النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى ((الآن خفف الله)) الآية سورة الأنفال
إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت الى الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرت أني قتلته ،
فأعطاني عصا وقال ((أمسكها فانها آية بيني وبينك يوم القيامة)) ثم إن هذا التكليف شق على
المسلمين فأزاله الله عنهم بهذه الآية قال عطاء عن ابن عباس : لما نزل التكليف الأول ضج
المهاجرون ، وقالوا : يا رب نحن جياع وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم ،
ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا وأولادنا وعدونا ليس كذلك ، وقال الأنصار : شغلنا
بعدونا وواسينا إخواننا ، فنزل التخفيف، وقال عكرمة : إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ،
والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين ، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم ، ولهذا قال ابن
عباس : أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ، فان فرمن اثنين فقد فر ، والحاصل أن الجمهور ادعوا
ان قوله ( الآن خفف الله عنكم ) ناسخ للآية المتقدمة وأنكر أبو مسلم الأصفهاني هذا
النسخ ، وتقرير قوله أن يقال : إنه تعالى قال في الآية الأولى ( إن يكن منكم عشرون صابرون
يغلبوا مائتين) فهب أنا نحمل هذا الخبر على الأمر إلا أن هذا الأمر كان مشروطا بكون
العشرين قادرين على الصبر في مقابلة المائتين ، وقوله ( الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم
ضعفا) يدل على أن ذلك الشرط غير حاصل في حق هؤلاء ، فصار حاصل الكلام ان الآية
الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص ، وهذه الآية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في
حق هذه الجماعة ، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ البتة .
فان قالوا : قوله ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) معناه : ليكن
العشرون الصابرون في مقابلة المائتين ، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم .
قلنا : لم لا يجوز ان يقال إن المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة
المائتين ، فليشتغلوا بجهادهم ؟ والحاصل ان لفظ الآية ورد على صورة الخبر خالفنا هذا الظاهر
وحملناه على الأمر ، أما في رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره ، وتقديره إن حصل منكم
عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين فليشتغلوا بمقاومتهم ، وعلى هذا التقدير فلا
نسخ .
فان قالوا : قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ مشعر بأن هذا التكليف كان متوجها عليهم
قبل هذا التكليف .
قلنا : لا نسلم أن لفظ التخفيف يدل على حصول التثقيل قبله ، لان عادة العرب
الرخصة بمثل هذا الكلام ، كقوله تعالى عند الرخصة للحر في نكاح الأمة ( يريد الله ان يخفف
عنكم ) وليس هناك نسخ وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر ، فكذا

٢٠٢
قوله تعالى ((الآن خفف الله.)) الآية سورة الأنفال
ههنا . وتحقيق القول ان هؤلاء العشرين كانوا في محل ان يقال إن ذلك الشرط حاصل فيهم ،
فكان ذلك التكليف لازما عليهم ، فلما بين الله أن ذلك الشرط غير حاصل فيهم وأنه تعالى علم
أن فيهم ضعفاء لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف، فصح ان يقال خفف الله
عنكم ، ومما يدل على عدم النسخ أنه تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى ، وجعل الناسخ
مقارنا للمنسوخ لا يجوز .
فان قالوا: العبرة في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة فانها قد تتقدم وقد تتأخر ، ألا
ترى ان في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ .
قلنا : لما كان كون الناسخ مقارنا للمنسوخ غير جائز في الوجود ، وجب ان لا يكون
جائزا في الذكر ، اللهم إلا لدليل قاهر وأنتم ما ذكرتم ذلك ، وأما قوله في عدة الوفاة الناسخ
مقدم على المنسوخ فنقول : إن أبا السلم ينكر كل أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا
الكلام عليه ؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم . وأقول : إن ثبت إجماع الأمة على الاطلاق قبل
أبي مسلم على حصول هذا النسخ فلا كلام عليه ، فان لم يحصل هذا الاجماع القاطع فنقول :
قول أبي مسلم صحيح حسن .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج هشام على قوله إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها
بقوله ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) قال : فان معنى الآية : الآن علم الله أن
فيكم ضعفا وهذا يقتضي ان علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت . والمتكلمون أجابوا
بأن معنى الآية : أنه تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حاصلا واقعا ، بل يعلم منه أنه
سيحدث ، أما عند حدوثه ووقوعه فانه يعلمه حادثا واقعا ، فقوله ( الآن خفف الله عنكم
وعلم ان فيكم ضعفا) معناه : ان الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله ، وقبل ذلك فقد كان
الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم وحمزة ( علم أن فيكم ضعفا) بفتح الضاد وفي الروم
مثله ، والباقون فيهما بالضم ، وهما لغتان صحيحتان ، الضعف والضعف كالمكث والمكث ،
وخالف حفص عاصما في هذا الحرف وقرأهما بالضم وقال : ما خالفت عاصما في شيء من
القرآن إلا في هذا الحرف .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ الذى استقر حكم التكليف عليه بمقتضى هذه الآية أن كل مسلم
بالغ مكلف وقف بأزاء مشركين ، عبدا كان أو حرا فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل
به ، فان لم يبق معه سلاح فله ان ينهزم ، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمة والصبر أحسن ،

٢٠٣
قوله تعالى ((ما كان لنبي ان يكون.)) الآية سورة الأنفال
مَا كَانَ لِنَبِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُخِنَ فِ الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا
وَاللهُرِدُ الْآَخِرَةَ وَالَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَّكُمْ فِيمَاً
أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَكُواْ فِّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِبًا وَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ
حِيمٌ ﴾
روى الواحدى في البسيط أنه وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف وأمراؤهم على التعاقب زيد بن
حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة في مقابلة مائتي ألف من المشركين ، مائة
ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام .
﴿ المسألة الخامسة) قوله (باذن الله) فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا باذن الله. والاذن
ههنا هو الارادة ، وذلك يدل على قولنا في مسألة خلق الافعال وارادة الكائنات .
واعلم أنه تعالى ختم الآية بقوله ( والله مع الصابرين ) والمراد ما ذكره في الآية الأولى من
قوله ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين ) فبين في آخر هذه الآية أن الله مع
الصابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا فان نصرتي معهم وتوفيقي مقارن لهم ،
وذلك يدل على صحة مذهب أبي مسلم وهو أن ذلك الحكم ما صار منسوخابل هو ثابت كما
كان ، فان العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم ، وإن لم يقدروا على
مصابرتهم فالحكم المذكور ههنا زائل
قوله تعالى ﴿ ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا
والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم
فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ﴾
واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي
صلى الله عليه وسلم وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ أبو عمر ( وتكون ) بالتاء والباقون بالياء ، أما قراءة أبي عمرو
بالتاء فعلى لفظ الأسرى ، لأن الاسرى وإن كان المراد به التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ ، وأما
القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم والأسرى مذكرون في المعنى ، وقد وقع الفصل بين الفعل
٠

٢٠٤
قوله تعالى ((ما كان لنبي أن يكون)) الآية سورة الأنفال
والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر
قبيلتك وحضر القاضي امرأة . فاذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى . وقال صاحب
الكشاف : قرىء للنبي صلى الله عليه وسلم على التعريف و ( أسارى) و( يثخن )
بالتشديد .
﴿ المسألة الثانية ﴾ روى ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيرا، فيهم
العباس عمه وعقيل ابن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال : قومك وأهلك استبقهم لعل
الله ان يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك فقام عمر وقال : كذبوك وأخرجوك
فقدمهم واضرب أعناقهم . فان هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء . فمكن عليا
من عقيل وحمزة من العباس ومكنى من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم. فقال عليه الصلاة
والسلام ((إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال
حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل ابراهيم ( قال فمن تبعني فانه منى
ومن عصاني فانك غفور رحيم ) ومثل عيسى في قوله ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم
فانك أنت العزيز الحكيم ) ومثلك يا عمر مثل نوح ( قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين
ديارا ) ومثل موسى حيث قال ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم)) ومال رسول صلى
الله عليه وسلم الى قول أبي بكر . روى انه قال لعمر يا أبا حفض وذلك أول ما كناه ، تأمرني
ان أقتل العباس ، فجعل عمر يقول : ويل لعمر ثكلته أمه ، وروى أن عبد الله بن رواحة
أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك . وروى أنه صلى الله
عليه وسلم قال (( لا تخرجوا أحدا منهم إلا بفداء أو بضرب العنق)) فقال ابن مسعود : إلا
سهيل بن بيضاء ، فاني سمعته يذكر الاسلام . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد
خوفي. ثم قال من بعد (( إلا سهيل بن بيضاء)) وعن عبيدة السلماني قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم للقوم ((إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم))
فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد ، وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس
أربعين أوقية ، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهما أو ستة
دنانير . وروى أنهم لما أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فاذا هو وأبو بكر يبكيان فقال يا رسول الله أخبرني فان وجدت بكاء بكيت وإن لم
أجد تباكيت ، فقال ابكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض على عذابهم أدنى
من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه - ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن
معاذ . هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية .

٢٠٥
قوله تعالى ((ما كان لنبي أن يكون)) الآية سورة الأنفال
المسألة الثالثة ﴾ تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من
وجوه :
﴿ الوجه الاور ﴾ أن قوله تعالى ( ما كان لنبي ان تكون له أسرى) صريح في أن هذا
المعنى منهى عنه ، وممنوع من قبل الله تعالى . ثم إن هذا المعنى قد حصل ، ويدل عليه
وجهان : الأول : قوله تعالى بعد هذه الآية ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى )
الثاني : أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار ،
بل أسرهم ، فكان الذنب لازما من هذا الوجه
﴿ الوجه الثاني ﴾ أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل
الكفار وهو قوله ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) وظاهر الأمر للوجوب ، فلما
لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية .
﴿ الوجه الثالث ﴾ أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء، وكان أخذ
الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى ( تريدون عرض الدنيا والله يريد
الآخرة ) وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء . والثاني : قوله
تعالى ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ، وأجمعوا على أن المراد بقوله
( أخذتم ) ذلك الفداء .
﴿الوجه الرابع ﴾ أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول صلى
الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على أنه مذنب .
﴿الوجه الخامس) أن النبي صلى الله عليه وسلم ((إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما
نجا منه إلا عمر)) وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية .
والجواب عن الوجه الذى ذكروه أولا : أن قوله ( ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى
يثخن في الأرض ) يدل على أنه كان الأسر مشروعا ، ولكن بشرط سبق الاثخان في الأرض ،
والمراد بالاثخان هو القتل والتخويف الشديد ، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقا
عظيما ، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس . ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا
جماعة ، والآية تدل على أن بعد الاثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن
ذلك الأسركان جائزا بحكم هذه الآية . فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسركان
ذنبا ومعصية ؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى ( حتى أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد

٢٠٦
قوله تعالى ((تريدون عرض.)) الآية سورة الأنفال
وإما فداء )
فان قالوا : فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسركان جائزا والاتيان بالجائز
المشروع لا يليق ترتيب العقاب عليه ، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب ؟ فنقول : الوجه
فيه إن الاثخان في الأرض ليس مضبوطا بضابط معلوم معين، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث
يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين ، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين ، وبلوغ القتل الى
هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضا الى الاجتهاد ، فلعله غلب على ظن الرسول عليه
الصلاة والسلام ان ذلك القدر من القتل الذى تقدم كفى في حصول هذا المقصود ، مع انه كان
الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعا في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص ، وحسنات الأبرار
سيئات المقربين . فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب ، مع أن ذلك لا
يكون البتة ذنبا ولا معصية .
والجواب عن الوجه الذى ذكروه ثانيا أن نقول : إن ظاهر قوله تعالى ( فاضربوا فوق
الأعناق ) أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام
ما كان مأمورا أن يباشر قتل الكفار بنفسه ، وإذا كان هذا الخطاب مختصا بالصحابة ، فهم لما
تركوا القتل وأقدموا على الأسر، كان الذنب صادرا منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم .
ونقل ان الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعا عظيما والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم
وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام ، ولم يعلم الرسول باقدامهم على الأسر إلا بعد
رجوع الصحابة الى حضرته ، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر فزال هذا السؤال .
فان قالوا : هب أن الأمر كذلك ، لكنهم لما حملوا الأسارى الى حضرته فلم لم يأمر
بقتلهم امتثالا لقوله تعالى ( فاضربوا فوق الأعناق )
قلنا : إن قوله ( فاضربوا ) تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب ،
فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولا له. والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة
والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟ ولو كان ذلك النص متناولا لتلك الحالة، لكان
مع قيام النص القاطع تاركا لحكمه وطالبا ذلك الحكم من مشاورة الصحابة، وذلك محال،
وأيضاً فقوله (فاضربوا فوق الأعناق) أمر، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة ، وثبت بالاجماع ان
هذا المعنى كان واجبا حال المحاربة فوجب ان يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة،
وهذا الجواب شاف .
والجواب عما ذكروه ثالثا ، وهو قولهم : إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء ،

٢٠٧
قوله تعالى ((تريدون عرض الدنيا.)) الآية سورة الأنفال
وأخذ الفداء محرم . فنقول : لا نسلم ان أخذ الفداء محرم .
وأما قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ فنقول هذا لا يدل على قولكم ،
وبيانه من وجهين : الأول : ان المراد من هذه الآية حصول العتاب على الاسر لغرض أخذ
الفداء ، وذلك لا يدل على ان أخذ الفداء محرم مطلقا . الثاني : ان أبا بكر رضي الله عنه .
قال الأولى : أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد ، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا
ذلك الفداء للتقوى به على الدين ، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض
الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني . وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله
تعالى ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم )
والجواب عما ذكروه رابعا : أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل ان يكون
لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل ، واشتغل بالأسر استوجب العذاب ، فبكى
الرسول عليه الصلاة والسلام خوفا من نزول العذاب عليهم ، ويحتمل أيضا ما ذكرناه انه عليه
الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذى حصل هل بلغ مبلغ الاثخان الذى أمره الله به في قوله
( حتى يثخن في الأرض ) ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ،
فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى .
والجواب عما ذكروه خامسا: إن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا
أمر الله بالقتل، وأقدموا على الأسرحال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل، فهذا تمام الكلام في
هذه المسألة. والله اعلم .
المسألة الرابعة ﴾ في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية.
أما قوله ﴿ ما كان لنبي أن تكون له أسرى ﴾ فلقائل أن يقول: كيف حسن إدخال
لفظة كان على لفظة تكون في هذه الآية .
والجواب : قوله ( ما كان ) معناه النفي والتنزيه ، أى ما يجب وما ينبغي أن يكون له
المعنى المذكور ونظيره ما كان الله أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة . يقول : لم يكن لنبي ذلك ،
فلا يكون لك ، وأما من قرأ (ما كان للنبي ) فمعناه : أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله
لهذا النبي ، وهو محمد عليه الصلاة والسلام . قال الزجاج (أسرى ) جمع ، و(أسارى ) جمع
الجمع . قال ولا أعلم أحدا قرأ ( أسارى ) وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب الكشاف : أنه
نقل أن بعضهم قرأ به وقوله ( حتى يثخن في الأرض ) فيه بحثان :
١

٢٠٨
قوله تعالى ((والله عزيز حكيم)) الآية سورة الأنفال
البحث الأول ﴾ قال الواحدى : الاثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته ،
يقال : قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه ، وكذلك أثخنه الجراح ، والثخانة الغلظة
فكل شيء غليظ ، فهو ثخين ، فقوله ( حتى يثخن في الأرض ) معناه حتى يقوى ويشتد
ويغلب ويبالغ ويقهر ، ثم إن كثيرا من المفسرين . قالوا المراد منه : أن يبالغ في قتل أعدائه .
قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل . قال الشاعر :
حتى يراق على جوانبه الدم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة ، وذلك يمنع من الجراءة ، ومن الأقدام
على ما لا ينبغي ، فلهذا السبب أمر الله تعالى بذلك .
﴿ البحث الثاني﴾ أن كلمة (حتى) لانتهاء الغاية. فقوله ( ما كان لنبي أن تكون له
أسرى حتى يثخن في الأرض ) يدل على أن بعد حصول الاثخان في الأرض له ان يقدم على
الأسر .
أما قوله ﴿ تريدون عرض الدنيا﴾ فالمراد الفداء، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها
عرضا ، لأنه لا ثبات له ولا دوام ، فكأنه يعرض ثم يزول ، ولذلك سمى المتكلمون الاعراض
اعراضا ، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام ، وتزول عنها مع كون
الأجسام باقية ، ثم قال ( والله يريد الآخرة ) يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضى الى السعادات
الدنيوية قاتي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضى الى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة
عن التبديل والزوال . واحتج الجبائي القاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول : لا كائن من
العبد إلا والله یریده لأن هذا الاسر وقع منهم على شذا الوجه ، ونص الله على أنه لا يريده بل
يريد منهم ما يؤدى الى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان .
وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا : إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة ،
وعملا جائزا مأذونا . ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الاسرطاعة ، نفي كونه مراد الوجود ،
وما الحكماء فانهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات .
ثم قال ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن الله
عزيز لا يقهر ولا يغلب ، حكيم في تدبير مصالح العالم . قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان
يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوى سلطانهم انزل الله بعد ذلك في
الاسارى ( حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد وإما فداء ، حتى تضع الحرب
٠

٢٠٩
قوله تعالى ((لو لا كتاب من الله سبق)) الآية سورة الأنفال
أوزارها ) وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله ( فاما منا بعد وإما فداء ) يزيد على حكم الآية
التي نحن في تفسيرها ، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان ، فان كلتاهما يدلان على
أنه لا بد من تقديم الاثخان ، ثم بعده أخذ الفداء .
ثم قال تعالى ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾
واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق ، ونحن نذكرها ونذكر ما
فيها من المباحث :
فالقول الأول ﴾ وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من الله سبق يا محمد بحل
الغنائم لك ولأمتك ، لمسكم العذاب . وهو مشكل لأن تحليل الغنائم والفداء هل كان حاصلا
في ذلك الوقت ، تأوما كان حاصلا في ذلك الوقت ؟ فان كان التحليل والاذن حاصلا في ذلك
الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم ، لأن ما كان مأذونا فيه من قبل لم يحصل العقاب على
فعله ، وإن قلنا : إن الاذن ما كان حاصلا في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراما في ذلك
الوقت أقصى ما في الباب أنه كان في علم الله أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح
في کونه حراما في ذلك الوقت .
فان قالوا : إن كونه بحيث سيصير حلالا بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب .
قلنا : فاذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه ، وذلك يمنع من التخويف بسبب
ذلك العقاب .
﴿القول الثاني﴾ قال محمد بن اسحق ( لولا كتاب من الله سبق) إني لا أعذب إلا بعد
النهي لعذبتكم فيما صنعتم ، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء ، وهذا أيضا ضعيف؟ لأنا
نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء . فهل حصل دليل
عقلي يقتضي حرمته أم لا ؟ فان قلنا حصل ، فيكون الله تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك
الدليل العقلي ، ولا يمكن أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة ، وإن قلنا : إنه ليس في العقل
ولا في الشرع ما يقتضي المنع ، وحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلا ، وإلا لكان ذلك تكليف ما
لا يطاق ، وإذا لم يكن المنع حاصلا كان الاذن حاصلا ، وإذا كان الاذن حاصلا ، فكيف
يمكن ترتيب العقاب على فعله ؟
القول الثالث ﴾ قال قوم قد سبق حكم الله بأنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع
النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا أيضا مشكل لأنه يقتضى أن يقال : إنهم ما منعوا عن الكفر
الفخر الرازي ج١٥ م١٤
٠

٢١٠
قوله تعالى ((يا ايها النبي)) الآية سورة الأنفال
وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِمَنِ فِىَ أَيْدِيكُم مِّنَ الْأُسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللهُفِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ
والمعاصي والزنا والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح ، وذلك يوجب سقوط
التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل . وأيضا فلو ثاروا كذلك ، فكيف آخذهم الله تعالى في ذلك
الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها ، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوى ؟
﴿ والقول الرابع ﴾ لولا كتاب من الله سبق في أن من أتى ذنبا بجهالة، فانه لا يؤاخذه
به لمسهم العذاب ، وهذا من جنس ما سبق .
واعلم أن الناس قد أكثروا فيه ، والمعتمد في هذا الباب ان نقول : أما على قولنا
فنقول : يجوز أن يعفو الله عن الكبائر. فقوله ( لولا كتاب من اللّه سبق ) معناه لولا أنه تعالى
حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم ، وهذا هو المراد من قوله ( كتب
ربكم على نفسه الرحمة ) ومن قوله (سبقت رحمتى غضبي)) وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون
العفوعن الكبائر ، فكان معناه ( لولا كتاب من الله سبق ) في أن من احترز عن الكبائر صارت
صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم ، وهذا الحكم وإن كان ثابتا في حق جميع المسلمين ،
إلا ان طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم للإسلام ، وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه
وسلم ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال : إن الثواب الذى
استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذى استحقوه على هذا الذنب ، فلا جرم
صار هذا الذنب مغفورا ، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفورا ،
فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص .
ثم قال تعالى ﴿ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ﴾ روى أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا
أيديهم اليها ، فنزلت هذه الآية . وقيل هو إباحة الفداء .
فان قيل : ما معنى الفاء في قوله ( فكلوا )
قلنا التقدير : فقد أبحت لكم الغنائم ( فكلوا مما غنمتم حلالا ) نصب على الحال من
المغنوم أو صفة للمصدر ، أى أكلا حلالا ( واتقوا الله إن الله غفور رحيم ) والمعنى : واتقوا
الله فلا تقدموا على المعاصي بعد ذلك ، واعلموا أن الله غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من
الزلة ، رحيم ما أتيتم من الجرم والمعصية ، فقوله ( واتقوا الله ) إشارة الى المستقبل . وقوله
( إن الله غفور رحيم ) إشارة الى الحالة الماضية .
قوله تعالى ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم في قلوبكم خيرا يؤتكم

٢١١
قوله تعالى ((يا ايها النبي.)) لآية سورة الأنفال
تَخْرًا ◌ِمَّا أَخِذَ مِنْكُرْ وَ بَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ (﴾ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ
خَانُواْاللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكِّنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل
فأمكن منهم والله عليم حكيم ﴾
اعلم ان الرسول لما أخذ الفداء من الأسارى وشق عليهم أخذ أموالهم منهم ، ذكر الله
هذه الآية استمالة لهم فقال ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) قال ابن عباس رضى
اللّه عنهما : نزلت في العباس ، وعقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحرث ، كان العباس أسيرا
يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس.، وكان أحد العشرة الذين
ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر، فقال العباس : كنت مسلما إلا أنهم
أكرهوني، فقال عليه السلام ((إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك)) فأما ظاهر أمرك فقد كان
علينا . قال العباس: فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب على ، فقال (( أما شيء خرجت
لتستعين به علينا فلا )) قال : وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين
أوقية ، وفداء نوفل بن الحرث ، فقال العباس : تركتني يا محمد أتكفف قريشا ، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ((أين الذهب الذى دفعته الى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت
لها : لا أدرى ما يصيبني ، فان حدث بي حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل )) فقال
العباس: وما يدريك؟ قال ((أخبرني به ربي)) قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا
إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ، ولقد دفعته اليها في سواد
الليل ، ولقد كنت مرتابا في أمرك ، فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب . قال العباس : فأبدلني
الله خيرا من ذلك ، لي الآن عشرون عبدا ، وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا ، وأعطاني
زمزم، وما أحب ان لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي . وروى أنه
قدم على رسول الله مال البحرين ثمانون ألفا ، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه ، وأمر
العباس ان يأخذ منه ، فأخذ ما قدر على حمله ، وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني ، وأنا
أرجو المغفرة . واختلف المفسرون في أن الآية نازلة في العباس خاصة ، أو في جملة الأسارى .
قال قوم : إنها في العباس خاصة ، وقال آخرون : إنها نزلت في الكل ، وهذا أولى ، لأن
ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه : أحدها : قوله ( قل لمن في أيديكم ) وثانيها : قوله
( من الأسری ) وثالثها : قوله ( في قلوبکم ) ورابعها قوله ( یؤتکم خیرا ) وخامسها : قوله ( مما

.٢١٢
قوله تعالى ((يؤتكم خيراً مما أخذ، )) الآية سورة الأنفال
1
أُخذ منكم ) وسادسها . قوله ( ويغفر لكم ) فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم ، فما
الموجب للتخصيص ؟ أقصى ما في الباب ان يقال : سبب نزول الآية هو العباس ، إلا أن
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
أما قوله ﴿ إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ﴾ ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ يجب ان يكون المراد من هذا الخير: الايمان والعزم على طاعة الله
وطاعة رسوله في جميع التكاليف، والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ، ويدخل فيه العزم
على نصرة الرسول ، والتوبة عن محاربته .
المسألة الثانية﴾ احتج هشام بن الحكم على قوله إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند
حدوثه بهذه الآية ، قوله ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ) فعل كذا وكذا شرط وجزاء ، والشرط
هو حصول هذا العلم ، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل ، وذلك يوجب
حدوث علم الله تعالى .
والجواب : أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام ، إلا أنه لما دل الدليل على أن
علم الله يمتنع ان يكون محدثا وجب أن يقال : ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث أنه يدل
حصول العلم على حصول المعلوم .
أما قوله ﴿ يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم ﴾ ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: قرأ الحسن ( مما أخذ منكم ) على البناء
للفاعل .
المسألة الثانية ﴾ للمفسرين في هذا الخير اقوال :
﴿ القول الأول﴾ المراد: الخلف مما أخذ منهم في الدنيا. قال القاضي : لأنه تعالى
عطف عليه أمر الآخرة بقوله ( ويغفر لكم ) فما تقدم يجب ان يكون المراد منه منافع الدنيا .
ولقائل أن يقول : إن قوله ( ويغفر لكم ) المراد منه إزالة العقاب ، على هذا التقدير :
لم يبعد ان يكون المراد من هذا الخير المذكور أيضا الثواب والتفضل في الآخرة .
﴿ والقول الثاني﴾ المراد من هذا الخير ثواب الآخرة، فان قوله (ويغفر لكم ) المراد
منه في الآخرة ، فالخير الذى تقدمه يجب أيضا ان يكون في الدنيا .

٢١٣
قوله تعالى ((وان يريدوا خيانتك.)) الآية سورة الأنفال.
والقول الثالث ﴾ أنه محمول على الكل .
فان قيل : إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا ، فهل تقولون إن كل من أخلص من
الأسارى قد آتاه الله خيرا مما أخذ منه ؟
قلنا : هكذا يجب ان يكون بحكم الآية ، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه . حتى
يتوجه علينا فيه السؤال ، ولا نعلم أيضا من الذى آتاه الله علما ، وقد علمنا أن قليل الدنيا مع
الايمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر .
ثم قال ﴿ والله غفور رحيم﴾ وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله ( ويغفر لكم ) والمعنى:
كيف لا يفي بوعد المغفرة وأنه غفور رحيم ؟
أما قوله ﴿ وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسير هذه الخيانة وجوه : الأول : أن المراد منه الخيانة في الدين
وهو الكفر ، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل . الثاني : أن المراد من الخيانة منع ما
ضمنوا من الفداء . الثالث : روى أنه عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا
يعودوا إلى محاربته والى معاهدة المشركين ، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر. فقال
تعالى ( وإن يريدوا خيانتك ) أى نكث هذا العهد فقد خانوا الله من قبل ، والمراد أنهم كانوا
يقولون لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين - ولئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين )
ثم إذا وصلوا الى النعمة وتخلصوا من البلية نكثوا العهد ونقضوا الميثاق ، ولا يمنع دخول الكل
فيه ، وإن كان الأظهر هو هذا الأخير .
ثم قال تعالى ( فأمكن منهم ) قال الأزهرى ؛ يقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن
ومفعول الامكان محذوف، والمعنى : فأمكن المؤمنين منهم ، والمعنى أنهم خانوا الله بما أقدموا
عليه من محاربة الرسول يوم بدر فامكن الله منهم قتلا وأسرا ، وذلك نهاية الامكان والظفر ،
فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ثم ، فان عادوا كان التمكين منهم ثابتا
حاصلا ، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل من يخونه وينقض
عهده .
ثم قال ﴿ والله عليم ﴾ أى ببواطنهم وضمائرهم ( حكيم ) يجازيهم بأعمالهم .

٢١٤
قوله تعالى ((ان الذين آمنوا وهاجروا.)) الآية سورة الأنفال
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَابَرُواْ وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوَأ
وَنَصَرُوَا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَا ثُواْ مَا لَكُمْ مِّن
وَلَتِهِمْ مِنْ شَىْءٍ خَّى يُهَا بِرُواْ وَ إِنِ اسْتَنَصَرُ وكُمْفِ الدِّينِ فَعَلَيْكُ الَّصْرُ إِلَّ عَى
قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِثَقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَةُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِ الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَهَابَرُواْ وَجَدَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ ءَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاَجُرُواْ وَجَهَدُواْ
مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأَوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِىِ كِتَشِبِ اللهِ إِنَّ اللهَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ◌ّ
قوله تعالى ﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين
آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء
حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما
تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير
والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم
مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام
بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ﴾
اعلم أنه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم الى أربعة أقسام ،
وذكر حكم كل واحد منهم ، وتقرير هذه القسمة أنه عليه السلام ظهرت نبوته بمكة ودعا
الناس هناك الى الدين ، ثم انتقل من مكة إلى المدينة ، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار

٢١٥
قوله تعالى ((ان الذين آمنوا. )) الآية سورة الأنفال
المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في تلك الهجرة ، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك .
﴿ أما القسم الأول ﴾ فهم المهاجرون الأولون، وقد وصفهم بقول ( إن الذين آمنوا
وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) وإنما قلنا إن المراد منهم المهاجرون الأولون
لأنه تعالى قال في آخر الآية ( والذين آمنوا من بعد وهاجروا) وإذا ثبت هذا ظهر ان هؤلاء
موصوفون بهذه الصفات الأربعة : أولها : أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم اليهم ولم يتمردوا ، فقوله ( إن
الذين ) يفيد هذا المعنى .
والصفة الثانية) قوله (وهاجروا) يعنى: فارقوا الأوطان ، وتركوا الأقارب
والجيران في طلب مرضاة الله ، ومعلوم أن هذه الحالة حالة شديدة ، قال تعالى ( أن اقتلوا
أنفسكم واخرجوا من دياركم ) جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس ، فهؤلاء في المرتبة
الأولى تركوا الأديان القديمة لطلب مرضاة الله تعالى ، وفي المرتبة الثانية تركوا الأقارب والخلان
والأوطان والجيران لمرضاة الله تعالى .
( والصفة الثالثة ) قوله (وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) أما المجاهدة بالمال
فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ومزارعهم ، وبقيت في
أيدى الأعداء ، وأيضا فقد احتاجوا الى الانفاق الكثير بسبب تلك العزيمة ، وأيضا كانوا
ينفقون أموالهم على تلك الغزوات ، وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة
بدر من غير آلة ولا أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة ، وذلك يدل على أنهم
أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله .
﴿ وأما الصفة الرابعة ) فهي أنهم كانوا أول الناس إقداما على هذه الأفعال والتزاما
لهذه الأحوال ، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين . قال تعالى ( لا يستوى منكم من
أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله
الحسنى ) وقال ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله
عنهم ورضوا عنه) وانما كان السبق موجبا للفضيلة ، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب
اقتداء غيرهم بهم ، فيصير ذلك سببا للقوة أو الكمال ، ولهذا المعنى قال تعالى (ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعا) وقال علیه السلام (( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها
الى يوم القيامة )) ومن عادة الناس ان دواعيهم تقوى بما يرون من أمثالهم في أحوال الدين
والدنيا ، كما أن المحن تخف على قلوبهم بالمشاركة فيها ، فثبت أن حصول هذه الصفات

٢١٦
قوله تعالى ((ان الذين آمنوا وهاجرواء)) الآية سورة الأنفال
الأربعة للمهاجرين الأولين يدل على غاية الفضيلة ونهاية المنقبة ، وأن ذلك يوجب الاعتراف
بكونهم رؤساء المسلمين وسادة لهم .
﴿ وأما القسم الثاني ﴾ من المؤمنين الموجودين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فهم
الأنصار ، وذلك لأنه عليه السلام لما هاجر اليهم مع طائفة من أصحابه ، فلولا أنهم آووا
ونصروا وبذلوا النفس والمال في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح مهمات أصحابه
لما تم المقصود البتة ، ويجب أن يكون حال المهاجرين أعلى في الفضيلة من حال الأنصار
لوجوه : أولها : أنهم هم السابقون في الايمان الذى هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب :
وثانيها : أنهم تحملوا العناء والمشقة دهرا دهيرا ، وزمانا مديدا من كفار قريش وصبروا عليه ،
وهذه الحال ما حصلت للأنصار . وثالثها : أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان
والأهل والجيران ، ولم يحصل ذلك للأنصار . ورابعها : ان فتح الباب في قبول الدين
والشريعة من الرسول عليه السلام إنما حصل من المهاجرين ، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا
بهم، وقد ذكرنا انه عليه السلام قال ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم
القيامة)) فوجب ان يكون المقتدى أقل مرتبة من المقتدى به ، فجملة هذه الأحوال توجب
تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة ، فلهذا السبب أينما ذكر الله
هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار وعلى هذا الترتيب ورد ذكرهما في هذه الآية .
واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذين القسمين في هذه الآية قال ( أولئك بعضهم أولياء
بعض ) واختلفوا في المراد بهذه الولاية ، فنقل الواحدى عن ابن عباس والمفسرين كلهم ، ان
المراد هو الولاية في الميراث ، وقالوا جعل الله تعالى سبب الارث الهجرة والنصرة ، دون
القرابة ، وكان القريب الذى آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ، ولم ينصر،
واعلم ان لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى ، لأن هذا اللفظ مشعر بالقرب على ما قررناه في
مواضع من هذا الكتاب . ويقال : السلطان ولى من لا ولى له ولا يفيد الارث وقال تعالى ( ألا
إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ولا يفيد الارث بل الولاية تفيد القرب فيمكن
حمله على غير الارث ، وهو كون بعضهم معظما للبعض مهتما بشأنه مخصوصا بمعاونته
ومناصرته ، والمقصود أن يكونوا يدا واحدة على الأعداء ، وأن يكون حب كل واحد لغيره
جاريا مجرى حبسه لنفسه ، وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى كان حمله على الارث بعيدا عن
دلالة اللفظ ، لاسيما وهم يقولون إن ذلك الحكم صار منسوخا بقوله تعالى في آخر الآية ( وأولوا
الأرحام بعضهم أولى ببعض ) وأى حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك
اللفظ به ، ثم الحكم بأنه صار منسوخا بآية أخرى مذكورة معه ، هذا في غاية البعد ، اللهم

٢١٧
قوله تعالى ((ما لكم من ولايتهم.)) الآية سورة الأنفال
إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك ، فحينئذ يجب المصير اليه إلا أن دعوى الاجماع
بعيد .
القسم الثالث ﴾ من أقسام مؤمني زمان الرسول عليه السلام وهم المؤمنون الذين ما
وافقوا الرسول في الهجرة وبقوا في مكة وهم المعنيون بقول ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ) فبين
تعالى حكمهم من وجهين : الأول : قوله ( ما لكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا ) وفيه
مسائل :
أ.
المسألة الأولى﴾ اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة ، هي الولاية المثبتة في القسم
الذى تقدم ، فمن حمل تلك الولاية على الارث ، زعم أن الولاية المنفية ههنا هي الارث ،
ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات المذكورة ، فكذا ههنا . واحتج الذاهبون ، إلى أن
المراد من هذه الولاية الارث ، بأن قالوا : لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة
والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) ولا شك
ان ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فوجب أن يكون المراد
بالولاية المذكورة أمرا مغايرا لمعنى النصرة وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنا حملنا تلك الولاية على
التعظيم والاكرام وهو أمر مغاير للنصرة ، ألا ترى أن الانسان قد ينصر بعض أهل الذمة في
بعض المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الاعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم والاجلال
فسقط هذا الدليل .
المسألة الثانية ) قوله تعالى ( حتى يهاجروا)
واعلم أن قوله تعالى ( ما لكم من ولايتهم من شيء) يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقا ، فأزال الله تعالى هذا الوهم بقوله ( ما
لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) يعنى أنهم لو هاجر والعادت تلك الولاية وحصلت ،
والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها ، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول :
إن قطع المهاجرة انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على
أكمل الوجوه ، فلا شك أن هذا يصير مرغبا له في الهجرة ، والمقصود من المهاجرة كثرة
المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض ، وحصول الألفة والشوكة وعدم التفرقة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ حمزة ( من ولايتهم) بكسر الواو، والباقون بالفتح. قال
الزجاج : من فتح جعلها من النصرة والنسب . وقال : والولاية التي بمنزلة الامارة مكسورة
للفصل بين المعنين وقد يجوز كسر الولاية لأن في تولي بعض القوم بعضا جنسا من الصناعة

٢١٨
قوله تعالى ((ما لكم من ولا يتهم.)) الآية سورة الأنفال
كالقصارة والخياطة فهي مكسورة . وقال أبو علي الفارسي : الفتح أجود ، لأن الولاية ههنا من
الدين والكسر في السلطان .
﴿ والحكم الثاني﴾ من أحكام هذا القسم الثالث ، قوله تعالى (وإن استنصروكم في
الدين فعليكم النصر )
واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين ، بين أنه ليس
المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لو استنصروكم
فانصروهم ولا تخذلوهم ، روى أنه لما نزل قوله تعالى ( ما لكم من ولايتهم من شيء حتى
يهاجروا) قام الزبير وقال : فهل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟ فنزل (وإن استنصروكم في
الدين فعليكم النصر)
ثم قال تعالى ﴿ إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أنه لا يجوز لكم نصرهم عليه
إذ الميثاق مانع من ذلك .
ثم قال تعالى ﴿ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا الترتيب الذى اعتبره الله في هذه الآية في غاية الحسن
لأنه ذكر ههنا أقساما ثلاثة : فالأول : المؤمنون من المهاجرين والأنصار وهم أفضل الناس
وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضا .
﴿ والقسم الثاني ﴾ المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة
وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب ان يكون حكمهم حكما متوسطا بين الاجلال
والاذلال وذلك هو ان الولاية المثبتة للقسم الأول ، تكون منفية عن هذا القسم ، إلا أنهم
يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم . فهذا الحكم متوسط
بين الاجلال والاذلال . وأما الكفار فليس لهم البتة ما يوجب شيئا من أسباب الفضيلة ،
فوجب کون المسلمين منقطعین عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولا یة ولا مناصلة بوجه من
الوجوه ، فظهر ان هذا الترتيب في غاية الحسن .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال بعض العلماء: قوله (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) يدل
على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة ، فالمجوسي يرث الوثني ،
والنصراني يرث المجوسي ، لأن الله تعالى قال ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض )

٢١٩
قوله تعالى ((إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض)) الآية سورة الأنفال
واعلم ان هذا الكلام إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الارث وقد سبق القول فيه ، بل
الحق ان يقال: إن كفار قريش كانوا فى غاية العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله
تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فكان المراد من الآية ذلك. وتمام التحقيق فيه أن الجنسية
علة الضم وشبيه الشيء منجذب اليه، والمشركون واليهود لما اشتركوا في عداوة محمد صلى الله
عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وذلك
يدل على أنهم ما أقدموا على تلك العداوة لأجل الدين، لأن كل واحد منهم كان في نهاية
الانكار لدين صاحبه، بل كان ذلك من أدل الدلائل على أن تلك العداوة لمحض الحسد والبغي
والعناد .
ثم أنه تعالى لما بين هذه الاحكام قال ﴿ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)
والمعنى : إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض
ومفسدة عظيمة ، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه : الأول : أن المسلمين لو اختلطوا
بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سببا لالتحاق المسلم
بالكفار. الثاني: أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك سببا
لجراءة الكفار عليهم. الثالث: أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة،
صار ذلك سببا لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث ، عاد الى ذكر القسم الأول والثاني مرة أخرى
فقال ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون
حقا لهم مغفرة ورزق كريم )
واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولا ليبين حكمهم وهو ولاية
بعضهم بعضا ، ثم إنه تعالى ذكرهم ههنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم ، وبيانه من
وجهين : الأول : أن الاعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف والتعظيم .
والثاني : وهو أنه تعالى أثنى عليهم ههنا من ثلاثة أوجه : أولها : قوله ( أولئك هم المؤمنون
حقا ) فقوله ( أولئك هم المؤمنون ) يفيد الحصر وقوله ( حقا) يفيد المبالغة في وصفهم محقين
محققين في طريق الدين ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن من لم يكن محقا في دينه لم يتحمل
ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه
الأحوال من المتسارعين المتسابقين . وثانيها : قوله ( له مغفرة ) وتنكير لفظ المغفرة يدل على
الكمال كما ان التنكير في قوله ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) يدل على كمال تلك

٢٢٠
قوله تعالى ((والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله» الآية سورة الأنفال
1
الحياة ، والمعنى : لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات . وثالثها : قوله ( ورزق
كريم) والمراد منه الثواب الرفيع الشريف. والحاصل : أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي
الآخرة ، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله ( أولئك هم المؤمنون حقا ) وأما في الآخرة فالمقصود
إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب ، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله ( لهم مغفرة ) وأما
جلب الثواب فهو المراد بقوله ( ورزق كريم ) وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم
أعرضوا عن اللذات الجسمانية ، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال ، وذلك تنبيه على
أنه لا طريق الى تحصيل السعادات إلا بالاعراض عن هذه الجسمانيات .
﴿ القسم الرابع ﴾ من مؤمني زمان محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين لم يوافقوا
الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا اليه ، وهو المراد من قوله تعالى ( والذين آمنوا من
بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في المراد من قوله تعالى ( من بعد) نقل الواحدى عن ابن
عباس : بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل بعد نزول هذه الآية ، وقيل : بعد يوم بدر ،
والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ، وهؤلاء هم التابعون باحسان كما قال
( والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه )
﴿ المسألة الثانية ﴾ الأصح ان الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة بلد
الاسلام وقال الحسن: الهجرة غير منقطعة أبدا، وأما قوله عليه السلام (( لا هجرة بعد
الفتح)) فالمراد الهجرة المخصوصة ، فانها انقطعت بالفتح وبقوة الاسلام . أما لو اتفق في بعض
الأزمان كون المؤمنين في بلد وفي عددهم قلة ، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن
هاجر المسلمون من تلك البلدة وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار ، فههنا تلزمهم
الهجرة على ما قاله الحسن ، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (فأولئك منكم ) يدل على ان مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين
السابقين لأنه الحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف، ولولا كون القسم الأول
أشرف وإلا لما صح هذا المعنى . فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه
الآية .
ثم قال تعالى ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ الذين قالوا المراد من قوله تعالى (أولئك بعضهم أولياء بعض) ولاية