النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى ((أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض)) الآية الأعراف
إنها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية . وذلك لأنها مختصة بحيز معين من جملة
الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذى لا نهاية له ، وكل حيز من تلك الاحياز الغير المتناهية ،
فرضنا وقوع تلك الذرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيز المعين من الممكنات والجائزات ،
والممكن لا بد له من مخصص ومرجح وذلك المخصص إن كان جسما عاد السؤال فيه ، وان لم
يكن جسما فهو اللّه سبحانه ، وأيضا فتلك الذرة لا تخلو عن الحركة والسكون ، وكل ما كان
كذلك فهو محدث ، وكل محدث فان حدوثه لا بد وأن يكون مختصا بوقت معين مع جواز
حصوله قبل ذلك وبعده ، فاختصاصه بذلك الوقت المعين الذى حدث فيه ، لا بد وأن يكون
بتخصيص قديم ، فان كان ذلك المخصص جسما عاد السؤال فيه ، وان لم يكن جسما فهو الله
سبحانه وتعالى ، وأيضا أن تلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجمية . ومخالفة لها
في اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات ، واختصاصها بكل تلك الصفات التي
باعتبارها خالفت سائر الأجسام ، لا بد وأن يكون من الجائزات ، والجائز لا بد له من مرجح ،
وذلك المرجح إن كان جسما عاد البحث الأول فيه ، وإن لم يكن جسما فهو الله سبحانه ، فثبت
ان تلك الذرة دالة على وجود الصانع من جهات غير متناهية ، واعتبارات غير متناهية ، وكذا
القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني ، مفرداته ومركباته وسفلياته وعلویاته وعند
هذا يظهر لك صدق ما قال الشاعر :
وفي كل شىء له آية
تدل على أنه واحد
وإذا عرفت هذا فحينئذ ظهرت الفائدة لك من قوله تعالى ( وما خلق الله من شيء ) ولما
نبه الله تعالى على هذه الاسرار العجيبة والدقائق اللطيفة ، أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في
الاتيان بهذا النظر والتفكر فقال ( وان عسى ان يكون قد اقترب أجلهم ) ولفظة ( أن ) في قوله
( وأن عسى ) هي المخففة من الثقيلة تقديره : وأنه عسى ، والضمير ضمير الشأن ؛ والمعنى :
لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا الى النار ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب
على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة ، والمبادرة الى هذه الرؤية ، سعيا في تخليص النفس من
هذا الخوف الشديد والخطر العظيم ، ولما ذكر تعالى هذه البيانات الجلية والدلائل العقلية قال
( فبأى حديث بعده يؤمنون ) وذلك لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ما فيه من هذه التنبيهات
الظاهرة والبينات الباهرة ، فكيف يرضى منهم الايمان بغيره . واعلم أن هذه الآية دالة على
مطالب كثيرة :
المطلب الأول﴾ أن التقليد غير جائز ولا بد من النظر والاستدلال. والدليل على أن
الأمر كذلك قوله ( أو لم يتفكروا )
الفخر الرازي ج١٥ م٦
:
:
٠

٨٢
قوله تعالى ((او لم ينظر في ملكوت والارض)) الآية سورة الأعراف
المطلب الثاني﴾ أن أمر النبوة متفرع على التوحيد، والدليل عليه أنه لما قال (إن هو
إلا نذير مبين ) أتبعه بذكر ما يدل على التوحيد ، ولولا أن الأمر كذلك ، لما كان الى هذا الكلام
حاجة .
﴿ والمطلب الثالث ﴾ تمسك الجبائي والقاضي بقوله تعالى ( فبأى حديث بعده يؤمنون)
على أن القرآن ليس قديما قالوا : لأن الحديث ضد القديم ، وأيضا فلفظ الحديث يفيد من جهة
العادة حدوثه عن قرب ، ولذلك يقال : إن هذا الشيء حديث ، وليس بعتيق فيجعلون
الحديث ضد العتيق الذى طال زمان وجوده ، ويقال : في الكلام إنه حديث ، لأنه يحدث حالا
بعد حال على الاسماع .
وجوابنا عنه : أنه محمول على الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حدوثها .
المطلب الرابع ﴾ أن النظر في ملكوت السموات والأرض لا يكون إلا بعد معرفة
أقسامها وتفصيل الكلام في شرح أقسامها ، أن يقال كل ما سوى الله تعالى ، فهو إما ان يكون
متحيزا أو حالا في المتحيز أو لا متحيزا ، ولا حالا في المتحيز ، أما المتحيز فأما أن يكون
بسيطا ، وإما أن يكون مركبا ، أما البسائط فهي إما علوية وإما سفلية ، أما العلوية فهي
الأفلاك والكواكب ، ويندرج فيما ذكرناه العرش والكرسي . ويدخل فيه أيضا الجنة والنار ،
والبيت المعمور ، والسقف المرفوع واستقص في تفصيل هذه الأقسام ، وأما السفلية فهي :
طبقات العناصر الأربعة ، ويدخل فيها البحار والجبال والمفاوز ، وأما المركبات فهي أربعة
الآثار العلوية والمعادن والنبات والحيوان ، واستقص في تفصيل أنواع هذه الأجناس الأربعة ،
وأما الحال في المتحيز وهي الاعراض ، فيقرب أجناسها من أربعين جنسا ، ويدخل تحت كل
جنس أنواع كثيرة ، صم إذا تأمل العاقل في عجائب أحكامها ولوازمها وآثارها فكأنه خاض في
بحر لا ساحل له .
وأما القسم الثالث ﴾ وهو أن الموجود لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز، فهو
قسمان ، لأنه إما أن يكون متعلقا بأجسام بالتدبير والتحريك ، وهو المسمى بالأرواح ، وإما
أن لا يكون كذلك ، وهي الجواهر القدسية المبرأة عن علائق الأجسام ، أما القسم الأول
فاعلاها وأشرفها الأرواح الثمانية المقدسة الحاملة للعرش ، كما قال تعالى ( ويحمل عرش ربك
فوقهم يومئذ ثمانية ) ويتلوها الأرواح المقدسة المشارة اليها بقوله سبحانه ( وترى الملائكة حافین
من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) ويتلوها سكان الكرسي ، واليهم الاشارة بقوله ( من
ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما

٨٣
قوله تعالى ((من يضلل الله فلا هادي له)) الآية سورة الأعراف
مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِ مُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
يَسْعَلُونَكَ عَنِ
١٠٠٠
الَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِ لَا يُجَلِهَ لِوَقْتِهَا إِلَّ هُوَ تَقْلَتْ فِى
.%
شاء وسع كرسيه السموات والأرض ) ويتلوها الأرواح المقدسة في طبقات السموات السبع .
واليهم الاشارة بقوله ( والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ) ومن صفاتهم ، أنهم
لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره
يعملون .
واعلم أن هذا الذى ذكرناه وفصلناه من ملك الله وملكوته كالقطرة في البحر فلعل الله
سبحانه له الف ألف عالم وراء هذا العالم ، وله في كل واحد منها عرش أعظم من هذا
العرش ، وكرسي أعلى من هذا الكرسي ، وسموات أوسع من هذه السموات ، وكيف يمكن
إحاطة عقل البشر بكمال ملك الله وملكوته ، بعد أن سمع قوله ( وما يعلم جنود ربك إلا هو )
فاذا استحضر الانسان هذه الاقسام في عقله وأراد الخوض في معرفة أسرار حكمته وإلهيته فهم
قولهم ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) ونعم ما قال أبو العلاء المعرى :
تجرى النجوم به والشمس والقمر
يا أيها الناس كم الله من فلك
هنا على الله ماضینا وغابرنا
فما لنا في نواحي غيره خطر
قوله سبحانه وتعالى ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾
اعلم انه تعالى عاد في هذه الآية مرة أخرى الى نعت أحوال الضالين المكذبين فقال ( من
يضلل الله فلا هادي له ) واعلم ان استدلال أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله
مثل ما سبق في الآية السالفة ، وتأويلات المعتزلة ، وجوابنا عنها مثل ما تقدم فلا فائدة في
الاعادة ، وقوله ( ونذرهم في طغيانهم ) رفع بالاستئناف وهو مقطوع عما قبله ، وقرأ أبو عمرو
((ويذرهم)) بالياء ورفع الراء اتقدم اسم الله سبحانه ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء والجزم ،
ووجه ذلك فيما يقول سيبويه : إنه عطف على موضع الفاء وما بعدها من قوله ( فلا هادي له )
لأن موضع الفاء وما بعدها جزم لجواب الشرط، فحمل ((ويذرهم)) على موضع الذى هو
جزم .
قوله تعالى ﴿ يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها
إلا هو ثقلت في؟
:
:
:
- -- ---- ------ --
.. .-
:
:
٠
٠
٠
:
:
:
i
.. .

٨٤
قوله تعالى ((يسألونك عن الساعة أيان مرساها)) الآية سورة الأعراف
اُلَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيِكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْعَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ
إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله ولكن
أكثر الناس لا يعلمون ﴾
اعلم أن في نظم الآية وجهين : الأول : أنه تعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة والقضاء
والقدر أتبعه بالكلام في المعاد ، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة .
الثاني : أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ( وان عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) باعثا بذلك
عن المثابرة الى التوبة والاصلاح قال بعده ( يسئلونك عن الساعة ) ليتحقق في القلوب أن وقت
الساعة مكتوم عن الخلق فيصير ذلك حاملا للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء
الواجبات ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اختلفوا في أن ذلك السائل من هو؟ قال ابن عباس: إن قوما من
اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن وقتادة : إن قريشا
قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة ؟
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا
وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة ، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي
بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذى يجيء، وهو سؤال عن الزمان
وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى ، وفي اشتقاقه قولان : المشهور انه مأخوذ من الاين وأنكره
ابن جنى وقال ( أيان ) سؤال عن الزمان ، وأين سؤال عن المكان ، فكيف يكون أحدهما
مأخوذا من الآخر . الثاني : وهو الذى اختاره ابن جنى أن اشتقاقه من أى فعلان منه ،
لأن معناه أى وقت ولفظة أى ، فعل من أويت اليه ، لأن البعض آو الى مكان الكل متساندا
اليه هكذا . قال ابن جنى : وقرأ السلمی إیان بكسر الهمز .
﴿ المسألة الرابعة﴾ مرساها ((المرسى)) ههنا مصدر بمعنى الارساء لقوله تعالى ( بسم
اللّه مجراها ومرساها) أى إجراؤها وإرساؤها ، والارساء الاثبات يقال رسى يرسوا ، إذا ثبت .
قال تعالى ( والجبال أرساها ) فكان الرسوليس اسما لمطلق الثبات ، بل هو اسم لثبات الشيء
٠
١

٨٥
قوله تعالى ((يسألونك كأنك حفى عنها» الآية سورة الأعراف
إذا كان ثقيلا ومنه إرساء الجبل ، وإرساء السفينة ، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو
الساعة ، بدليل قوله ( ثقلت في السموات والأرض ) لاجرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها
بالارساء .
ثم قال تعالى ﴿ إنما علمها عند ربي ﴾ أى لا يعلم الوقت الذى فيه يحصل قيام القيامة
إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه ( إن الله عنده علم الساعة ) وقوله ( إن الساعة آتية لا ريب
فيها ) وقوله ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) ولما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال: متى الساعة فقال عليه السلام (( ليس المسئول عنها بأعلم من السائل )) قال
المحققون : والسبب في اخفاء الساعة عن العباد ؟ انهم إذا لم يعلموا متى تكون كانوا على حذر
منها ، فيكون ذلك أدعى الى الطاعة ، وأزجر عن المعصية ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال
( لا يجليها لوقتها ) التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره ، والمعنى: لا يظهرها في وقتها المعين
( إلا هو ) أى لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالاعلام والاخبار إلا هو .
ثم قال تعالى ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله
تعالى ( ويذرون وراءهم يوما ثقيلا) وأيضا وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال (إن
زلزلة الساعة شيء عظيم ) ووصف عذابها بالشدة فقال ( وما هم بسكارى ولكن عذاب الله
شدید )
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في تفسير قوله ( ثقلت في السموات والأرض )
وجوه : قال: الحسن: ثقل مجيئها على السموات والارض، لأجل ان عند مجيئها شققت السموات
وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الارض لأجل ان في ذلك اليوم تبدل
الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار ، وقال أبو بكر الاصم : إن هذا اليوم ثقيل جدا
على أهل السماء والأرض ، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب . وقال قوم : إن
هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها الى البعث
والحساب والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد. وقال السدى ( ثقلت ) أى خفيت
في السموات والأرض ولم يعلم احد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها
ووقوعها . وقال قوم ( ثقلت في السموات والارض ) أى ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على
أهل السموات والارض ، وكما يقال في المحمول الذى يتعذر حمله انه قد ثقل على حامله ،
فكذلك يقال في العلم الذى استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم .
ثم قال ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ وهذا أيضا تأكيدا لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء
..... -

٨٦
قوله تعالى ((يسألونك كأنك حفى عنها)) الآية سورة الأعراف
إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق. وعن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ((إن الساعة
تفجأ الناس ، فالرجل يصلح موضعه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقوم بسلعته في
سوقه . والرجل يخفض ميزانه ويرفعه )) وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال
((والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة الى فيه حتى تحول الساعة بينه
وبين ذلك ))
ثم قال تعالى ﴿ يسألونك كأنك حفى عنها ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الحفي وجوه: الأول: الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي:
يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفيا ، والحفى الكلام واللقاء الحسن ، ومنه قوله تعالى ( إنه
كان بي حفيا ) أى بارا لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته ، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم
لطيف العشرة معهم وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدى ، ويؤيد هذا القول ما روى في
تفسيره إن قريشا قالت لمحمد عليه السلام إن بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة . فقال
تعالى ( يسألونك كأنك حفى عنها ) أى كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفيا بهم ما
داموا على كفرهم .
﴿ والقول الثاني ﴾ ( حفى عنها) أى كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها ، وعلى
هذا القول ( حفى ) فعيل من الاحفاء وهو الالحاح والالحاف في السؤال ، ومن أكثر السؤال
والبحث عن الشيء علمه ، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة ، أى استقصى . فقوله
(كأنك حفي عنها ) أى كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها . قال صاحب
الكشاف : هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب ، وإحفاء البقل استئصاله ، وأحفى
في المسألة إذا ألحف، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به ، وعلى هذا التقدير : فالقولان
الأولان متقاربان .
﴿ المسألة الثانية) في قوله ( عنها) وجهان: الأول : أن يكون فيه تقديم وتأخير
والتقدير: يسألونك عنها كأنك حفى بها ثم حذف قوله (( بها)) لطول الكلام ولأنه معلوم لا
يحصل الالتباس بسبب حذفه . والثاني : أن يكون التقدير : يسألونك كأنك حفي بهم لأن
لفظ الحفي يجوز ان يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود
( كأنك حفي بها )
﴿ المسألة الثالثة ) قوله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها) سؤال عن وقت قيام
الساعة وقوله ثانيا ( يسألونك كأنك حفي عنها ) سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها ،

٨٧
قوله تعالى ((قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً)) الآية» سورة الاعراف
قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّ مَاشَآءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لَّ مْشَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١٨٨
فلم يلزم التكرار .
أجاب عن الأول بقوله ( إنما علمها عند ربي )
وأجاب عن الثاني بقوله ﴿إنما علمها عند الله ﴾ والفرق بين الصورتين ان السؤال الأول
كان واقعا عن وقت قيام الساعة . والسؤال الثاني كان واقعا عن مقدار شدتها ومهابتها ،
وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على
غاية المهابة ، وهو قولنا الله ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون )
وفيه وجوه : أحدها ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذى لأجله أخفيت معرفة وقته المعين
عن الخلق .
قوله تعالى ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت اعلم الغيب
لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: ان قوله ( لا أملك
لنفسي نفعا ولا ضرا) أى أنا لا أدعى علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير ، ونظيره قوله تعالى في
سورة يونس ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا املك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما
شاء الله لكل أمة أجل ) الثاني : روى أن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص
والغلاء حتى نشترى فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل الى الأرض الخصبة . فأنزل الله
تعالى هذه الآية : الثالث : قال بعضهم : لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوه بنى المصطلق
جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة
بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين . وقال انظروا اين ناقتي ، فقال عبد الله بن أبي مع قومه ألا
تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف اين ناقته . فقال عليه الصلاة
والسلام (( إن ناسا من المنافقين . قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها

٨٨
قوله تعالى ((قل لا أملك لنفسي نفعاً)) الآية سورة الاعراف
بشجرة)) فوجدها على ما قال ، فأنزل الله تعالى ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء
الله )
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم ان القوم لما طالبوه بالاخبار عن الغيوب وطالبوه باعطاء الأموال
الكثيرة والدولة العظيمة ذكر ان قدرته قاصرة وعلمه قليل ، وبين أن كل من كان عبدا كان
كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا لله تعالى ، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة ،
وهذا العلم ؟ واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى ( قل لا أملك لنفس نفعا ولا
ضرا إلا ما شاء الله) والايمان نفع والكفر ضر، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى، وذلك
يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه ، وتقريره ما ذكرناه مرارا أن
القدرة على الكفر ان لم تكن صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريدا للكفر ، وإن
كانت صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريدا للكفر ، وإن كانت صالحة للايمان
امتنع صدور الكفر عنها بدلا عن الايمان إلا عند حدوث داعية جازمة ، فخالق تلك الداعية
الجازمة يكون مريدا للكفر ، فثبت أن على جميع التقادير : لا يملك العبد لنفسه نفعا ولا ضرا
إلا ما شاء الله .
أجاب القاضي عنه بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا
إلا ما شاء الله ) وإن كان عاما بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا :
يا محمد ألا يخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل ان يغلو، حتى نشترى الرخيص فنربح
عليه عند الغلاء ، فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله ، والمراد بالنفع : تملك الأموال
وغيرها ، والمراد بالضر وقت القحط ، والامراض وغيرها . الثاني: المراد لا أملك لنفسي نفعا ولا
ضرا فيما يتصل بعلم الغيب ، والدليل على أن المراد ذلك قوله ( ولو كنت أعلم الغيب
لاستكثرت من الخير ) الثالث : لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله ان يقدرني
عليه ويمكنني منه ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه .
واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ ، وكيف يجوز المصير اليه مع أنا
أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية ، والله
أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم علمه بالغيب بقوله
( ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) واختلفوا في المراد من هذا الخير ، فقيل المراد
منه : جلب منافع الدنيا وخيراتها ، ودفع آفاتها ومضراتها ، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب
والجدب والأرباح والاكساب ، وقيل : المراد منه ما يتصل بأمر الدين . يعني : لوكنت أعلم
الغيب كنت أعلم ان الدعوى الى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك ، فكيف اشتغل
٠
۔

٨٩
قوله تعالى ((هو الذي خلقكم من نفس واحدة)) الآية سورة الأعراف
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوَجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَّا تَغَثَُّهَا
◌َتْ حَمْلًّا خَفِيَفًا فَرَّتْ بِهِ، فَلَّا أَثْقَلَتْ دَّعَوَ الَهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَئِلِعًا لَّنَكُونَنَّ
مِنَ الشَّكِرِين ◌َلاريب
بدعوة هذا دون ذاك . وقيل : المراد منه : ما يتصل بالجواب عن السؤالات ، والتقدير : لو
كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير .
والجواب : عن هذه المسائل التي سألوه عنها مصل السؤال عن وقت قيام الساعة
وغيره .
أما قوله ﴿ وما مسنى السوء ﴾ ففيه قولان :
﴿ القول الأول﴾ قال الواحدى رحمه الله: تم الكلام عند قوله ( ولوكنت أعلم الغيب
لاستكثرت من الخير ) ثم قال ( وما مسني السوء ) أى ليس بي جنون ، وذلك لأنهم نسبوه الى
الجنون كما ذكرنا في قوله ( ما بصاحبهم من جنة ) وهذا القول عندی بعيدا جدا ويوجب تفكك
نظم الآية .
﴿ والقول الثاني﴾ إنه تمام الكلام الأول، والتقدير: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت
من تحصيل الخير، ولاحترزت عن الشرحتى صرت بحيث لا يمسني سوء . ولما لم يكن الأمر
كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي، ولما بين بما سبق أنه لا يقدر إلا على ما أقدره الله
عليه، ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم به قال (إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) والنذير
مبالغة في الأنذار بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات، والبشير مبالغة في البشارة بالثواب
على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله (لقوم يؤمنون) فيه قولان: أحدهما : أنه نذير وبشير
للمؤمنين والكافرين إلا أنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما ، يفيد ذكر
الأخرى كقوله (سرابيل تقيكم الحر) والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان نذيراً وبشيراً
للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون. فلهذا السبب خصهم الله بالذكر، وقد
بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى (هدى للمتقين)
قوله تعالى ﴿ هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها فلما
تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من
الشاكرين

٩٠
قوله تعالى ((فتعالى الله عما يشركون)) الآية سورة الأعراف
فَلَمََّءَ اتَهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ ثُرَكَةَ فِيمَآءَ اتَّهُمَا فَتَعَلَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
فلما آتاهما صالحا جعلا به شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ﴾
اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية الى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيها مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المروى عن ابن عباس (هو الذى خلقكم من نفس واحدة ) وهي
نفس أدم ( وخلق منها زوجها ) أى حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى
( فلما تغشاها ) آدم ( حملت حملا خفيفا فلما أثقلت ) أى ثقل الولد في بطنها أتاها ابليس في
صورة رجل وقال : ما هذا يا حواء اني أخاف أن يكون كلبا أو بهيمة وما يدريك من أين
يخرج ؟ أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك ؟ فخافت حواء ، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام ،
فلم يزالا في هم من ذلك ، ثم أتاها وقال : إن سألت الله أن يجعله صالحا سويا مثلك ويسهل
خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث ، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله ( فلما
آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) أى لما آتاهما الله ولدا سويا صالحا جعلا له شريكا أى
جعل آدم وحواء له شريكا ، والمراد به الحرث هذا تمام القصة .
واعلم ان هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قال ( فتعالى الله عما
يشركون ) وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة . الثاني : أنه تعالى قال بعده
( أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من
جعل الاصنام شركاء لله تعالى ، وما جرى لأبليس اللعين في هذه الآية ذكر . الثالث : لو كان
المراد إبليس لقال : أيشركون من لا يخلق شيئا ، ولم يقل ما لا يخلق شيئا ، لأن العاقل إنما
يذكر بصيغة ((من)) لا بصيغة ((ما)) الرابع : أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة
بابليس ، وكان عالما بجميع الاسماء كما قال تعالى ( وعلم آدم الأسماء كلها ) فكان لا بد وأن
يكون قد علم ان اسم ابليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بینه وبین آدم ومع علمه بان
اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث ؟ وكيف ضاقت عليه الاسماء حتى أنه لم
يجد سوى هذا الاسم ؟ الخامس : ان الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح ،
فجاءه انسان ودعاه الى ان يسميه بمثل هذه الاسماء لزجره وأنكر عليه أشد الانكار . فآدم عليه
الملام مع نبوته وعلمه الكثير الذى حصل من قوله ( وعلم آدم الأسماء كلها ) وتجار به الكثيرة

٩١
قوله تعالى ((هو الذي خلقكم من نفس واحدة)) الآية سورة الأعراف
التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة ابليس ، كيف لم يتنبه لهذا القدر
وكيف لم يعرف ان ذلك من الأفعال المنكرة التي وجب على العاقل الاحتراز منها . السادس :
ان بتقدير آدم عليه السلام ، سماه بعبد الحرث ، فلا يخلو إما ان يقال انه جعل هذا اللفظ
اسم علم له ، أو جعله صفة له ، بمعنى انه أخبر بهذا اللفظ انه عبد الحرث ومخلوق من قبله .
فان كان الأول لم يكن هذا شركا بالله لأن اسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة ،
فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الاشراك ، وإن كان الثاني كان هذا قولا بان آدم عليه
السلام اعتقد ان لله شريكا في الخلق والايجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم ، وذلك
لا يقوله عاقل . فثبت بهذه الوجوه ان هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم ان لا يلتفت
اليه .
إذا عرفت هذا فنقول : في تأويل الآية وجوهُ صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد .
﴿ التأويل الأول﴾ ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب
المثل وبيان ان هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم ، وقولهم بالشرك وتقرير هذا
الكلام كأنه تعالى يقول : هو الذى خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها
زوجها إنسانا يساويه في الانسانية ، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل ، دعا الزوج
والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لالائك ونعمائك . فلما آتاهما
الله ولدا صالحا سويا جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما ، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد
الى الطبائع كما هو قول الطبائعيين ، وتارة الى الكواكب كما هو قول المنجمين ، وتارة الى
الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام .
ثم قال تعالى ﴿ فتعالى الله عما يشركون﴾ أى تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في
غاية الصحة والسداد .
﴿ التأويل الثاني﴾ بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهم آل قصى ، والمراد من قوله ( هو الذى خلقكم من نفس ) قصى ( وجعل من )
جنسها زوجها ) عربية قريشية ليسكن اليها ، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوى جعلا
له شركاء فيما آتاهما حيث سميا اولادهما الأربعة بعبد مناف ، وعبد العزى ، وعبد قصى ، وعبد
اللات ، وجعل الضمير في ( يشركون ) لهما ولا عقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك .
التأويل الثالث﴾ ان نسلم ان هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى
هذا التقدير ففي دفع هذا الاشكال وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه
'۔

٩٢
قوله تعالى ((فتعالى الله عما يشركون)) الآية سورة الاعراف
السلام كان يعبد الأصنام ، ويرجع في طلب الخير ودفع الشراليها ، فذكر تعالى قصة آدم وحواء
عليهما السلام ، وحكى عنهما انهما قالا ( لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ) أى ذكر انه
تعالى لو آتاهما ولدا سويا صالحا لاشتغلو بشكر تلك النعمة ، ثم قال ( فلما آتاهما صالحا جعلا
له شركاء ) فقوله ( جعلا له شركاء ) ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الانكار والتبعيد .
والتقرير : فلما آتاهما صالحا أجعلا له شركاء فيما آتاهما ؟ ثم قال ( فتعالى الله عما يشركون ) أى
تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه الى آدم عليه السلام ، ونظيره
ان ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام ، ثم يقال لذلك المنعم : ان ذلك المنعم عليه
يقصد ذمك وإيصال الشراليك ، فيقول ذلك المنعم : فعلت في حق فلان كذا وأحسنت اليه
بكذا وكذا ، ثم انه يقابلني بالشر والاساءة والبغي ؟ على التبعيد فكذا ههنا .
الوجه الثاني ﴾ في الجواب ان نقول : أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم
وحواء ولا أشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما )
فنقول : التقدير : فلما آتاهما ولدا صالحا سويا جعلا له شركاء اى جعل اولادهما له شركاء على
حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه ، وكذا فيما آتاهما ، أى فيما آتى اولادهما ونظيره قوله
( واسأل القرية ) أى واسأل اهل القرية .
فان قيل : فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله ( جعلا له شركاء )
قلنا: لأن ولده قسمان ذكر وانثى فقوله (جعلا) المراد منه الذكر والأنثى مرة عبر عنهما
بلفظ التثنيه لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع وهو قوله (فتعالى الله عما
یشرکون)
﴿ الوجه الثالث﴾ في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله ( جعلا له شركاء فيما آتاهما )
عائد الى آدم وحواء عليهما السلام ، إلا أنه قيل : إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن
يجعلاه وقفا على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الاطلاق . ثم بدا لهم في ذلك ، فتارة كانوا
ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها ، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته ، وهذا العمل
وإن كان منا قربة وطاعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا قال تعالى ( فتعالى
الله عما يشركون) والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكيا عن الله
سبحانه (( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا واشرك فيه غيرى تركته وشركه )) وعلى
هذا التقدير : فالاشكال زائل .

٩٣
قوله تعالى ((فتعالى الله عما يشركون)) الآية سورة الاعراف
الوجه الرابع ﴾ في التأويل ان نقول: سلمنا صحة تلك القصة المذكورة ، إلا أنا
نقول : إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء
ذلك الشخص المسمى بالحرث . وقد يسمى المنعم عليه عبدا للمنعم ، يقال في المثل : انا عبد
من تعلمت منه حرفا ، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان : كتابة عبد وده فلان . قال
الشاعر :
ولا شيمة لى بعدها تشبه العبدا
وإني لعبد الضیفما دام ثاویا
فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيها على أنه إنما سلم من
الآفات ببركة دعائه ، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه ، إلا أنا قد
ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم
عليه السلام معاتبا في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد ، فهذا جملة ما
نقوله في تأويل هذه الآية .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في تفسير الفاظ الآية وفيها مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ قوله (هو الذى خلقكم من نفس واحدة) المشهور أنها نفس آدم
وقوله ( خلق منها زوجها ) المراد حواء . قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم ، أنه تعالى
خلقها من ضلع من أضلاع آدم. قالوا : والحكمة فيه أن الجنس الى الجنس أميل ، والجنسية
علة الضم ، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخلق آدم ابتداء فما الذى
حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء من أجزاء آدم ؟ ولم لا نقول : إنه تعالى خلق
حواء أيضا ابتداء ؟ وأيضا الذى يقدر على خلق انسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه
ابتداء . وأيضا الذى يقال : إن عدد أضلاع الجانب الايسر أنقص من عدد اضلاع الجانب
الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح . بقي أن يقال : إذا لم تقل بذلك ، فما
المراد من كلمة ( من ) في قوله (وخلق منها زوجها ) فنقول : قد ذكرنا ان الاشارة الى الشيء
تارة تكون بحسب شخصه ، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام ((هذا وضوء لا
يقبل الله الصلاة إلا به )) وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع . وقال عليه الصلاة
والسلام ((في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذى أظهر الله فيه موسى على فرعون)) والمراد أنه خلق من
النوع الانساني زوجة آدم ، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنسانا مثله قوله ( فلما
تغشاها ) أى جامعها ، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها ، وذلك
لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها ، ومثله يجللها ، وهو يشبه التغطي واللبس . قال تعالى

٩٤
قوله تعالى ((أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون)) الآية سورة الأعراف
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآ أَنْفُسَهُمْ
أُشْرِكُونَ مَالَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (5)
يَنْصُرُونَ (3) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءَ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ
أَمْ أَنْتُمْ صَدِتُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ
فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٩٤
(هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) وقوله ( حملت حملا خفيفا) قالوا يريد النطفة والمنى والحمل
بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر ، والحِمْل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على
الدابة . وقوله ( فمرت به ) أى استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة ، والمراد أنها كانت
تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل . قال صاحب الكشاف: وقرأ يحيى بن يعمر ( فمرت به )
بالتخفيف وقرأ غيره ( فمارت به ) من المرية . كقوله ( أفتمارونه ) وفي قراءة أخرى
( افتمرونه ) معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فیه ( فلما أثقلت ) أی صارت الى حال
الثقل ودنت ولادتها ( دعوا الله ربهما ) يعني آدم وحواء (لئن آتيتنا صالحا ) أى ولدا سويا مثلنا
( لنكونن من الشاكرين ) لآلائك ونعمائك ( فلما آتاهما ) الله ( صالحا جعلا له شركاء فيما
آتاهما ) والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر ، وأبو عمرو ، وحمزة ،
والكسائي ، وعاصم في رواية حفص ( عنه شركاء ) بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية
أبي بكر ( عنه شركا) بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوى شرك وهم
الشركاء ، أو يقال معناه أحدثا الله اشراكا في الولد ومن قرأ ( شركاء ) فحجته قوله ( أم جعلوا
لله شركاء خلقوا) وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس من لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع
الشياطين، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة ، أما إذا لم نقل به فلا حاجة الى
التأويل والله أعلم .
/ قوله تعالى ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم
ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعو تموهم أم انتم صامتون ان الذين
تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾
اعلم ان هذه الآية من أقوى الدلائل على انه ليس المراد بقوله ( فتعالى الله عما يشركون )
ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية . وكان ذلك

٩٥
قوله تعالى ((وان تدعوهم إلى الهدى)) الآية سورة الأعراف
غاية الفساد في النظم والترتيب ، بل المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من ان المقصود من الآية
السابقة الرد على عبدة الأوثان ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على ان الأوثان لا تصلح للالهية
فقوله ( أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئا ؟
وهم يخلقون . أى وهم مخلوقون يعني الاصنام .
فان قيل : كيف وحد ( يخلق ) ثم جمع فقال ( وهم يخلقون ) وأيضا فكيف ذکر الواو
والنون في جمع غير الناس ؟
والجواب عن الأول : أن لفظة ( ما ) تقع على الواحد والاثنين والجمع ، فهذه من صيغ
الوحدان يحسب ظاهر لفظها . ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله ( يخلق )
رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله ( وهم يخلقون ) رعاية لجانب المعنى .
والجواب عن الثاني : وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف
يجوز ؟ فنقول : لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فوردا هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه
ويتصورونه ، ونظيره قوله تعالى ( وكل في فلك يسبحون ) وقوله ( والشمس والقمر رأيتهم لي
ساجدين ) وقوله ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم )
﴿ المسألة الثانية) قوله (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) احتج أصحابنا بهذه
الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله ، قالوا : لأنه تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب
أنها لا تخلق شيئا وهذا الطعن إنما يتم لو قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن
في إلهيتها ، وهذا يقتضي أن كل من كان خالقا كان إلها ، فلو كان العبد خالقا لأفعال نفسه كان
إلها ولما كان ذلك باطلا ، علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه .
أما قوله تعالى ﴿ ولا يستطيعون لهم نصرا﴾ يريد أن الاصنام لا تنصر من أطاعها ولا
تنتصر من عصاها . والنصر: المعونة على العدو والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادرا على
إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك . فكيف يليق بالعاقل عبادتها ؟
ثم قال ﴿ ولا أنفسهم ينصرون﴾ أى ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فان من أراد
کسرهم لم يقدروا على دفعه .
ثم قال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم﴾ واعلم أنه تعالى لما أثبت بالآية المتقدمة

٩٦
قوله تعالى ((وان تدعوهم إلى الهدى)) الآية سورة الأعراف
أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور ، بين بهذه الآية انه لا علم لها بشيء من الأشياء ،
والمعنى أن هذا المعبود الذى يعبده المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر، فكذا لا
يصح فيه اذا دعى الى الخير الاتباع . ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه ، ثم قوى هذا
الكلام بقوله ( سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) وهذا مثل قوله ( سواء عليهم
- أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) وذكرنا ما فيه من المباحث في تلك الآية إلا أن الفرق في تلك الآية
عطف الفعل على الفعل ، وههنا عطف الاسم على الفعل ، لأن قوله ( أدعوتموهم ) جملة
فعلية : وقوله ( أم أنتم صامتون ) جملة إسمية .
واعلم أنه ثبت ان عطف الجملة الاسمية على الفعلية لا يجوز إلا لفائدة وحكمة ، وتلك
الفائدة هي أن صيغة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث حالا بعد حال ، وصيغة الاسم مشعرة
بالدوام والثبات والاستمرار .
إذا عرفت هذا فنقول : إن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم وفي معضلة تضرعوا الى
تلك الأصنام ، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين ، فقيل لهم لا فرق بين
إحداثكم دعاءهم وبين ان تستمروا على صمتكم وسكوتكم ، فهذا هو الفائدة في هذه
اللفظة ، ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح للاليهة ، فقال ( إن الذين تدعون من دون الله عباد
أمثالكم ) وفيه سؤال : وهو أنه كيف يحسن وصفها بأنها عباد مع أنها جمادات ؟ وجوابه من
وجوه : الأول : أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع ، وجب ان يعتقدوا فيها كونها عاقلة
فاهمة ، فلا جرم وردت هذه الالفاظ على وفق معتقداتهم ، ولذلك قال ( فادعوهم فليستجيبوا
لكم ) ولم يقل فادعوهم فليستجبن لكم وقال ( إن الذين ) ولم يقل التي
والجواب الثاني : ان هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أى قصارى أمرهم ان
يكونوا أحياء عقلاء ، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم ، فلم جعلتم
أنفسكم عبيدا وجعلتموها آلهة وأربابا ؟ ثم أبطل أن يكونوا عبادا أمثالكم . فقال (ألهم
أرجل يمشون بها) ثم أكد هذا البيان بقوله ( فادعوهم فليستجيبوا لكم ) ومعنى هذا الدعاء
طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله ( فليستجيبوا ) لام الأمر على معنى التعجيز
والمعنى انه لما ظهر لكل عاقل انها لا تقدر على الاجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية ، ونظيره
قول ابراهيم عليه السلام لأبيه ( لم تعبد ما لا يسمع ولا یبصر ولا یغنی عنك شيئا ) وقوله ( إن
كنتم صادقين ) أى في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة ، ولما ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينية
انها لا تصلح للمعبودية ، وجب على العاقل أن لا يلتفت اليها ، وأن لا يشتغل إلا بعبادة الاله
القادر العالم الحي الحكيم الضار النافع .

٩٧
سورة الأعراف
قوله تعالى ((أهم أرجل يمشون بها)) الآية
أَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْتُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيِّدٍ يَبْطِئُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ
لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ أَدْعُوْ شُرَكَاءَ كُمْ ثُمَ كِيُدُونِ فَلَا تُنِظِرُونِ
١٩٥
قوله تعالى ﴿ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم
لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شرکاءکم ثم کیدون فلا تنظرون ﴾
اعلم ان هذا نوع آخر من الدليل في بيان انه يقبح من الانسان العاقل ان يشتغل بعبادة
هذه الاصنام . وتقريره انه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء اربعة ، وهي الأرجل والايدى
والأعين والآذان ، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما لا يليق بها من
القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى ، فالرجل القادرة
على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة ،
والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة ،
وعن قوة الحياة ، وإذا ثبت هذا ظهر ان الانسان أفضل بكثير من هذه الأصنام ، بل لا نسبة
لفضيلة الانسان الى فضل هذه الاصنام البتة ، واذا كان كذلك فكيف يليق بالافضل الأكمل
الأشرف ان يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذى لا يحس منه فائدة البتة ، لا في جلب المنفعة ولا
في دفع المضرة . هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذى ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وقد
تعلق بعض أغمار المشبهة وجها لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى . فقالوا : إنه
تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلا على عدم إلهيتها ، فلو لم تكن هذه الأعضاء
موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلا على عدم الالهية وذلك باطل ، فوجب القول باثبات هذه
الأعضاء لله تعالى . والجواب عنه من وجهين :
﴿ الوجه الأول﴾ أن المقصود من هذه الآية: بيان ان الانسان أفضل وأكمل حالا من
الصنم ، لأن الانسان له رجل ماشية . ويد باطشة ، وعين باصرة ، واذن سامعة . والصنم
رجله غير ماشية ، ويده غير باطشة ، وعينه غير مبصرة ، واذنه غير سامعة ، وإذا كان كذلك
كان الانسان أفضل وأكمل حالا من الصنم ، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون
جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام ، لا ما ذهب اليه وهم هؤلاء الجهال .
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب ان المقصود من ذكر هذا الكلام: تقرير الحجة التي ذكرها
قبل هذه الآية وهي قوله (ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون) يعنى كيف تحسن عبادة
من لا يقدر على النفع والضرر، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية،
وأيد باطشة وأعين باصرة وآذان سامعة، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على الانفاع
الفخر الرازي ج١٥ م٧

٩٨
قوله تعالى ((إن ولي الله الذي نزل الكتاب)) الآية سورة الأعراف
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّدْلِحِينَ
دُونِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (3) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى
لَا يَسْمَعُواْ وَثَرَثُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
١٩٨
والاضرار، فامتنه كونها آلهة. أما إله العالم تعالى وتقدس فهو وان كان متعاليا عن هذه الجوارح
والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر
فظهر الفرق بين البابين .
أما قوله تعالى ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ قال الحسن : إنهم كانوا يخوفون
الرسول عليه السلام بآلهتهم ، فقال تعالى ( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ) ليظهر لكم أنه لا
قدرة لها على ايصال المضار إلا بوجه من الوجوه ، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في ( كيدوني )
والباقون حذفوها ومثله في قوله ( فلا تنظرون ) قال الواحدى : والقول فيه أن الفواصل تشبه
القوافي ، وقد حذفوا هذه الياآت إذا كانت في القوافي كقوله :
بیدیه کالیھودی الممل
یلمس الاحلاس في منزله
والذين أثبتوها فلأن الأصل هو الاثبات ، ومعنى قوله ( فلا تنظرون ) أى لا تمهلوني
واعجلوا في کیدی أنتم وشركاؤكم .
قوله تعالى ﴿ ان ولبى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين والذين تدعون من
دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وان تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم
ينظرون اليك وهم لا يبصرون﴾
اعلم انه لما بين في الآيات المتقدمة ان هذه الأصنام لا قدرة لها على النفع والضربين بهذه
الآية ان الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى ، لأنه هو الذى يتولى تحصيل منافع الدين
ومنافع الدنيا أما تحصيل منافع الدين ، فبسبب إنزال الكتاب ، وأما تحصيل منافع الدنيا ،
فهو المراد بقوله ( وهو يتولى الصالحين ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدى رحمه الله: قرأ القراء ولي بثلاث ياآت ، الأولى ياء
فعيل وهي ساكنة والثانية لام الفعل وهي مكسورة ، قد أدغمت الأولى فيها فصار ياء مشددة ،

1
٩٩
قوله تعالى ((ان ولي الله.)) الآية سورة الأعراف
والثالثة ياء الاضافة ، وروى عن أبي عمرو : ولي الله بياء مشددة ، ووجه ذلك انه حذف الياء
التي هي لام فعیل ، کما حذف اللام من قولهم فامالیت له فاله ، ثم أدغمت یاء فعیل في ياء
الاضافة ، فقيل ولي الله وهذه الفتحة فتحة ياء الاضافة ، وأما الباقون فأجازوا اجتماع ثلاث
ياءات ، والله أعلم .
'۔
﴿ المسألة الثانية﴾ أن وليى الله أى الذى يتولى حفظى ونصرتي هو الله الذى انزل
الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى الصالحين ينصرهم ، فلا
تضرهم عداوة من عاداهم ، وفي ذلك يأمن المشركين من أن يضره كيدهم . وسمعت ان عمر
بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئاً، فقيل له فيه فقال: ولدى اما ان يكون من الصالحين
أو من المجرمين ، فان كان من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له وليا فلا حاجة له الى مالي ،
وان كان من المجرمين فقد قال تعالى ( فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) ومن رده الله لم أشتغل
باصلاح مهماته .
أما قوله ﴿والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ففيه
قولان :
﴿ القول الأول﴾ ان المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات.
فان قالوا : فهذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في تكريرها ؟
فنقول : قال الواحدى : إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور
على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة ، وبين من لا تجوز كأنه قيل : الاله المعبود يجب ان
يكون بحيث يتولى الصالحين ، وهذه الاصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للالهية .
والقول الثاني ﴾ أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشرکین الذین یدعون غیر
الله ، يعني ان الكفار كانوا يخوفون رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه فقال تعالى :
انهم لا يقدرون على شيء . بل انهم قد بلغوا في الجهل والحماقة الى أنك لو دعوتهم وأظهرت
أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ذلك البتة .
فان قيل : لم يتقدم ذكر المشركين ، وانما تقدم ذكر الاصنام فكيف يصح ما ذكر ؟
قلنا : قد تقدم ذکرهم في قوله تعالى ( قل ادعوا شرکاءکم ثم کیدون )
أما قوله تعالى ﴿وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون ﴾ فان حملنا هذه الصفات على
الاصنام قلنا : المراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم : جبلان

١٠٠
قوله تعالى ((خذ العفو وأمر بالعرف)» الآية سورة الاعراف
١٩
خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
متناظران أى متقابلان ، فان حملناها على المشركين فالمعنى : إنهم وإن كانوا ينظرون الى الناس
إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية ، فصاروا كأنهم عمى ،
وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية ، لأنه تعالى أثبت النظر ونفى الرؤية ، وذلك يدل
على التغاير . وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل : معناه تحسبهم أنهم ينظرون اليك مع انهم في
الحقيقة لا ينظرون ، أى تظن انهم ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك ، والرؤية بمعنى الحسبان
الإرادة قال تعالى( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى )
قوله تعالى ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى ان الله هو الذى يتولاه ، وأن الاصنام وعابديها لا
يقدرون على الايذاء والاضرار ، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في
معاملة الناس فقال ( خذ العفو وأمر بالعرف) قال أهل اللغة : العفو الفضل وما أتى من غير
كلفة .
إذا عرفت هذا فنقول : الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم ، إما أن يجوز
ادخال المساهلة والمسامحة فيها ، وإما ان لا يجوز .
﴿ أما القسم الأول ﴾ فهو المراد بقوله ( خذ العفو ) ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما
يتعلق بالحقوق المالية ، ويدخل فيه أيضا التخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة
والفظاظة كما قال تعالى ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ومن هذا الباب ان
يدعو الخلق الى الدين الحق بالرفق واللطف ، كما قال تعالى ( وجادلهم بالتي هي أحسن )
وأما القسم الثاني ﴾ وهو الذى لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه ، فالحكم فيه أن
يأمر بالمعروف، والعرف، والعارفة ، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الاتيان به ،
وان وجوده خير من عدمه ، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر
بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال ، لكان ذلك سعيا في تغيير الدين وابطال الحق وانه لا
يجوز ، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه ، فربما أقدم بعض الجاهلين
على السفاهة والايذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية ( وأعرض عن الجاهلين ) وقال في
آية أخرى ( وإذا مروا باللغوا مروا كراما ) وقال ( والذين هم عن اللغو معرضون ) وقال في