، وذلك لأنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم
خاص ، فاذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسىء فحينئذ كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم
السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن السنة عند العرب ؛ عبارة عن اثني عشر شهراً من الشهور
القمرية ، والدليل عليه هذه الآية وأيضاً قوله تعالى ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً
وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين
والحساب ، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر ، وأيضاً قال تعالى ( يسألونك
عن الأهلة قل هي مواقيت إللناس والحج ) وعند سائر الطوائف: عبارة عن المدة التي تدور
الشمس فيها دورة تامة ، والسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم ، وبسبب ذلك
النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل ، فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة ، وفي
الصيف أخرى ، وكان يشق الأمر عليهم بهذا السبب ، وأيضاً إذا حضروا الحج حضروا
للتجارة ، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف ، وكان يخل أسباب
تجارتهم بهذا السبب ، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم

٥٢
قوله تعالى: ((ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً) سورة التوبة
الزيجات ، واعتبروا السنة الشمسية ، وعند ذلك بقي زمان الحج مختصاً بوقت واحد معين
موافق لمصلحتهم وانتفعوا بتجارتهم ومصالحهم ، فهذا النسىء وإن كان سبباً لحصول المصالح
الدنيوية ، إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى ، لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على
التعيين ، وكان بسبب ذلك النسىء يقع في سائر الشهور تغير حكم الله وتكليفه . فالحاصل :
أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه ، فلهذا المعنى
استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية .
واعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك الزيادة ، فاذا
بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهراً ، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وقال :
إن حكم الله أن تكون السنة اثنى عشر شهراً لا أقل ولا أزيد ، وتحكمهم على بعض السنين ،
أنه صار ثلاثة عشر شهراً حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى ، ويوجب تغيير تكاليف الله
تعالى ، وكل ذلك على خلاف الدين .
واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية ، وهذا
حكم توارثوه عن إبراهيم واسماعيل عليهما الصلاة والسلام . فأما عند اليهود والنصارى ،
فليس كذلك . ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى ، فأظهر ذلك فى
بلاد العرب .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب الله بقوله
( عدة الشهور ) لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو قوله ( اثنا عشر
شهرا) وأنه لا يجوز. وأقول في إعراب هذه الآية وجوه : الأول : أن نقول قوله (عدة
الشهور ) مبتدأ وقوله ( اثنا عشر شهرا) خبر . وقوله ( عند الله ) في كتاب الله ( يوم خلق
السموات والأرض ) ظروف أبدل البعض من البعض ، والتقدير : إن عدة الشهور اثنا عشر
شهراً عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض . والفائدة في ذكر هذه الابدالات
المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله ، وفي كتاب الله من اول ما خلق الله
تعالى العالم. الثاني : أن يكون قوله تعالى ( في كتاب الله ) متعلقاً بمحذوف يكون صفة
للخبر . تقديره : اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله ، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب
كتاب من الكتب ، لأنه متعلق بقوله ( يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ) وأسماء
الأعيان لا تتعلق بالظروف، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل الكتاب ههنا مصدر .
والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله ، أي في حكمه الواقع يوم خلق

٥٣
قوله تعالى ((منها أربعة حرم)) سورة التوبة
السموات . والثالث : أن يكون الكتاب اسما . وقوله ( يوم خلق السموات ) متعلق بفعل
محذوف. والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله كتبه يوم خلق
السموات والأرض .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ في تفسیر أحكام الآية ( إن عدة الشهور عند الله ) أي في علمه ( اثنا
عشر شهراً في كتاب الله) وفي تفسير كتاب الله وجوه: الأول: قال ابن عباس: إن اللوح
المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل ، وهو الأصل للكتب التي أنزلها.
الله على جميع الأنبياء عليهم السلام . الثاني: قال بعضهم : المراد من الكتاب القرآن ، وقد
ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد ◌ّو هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان
هذا الحكم مكتوباً في القرآن . الثالث : قال ابو مسلم ( في كتاب الله ) أي فيما أوجبه وحكم
به ، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والايجاب ، کقوله تعالى ( کتب علیکم القتال).(کتب
عليكم القصاص). (كتب ربكم على نفسه الرحمة ) قال القاضي : هذا الوجه بعيد ، لأنه تعالى
جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على
طريق المجاز ، ويمكن أن يجاب عنه: بأنه وإن كان مجازاً ، إلا أنه مجاز متعارف . يقال : إن
الأمر کذا وكذا في حساب فلان وفی حکمه .
وأما قوله ﴿ يوم خلق السموات والأرض ﴾ فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوها فيما يتعلق
به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم
خلق السموات والأرض ، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ،
وذلك يدل على المبالغة والتأكيد .
وأما قوله ﴿ منها أربعة حرم﴾ فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد، وهي
ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وواحد فرد ، وهو رجب ، ومعنى الحرم : ان المعصية
فيها أشد عقابا ، والطاعة فيها أكثر ثواباً ، والعرب كانوا يعظمونها جداً حتى لو لقي الرجل
قاتل أبيه لم يتعرض له .
فان قيل : أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة ، فما السبب في هذا التمييز؟
قلنا : إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع ، فان أمثلته كثيرة . ألا ترى أنه تعالى ميز
البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة، وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد
الحرمة ، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة ، ومیز شهر رمضان عن سائر

٥٤ قوله تعالى ((ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)) سورة التوبة
الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم . وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها . وميز
بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر ، وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس باعطاء
خلعة الرسالة . وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة ، فأي استبعاد في تخصيص بعض
الأشهر بمزيد الحرمة ، ثم نقول : لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات
أكثر تأثيرا في طهارة النفس ، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس ، وهذا غير
مستبعد عند الحكماء ، ألا ترى أن فيهم من صنف كتبا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة
الدعوات ، وذكرٌ أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك . وسئل النبي
عليه الصلاة والسلام : أي الصيام أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام ((أفضله بعد صيام شهر
رمضان صيام شهر الله المحرم)) وقال عليه الصلاة والسلام (( من صام يوما من أشهر الله الحرم
كان له بكل يوم ثلاثون يوما )) وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في
هذه الأشهر ، وفيه فائدة أخرى : وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من
هذه القبائح على الاطلاق شاق عليهم ، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد
التعظيم والاحترام ، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام ، حتى أن الانسان ربما
امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات ، وذلك يوجب أنواعا من
الفضائل والفوائد: أحدها: أن ترك تلك القبائح في تلك الاوقات أمر مطلوب، لأنه يعلل
القبائح. وثانيها أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببا لميل طبعه ..
الى الاعراض عنها مطلقا، وثالثها: أن الانسان اذا اتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض
عن المعاصي فيها، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها
سببا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات، والظاهر من
حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا لاجتنابه عن المعاصي بالكلية، فهذا هو الحكمة
في تخصيص بعض الأوقات وبعض البقاع بمزيد التعظيم والاحترام .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه بحثان :
﴿ البحث الاول ﴾ أن قوله ( ذلك ) إشارة الى قوله ( إن عدة شهور عند الله اثنا عشر
شهرا) لا أزيد ولا انقص أو إلى قوله ( منها أربعة حرم) وعندي أن الأول أولى . لأن الكفار
سلموا أن أربعة منها حرم ، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشرشهرا ، وكانوا
يغيرون مواقع الشهور ، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء ، فوجب حمل اللفظ عليه .
﴿ البحث الثاني﴾ في تفسير لفظ الدين وجوه : الأول : أن الدين قد يراد به
الحساب . يقال : الكيس من دان نفسه أي حاسبها ، والقيِّم معناه المستقيم . فتفسير الآية
على هذا التقدير ، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفي . الثاني قال الحسن :

٥٥
قوله تعالى (((ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)) سورة التوبة
ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير ، فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير ،
الدائم الذي لا يزول ، وهو الدين الذي فطر الناس عليه . الثالث : قال بعضهم : المراد أن
هذا التعبد هو الدين اللازم في الاسلام . وقال القاضي : حمل لفظ الدين على العبادة أولى من
حمله على الحساب ، لأنه مجاز فيه ، ويمكن أن يقال : الأصل في لفظ الدين الانقياد . يقال : يا
من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، فالحساب يسمى ديناً، لأنه يوجب الانقياد ، والعدة
تسمى ديناً، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب . قال أهل
العلم : الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدة ديونهم وأحوال
زكاتهم وسائر أحكامهم السَّنة العربية بالأهلة ، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية
والرومية .
ثم قال تعالى ﴿ فلا تظلموا فيهن أنفسكم ﴾ وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ الضمير في قوله ( فيهن) فيه قولان : الأول: وهو قول ابن
عباس : أن المراد : فلا تظلموا في الشهور الاثنى عشر أنفسكم ، والمقصود منع الانسان من
الاقدام على الفساد مطلقا في جميع العمر . والثاني : وهو قول الأكثرين : أن الضمير في قوله
( فيهن ) عائد إلى الأربعة الحرم . قالوا : والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرا في زيادة
الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات ، والدليل على أن هذا القول أولى . وجوه :
الأول : أن الضمير في قوله ( فيهن ) عائد إلى المذكور السابق . فوجب عوده إلى أقرب
المذكورات ، وما ذاك إلا قوله ( منها أربعة حرم) الثاني : أن الله تعالى خص هذه الأشهر
بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث
ولا فسوق ولا جدال في الحج ) فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا ، إلا أنه تعالى أكد في
المنع منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف . الثالث : قال الفراء : الأولى
رجوعها إلى الأربعة ، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة الى العشرة ( فيهن ) فاذا جاوز العدد
قالوا فيها : والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ، ويكنى عن جمع
الكثرة ، كما يكنى عن واحدة مؤنثة ، كما قال حسان بن ثابت :
وأسيافنا يقطر ن من نجدة دما
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
قال : يلمعن ويفطرون ، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ، ولو جمع جمع الكثرة لقال :
تلمع وتقطر ، هذا هو الاختيار ، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة :
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

٥٦
قوله تعالى ((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)) سورة التوبة
فقال بهن والسيوف جمع كثرة .
﴿ البحث الثاني﴾ في تفسير هذا الظلم أقوال : الاول : المراد منه النسىء الذي كانوا
يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله باقامته فيه الى شهر آخر ، ويغيرون تكاليف الله
تعالى . والثاني : أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر. والثالث : أنه نهى عن جميع المعاصي
بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب ، والأقرب عندي حمله على
المنع من النسىء ، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية .
ثم قال ﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول ﴾ قال الفراء ( كافة) أي جميعا، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة
على عدد الرجال فنقول : كافين ، أو كافات للنساء ولكنها ( كافة ) بالهاء والتوحيد ، لأنها وان
كانت على لفظ فاعلة ، فانها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة ، ولذلك لم تدخل العرب
فيها الألف واللام ، لأنها في مذهب قولك قاموا معا ، وقاموا جميعا . وقال الزجاج : كافة
منصوب على الحال ، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع ، كما أنك إذا قلت : قاتلوهم عامة ، لم تثن
ولم تجمع ، وكذلك خاصة .
البحث الثاني ﴾ في قوله ( كافة) قولان: الأول: أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعكم
مجتمعين على قتالهم ، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة ، يريد تعاونوا وتناصرواعلى ذلك ولا
تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء . والثاني : قال ابن
عباس : قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال ، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم ،
والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر .
البحث الثالث ) ظاهر قوله ( قاتلوا المشركين كافة) إباحة قتالهم في جميع الأشهر ،
ومن الناس من يقول: المقاتلة مع الكفار محرمة ، بدليل قوله ( منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن
أنفسكم ) أي فلا تظلموا فيهن أنفسكم باستحلال القتال والغارة فيهن ، وقد ذكرنا هذه
المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه )
ثم قال ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين) يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات
والاجتناب عن المحرمات . قال الزجاج : تأويله أنه ضامن لهم النصر.

٥٧
قوله تعالى ((إنما النسىء زيادة في الكفر)) سورة التوبة
إِنَّمَا النَّسِىّءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ, عَمًا وَيُحَرِمُونَهُ, عَامًا
٤٠٠٠١٠٠١١٤٠١٠٠
لِيُوَاطِعُواْ عدَّةَ مَا ◌َّمَ اللهُ فَيُعِلُوا مَاَّمَ اللهُ زُيِنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَلِهِمْ وَاللهُلَهْدِى
الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
/ قوله تعالى ﴿انما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما
ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء اعمالهم والله لا يهدي القوم
الكافرين ﴾
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في (النسىء) قولان :
القول الأول ) أنه التأخير. قال ابو زيد: نسأت الابل عن الحوض أنسأها نسأ إذا
أخرتها وأنسأته انساء إذا أخرته عنه ، والاسم النسيئة والنسء ، ومنه : أنسأ الله فلانا
أجله ، ونسأ في أجله قال أبو علي الفارسي : النسىء مصدر كالنذير والنكير ، ويحتمل أيضا
أن یکون نسىء بمعنی منسوء کقتيل : بمعنی مقتول ، إلا أنه لا يمكن أن یکون المراد منه ههنا
المفعول ، لأنه ان حمل على ذلك كان معناه : إنما المؤخر زيادة في الكفر ، والمؤخر الشهر ،
فيلزم كون الشهر كفرا ، وذلك باطل ، بل المراد من النسىء ههنا المصدر بمعنى الانساء ، وهو
التأخير . وكان النسىء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ، ليست له تلك
الحرمة . وروى عن ابن كثير من طريق شبل : النسء بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي ،
كقولهم : نسأت ، أي أخرت وروى عنه ايضا : النسى مخففة الياء ، ولعله لغة في النسء
بالهمزة مثل : أرجيت وأرجئت . وروى عنه : النسى مشدد الياء بغير همزة وهذا على
التخفيف القياسي .
والقول الثاني ﴾ قال قطرب: النسىء أصله من الزيادة يقال: نسأ في الأجل وأنسأ
إذا زاد فيه ، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه ، ونسأت المرأة حبلت ، جعل زيادة الولد
فيها كزيادة الماء في اللبن ، وقيل للناقة : نسأتها ، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت
في شيء فهو نسىء قال الواحدي : الصحيح القول الأول ، وهو أن أصل النسىء التأخير ،
ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها ، لئلا يصير
٦

٥٨
قوله تعالى ((انما النسىء زيادة في الكفر)) سورة التوبة
اختلاط بعضها ببعض مانعا من حسن المسير ، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه .
إذا عرفت هذين القولين فنقول : إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة
القمرية ، فانه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الأسفار ولم
ينتفعوا بها في التجارة وأرباحها ، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في
الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا ان بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ،
فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية
بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران : أحدهما : أنهم
كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزايادات . والثاني : أنه كان
الحج ينتقل من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة
وبعده في المحرم وبعده في صفر، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى الى
ذي الحجة، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: أحدهما: الزيادة في عدة الشهور،
والثاني: تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسىء يفيد التأخير عند
الأكثرين، ويفيد الزيادة عند الباقين، وعلى التقديرين فانه منطبق على هذين الأمرين .
والحاصل من هذا الكلام : أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ،
وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت ابراهيم
واسماعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية ، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة
القمرية ، واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا ، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى
الأشهر الحرم ، فلهذا السبب عاب الله علیهم وجعله سببا لزيادة كفرهم ، وانما كان ذلك سببا
لزيادة الكفر ، لأن الله تعالى أمرهم بايقاع الحج في الأشهر الحرم ، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة
أوقعوه في غير هذه الأشهر ، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب ، وأن ايقاعه
في الشهور القمرية غير واجب ، فكان هذا انكارا منهم لحكم الله مع العلم به وتمردا عن
طاعته ، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين . فثبت أن عملهم في ذلك النسىء يوجب زيادة
في الكفر ، وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادات الحاصلة بسبب تلك الكبائس
فمذكور في الزيجات ، وأما المفسرون فانهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجها آخر فقالوا : إن
العرب كانت تحرم الشهور الأربعة ، وكان ذلك شريعة ثابتة منذ زمان ابراهيم واسمعيل عليهما
السلام ، وكانت العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا
يغزون فيها وقالوا : إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنهلكن ، وكانوا يؤخرون
تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم . قال الواحدي : وأكثر العلماء على أن
هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد ، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور ، وهذا القول
٠

٥٩
قوله تعالى ((يضل به الذين كفروا)) سورة التوبة
عندنا هو الصحيح على ما قررناه . واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع
عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر، فقال عليه السلام ((ألا إن الزمان قد استدار
كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة إثنا عشر شهرا)) وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى
مواضعها .
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (زيادة في الكفر ) معناه: أنه تعالى حكى عنهم أنواعا
كثيرة من الكفر ، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر . كان ضم
هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفاً من الكفر زيادة في الكفر. احتج الجبائي بهذه الآية
على فساد قول من يقول: الايمان مجرد الاعتقاد والاقرار، قال: لأنه تعالى بين أن هذا العمل
زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماما ، فكان ترك هذا التأخير إيمانا ، وظاهر
أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا باقرار . فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيمانا قال المصنف
رضى الله عنه : هذا الاستدلال ضعيف ، لأنّا بيّنا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر
ذي الحجة مثلا من الأشهر القمرية ، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية ، فربما وقع الحج في المحرم
مرة وفي صفر أخرى . فقولهم بأن هذا الحج صحيح يجزي ، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج
في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة کونه من دین إبراهيم وإسمعیل علیھما
السلام ، فكان هذا كفراً بسبب عدم العلم وبسبب عدم الاقرار .
شعبة وغيره
أما قوله تعالى ﴿يَضِل به الذين كفروا﴾ فهذا قراءة العامة وهي حسنة لاسناد الضلال
إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال اليهم ، وإن كانوا
مضلين لغيرهم حسن أيضاً ، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لا محالة . وقراءة أهل الكوفة
( يُضَل ) بضم الياء وفتح الضاد ، ومعناه: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في
الشهور ، فأسند الفعل الى المفعول كقوله في هذه الآية ( زين لهم سوء أعمالهم ) أي زين لهم
ذلك حاملوهم عليه . وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم ( يُضِل به الذين كفروا) يعقوب
بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه : أحدهما : يضل الله به الذين كفروا . والثاني : يضل
الشيطان به الذين كفروا . والثالث : وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والأخذين
بأقوالهم ، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان .
واعلم أن الكناية في قوله ( يضل به ) يعود الى النسىء . وقوله ( يحلونه عاما ويحرمونه
عاما ) فالضمير عائد الى النسىء . والمعنى : يحلون ذلك الانساء عاما ويحرمونه عاما . قال
الواحدي : يحلون التأخير عاما وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم ، ويحرمون

٦٠
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا » سورة التوبة
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَِّ آَنَّ قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
أَرَضِيتُمْ بِالْخَيَزِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَثِرَةِ فَمَا مَنَعُ الْحَيَزَةِ الْنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ
٣٨
التأخير عاما آخر وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه . قال رضى الله عنه هذا التأويل إنما
يصح إذا فسرنا النسىء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين ، وذلك يوجب أن ينقلب
الشهر المحرم الى الحل وبالعكس ، إلا أن هذا إنما يصح لو حملنا النسىء على المفعول وهو
المنسوء المؤخر ، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفرا وأنه غير جائز .
إذا قلنا إن المراد من النسىء المنسوء وهو المفعول ، وحملنا قوله ( إنما النسىء) زيادة في الكفر على
أن المراد العمل الذي به يصير النسىء سبباً في زيادة الكفر ، وبسبب هذا الاضمار يقوي هذا
التأويل .
أما قوله ﴿ ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ قال أهل اللغة يقال: واطأت فلاناً على كذا إذا
وافقته عليه . قال المبرد : يقال : تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه ، كان كل واحد يطأ
حيث يطأ صاحبه والأيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد،
ومعنى واحد . قال ابن عباس رضى الله عنهما : أنهم ما أحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا
مكانه شهرا من الحلال ، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام ، لأجل
أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة ، مطابقة لما ذكره الله تعالى ، هذا هو المراد من المواطأة . ولما
بين تعالى كون هذا العمل كفرا ومنكرا قال ( زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم
الكافرين ) قال ابن عباس والحسن : يريد زين لهم الشيطان هذا العمل والله لا يرشد كل كفار
أثيم .
٤
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى
الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل }
في الآية مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفار وفضائحهم، عاد إلى
الترغيب في مقاتلتهم وقال (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم
٠
.