النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الزَّزى الشَّهُ بالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَاتِ الغَيب للإمَام محمَّ الَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياء الدين عمر الشّهر بخطِ الرَّ فَفَعَ اللّه بالمنيمين هـ ٥٤٤ - ٢٠٤ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام الجُزْءُ الخامِسُ عَشر دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي قوله تعالى ((سأصرف عن آياتي )) الآية سورة الأعراف ٢ الجزء ٩١-١ بِسْـ مَأْصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرٍ : آلْحَقِّ وَإِن يَوَّ كُلَّءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْسَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَُّوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْسَبِيلَ الْغَيّ ◌َخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِنَّهُمْ كَذَبُرْ بِعَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَِينَ ﴾ قوله تعالى ﴿ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله ( سأريكم دار الفاسقين ) ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به فقال ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ) واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الايمان ويصد عنه وذلك ظاهر ، وقالت المعتزلة : لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه : الوجه الأول ﴾ قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم عن الايمان بآياته لأن قوله ( سأصرف) يتناول المستقبل وقد بين تعالى أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل له في الزمان الماضي ، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله . الوجه الثاني﴾ أن قوله ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ) مذکور علی وجه العقوبة على التكبر والكفر ، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم ، لكان معناه أنه ٠ التابع ٤ قوله تعالى ((سأصرف عن آياتي)) الآية سورة الاعراف تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر ، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز ، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر . ﴿ الوجه الثالث ﴾ أنه لو صرفهم عن الايمان وصدهم عنه فكيف يمكن ان يقول مع ذلك ( فما لهم لا يؤمنون فما لهم عن التذكرة معرضين . وما منع الناس أن يؤمنوا ) فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه أخرى . فالوجه الأول ﴾ قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه ، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الايمان بها ، وهو شبيه بقوله ( بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ) فأراد تعالى ان يمنع اعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة . والوجه الثاني ﴾ في التأويل ما ذكره الجبائي فقال: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين ، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والاذلال بهم ، وذلك يجرى مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله . والوجه الثالث ﴾ أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الايمان، فاذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات ، فحينئذ يصرفهم الله عنها . والوجه الرابع ﴾ أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فانه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها ، فاذا علم الله ذلك منه ، صح من الله تعالى أن يصرفه عنها . والوجه الخامس ﴾ نقل عن الحسن أنه قال: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي " إلى الحد الذى إذا وصل اليه مات قلبه، فالمراد من قوله ( سأصرف عن آياتي ) هؤلاء . فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال . الله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ معنى يتكبرون: أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى . لأنه هو الذى له القدرة والفضل الذى ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبرا . وقال بعضهم : التكبر : إظهار كبر النفس على قوله تعالى ((والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة)) الآية سورة الاعراف وَالَّذِينَ كَّبُواْ بِكَايَئِنَا وَلِقَآءِ اْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّمَا كَانُواْ يَعْمَلُونٌ غيرها . وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد . وصفة مدح في الله جل جلاله ، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق . وفي حق عيره باطل . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله ( بغير الحق ) لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق ، فان للمحق أن يتكبر على المبطل ، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة . أما قوله تعالى ﴿ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ﴾ ففيه مباحث : ﴿ البحث الأول ﴾ قرأ حمزة والكسائى ( الرشد ) بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال ( الرشد ) بضم الراء الصلاح . لقوله تعالى ( فان آنستم منهم رشدا) أى صلاحا ، و ( الرشد) بفتحهما الاستقامة في الدين . قال تعالى ( مما علمت رشدا ) وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد ، مثل الحزن والحزن ، والسقم والسقم ، وقيل ( الرشد ) بالضم الاسم ، وبالفتحتين المصدر . ﴿ البحث الثاني﴾ (سبيل الرشد ) عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و( سبيل الغي ) ما يكون مضادا لذلك ، ثم بين تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات الله . والثاني : كونهم غافلين عنها . والمراد أنهم واظبوا على الاعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها . والله أعلم . قوله تعالى ﴿والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتکبرین عن آياته بقوله ( ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ) بين حال أولئك المكذبين ، فقد كان يجوز أن يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لأن فيهم من يعمل بعض أعمال البر ، فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبرا أو متواضعا أو كان قليل الاحسان ، أو كان كثير الاحسان ، فقال ( والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ) يعني بذلك جحدهم للميعاد وجراءتهم على المعاصي ، فبين تعالى أن أعمالهم محبطة ، والكلام في حقيقة الاحباط قد تقدم في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الاعادة . ٦ قوله تعالى ((واتخذ قوم موسى من بعده)) الآية سورة الاعراف لا وَخَلَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِهِمْ عِجْلًا جَسَدًالَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يُرَوْاْ أَنَّهُ,ٍ يُكَلِمُهُمْ وَلَيَهْدِيِمْ سَيِلًا اتَّخَدُوُهُ وَكَانُواْ ظَلِينَ ١٤٨ ثم قال تعالى ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون﴾ وفيه حذف والتقدير: هل يجزون إلا بما كانوا يعملون ؟ أو على ما كانوا يعملون . واحتج أصحابنا بهذه الآية على فساد قول أبي هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا يفعل الواجب، وإن لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا: هذه الآية تدل على أنه لا جزاء إلا على العمل، وليس ترك الواجب بعمل، فوجب أن لا يجازي عليه، فثبت أن الجزاء انما حصل على فعل ضده. وأجاب أبو هاشم : بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء. فسقط الاستدلال . وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب : بأن الجزاء إنما سمى جزاء لأنه يجزى ويكفي في المنع من النهي ، وفي الحث على المأمور به فان ترتب العقاب على مجرد ترك الواجب كان ذلك العقاب كافيا في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء فثبت أنه لا سبيل الى الامتناع من تسميته جزاء . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامرى العجل ، وفيها مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي ( حليهم ) بكسر الحاء واللام وتشديد الياء للاتباع كدلى . والباقون ( حليهم ) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلى كثدى وثدى ، وقرأ بعضهم (من حليهم ) على التوحيد ، والحلى اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قيل إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلى فاستعاروا حلى القبط لذلك اليوم ، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلى في أيدى بني إسرائيل ، فجمع السامرى تلك الحلى . وكان رجلا مطاعا فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها يعبدونه، فصاغ السامرى عجلا . ثم اختلف الناس ، فقال قوم كان قد أخذ كفا من تراب حافز فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل، فانقلب ٧ قوله تعالى ((واتخذ قوم موسى من بعده )) الآية سورة الأعراف لحما ودما وظهر منه الخوار مرة واحدة. فقال السامرى؛ هذا إلهكم وإله موسى. وقال أكثر المفسرين من المعتزلة إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفا ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص ، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح ، فكانت الريح تدخل في جوف الانابيب ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل ، وقال آخرون إنه جعل ذلك التمثال أجوف ، وجعل تحته في الموضع الذی نصب فيه العجل من ینفخ فيه من حیث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار . قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك ، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال ، ثم القى الى الناس أن هذا العجل إلههم وإله موسى . بقي في لفظ الآية سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ لم قيل (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا) والمتخذ السامرى وحده ؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أن الله نسب الفعل اليهم ، لأن رجلا منهم باشره كما يقال : بنوتميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد . والثاني : أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنهم اجتمعوا عليه . ﴿ السؤال الثاني﴾ لم قال ( من حليهم) ولم يكن الحلي لهم ، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية ؟ والجواب : أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ، وصارت ملكا لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى ( كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهین كذلك وأورثناها قوما آخرين ) السؤال الثالث ﴾ هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم ؟ والجواب : أن قوله تعالى ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ) يفيد العموم . قال الحسن : كلهم عبدوا العجل غير هارون . واحتج عليه بوجهين : الأول : عموم هذه الآية . والثاني : قول موسى عليه السلام في هذه القصة ( رب اغفر لي ولأخي ) قال خص نفسه وأخاه بالدعاء ، وذلك يدل على أن من كان مغايرا لهما ما كان أهلا للدعاء ولو بقوا على الايمان لما كان الأمر كذلك ، وقال آخرون : بل كان قد بقى في بني اسرائيل من ثبت على إيمانه فان ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين ، والدليل عليه قوله تعالى ( ومن قوم موسى أمة ٨ قوله تعالى ((واتخذ قوم موسى من بعده)) الآية سورة الاعراف يهدون بالحق وبه يعدلون ) ﴿ السؤال الرابع﴾ هل انقلب ذلك التمثال لحما ودما على ما قاله بعضهم أو بقي ذهبا كما كان قبل ذلك ؟ والجواب : الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : قوله تعالى ( عجلا جسدا له خوار ) والجسد اسم للجسم الذى يكون من اللحم والدم ، ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف ، سواء كان من اللحم والدم أو لم یکن كذلك . والحجة الثانية ﴾ أنه تعالى أثبت له خوارا، وذلك انما يتأتى في الحيوان ، وأجيب عنه : بأن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد اطلاق لفظ الخوار عليه ، وقرأ على رضى الله عنه : (جزار) بالجيم والهمزة ، من جأر إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب . واعلم انه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل إلها بقوله ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ) وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه ان يكلمهم ولا يمكنه أن يهديهم الى الصواب والرشد ، وكل من كان كذلك كان إما جمادا وإما حيوانا عاجزا ، وعلى التقديرين فانه لا يصلح للالهية ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا الى السبيل لم يكن إلها لأن الآله هو الذى له الأمر والنهي ، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلما ، فمن لا يكون متكلما لم يصح منه الأمر والنهي ، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلها . وقالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن شرط كونه إلها أن يكون هاديا الى الصدق والصواب ، فمن كان مضلا عنه وجب أن لا يكون إلها . فان قيل : فهذا يوجب انه لو صح أن يتكلم ويهدى ، يجوز أن يتخذ إلها ، وإلا فان كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلها فلا فائدة فيما ذكرتم . والجواب من وجهين : الأول : لا يبعد ان يكون ذلك شرطا لحصول الالهية ، فيلزم من عدمه عدم الالهية وإن كان لا يلزم من حصوله حصول الالهية . الثاني : أن كل من قدر على أن يكلمهم وعلى أن يهديهم الى الخير والشر فهو إله ، والخلق لا يقدرون على الهداية ، إنما يقدرون على وصف الهداية ، فأما على وضع الدلائل ونصبها فلا قادر عليه إلا الله سبحانه وتعالى . ٩ قوله تعالى ((ولما سقط في ايديهم)) الآية سورة الأعراف وَلَمَّ سُقِطَ فِىَ أَيْدِيبِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلَّوْ قَالُواْ لَبِن لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْلَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ اْلَُْسِرِينَ واعلم أنه ختم الآية بقوله ( وكانوا ظالمين ) أى كانوا ظالمين لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ﴾ اعلم أنهم اتفقوا على ان المراد من قوله ( سقط في ايديهم ) أنه اشتد ندمهم على عبادة العجل واختلفوا في الوجه الذى لاجله حسنت هذه الاستعارة . ﴿فالوجه الأول﴾ قال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم كما يقال حصل في يديه مكروه ، وإن كان من المحال حصول المكروه الواقع في اليد ، إلا أنهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب والنفس كونه واقعا في اليد ، فكذا ههنا . والوجه الثاني ﴾ قال صاحب الكشاف: إنما يقال لمن ندم سقط في يده لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غما ، فيصير ندمه مسقوطا فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . والوجه الثالث ﴾ أن السقوط عبارة عن نزول الشيء من أعلى إلى أسفل ، ولهذا قالوا سقط المطر ، ويقال : سقط من يدك شيء واسقطت المرأة ، فمن أقدم على عمل فهو إنما يقدم عليه لاعتقاده ان ذلك العمل خير وصواب . وأن ذلك العمل يورثه شرفا ورفعة ، فاذا بان له ان ذلك العمل كان باطلا فاسدا فكأنه قد انحط من الأعلى إلى الأسفل وسقط من فوق الی تحت ، فلهذا السبب يقال للرجل اذا اخطأ : كان ذلك منه سقطة ، شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض ، فثبت أن اطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن . بقي أن يقال : فما الفائدة في ذكر اليد ؟ فنقول : اليد هي الآلة التي بها يقدر الانسان على الأخذ والضبط والحفظ ، فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم ويشتغل بتلافيها ، فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أن بعد حصول ذلك الندم اشتغل بالتدارك والتلافي . ﴿ والوجه الرابع ﴾ حكى الواحدى عن بعضهم : أن هذا مأخوذ من السقيط وهو ما · يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج . يقال : منه سقطت الأرض كما يقال : من الثلج ثلجت ١٠ قوله تعالى ((ولما سقط في أيديهم)) الآية سورة الأعراف الأرض وثلجنا أى أصابها الثلج ، ومعنى سقط في يده أى وقع في يده السقيط ، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى ، فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلا لکل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل ، وكانت الندامة آخر أمره . والوجه الخامس ﴾ قال بعض العلماء : النادم إنما يقال له سقط في يده ، لأنه يتحير في أمره ويعجز عن أعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر الأمر هي اليد . والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدى علم ان السقوط في اليد إنما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدى لما يصنع ، ضلت يده ورجله . ﴿ والوجه السادس﴾ إن من عادة النادم أن يطأطيء رأسه ويضعه على يده معتمدا عليه وتارة يضعها تحت ذقنه ، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على ايديهم ، كقوله ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أى عليها . والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ورأوا أنهم قد ضلوا) أى قد تبينوا ضلالهم تبيينا كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي يجب ان يكون المؤخر مقدما لأن الندم والتحير إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال : ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة ، ويمكن ان يقال إنه لا حاجة الى هذا التقديم والتأخير ، وذلك لأن الانسان إذا صار شاكا في أن العمل الذى أقدم عليه هل هو صواب أو خطأ ؟ فقد یندم علیه من حيث أن الاقدام على ما لا يعلم کونه صوابا أو خطأ فاسدا أو باطلا غير جائز ، فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم ، ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر أنه كان خطأ وفاسدا وباطلا فثبت أن على هذا التقدير لا حاجة الى التزام التقديم والتأخير . ثم بين تعالى أنهم عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بأن الذى عملوه كان باطلا أظهروا الانقطاع الى الله تعالى فقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه في إقالة عثرته ، ثم صدقوا على انفسهم كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم ، وهذا الندم والاستغفار إنما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام اليهم ، وقرىء (لئن لم ترحمنا ربنا وتغفرلنا ) بالتاء ( وربنا) بالنصب على النداء ، وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام ( وان لم تغفر لنا وترحمنا ) ١١ قوله تعالى ((ولما رجع موسى إلى قومه)) الآية سورة الاعراف وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَانَ أَسِفًّا قَالَ بِئْسَمَا خَفْتُمُونِ مِنْ بَعْدِىّ أَعِلْتُمْ أَمَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَ الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسٍ أَخِيهِ بِجُرُ إِلَيْهِ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَِ فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ (٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْلِ وَلِأَنِى وَأَدِْلْنَا فِ رَحْمَئِكَ وَأَنْتَ أَرْحُمُ الَّحِينَ (3) / قوله تعالى ﴿ ولما رجع موسى الى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدى أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره اليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم ان قوله (ولما رجع موسى الى قومه غضبان أسفا) لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل ، ولا يوجب ذلك لجواز ان يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك ، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم : إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك . وقال أبو مسلم: بل كان عارفا بذلك من قبل ، وهذا أقرب . ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله تعالى ( ولما رجع موسی الی قومه غضبان أسفا ) يدل على أنه حال ما كان راجعا كان غضبان أسفا ، وهو إنما كان راجعا إلى قومه قبل وصوله اليهم ، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله اليهم كان عالما بهذه الحالة . الثاني : أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات . ﴿ المسألة الثانية﴾ في الأسف قولان: الأول : أن الأسف الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء وعطاء ، عن ابن عباس واختيار الزجاج . واحتجوا بقوله ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) أى أغضبونا . والثاني ؛ وهو أيضا قول ابن عباس والحسن والسدى . إن الأسف هو الحزين : وفي حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت : إن أبا بكر رجل أسيف أى حزين . قال الواحدى : والقولان متقاربان ، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب ، فاذا جاءك ١٢ قوله تعالى ((قال بئسما خلفتموني من بعدي)) الآية سورة الاعراف ما تكره ممن هو دونك غضبت ، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت . فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضباً ، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل ، أسفا حزينا ، لأن الله تعالى فتنهم , وقد كان تعالى قال له : ( إنا قد فتنا قومك من بعدك ) أما قوله ﴿ بئسما خلفتموني من بعدى﴾ فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدى وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامرى وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل، وهم: هرون عليه السلام والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله (أخلفني في قومي) وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، وعلى هذا التقدير الثاني، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى، وههنا سؤلات : ﴿ السؤال الأول﴾ أين ما يقتضيه ((بئس)) من الفاعل ، والمخصوص بالذم. والجواب : الفاعل مضمر يفسره قوله ( ما خلفتموني ) والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدى خلافتكم . ﴿ السؤال الثاني ﴾ أى معنى لقوله ( من بعدى ) بعد قوله ( خلفتموني ) والجواب : معناه من بعد ما رأيتم منى من توحيد الله تعالى ، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له . أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا ( إجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين . وأما قوله ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته ، هكذا قاله الواحدى : ولقائل أن يقول : لو كانت العجلة مذمومة فلم قال موسى عليه السلام ( وعجلت إليك رب لترضى ) قال ابن عباس المعنى ( أعجلتم أمر ربكم ) يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له ؟ وقال الحسن : وعد ربكم الذى وعدكم من الأربعين ، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة ، فقد مات . وقال عطاء يريد أعجلتم سخط ربكم ؟ وقال الكلبي : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ، ولما ذكر تعالى أن موسى رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجبا له ، وهو أمران : الأول : أنه قال ( وألقى الألواح ) يريد ٠٠. قوله تعالى ((وألقى الالواح واخذ برأس أخيه يجره)) الآية سورة الاعراف ١٣ التي فيها التوراة، ولما كانت تلك الألواح أعظم معاجزة ، ثم أنه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب ، لأن المرء لا يقدم على مثل هذا العمل إلا عند حصول الغضب المدهش . روى أن التوراة كانت سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت ، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد . وكان فيما رفع تفصيل كل شيء ، وفيما بقى الهدى والرحمة ، وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال « يرحم الله أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف ان ما أخبره به حق وأنه على ذلك متمسك بما في يده )) ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه القى الألواح فأما أنه ألقاها بحيث تكسرت ، فهذا ليس في القرآن وأنه لجراءة عظيمة على كتاب الله ، ومثله لا يليق بالأنبياء عليهم السلام . ﴿ والأمر الثاني﴾ من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب. قوله تعالى ﴿ وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره اليه ﴾ وفي هذا الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع الجواب الصحيح . وبالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون أنه أخذ برأس أخيه يجره اليه على سبيل الاهانة والاستخفاف، والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا إنه جر رأس أخيه الى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة . فان قيل : فلماذا قال ابن أم إن القوم استضعفوني . قلنا : الجواب عنه أن هرون عليه السلام خاف أن يتوهم جهال بني اسرائيل أن موسى عليه السلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل ، فقال له ابن أم إن القوم استضعفوني وما أطاعوني في ترك عبادة العجل ، وقد نهيتهم ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم بهم عن هذا العمل ، فلا تفعل بي ما تشمت أعدائي به فهم أعداؤك فان القوم يحملون هذا الفعل الذى تفعله بي على الاهانة لا على الاكرام . وأما قوله تعالى ﴿ ابن أم ﴾ فاعلم أنه قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ( ابن أم ) بكسر الميم ، وفي طه مثله على تقدير أمي فحذف ياء الاضافة لأن مبنى النداء على الحذف وبقي الكسر على الميم ليدل على الاضافة ، كقوله ( يا عباد ) والباقون بفتح الميم في السورتين ، وفيه قولان : أحدهما : أنهما جعلا اسما واحدا وبنى لكثرة اصطحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة اسم واحد نحو حضر موت وخمسة عشر. وثانيهما : أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الاضافة ، وأصله يا ابن أما كما قال الشاعر : ١٤ قوله تعالى ((ان الذين اتخذوا العجل)) الآية سورة الاعراف إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيْنَاهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِهِمْ وَذِلَةٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُفْترِينَ (﴾ وَالَّذِينَ عَمِلُواْ الَِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ـمـ ١٥٠٣ يا ابنة عما لا تلومي واهجعي وقوله ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ أى لم يلتفتوا الى كلامي وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء يعني أصحاب العجل ولا تجعلني مع القوم الظالمين ، الذين عبدوا العجل أى لا تجعلني شريكا لهم في عقوبتك لهم على فعلهم ، فعند هذا قال موسى عليه السلام : ( رب اغفر لي ) أى فيما أقدمت عليه من هذا الغضب والحدة (ولأخي ) في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل ( وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) واعلم ان تمام هذه السؤالات والجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه . والله أعلم . / قوله تعالى ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ اعلم ان المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل . واعلم أن المفعول الثاني من مفعولٍ - الاتخاذ - محذوف، والتقدير : اتخذوا العجل إلها ومعبودا ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى ( فاخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ) وللمفسرين في هذه الآية طريقان : الأول : أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل وهم الذين قال فيهم ( سينالهم غضب من ربهم ) وعلى هذا التقدير ففيه سؤال ، وهو أن أولئك الأقوام تاب الله عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب ، وإذا تاب الله عليهم فكيف يمكن أن يقال في حقهم أنه ( سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ) والجواب عنه : أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ذلك ١٥ قوله تعالى ((والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها)) الآية سورة الأعراف الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله ( وذلة في الحياة الدنيا ) هو أنهم قد ضلوا فذلوا . فان قالوا : السين في قوله ( سينالهم ) للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا ؟ قلنا : هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت انه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقا على وقوعهم في القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار . ﴿ والطريق الثاني ﴾ أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التقدير : ففي الآية وجهان : ﴿الوجه الأول﴾ أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب. يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك، ثم حكم عليهم بأنه (سينالهم غضب من ربهم) في الآخرة (وذلة في الحياة الدنيا) كما قال تعالى في صفتهم (ضربت عليهم الذلة والمسكنة ) . ﴿والوجه الثاني﴾ أن يكون التقدير (إن الذين اتخذوا العجل ) أى الذين باشروا ذلك ( سينالهم غضب) أى سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه . أما قوله تعالى ﴿وكذلك نجزى المفترين﴾ فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين الله . أما قوله تعالى ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولا ، وذلك بأن يتركها أولا ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك . وثانيا يؤمن بالله تعالى ، ويصدق بأنه لا إله غيره ( إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) وهذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران ، لأن قوله ( والذين عملوا السيئات ) يتناول الكل . والتقدير : أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فان الله يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين ، والله أعلم . ١٦ قوله تعالى ((ولما سكت عن موسى الغضب)) سورة الاعراف وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِهِمْ يَرْهَبُونَ. ١٥٤ قوله تعالى ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ في قوله ( سكت عن موسى الغضب ) أقوال : ﴿ القول الأول﴾ أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا وكذا ، وألق الألواح وخذ برأس أخيك اليك ، فلما زال الغضب ، صار كأنه سكت . والقول الثاني ﴾ وهو قول عكرمة ، أن المعنى : سكت موسى عن الغضب وقلب كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأسي ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة . ﴿ القول الثالث ﴾ المراد بالسكوت السكون والزوال ، وعلى هذا جاز (سكت عن موسى الغضب ) ولا يجوز صمت لأن ( سكت ) بمعنى سكن ، وأما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام ، وذلك لا يجوز في الغضب . ﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هرون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره ، فعند ذلك سكن غضبه ، وهو الوقت الذى قال فيه ( رب اغفر لي ولأخي ) وكما دعا لأخيه منبها بذلك على زوال غضبه ، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين ، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (أخذ الألواح) المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى ( وألقى الألواح ) وظاهر هذا يدل على أن شيئا منها لم ينكسر ولم يبطل . وأن الذى قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت الى السماء ليس الأمر كذلك وقوله ( وفي نسختها ) النسخ ، عبارة ١٧ سورة الاعراف قوله تعالى « واختار موسی قومه)» وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَئِنَا فَلَّآ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبٍّ لَوْشِئْتَ أَمْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنِىَّ ◌َتُهْلِكُ بِمَا فَعَلَ اَلْفَهَاَءُ مِنََّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَةَ أَنْتَ وَلِيْنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ١٥٥ عن النقل والتحويل فاذا كتبت كتابا عن كتاب حرفا بعد حرف، قلت نسخت ذلك الكتاب كأنك نقلت ما في الأصل الى الكتاب الثاني . قال ابن عباس : لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوما، فأعاد الله تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى، فعلى هذا قوله (وفي نسختها) أي وفيما نسخ منها. وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضا تكون نسخا على هذا التقدير وقوله (هدى ورحمة) أي (هدى) من الضلالة (ورحمة) من العذاب (للذين هم لربهم يرهبون) يريد الخائفين من ربهم . فان قيل : التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله ( لربهم ) قلنا فيه وجوه : الأول : أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا فدخلت اللام للتقوية ، ونظيره قوله ( للرؤيا تعبرون ) الثاني : أنه لام الأجل والمعنى : للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة. الثالث: أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعديا كقولك قرأت في السورة وقرأت السورة، وألقى يده وألقى بيده، وفي القرآن (ألم تعلم بأن الله يرى) وفي موضع آخر (ويعلمون أن الله) فعلى هذا قوله (لربهم) اللام صلة وتأكيدا كقوله (ردف لكم) وقد ذكرنا مثل هذا في قوله (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) قوله تعالى ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ﴾ فى هذه الآية مسائل : الفخر الرازي ج١٥ م٢ ١٨ قوله تعالى «واختار موسی قومه)» سورة الاعراف المسألة الأولى ﴾ الاختيار: افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره . وأصل اختار : اختير ، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت الفا نحو قال وباع ، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما ، مختار ، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء ألفا فاستويا في اللفظ ، وتحقيق الكلام فيه أن نقول : أن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك ، وصالحة للفعل ولضده ، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدرا لأحد الجانبين دون الثاني . وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح ، وهو محال ، فاذا حكم الانسان بأن له في الفعل نفعا زائدا وصلاحا راجحا ، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده . فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحا على الترك ، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيرا من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلا ، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفا على حكمه بكون ذلك الفعل خيرا من تركه ، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلا اختياريا . والله أعلم . فان قيل: إن الانسان قد يقتل نفسه وقد يرمى نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور . فنقول : إن الانسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل ، والضرر الأسهل بالنسبة الى الضرر الأعظم يكون خيرا لا شرا، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال جماعة النحويين: معناه واختار موسى من قومه سبعين. فحذفت كلمة (( من)) ووصل الفعل فنصب ، يقال : اخترت من الرجال زيدا واخترت الرجال زيدا . وأنشدوا قول الفرزدق : وجودا إذا هب الرياح الزعازع ومنا الذى اختار الرجال سماحة قال أبو على والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى الى المفعول الثاني بحرف، واحد ، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل الى المفعول الثاني من ذلك قولك اخترت من الرجال زيدا ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيدا وقولك استغفر الله من ذنبي وأستغفر الله 1 ذنبي قال الشاعر : أستغفر الله ذنبا لست أحصيه ويقال أمرت زيدا بالخير وأمرت زيدا الخير قال الشاعر : ٠٠ ١٩ قوله تعالى ((واختار موسى قومه)) سورة الاعراف أمرتك الخير فافعل ما أمرت به والله أعلم وعندى فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقا لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله ( سبعين رجلا ) عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات . المسألة الثالثة ﴾ ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطا من كل سبط ستة ، فصاروا اثنين وسبعين ، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا ، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع . وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخا ، فأوحى الله اليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم الى الميقات . ﴿المسألة الرابعة﴾ هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذى كلم الله تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر؟ فيه أقوال للمفسرين : ﴿ القول الأول﴾ إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا: إنه عليه السلام خرج بهؤلاء السبعين الى طورسيناء ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام ، حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى عليه السلام . ودخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا ، فدنوا ، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجدا ، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل . ثم انكشف الغمام فأقبلوا اليه فطلبوا الرؤية و( قالوا يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ) وهي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية ، فقال موسى عليه السلام (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) فالمراد منه قولهم ( أرنا الله جهرة ) والقول الثاني ﴾ أن المراد من هذا الميقات مغاير لميقات الكلام وطلب الرؤية ، وعلى هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل . وثانيها : أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل . وثالثها : أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ، ولا تعطيه أحدا بعدنا ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك الكلام فأخذتهم الرجفة ، واحتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور : الأول : أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة ، وظاهر الحال ٢٠ قوله تعالى ((أتهلكنا بما فعل السفهاء منا)) الآية سورة الأعراف يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عودا . الى تتمة الكلام في القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في وضع واحد . ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها ، فأما ما ذكر بعض القصة ، ثم الانتقال منها الى قصة أخرى ثم الانتقال منها بعد تمامها الى بقية الكلام في القصة الأولى ، فانه يوجب نوعا من الخبط والاضطراب . والأولى صون كلام الله تعالى عنه . الثاني : أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر هناك منكر، إلا أنهم ( قالوا أرنا الله جهرة ) فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال : أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا ؟ فلما لم يقل موسى كذلك بل قال ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية . الثالث : أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية أنه خر موسى صعقا وأنه جعل الجبل دكا ، وأما الميقات المذكور في هذه الآية ، فان الله تعالى ذكر ان القوم أخذتهم الرجفة ، ولم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة ، وكيف يقال أخذته الرجفة ، وهو الذى قال لو شئت أهلكتهم من قبل واياى ؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر. واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى (ولما جاء موسى لميقاتنا) فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات، فلما قال في هذه الآية (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا) وجب ان يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات . وجوابه : أن هذا الدليل ضعيف ، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى . والله أعلم . ١ والوجه الثالث ﴾ في تفسير هذا الميقات ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال: إن موسى وهرون عليهما السلام انطلقا الى سفح جبل ، فنام هرون فتوفاه الله تعالى ، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذى قتل هرون ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا وذهبوا الى هرون فأحياه الله تعالى وقال ما قتلني أحد ، فأخذتهم الرجفة هنالك ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . والله أعلم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلفوا في تلك الرجفة فقيل: إنها رجفة أوجبت الموت . قال السدى : قال موسى يا رب كيف أرجع الى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ولم يبق معي منهم واحد ؟ فماذا أقول لبني إسرائيل وكيف يأمنوني على أحد منهم بعد ذلك ؟ فأحياهم الله