النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّازى الصَّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَمَفَع الغَيب للإمَام محمّ الَّازى محم الّين إبن العلامة ضياءالدين عمر الشّهر بخطِ الرَىْ نَفَعَ اللّه بالمسلمين ٥٤٤ - ٦٠٤ هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م الجُزءُ السَّادِسُ عَشْرُ دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع ٠٠ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقیا فیکسي ٣ قوله تعالى: ((قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم .)) سورة التوبة قَدِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله ◌ِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٤ قوله تعالى ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم ﴾ اعلم انه تعالى لما قال في الآية الأولى ( ألا تقاتلون قوما ) ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال . ثم إنه تعالى أعاد الأمر بالقتال في هذه الآية وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد ، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد ، فكيف بها إذا اجتمعت ؟ فأولها : قوله ( يعذبهم الله بأيديكم ) وفيه مباحث : البحث الأول ﴾ أنه تعالى سمى ذلك عذابا وهو حق فانه تعالى يعذب الكافرين فان شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره الى الآخرة . ﴿ البحث الثاني﴾ أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام الأموال ثالثاً ، فيدخل فيه كل ما ذكرناه . فإن قالوا : أليس أنه تعالى قال ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) فكيف قال ههنا ( يعذبهم الله بأیدیکم )؟ قلنا : المراد من قوله ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) عذاب الاستئصال ، والمراد من قوله ( يعذبهم الله بأيديكم ) عذاب القتل والحرب ، والفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب وإن كان في حقه سبباً لمزيد الثواب ، أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصوراً على المذنب البحث الثالث ﴾ احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق الله تعالى بقوله ( يعذبهم الله بأيديكم ) فان المراد من هذا التعذيب ، القتل . والأسر، وظاهر النص يدل على أن ذلك القتل والأسرفعل الله، إلا انه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد، وهو صريح قولنا ومذهبنا. أجاب الجبائي عنه فقال: لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة ٤ قوله تعالى ((وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)). سورة التوبة الكفار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة ، علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد وإنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث أنه حصل بأمره وألطافه ، كما يضيف جميع الطاعات اليه بهذا التفسير ، وأجاب أصحابنا عنه فقالوا : أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله باللسان ، كما أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام. ثم إنا لا نقول يا خالق الأبوال والعذرات، ویا مكون الخنافس والديدان، فكذا ههنا. وأيضاً أنا اتّفقنا على أن الزنا واللواط، ويا دافع إنما حصلت بأقدار الله تعالى وتيسيره ، ثم لا يجوز أن يقال : يا مسهل الزنا واللواط ، ويا دافع الموانع عنها ، فكذا هنا ، أما قوله إن المراد إذاً الأقدار فنقول هذا صرف للكلام عن ظاهره ، وذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر ، والدليل القاهر من جانبنا ههنا ، فان الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى . وثانيها : قوله تعالى ( ويخزهم ) معناه : ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين . قال الواحدي : قوله ( ويخزهم ) أي بعد قتلكم إياهم ، وهذا يدل على أن هذا الاخزاء إنما وقع بهم في الآخرة ، وهذا ضعيف لما بينا أن الاخزاء واقع في الدنيا . وثالثها : قوله تعالى ( وينصركم عليهم ) والمعنى أنه لما حصل الخزى لهم ، بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين . فان قالو : لما كان حصول ذلك الخزى مستلزماً لحصول هذا النصر، كان إفراده بالذكر عبئاً . فنقول : ليس الأمر كذلك ، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزى لهم من جهة المؤمنين ، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما قال ( وينصركم عليهم ) دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر . ورابعها : قوله ( ويشف صدور قوم مؤمنين ) وقد ذكرنا ان خزاعة أسلموا ، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم ، فشفى الله صدورهم من بني بكر ، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ، ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه فانه يعظم سروره به ، ويصير ذلك سبباً لقوة النفس ، وثبات العزيمة . وخامسها : قوله ( ويذهب غيظ قلوبهم ) . ولقائل أن يقول : قوله ( ويشف صدور قوم مؤمنين ) معناه أنه يشفي من ألم الغيظ . وهذا هو عين إذهاب الغيظ ، فكان قوله ( ويذهب غيظ قلوبهم ) تكرار . والجواب : أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح فكانوا في زحمة الانتظار ، كما قيل الانتظار الموت الأحمر ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار ، وعلى هذا الوجه يظهر الفرق بين قوله تعالى ((ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء)) سورة التوبة قوله ( ويشف صدور قوم مؤمنين ) وبين قوله ( ويذهب غيظ قلوبهم ) فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال ، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضيبة ، وهي التشفي وإدراك الثاروإزالة الغيظ ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب . وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة ، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم ، بقي ههنا مباحث: ﴿ البحث الأول﴾ أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة، لأن الذي جرى في تلك الواقعة مشاكل لهذه الأحوال ، ولهذا المعنى جاز أن يقال : الآية واردة فيه . ﴿ البحث الثاني) الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخباراً عن الغيب ، والإخبار عن الغيب معجز . ﴿ البحث الثالث) هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيماناً حقيقياً ، لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ، ومن الحمية لأجل الدين ، ومن الرغبة الشديدة في علودين الاسلام ، وهذه الأحوال لا تحصر الا في قلوب المؤمنين . واعلم ان وصف الله لهم بذلك لا ينفي كونهم موصوفين بالرحمة والرأفة، فانه تعالى قال في وصفهم ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) وقال ايضاً (أشداء على الكفاررحماء بينهم ) ثم قال ﴿ ويتوب الله على ما يشاء﴾ قال الفراء والزجاج : هذا مذكور على سبيل الاستئناف ولا يمكن أن يكون جوابا لقوله ( قاتلوهم) لأن قوله ( ويتوب الله على من يشاء ) لا يمكن جعله جزاء لمقاتلتهم مع الكفار . قالوا ونظيره ( فان يشأ الله يختم على قلبك ) وتم الكلام ههنا ، ثم استأنف فقال ( ويمح اللّه الباطل ) ومن الناس من قال يمكن جعل هذه التوبة جزاء لتلك المقاتلة ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة ، فربما شق ذلك على بعضهم على ما ذهب اليه الأصم ، فاذا أقدموا على المقاتلة صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة عن تلك الكراهية . الثاني : أن حصول النصرة والظفر إنعام عظيم ، والعبد إذا شاهد توالى نعم الله لم يبعد أن يصير ذلك داعيا له إلى التوبة من جميع الذنوب ، الثالث ، أنه إذا حصل النصر والظفر والفتح وكثرت الأموال والنعم وكانت لذاته تطلب بالطريق الحرام ، فان عند حصول المال والجاه يمكن تحصيلها بطريق حلال ، فيصير كثرة المال والجاه داعيا إلى التوبة من هذه الوجوه . الرابع : قال بعضهم إن النفس شديدة الميل إلى الدنيا ولذاتها ، فاذا انفتحت أبواب الدنيا على الانسان وأراد الله به خيرا عرف أن لذاتها حقيرة يسيرة ، فحينئذ ٦ قوله تعالى ((أم حسبتم أن تتركوا ... )) سورة التوبة أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَمْ يَخِذُ واْ مِن دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( تصير الدنيا حقيرة في عينه، فيصير ذلك سبباً لانقباض النفس عن الدنيا، وهذا هو أحد الوجوه المذكورة في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان (عليه السلام)) (هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) يعني أن بعد حصول هذا الملك لا يبقى للنفس اشتغال بطلب الدنيا، ثم يعرف أن عند حصول هذا الملك الذي هو أعظم الممالك، لا حاصل للدنيا ولا فائدة في لذاتها وشهواتها، . فحينئذ يُعرِض القلب عن الدنيا ولا يقيم لها وزنا، فثبت أن حصول المقاتلة يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة وتلك المنافع حصولها يوجب التوبة ، فكانت التوبة متعلقة بتلك المقاتلة، وإنما قال (على من يشاء) لأن وجدان الدنيا وانفتاح أبوابها على الإنسان قد يصير سببالانقباض القلب عن الدنيا وذلك في حق من أراد الله به الخير، وقد يصير سببا لاستغراق الانسان فيها وتهالكه عليها وانقطاعه بسببها عن سبيل الله، فلما اختلف الأمر على الوجه الذي ذكرناه قال (ويتوب الله على من يشاء). ثم قال ﴿ والله عليم ﴾ أي بكل ما يعمل ويفعل في ملكه وملكوته ( حكيم ) مصيب في أحكامه وأفعاله، قوله تعالى ﴿ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وَلَيجة والله خبير بما تعملون﴾. اعلم أن الآيات المتقدمة كانت مرغبة في الجهاد ، والمقصود من هذه الآية مزيد بيان في الترغيب ، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الفراء: قوله (أم) من الاستفهام الذي يتوسط الكلام ، ولو أريد به الابتداء لكان بالألف او بها . ﴿المسألة الثانية﴾ قال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة وأصله من الولوج فالداخل الذي يكون في القوم وليس منهم وليجة، فالوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل . قال الواحدي : يقال هو وليجتي وهم وليجتي للواحد والجمع . المسألة الثالثة﴾ المقصود من الآية بيان أن المكلف في هذه الواقعة لا يتخلص عن العقاب إلا عند حصول أمرين : الأول : أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، وذكر العلم والمراد منه المعلوم ، والمراد أن يصدر الجهاد عنهم إلا أنه انما كان وجود الشيء يلزمه معلوم ٠ ٧٠ قوله تعالى: ((أم حسبتم أن تتركو.)). سورة التوبة مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِ ينَ عَلَ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (٥) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَأَلْيَوْمِ آَلَّهِ وَأَقَامَ الصَّلَزَةَ وَءَانَى الَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَّ أُوْلَبِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (! الوجود عند الله ، لا جرم جعل علم الله بوجوده كناية عن وجوده ، واحتج هشام بن الحكم بهذه الآية على أنه تعالى لا يعلم الشيء إلا حال وجوده . واعلم أن ظاهر الآية وإن كان يوهم ما ذكره إلا أن المقصود ما بيناه . والثاني : قوله ( ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) والمقصود من ذكر هذا الشرط ان المجاهد قد يجاهد ولا يكون مخلصا بل يكون منافقا ، باطنه خلاف ظاهره ، وهو الذي يتخذ الوليجة من دون الله ورسوله والمؤمنين ، فبين تعالى أنه لا يتركهم إلا إذا أتوا بالجهاد مع الاخلاص خاليا عن النفاق والرياء والتودد إلى الكفار وإبطال ما يخالف طريقة الدين . والمقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط، بل الغرض أن يؤتي به انقيادا لأمر الله عز وجل ولحكمه وتكليفه، ليظهر به بذلك النفس والمال في طلب رضوان الله تعالى فحينئذ يحصل به الانتفاع، وأما الاقدام على القتال لسائر الأغراض فذاك مما لا يفيد أصلا. ثم قال ﴿ والله خبير بما تعملون﴾ أي عالم بنياتهم وأغراضهم مطلع عليها لا يخفى عليه منها شيء ، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الله لا يرضى أن يكون الباطن خلاف الظاهر ، وإنما يريد الله من خلقه الاستقامة كما قال ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) قال : ولما فرض القتال تبين المنافق من غيره وتميز من يوالي المؤمنين ممن يعاديهم . قوله تعالى ﴿ ما كان للمشركين أن يعمر وا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوامن المهتدين ﴾ . في الآية مسائل : ٨ قوله تعالى: ((ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله. سورة التوبة ﴿المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار وبالغ في إيجاب ذلك وذكر من أنواع فضائحهم وقبائحهم ما يوجب تلك البراءة ، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهات احتجوا بها في أن هذه البراءة غير جائزة وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة ، فأولها ما ذكره في هذه الآية ، وذلك انهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية ، وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ومناصرتهم ، ومن جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام . قال ابن عباس رضى الله عنهما : لما أُسر العباس يوم بدر ، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم ، وأغلظ له عليّ وقال: ألكم محاسن ؟ فقال : نعمر المسجد الحرام . ونحجب الكعبة ، ونسقي الحاج ، ونفك العاني ، فأنزل الله تعالى ردا على العباس ( ما كان للمشركين أن يعمروأ مساجد الله) . ﴿ المسألة الثانية﴾ عمارة المساجد قسمان: إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال : فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه ، وإما بالعمارة المعروفة في البناء ، فان كان المراد هو الثاني ، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد . وانما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظما والكافر. يهينه ولا يعظمه ، وأيضا الكافر نجس فى الحكم ، لقوله تعالى (إنما المشركون نجس) وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى (أن طهرا بيتي للطائفين) وأيضاً الكافر لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي الى فساد عبادة المسلمين. وأيضا إقدامه على مرمة المسجد مجرى الانعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين . ﴿المسألة الثالثة﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو (أن يعمروا مسجد الله) على الواحد ، والباقون مساجد الله على الجمع حجة ابن كثير وأبي عمرو . وقوله عمارة المسجد الحرام . وحجة من قرأ على لفظ لجمع وجوه : الأول : ان يراد المسجد الحرام . وإنما قيل : مساجد ، لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد . والثاني : أن يقال ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) معناه : ما كان للمشركين أن يعمروا شيئاً من مساجد الله ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها . الثالث : قال الفراء : العرب قد يضعون الواحد مكان الجمع والجمع مكان الواحد . أما وضع الواحد مكان الجمع ففي قولهم فلان كثير الدرهم . وأما وضع الجمع مكان الواحد . ففي قولهم فلان يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد . الرابع : أن المسجد موضع السجود ، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال الواحدي : دلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من قوله تعالى ((أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون)) الآية التوبة مساجد المسلمين ، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته ويمنع عن دخول المساجد ، وإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير ، وان دخل باذن لم يعزر ، والأولى تعظيم المساجد ، ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله ب لل وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار . وشد ثمامة بن اثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام ، وهو كافر . أما قوله تعالى ﴿ شاهدين على أنفسهم بالكفر ﴾ قال الزجاج : قوله ( شاهدین ) حال والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر ، وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها : الأول : وهو الأصح انهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وانكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وكل ذلك كفر ، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر ، وليس المراد انهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثاني : قال السدى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، هو أن النصراني إذا قيل له من أنت . فيقول نصراني . واليهودي يقول يهودي وعابد الوثن يقول أنا عابد الوثن، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول . الثالث : ان الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن فلعل المراد ذلك . الرابع : أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها بثياب عصينا الله فيها ، وكلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام ، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك . الخامسُ: انهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . السادس : نقل عن ابن عباس أنه قال : المراد انهم يشهدون على الرسول بالكفر . قال وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) قال القاضي : هذا الوجه عدول عن الحقيقة ، وإنما يجوز المصير اليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته . أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز . وأقول : لو قرأ أحد من السلف ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) من قولك : زيد نفيس وعمر و أنفس منه ، لصح هذا الوجه من عدول فيه عن الظاهر . ثم قال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ والمراد منه: ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب ، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر ، مثل إكرام الوالدين ، وبناء الرباطات ، وإطعام الجائع ، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل ، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الأشياء فلا يبقى لشيء منها اثر في استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر . وأما الكلام في الاحباط فقد تقدم في هذا الكتاب مرارا فلا نعيده . ثم قال ﴿ وفي النار هم خالدون﴾ وهو إشارة الى كونهم مخلدين في النار. واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلدا في النار من وجهين : ١٠ قوله تعالى ((إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)) سورة التوبة الأول : أن قوله ( وفي النار هم خالدون ) يفيد الحصر، أي هم فيها خالدون لا غيرهم ، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار ، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر . الثاني : أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم ، ولو كان هذا الحكم ثابتاً لغير الله لما صح تهديد الكافر به ، ثم إنه تعالى لمابين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد ، بين أن المشتغل بهذ العمل يجب أن يكون موصوفا بصفات أربعة : الصفة الأولى﴾ قوله (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) وإنما قلنا إنه لا بد من الايمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه ، فمن لم يكن مؤمنا بالله ، امتنع أن يبني موضعا يعبد الله فيه ، وإنما قلنا انه لا بد من أن يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة ، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله ، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى . فان قيل : لِمَ لَمْ يذكر الايمان برسول الله ؟ قلنا فيه وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون: إن محمداً إنما ادعى رسالة الله طلبا للرياسة والملك، فههنا ذكر الايمان بالله واليوم الآخر، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الايمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيها للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر. الثاني: أنه لما ذكر الصلاة، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافيا. الثالث: أنه ذكر الصلاة، والمفرد المحلى بالالف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان قد اتى بها محمد مميز، فكان ذكر الصلاة دليلا على النبوة من هذه الوجوه . ﴿ الصفة الثانية) قوله (وأقام الصلاة) والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات ، فالانسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد . ﴿ الصفة الثالثة ) قوله ( وآتى الزكاة ) واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه ، وذلك لأن الانسان إذا كان مقيما للصلاة فانه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به ، وإذا كان مؤتيا للزكاة فانه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكن لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به . وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فايتاء ١١ زعا قوله تعالى ((ولم يخش إلا الله فعسى أن يكونوا من المهتدين)) سورة التوبة الزكاة معتبر في هذا الباب ايضاً لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة، والانسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء والمساجد . T والصفة الرابعة) قوله (ولم يخش إلا الله) وفيه وجوه: الأول : أن أبا بكر رضى الله عنه بنى في أول الاسلام على باب داره مسجدا وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه ، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة ، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت اليهم ولا يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى . الثاني : يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلانا يبني مسجدا ، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله . فان قيل : كيف قال ( ولم يخش إلا الله ) والمؤمن قد يخاف الظلمة والمفسدين ؟ قلنا : المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في باب الدين ، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره . اعلم أنه تعالى قال ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ) أي من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة وكلمة ( إنما ) تفيد الحصر وفيه تنبيه على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث وإصلاح مهمات الدنيا . وعن النبي من لق﴾ ((يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا ذكرُهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم ، فليس لله بهم حاجة)) وفي الحديث (( الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش)) قال عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: ((إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره)) وعنه عليه الصلاة والسلام ((من ألف المسجد ألفه الله تعالى)) وعنه عليه الصلاة والسلام ((إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالايمان)) وعن النبي صلى الله عليه وسلم ((من أصرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في المسجد ضوؤه)) وهذه الأحاديث نقلها صاحب الكشاف . ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال ( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) وفيه وجوه : الأول : قال المفسرون ( عسى ) من الله واجب لكونه متعاليا عن الشك والتردد . الثاني : قال أبو مسلم ( عسى ) ههنا راجع إلى العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى ( يدعون ربهم خوفا ١٢ قوله تعالى ((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)) سورة التوبة أَجَعَلْتُمْ سِقَابَةَ الْحَتَجْ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ آَخِ قلے وَجَهَدْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللهُلَ يَهْدِى الْقَوْمَ اَلَّلِينَ (3) وطعما ) والتحقيق فيه أن العبد عند الاتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب ، لانه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد من القيود المعتبرة في حصول القبول . والثالث : وهو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم إطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها ، فانه تعالى بين أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا اليها الخشية من الله ، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائراً بين - لعل وعسى - فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى وفي هذا الكلام ونحوه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء . قوله تعالى ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكر المفسرون أقوالا في نزول الآية. قال ابن عباس في بعض ... الروايات عنه أن علياً لما أغلظ الكلام للعباس ، قال العباس : إن كنتم سبقتمونا بالاسلام ، والهجرة ، والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقى الحاج فنزلت هذه الآية ، وقيل إن المشركين قالوا لليهود ، نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام، فنحن أفضل أم محمد وأصحابه ؟ فقالت اليهود لهم أنتم أفضل . وقيل إن علياً عليه السلام قال للعباس رضى الله عنه بعد إسلامه: يا عمي ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله وَ لقول؟ فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟ اسقى حاج بيت الله واعمر المسجد الحرام. فلما نزلت هذه الآية قال: ما أراني إلا تارك سقايتنا. فقال عليه الصلاة والسلام ((أقيموا على سقايتكم فان لكم فيها خيراً) وقيل افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه، ولو أردت بت فيه . قال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها . قال على : أنا صاحب الجهاد . فأنزل الله تعالى هذه الآية . قال المصنف رضى الله عنه حاصل الكلام أنه يحتمل أن يقال : هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين ويحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين. أما الذين قالوا إنها جرت بين المسليمن فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين ( أولئك أعظم درجة عند الله ) وهذا يقتضي أيضا ان يكون للمرجوح أيضا درجة ١٣ قوله تعالى ((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)) سورة التوبة عند الله، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن وسنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا اليه . وأما الذين قالوا : إنها جرت بين المسلمين والكافرين ، فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى ( كمن آمن بالله) وبينّ من آمن بالله وهذا هو الأقرب عندي. وتقرير الكلام أن نقول: إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله) أن العباس احتج على فضائل نفسه، فإنه عمر المسجد الحرام وسقى الحاج. فأاجاب الله عنه بوجهين : ﴿الوجه الأول﴾ ما لقد بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة . والوجه الثاني ﴾ من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية، وهو أن يقال: هب أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام وسقى الحاج ، يوجب نوعاً من أنواع الفضيلة ، إلا أنها بالنسبة . إلى الإيمان بالله والجهاد قليل جداً . فكان ذكر هذه الأعمال في مقابلة الايمان بالله والجهاد خطأ ، لأنه يقتضي مقابلة الشيء الشريف الرفيع جدا بالشيء الحقير التافه جدا ، وأنه باطل ، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الآية ، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها . ﴿المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: الساقية والعمارة مصدران من سقى وعمر کالصيانة والوقاية. وأعلم أن السقاية والعمارة فعل ، وقوله ( من آمن بالله ) إشارة إلى الفاعل ، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل ، والصفة بالذات وأنه محال ، فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن نقول التقدير أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن امن بالله ؟ ويقويه قراءة عبد الله بن الزبير ( سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام ) والثاني : أن نقول التقدير أجعلتم سقاية الحاج كايمان من آمن بالله ؟ ونظيره قوله تعالى ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) إلى قوله ( ولكن البر من آمن بالله ) . المسألة الثالثة﴾ قال الحسن رحمه الله تعالى: كانت السقاية بنبيذالزبيب، وعن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديدا فكسر منه بالماء ثلاثا، وقال إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء وأما عمارة المسجد الحرام فالمراد تجهيزه وتحسين صورة جدرانه ، ولما ذكر تعالى وصف الفريقين قال ( لا يستوون ) ولكن لما كان نفي المساواة بينهما لا يفيد أن الراجح من هو؟ نبه على الراجح بقوله ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) فبين أن الكافرين ظالمون لأنفسهم فانهم ١٤ قوله تعالى (( الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله)) سورة التوبة الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاَجُرُواْ وَجَدْهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَهِ بِأَمْوَ الِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآءُونَ ﴾ يُبَشِّرُهُمْ رَبّهُم ◌ِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ ◌َّهُمْ فِيهَا نَعِيِمُ مُقِيمُ ﴾ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ, أَبٌْ عَظِيمٌ خلقوا للايمان وهم رضوا بالكفر وكانوا ظالمين ، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه . وأيضا ظلموا المسجد الحرام ، فانه تعالى خلقه ليكون موضعا لعبادة الله تعالى ، فجعلوه موضعا لعبادة الأوثان ، فكان هذا ظلما . قوله تعالى ﴿ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ﴾ . اعلم أنه تعالى ذكر ترجيح الايمان والجهاد ، على السقاية وعمارة المسجد الحرام ، على طريق الرمز . ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في هذه الآية ، فقال : إن من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف بالسقاية والعمارة. وتلك الصفات الأربعة هي هذه : فأولها الايمان ، وثانيها الهجرة ، وثالثها الجهاد في سبيل الله بالمال . ورابعها الجهاد بالنفس، وإنما قلنا إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة والرفعة لأن الانسان ليس له إلا مجموع أموره ثلاثة : الروح ، والبدن ، والمال . أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الايمان ، فقد وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها . وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان . ولا شك أن النفس والمال محبوب الانسان ، والانسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول ، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال ، وإلا لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال ولما رضوا باهدار النفس والمال لطلب مرضاة الله تعالى . فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار الانسان واصلا إلى آخر درجات البشرية وأول مراتب درجات الملائكة ، وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على ١٥ قوله تعالى ((بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله)) سورة التوبة السقاية والعمارة لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف ولطلب الرياسة والسمعة ؟ فثبت بهذا البرهان اليقيني صحة قوله تعالى ( الذين آمنُوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ) واعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة لأنه لوعين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة اليهم ، ولما ترك ذكر المرجوح ، دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الاطلاق ، لأنه لا يعقل حصول سعادة وفضيلة للانسان أعلى وأكمل من هذه الصفات . واعلم أن قوله ﴿ عند الله ﴾ يدل على أن المراد من كون العبد عند الله الاستغراق في عبوديته وطاعته ، وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان ، وعند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في قوله ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) فكذلك الأرواح القدسية البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية والقاذورات الجسدانية ، أشرقت بأنوار الجلالة وتجلى فيها أضواء عالم الكمال وترقت من العبدية إلى العندية ، بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية ، ولذلك قال ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) فان قيل : لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين ، فكيف قال في وصفهم (أولئك أعظم درجة) مع أنه ليس للكفار درجة؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله ، ونظيره قوله ( قل الله خير أما يشركون ) وقوله ( أذلك خير أم شجرة الزقوم ) الثاني : أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفا بهذه الصفات ، تنبيها على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى . الثالث : أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على الساقية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال ، ولا شك ان السقاية والعمارة من أعمال الخير ، وإنما بطل إيجابهما للثواب في حق الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر . : واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالايمان والهجرة أعظم درجة عند الله بينّ تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر، والمعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التى وقعت الاشارة اليها بقوله تعالى ( عند ربهم ) وهي درجة العندية، وذلك لأن من آمن بالله ١٦ قوله تعالى (( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان)) سورة التوبة وعرفه فقل أن يبقى قبله ملتفتا إلى الدنيا ، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح ، وإزالة حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا ، فاذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا ، فهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة ، ثم إنه بعده لا بد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها ، وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار ، ولولا أنه استحقر الدنيا لما فعل ذلك ، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض ، ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلا بالنظر إلى صفات الجلال والاكرام ، وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال ، فيصير الانسان شهيدا مشاهدا لعالم الجلال مكاشفا بنور الجلالة مشهودا له بقوله تعالى ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا) وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد ، وهو المراد من قوله ( عند ربهم ) وهناك يحق الوقوف في الوصول . ثم قال تعالى ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ﴾ . واعلم أن هذه الاشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالاشراف فالأشرف ، نازلا إلى الأدون فالأدون ، ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين . أما الأول فنقول: فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان، وهذا هو التعظيم والاجلال من قبل اللهُ. وقوله (وجنات لهم) إشارة الى حصول المنافع العظيمة وقوله (فيها نعيم) إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله (مقيم) عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة. ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات: أولها ( مقيم ) وثانيها : قوله ( خالدين فيها ) وثالثها : قوله ( أبدا) فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، وذلك هو حد الثواب ، وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة . ومن المتكلمين من قال قوله ( يبشرهم ربهم برحمة منه) المراد منه خيرات الدنيا وقوله ( ورضوان لهم ) المراد منه كونه تعالى راضيا عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا وقوله ( وجنات ) المراد منه المنافع وقوله ( لهم فيها نعيم ) المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات . لأن النعيم مبالغة في النعمة وقوله ١٧ قوله تعالى ((يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان)) سورة التوبة ( مقيم خالدين فيها أبدا) المراد منه الاجلال والتعظيم الذي يجب حصوله في الثواب . وأما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول : المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله ( يبشرهم ربهم ) . واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين : أحدهما : أن يفرح بالنعمة لأنها نعمة . والثاني : أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث أن المنعم خصه بها وشرفه . وإن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان العبد واقفا في حضرة السلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته ، فاذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى احد اولئك العبيد عظم فرحه بها فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة ، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك الاكرام، فكذلك ههنا . قوله ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ) منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة ، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة ، وانما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة وحينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن أعطى الرحمة ، ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضا درجات فمنهم من يكون فرحه بالراحم لأنه رحم ، ومنهم من يتوغل في الاخلاص فينسى الرحمة ولا يكون فرحه إلا بالمولى لأنه هو المقصد ، وذلك لان العبد ما دام مشغولاً بالحق من حيث أنه راحم فهو غير مستغرق في الحق ، بل تارة مع الحق وتارة مع الخلق ، فاذا تم الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحق وغفل عن المحبة والمحنة ، والنقمة والنعمة ، والبلاء والآلاء، والمحققون وقفوا عند قوله ( يبشرهم ربهم) فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم اليه ومنهم من لم يصل الى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله ( يبشرهم ربهم برحمة منه) فلا يعرف ان الاستبشار بسماع قول ربهم ، بل إنما يستبشر بمجموع كونه مبشرا بالرحمة ، والمرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة وهذه المرتبة هي النازلة عند المحققين. واللطيفة الثانية من لطائف هذه الآية هي أنه تعالى قال ( يبشرهم ربهم ) وهي مشتملة على أنواع من الرحمة والكرامة .. أولها : أن البشارة لا تكون إلا بالرحمة والاحسان . والثاني : ان بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله ، فلما كان المبشرههنا هو أكرم الأكرمين ، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر الافهام عن نعتها . والثالث : أنه تعالی سمی نفسه ههنا بالرب وهو مشتق من التربية كأنه قال : الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصرلها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة. والرابع: أنه تعالى قال ( ربهم ) فأضاف نفسه اليهم ، وما أضافهم إلى نفسه ، والخامس : أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكر نفسه فقال الفخر الرازي ج١٦ م٢ ٠٠ ١٨ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء)). سورة التوبة يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَخِذُ وَأْءَابَاءَ كُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ آَسْتَحَبُّوْ اَلْكُفْرَ عَلَى الْإِمَيْنِ وَمَن يَتَُّ مِنْكُرْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الطَِّلُونَ ( ( يبشرهم ربهم ) والسادس : أن البشارة هي الاخبار عن حدوث شيء ما كان معلوم الوقوع ، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة ، ألا ترى أن الفقهاء قالوا : لو أن رجلا قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر ، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق ، والذين يخبرون بعده لا يعتقون ، وإذا كان الأمر كذلك فقوله ( يبشرهم ) لا بد أن يكون إخبارا عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك ، وجميع لذات الجنة وخيراتها وطيباتها قد عرفوها في الدنيا من القرآن ، والاخبار عن حصول بشارة فلا بد وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها البتة . رزقنا الله تعالى الوصول اليها بفضله وكرمه . واعلم أنه تعالى لما قال ( يبشرهم ربهم ) بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور : أولها : قوله ( برحمة منه) وثانيها : قوله (ورضوان ) وأنا أظن -والعلم عند الله - أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله ( ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) والرحمة كون العبد راضيا بقضاء الله وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلى والمنعم لا على النعمة والبلاء ، ومن كان نظره على المبلى والمنعم لم يتغير حاله ، لأن المبلى والمنعم منزه عن التغير . فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزهاً عن التغير ، أما من كان طالباً لمحض النفس كان أبداً في التغير من الفرح إلى الحزن ، ومن السرور إلى الغم ، ومن الصحة إلى الجراحة ، ومن اللذة إلى الألم ، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عندما يصير العبد راضياً بقضاء الله فقوله ( يبشرهم ربهم برحمة منه) هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة ، ويجعله راضياً بقضائه . ثم إنه تعالى يصير راضياً . وهو قوله ( ورضوان ) وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله ( راضية مرضية ) وهذه هي الجنة الروحانية النورانية العقلية القدسية الالهية . ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية ، وهي قوله ( وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا) وقد سبق شرح هذه المراتب ، ولما ذكر هذه الأحوال قال ( إن الله عنده أجر عظيم ) والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال ، ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث ، ولا يدل على التأبيد ، واحجتوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية ، وهي قوله تعالى ( خالدين فيها أبدا) ولو كان الخلود يفيد التأبيد ، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكراراً وأنه لا يجوز. قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنو لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان . ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ . ١٩ قوله تعالى (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم)) سورة التوبة قُلْ إِن كَانَ ءَابَا ؤُ كُمْ وَأَبْنَا ؤُ كُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنَجَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَلِكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ، وَاللهُ لَيَهْدِى الْقَوْمَ اٌلْفَاسِقِينَ ( اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جواباً عن شبهة أخرى ذكروها في أن البراءة من الكفار غير ممكنة ، وتلك الشبهة ، أن قالوا إن الرجل المسلم قد يكون أبوه كافراً والرجل الكافر قد يكون أبوه أو أخوه مسلما ، وحصول المقاطعة التامة بين الرجل وأبيه وأخيه كالمتعذر الممتنع ، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك البراءة التي أمر الله بها ، كالشاق الممتنع المتعذر ، فذكر الله تعالى هذه الآية ليزيل هذه الشبهة .. ونقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال : لما أمر المؤمنون بالهجرة قبل فتح مكة فمن لم يهاجر لم يقبل الله إيمانه حتى يجانب الآباء والأقارب إن كانوا كفارا ، قال المصنف رضى الله عنه هذا مشكل، لأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكروه ؟ والأقرب عندي أن يكون محمولا على ما ذكرته ، وهو أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين وبالغ في إيجابه ، قالوا كيف تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل وبين أبيه وأمه وأخيه ، فذكر الله تعالى : أن الانقطاع عن الآباء والأولاد والاخوان واجب بسبب الكفر وهو قوله ( إن استحبوا الكفر على الايمان ) والاستحباب طلب المحبة يقال : استحب له ، بمعنى أحبه ، كأنه طلب محبته . ثم إنه تعالى بعد أن نهى عن مخالطتهم ، وكان لفظ النهى ، يحتمل أن يكون نهى تنزيه وأن يكون نهى تحريم ، ذكر ما يزيل الشبهة فقال ( ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) قال ابن عباس : يريد مشركا مثلهم لأنه رضي بشركهم ، والرضا بالكفر كفر ، كما أن الرضا بالفسق فسق . قال القاضي : هذا النهي لا يمنع من أن يتبرأ المرء من أبيه في الدنيا ، كما لا يمنع من قضاء دين الكافر ومن استعماله في أعماله . / قوله تعالى ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب الیکم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ . ٢٠ قوله تعالى ((والله لا يهدي القوم الفاسقين)) سورة التوبة اعلم أن هذه الآية هي تقرير الجواب الذي ذكره في الآية الأولى ، وذلك لان جماعة من - المؤمنين قالوا يا رسول الله ، كيف يمكن البراءة منهم بالكلية ؟ وأن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا وذهاب تجارتنا ، وهلاك أموالنا وخراب ديارنا ، وإبقاءنا ضائعين . فبين تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليما ، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بأمره ، أي بعقوبة عاجلة أو آجلة ، والمقصود منه الوعيد . ثم قال ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته وهذا أيضاً تهديد ، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا ، وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا . قال الواحدي : قوله ( وعشيرتكم ) عشيرة الرجل أهله الأدنون ، وهم الذين يعاشرونه، وقرأ أبو بكر عن عاصم ( وعشيراتكم ) بالجمع والباقون على الواحد . أما من قرأ بالجمع ، فذلك لأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة ، فاذا جمعت قلت عشيراتكم . ومن أفرد قال العشيرة واقعة على الجمع واستغنى عن جمعها ، ويقوي ذلك أن الأخفش قال : لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات ، إنما يجمعونها على عشائر ، وقوله (وأموال اقترفتموها) الاقتراف الاكتساب . واعلم أنه تعالى ذكر الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار ، وهي أمور أربعة : أولها : مخالطة الأقارب ، وذكر منهم أربعة أصناف على التفصيل وهم الآباء والأبناء والاخوان والأزواج ، ثم ذكر البقية بلفظ واحد يتناول الكل ، وهي لفظ العشيرة . وثانيها : الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة . وثالثا : الرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة . ورابعها : الرغبة في المساكن، ولا شك أن هذا الترتيب ترتيب حسن، فان أعظم الأسباب الداعية الى المخالطة القرابة. ثم إنه يتوصل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال الحاصلة. ثم إنه يتوصل بالمخالطة إلى اكتساب الأموال التي هي غير حاصلة، وفي آخر المراتب الرغبة في البناء في الأوطان والدور التي بنيت لأجل السكنى، فذكر تعالى هذه الاشياء على هذا الترتيب الواجب، وبين بالآخرة أن رعاية الدين خير من رعاية جملة هذه الأمور .