النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى ((قال الملأ من قوم فرعون)) الآية سورة الأعراف
قَالَ الْمَلَأَّ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ عَلِيمٌ () يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ
فَا ذَا تَأْمُرُونَ فِ)
قال الملأ من قوم فرعون إن هذا الساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون﴾
اعلم أن فرعون لما طالب موسى عليه السلام باقامة البينة على صحة نبوته بين الله تعالى
أن معجزته كانت قلب العصا ثعبانا ، وإظهار اليد البيضاء والكلام في هذه الآية يقع على
وجوه : الأول : أن جماعة الطبيعيين ينكرون إمكان انقلاب العصا ثعبانا ، وقالوا : الدليل
على امتناعه ان تجويز انقلاب العصا ثعبانا يوجب ارتفاع الوثوق عن العلوم الضرورية وذلك
باطل ، وما يفضى الى الباطل فهو باطل . إنما قلنا : إن تجويزه يوجب ارتفاع الوثوق عن العلوم
الضرورية ، وذلك لأنا لو جوزنا ان يتولد الثعبان العظيم من العصا الصغيرة لجوزنا أيضا أن
يتولد الانسان الشاب القوى عن التبنة الواحدة والحية الواحدة من الشعير، ولو جوز ذلك
لجوزناه في هذا الانسان الذى نشاهده الآن أنه إنما حدث الآن دفعة واحدة لا من الأبوين ،
وجوزنا في زید الذی نشاهده الآن أنه ليس هو زید الذى شاهدناه بالأمس ، بل هو شخص
آخر حدث الآن دفعة واحدة ، وومعلوم ان من فتح على نفسه أبواب هذه التجویزات فان
جمهور العقلاء يحكمون عليه بالخبل والعته والجنون ، ولأنا لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يقال : إن
الجبال انقلبت ذهبا ومياه البحر انقلبت دما ، ولجوزنا في التراب الذى كان في مزبلة البيت أنه
انقلب دقيقا ، وفي الدقيق الذى كان في البيت أنه انقلب ترابا . وتجويز أمثال هذه الأشياء مما
يبطل العلوم الضرورية ويوجب دخول الانسان في السفسطة ، وذلك باطل قطعا . فما يفضى
اليه كان أيضا باطلا .
فان قال قائل : تجويز أمثال هذه الأشياء مختص بزمان دعوة الأنبياء ، وهذا الزمان ليس
كذلك فقد حصل الأمان في هذا الزمان عن تجويز هذه الأحوال .
فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا التجويز إذا كان قائما في الجملة كان تخصيص
هذا التجويز بزمان دون زمان مما لا يعرف إلا بدليل غامض . فكان يلزم أن يكون الجاهل
بذلك الدليل الغامض جاهلا باختصاص ذلك التجويز بذلك الزمان المعين . فكان يلزم من
جمهور العقلاء الذين لا يعرفون ذلك الدليل الغامض أن يجوزوا كل ما ذكرناه من الجهات وأن
لا يكونوا قاطعين بامتناع وقوعها ، وحيث نراهم قاطعين بامتناع وقوعها علمنا أن ما ذكرتموه
فاسد . الثاني : أنا لوجوزنا أمثال هذه الأحوال في زمان دعوة النبوة فانه يبطل أيضا به القول

٢٠٢
قوله تعالى ((فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين)) الآية سورة الأعراف
بصحة النبوة ، فانه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعبانا ، جاز فی الشخص الذی شاهدناه انه لیس
هو الشخص الأول بل الله أعدم الشخص الأول دفعة واحدة ، وأوجد شخصا آخر يساويه في
جميع الصفات ، وعلى هذا التقدير فلا يمكننا أن نعلم أن هذا الذى نراه الآن هو الذى رأيناه
بالأمس ، وحينئذ يلزم وقوع الشك في الذين رأوا موسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام أن ذلك
الشخص هل هو الذى رأوه بالأمس أم لا؟ ومعلوم أن تجويزه يوجب القدح في النبوة
والرسالة . والثالث : وهو أن هذا الزمان وإن لم يكن زمان جواز المعجزات إلا أنه زمان جواز
الكرامات عندكم . فيلزمكم تجويزه ، فهذا جملة الكلام في هذا المقام .
واعلم ان القول بتجويز انقلاب العادات عن مجاريها صعب مشكل ، والعقلاء
اضطربوا فيه وحصل لأهل العلم فيه ثلاثة أقوال .
﴿ القول الأول﴾ قول من يجوز ذلك على الاطلاق وهو قول أصحابنا ، وذلك لأنهم
جوزوا تولد الانسان وسائر أنواع الحيوان والنبات دفعة واحدة من غير سابقة مادة ولا مدة ولا
أصل ولا تربية. وجوزوا في الجوهر الفرد ان يكون حيا عالما قادرا عاقلاً قاهرا من غير حصول
بنية ولا مزاج ولا رطوبة ولا تركيب، وجوزوا في الأعمى الذي يكون بالأندلس أن يبصر في
ظلمة الليل البقعة التي تكون بأقصى المشرق، مع أن الانسان الذي يكون سليم البصرلا يرى
الشمس الطالعة في ضياء النهار فهذا هو قول أصحابنا .
والقول الثاني ﴾ قول الفلاسفة الطبيعيين وهو أن ذلك ممتنع على الاطلاق ، وزعموا
أنه لا يجوز حدوث هذه الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق
المعين . وقالوا وبهذا الطريق دفعنا عن أنفسنا التزام الجهالات التي ذكرناها والمحالات التي
شرحناها ، واعلم انهم وان زعموا ان ذلك غير لازم لهم ، إلا أنهم في الحقيقة يلزمهم ذلك
لزوما لا دافع له ، وتقريره ان هذه الحوادث التي تحدث في عالمنا هذا إما أن تحدث لا لمؤثر أو
لمؤثر ، وعلى التقديرين : فالقول الذى ذكرناه لازم أما على القول بأنها تحدث لا عن مؤثر ،
فهذا القول باطل في صريح العقل ، إلا أن مع تجويزه فالالزام المذكور لازم لأنا إذا جوزنا
حدوث الأشياء لا عن مؤثر ولا عن موجد ، فكيف يكون الأمان من تجويز حدوث انسان لا عن
الأبوين ، ومن تجويز انقلاب الجبل ذهبا والبحر دما ؟ فان تجويز حدوث بعض الأشياء لا عن
مؤثر ليس ابعد عند العقل من تجويز حدوث سائر الأشياء لا عن مؤثر ، فثبت على هذا التقدير
ان الالزام المذكور لازم . أما على التقدير الثاني وهو إثبات مؤثر ومدبر لهذا العالم فذلك المؤثر
إما أن يكون موجبا بالذات وإما أن يكون فاعلا بالاختيار . أما على التقدير الأول فالالزامات
المذكورة لازمة وتقريره : أنه إذا كان مؤثرا ومرجحه موجبا بالذات وجب الجزم بأن اختصاص

٢٠٣
قوله تعالى ((فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين)) الآية سورة الأعراف
كل وقت معين بالحادث المعين الذى حدث فيه إنما كان لأجل أنه بحسب اختلاف الأشكال
الفلكية تختلف حوادث هذا العالم إذ لو لم يعتبر هذا المعنى لامتنع أن تكون العلة القديمة
الدائمة سببا لحدوث المعلول الحادث المتغير .
واذا ثبت هذا فنقول : كيف الأمان من أن يحدث في الفلك شكل غريب يقتضي حدوث
إنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل من الصورة الجبلية الى الصورة الذهبية او
للصورة الحيوانية . وحينئذ تعود جميع الالزامات المذكورة . وأما على التقدير الثاني وهو أن
يكون مؤثر العالم ومرجحه فاعلا مختارا ، فلا شك ان جميع الأشياء المذكورة محتملة لأنه لا يمتنع
أن يقال ان ذلك الفاعل المختار يخلق بارادته انسانا دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة
الجبل ذهبا والبحر دما ، فثبت أن الأشياء التي ألزموها علينا واردة على جميع التقديرات وعلى
جميع الفرق وأنه لا دافع لها البتة .
والقول الثالث ﴾ وهو قول المعتزلة فانهم يجوزون انخراق العادات وانقلابها عن
مجاريها في بعض الصور دون بعض ، فأكثر شيوخهم يجوزون حدوث الانسان دفعة واحدة لا
عن الأبوين ، ويجوزون انقلاب الماء نارا وبالعكس ويجوزون حدوث الزرع لا عن سابقة
بذر . ثم قالوا إنه لا يجوز ان يكون الجوهر الفرد موصوفا بالعلم والقدرة والحياة ، بل صحة
هذه الأشياء مشروطة بحصول بنية مخصوصة ومزاج مخصوص ، وزعموا أن عند كون الحاسة
سليمة وكون المرئى حاضرا وعدم القرب القريب والبعد البعيد يجب حصول الادراك وعند
فقدان أحد هذه الشروط يمتنع حصول الادراك ، وبالجملة فالمعتزلة في بعض الصور لا
يعتبرون مجارى العادات ويزعمون أن انقلابها ممكن وانخراقها جائز ، وفي سائر الصور
يزعمون أنها واجبة ويمتنع زوالها وانقلابها ، وليس له بين الناس قانون مضبوط ولا ضابط
معلوم ، فلا جرم كان قولهم أدخل الأقاويل في الفساد .
إذا عرفت هذا فنقول : ذوات الأجسام متماثلة في تمام الماهية وكل ما صح على الشيء صح
على مثله ، فوجب أن يصح على كل جسم ما صح على غيره ، فاذا صح على بعض الأجسام
صفة من الصفات وجب ان يصح على كلها مثل تلك الصفة ، وإذا كان كذلك كان جسم
العصا قابلا للصفات التي باعتبارها تصير ثعبانا ، واذا كان كذلك كان انقلاب العصا ثعبانا
أمرا ممكنا لذاته ، وثبت أنه تعالى قادر على جميع الممكنات . فلزم القطع بكونه تعالى قادرا على
قلب العصا ثعبانا ، وذلك هو المطلوب . وهذا الدليل موقوف على إثبات مقدمات ثلاث :
إثبات أن الأجسام متماثلة في تمام الذات ، وإثبات أن حكم الشيء حكم مثله ، وإثبات أنه

٢٠٤
قوله تعالى ((ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين)) إلآية سورة الأعراف
تعالى قادر على كل الممكنات ومتى قامت الدلالة على صحة هذه المقدمات الثلاثة فقد حصل
المطلوب التام والله أعلم . قوله ( فاذا هي ) أى العصا وهي مؤنثة ، والثعبان الحية الضخمة
الذكر في قوم جميع أهل اللغة . فاما مقدارها فغير مذكور في القرآن ، ونقل عن المفسرين في
صفتها اشياء ، فعن ابن عباس : انها ملأت ثمانين ذراعا ثم شدت على فرعون لتبتلعه فوثب
فرعون عن سريره هاربا وأحدث ، وانهزم الناس ومات منهم خمسة وعشرون ألفا . وقيل :
كان بين لحييها أربعون ذراعا ووضع لحيها الأسفل على الأرض ، والأعلى على سور القصر،
وصاح فرعون يا موسى خذها . فأنا أؤمن بك ، فلما أخذها موسى عادت عصا كما كانت ،
وفي وصف ذلك الثعبان بكونه مبينا وجوه : الأول : تمييز ذلك عما جاءت به السحرة من
التمويه الذى يلتبس على من لا يعرف سببه ، وبذلك تتميز معجزات الأنبياء من الحيل
والتمويهات . والثاني : في المراد أنهم شاهدوا كونه حية لم يشتبه الأمر عليهم فيه . الثالث :
المراد ان ذلك الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب .
وأما قوله ﴿ ونزع يده ﴾ فالنزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه فقوله (نزع
يده) أى أخرجها من جيبه أو من جناحه ، بدليل قوله تعالى ( وأدخل يدك في جيبك ) وقوله
( واضمم يدك الى جناحك ) وقوله ( فاذا هي بيضاء للناظرين ) قال ابن عباس : وكان لها نور
ساطع يضيء ما بين السماء والأرض .
واعلم انه لما كان البياض كالعيب بين الله تعالى في غير هذه الآية انه كان من غير سوء .
فان قيل : بم يتعلق قوله ( للناظرين )
قلنا : يتعلق بقوله ( بيضاء ) والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة . ولا تكون بيضاء
للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر اليه كما تجتمع
النظارة للعجائب. وبقى ههنا مباحث: فأولها أن انقلاب العصا بقبانا، من كم وجه يدل على
المعجز؟ والثاني : ان هذا المعجز كان أعظم ام اليد البيضاء؟ وقد استقصينا الكلام في هذين
المطلوبين في سورة طه . والثالث . ان المعجز الواحد كان كافيا، فالجمع بينهما كان عبثا .
وجوابه : أن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك ، ومن الملحدين من
قال : المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد ، وهو ان حجة موسى عليه السلام كانت قوية
ظاهرة قاهرة ، فتلك الحجة من حيث إنها أبطلت أقوال المخالفين ، وأظهرت فسادها ، كانت
كالثعبان العظيم الذى يتلقف حجج المبطلين ، ومن حيث كانت ظاهرة في نفسها ، وصفت باليد
البيضاء كما يقال في العرف: لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني . أى قوة كاملة ، ومرتبة

٢٠٥
قوله تعالى ((يريد أن يخرجكم من أرضكم)) الآية سورة الأعراف
ظاهرة. واعلم ان حمل هذين المعجزين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله
ورسوله . ولما بينا أن انقلاب العصاحية أمر ممكن في نفسه ، فأى حامل يحملنا على المصير الى
هذا التأويل ؟ ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه السلام أظهر هذين النوعين من المعجزات .
حكى عن قوم فرعون أنهم قالوا ( إن هذا لساحر عليم ) وذلك لأن السحر كان غالبا في ذلك
الزمان ، ولا شك أن مراتب السحرة كانت متفاضلة متفاوتة ، ولا شك أنه يحصل فيهم من
يكون غاية في ذلك العلم ونهاية فيه . فالقوم زعموا ان موسى عليه السلام . لكونه في النهاية
من علم السحر ، أتى بتلك الصفة ، ثم ذكروا انه إنما أتى بذلك السحر لكونه طالبا للملك
والرياسة .
فان قيل : قوله ( إن هذا الساحر عليم ) حكاه الله تعالى في سورة الشعراء انه قاله فرعون
لقومه ، وحكى ههنا أن قوم فرعون قالوه ، فكيف الجمع بينهما ؟ وجوابه من وجهين :
الأول : لا يمتنع أنه قد قاله هو وقالوه هم ، فحكى الله تعالى قوله ثم ، وقولهم ههنا .
والثاني : لعل فرعون قاله ابتداء فتلقنه الملأ منه فقالوه لغيره أو قالوه عنه لسائر الناس على
طريق التبليغ ، فان الملوك إذا رأوا رأيا ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة ، فكذا ههنا .
وأما قوله ﴿ فماذا تأمرون﴾ فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن كلام الملأ
من قوم فرعون ثم عند قوله ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ) ثم عند هذا الكلام قال
فرعون مجيبا لهم ( فماذا تأمرون ) واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين : أحدهما : أن قوله
( فماذا تأمرون ) خطاب للجمع لا للواحد ، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم . أما لو
جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع . وأجيب
عنه بأنه يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيما لشأنه ، لأن العظيم انما يكنى عنه بكناية
الجمع كما في قوله تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر - إنا أرسلنا نوحا - إنا أنزلناه في ليلة القدر )
﴿ والحجة الثانية ) أنه تعالى لما ذكر قوله ( فماذا تأمرون ) قال بعده ( قالوا أرجه ) ولا
شك أن هذا كلام القوم ، وجعله جوابا عن قولهم ( فماذا تأمرون ) فوجب ان يكون القائل
لقوله ( فماذا تأمرون ) غیر الذی قالوا ارجه . وذلك يدل على أن قوله ( فماذا تأمرون ) كلام
لغير الملأ من قوم فرعون . وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن القوم قالوا ( إن هذا الساحر عليم ) ثم
قالوا لفرعون ولأكابر خدمه ( فماذا تأمرون ) ثم أتبعوه بقولهم ( أرجه وأخاه ) فان الخدم
والاتباع يفوضون الأمر والنهي الى المخدوم والمتبوع أولا ، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم
من المصلحة .
------

٢٠٦
قوله تعالى ((قالوا ارجه واخاه وارسل في المدائن حاشرين)) الآية سورة الأعراف
قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ الْمَدَآِ خَشِرِينَ (١) يَأْتُوكَ بِكُلٍ سَبِحٍ عَلِمٍ (10﴾ وَجَآءَ
السّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ (٨) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ
الْمُقَرَّبِينَ.
١١٤
﴿ والقول الثاني﴾ أن قوله ( فماذا تأمرون) من بقية كلام القوم ، واحتجوا عليه
بوجهين : الأول : أنه منسوق على كلام القوم من غير فاصل ، فوجب أن يكون ذلك من بقية
کلامهم . والثاني : أن الرتبة معتبرة في الأمر ، فوجب أن یکون قوله ( فماذا تأمرون ) خطابا
من الأدنى مع الأعلى ، وذلك يوجب أن يكون هذا من بقية كلام فرعون معه .
وأجيب عن هذا الثاني : بأن الرئيس المخدوم قد يقول للجمع الحاضر عنده من رهطه
ورعيته ماذا تأمرون ؟ ويكون غرضه منه تطييب قلوبهم وإدخال السرور في صدورهم وأن
يظهر من نفسه كونه معظما لهم ومعتقدا فيهم ، ثم إن القائلين بأن هذا من بقية كلام قوم فرعون
ذكروا وجهين : أحدهما : أن المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وحده ، فانه يقال للرئيس
المطاع ما ترون في هذه الواقعة أى ما ترى أنت وحدك ، والمقصود أنك وحدك قائم مقام
الجماعة . والغرض منه التنبيه على كماله ورفعة شأنه وحاله . والثاني : أن يكون المخاطب
بهذا الخطاب هو فرعون وأكابر دولته وعظماء حضرته ، لأنهم هم المستقلون بالأمر والنهي ،
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء
السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين ﴾
اعلم ان في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع والكسائي: (ارجه) بغير همز وكسر الهاء والاشباع،
وقرأ عاصم وحمزة ( ارجه ) بغير الهمز وسكون الهاء . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر
( وأرجئه ) بالهمز وضم الهاء ، ثم ان ابن كثير أشبع الهاء على أصله بالباقون لا يشبعون . قال
الواحدى : رحمه الله ( أرجه) مهموز وغير مهموز لغتان يقال أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته
ومنه قوله تعالى ( وآخرون مرجون - وترجى من تشاء ) قرىء في الآيتين باللغتين ، وأما قراءة
عاصم وحمزة بغير الهمز ، وسكون الهاء . فقال الفراء : هي لغة العرب يقفون على الهاء المكنى

٢٠٧
قوله تعالى ((يأتوك بكل ساحر عليم)) الآية سورة الأعراف
عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها وأنشد .
فيصلح اليوم ويفسده غدا
قال وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون : هذه طلحه قد اقبلت ، وأنشد .
لما رأى أن لادعه ولا شبع
ثم قال الواحدى : لا وجه لهذا عند البصريين في القياس . وقال الزجاج : هذا شعر لا
نعرف قائله ، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له أخطأت .
﴿ المسألة الثانية) في تفسير قوله ( أرجه) قولان: الأول: ارجاء التأخير فقوله
(أرجه) أى أخره . ومعنى أخره : أى أخر أمره ولا تعجل في أمره بحكم ، فتصير عجلتك
حجة عليك ، والمقصود انهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم ، ليكون ذلك أقوى في إبطال
قول موسى عليه السلام .
﴿والقول الثاني﴾ وهو قول الكلبي وقتادة (أرجه) أحبسه. قال المحققون هذا
القول ضعيف لوجهين : الأول : أن الأرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس . والثاني : أن
فرعون ما كان قادرا على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا .
أما قوله ﴿ وارسل في المدائن حاشرين ﴾ ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الآية تدل على ان السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان والا لم
يصح قوله (وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم) ﴿ويدل على ان في طباع الخلق
معرفة المعارضة وإنها إذا امكنت فلا نبوة﴾ وإذا تعذرت فقد صحت النبوة، وأما بيان ان
السحر ما هو وهل له حقيقة أم لا بل هو محض التمويه، فقد سبق الاستقصاء فيه، في سورة
البقرة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ نقل الواحدى عن أبي القاسم الزجاجي ؛ انه قال اختلف أصحابنا
في المدينة على ثلاثة أقوال :
﴿ القول الأول﴾ انها فعلية لأنها مأخوذة من قولهم مدن بالمكان يمدن مدونا إذا أقام به ،
وهذا القائل يستدل باطباق القراء على همز المدائن ، وهي فعائل كصحائف وصحيفة وسفائن
وسفينة والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت في الجمع كقبائل وقبيلة ، وإذا كانت من نفس
الكلمة لم تهمز في الجمع نحو معايش ومعيشة .

٢٠٨
قوله تعالى ((يأتوك بكل ساحر عليم)) الآية سورة الأعراف
والقول الثاني ﴾ انها مفعلة، وعلى هذا الوجه ، فمعنى المدينة المملوكة من دانه
يدينه ، فقولنا مدينة من دان ، مثل معيشة من عاش ، وجمعها مداين على مفاعل . كمعايش
غير مهموز ويكون اسما للمكان والأرض التي دانهم السلطان فيها أى ساسهم وقهرهم .
والقول الثالث ﴾ قال المبرد مدينة اصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه ، فاستثقلوا
حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها الى ما قبلها واجتمع ساكنان الواو المزيدة التي
هي واو المفعول ، والياء التي هي من نفس الكلمة ، فحذفت الواو لأنها زائدة ، وحذف الزائد
أولى من حذف الحرف الأصلي ، ثم كسروا الدال لتسلم الياء ، فلا تنقلب واوا لانضمام ما قبلها
فيختلط ذوات الواو بذوات الياء ، وهكذا القول في المبيع والمخيط والمكيل ، ثم قال
الواحدى : والصحيح انها فعلية لاجتماع القراء على همز المدائن .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ ( وارسل في المدائن حاشرين ) يريد وأرسل في مدائن صعيد مصر
رجالا يحشروا اليك ما فيها من السحرة ، قال ابن عباس : وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن
الصعيد ، ونقل القاضي عن ابن عباس انهم كانوا سبعين ساحرا سوى رئيسهم ، وكان الذى
يعلمهم رجلا مجوسيا من أهل نينوى بلدة يونس عليه السلام ، وهي قرية بالموصل . وأقول
هذا النقل مشكل ، لأن المجوس أتباع زرادشت ، وزرادشت إنما جاء بعد مجيء موسى عليه
السلام .
أما قوله ﴿ يأتوك بكل ساحر عليم ﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي بكل سحار، والباقون بكل ساحر ، فمن قرأ
سحار فحجته انه قد وصف بعليم ، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به ، فحسن لذلك
ان يذكر بالاسم الدال على المبالغة في السحر ، ومن قرأ ساحر فحجته قوله ( والقى السحرة
لعلنا نتتبع السحرة ) والسحرة جمع ساحر مثل كتبه وكاتب وفجرة وفاجر . واحتجوا ايضا بقوله
( سحروا أعين الناس ) واسم الفاعل من سحروا ساحر .
﴿ المسألة الثانية﴾ الباء في قوله (بكل ساحر ) يحتمل ان تكون بمعنى مع، ويحتمل ان
تكون باء التعدية . والله اعلم .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ هذه الآية تدل على ان السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان ، وهذا
يدل على صحة ما يقوله المتكلمون من انه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالبا على
أهل ذلك الزمان فلما كان السحر غالبا على أهل زمان موسى عليه السلام كانت معجزته شبيهة

١
قوله تعالى ((وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا)) الآية سورة الأعراف ٢٠٩
بالسحر وان كان مخالفا للسحر في الحقيقة ، ولما كان الطب غالبا على أهل زمان عيسى عليه
السلام كانت معجزته من جنس الطب ، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد عليه
الصلاة والسلام لا جرم كانت معجزته من جنس الفصاحة .
/ ثم قال تعالى ﴿وجاء السحرة فرعون قالوا أئن لنا لأجرا ان كنا نحن الغالبين﴾ وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع ، وابن كثير، وحفص عن عاصم ، ان لنا لأجرا بكسر
الألف على الخبر والباقون على الاستفهام ثم اختلفوا فقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة على أصله
والباقون بهمزتين قال الواحدى : رحمه الله : الاستفهام أحسن في هذا الموضع ، لأنهم أرادوا
ان يعلموا هل لهم أجرا ام لا؟ ويقطعون على ان لهم الأجر ويقوى ذلك اجماعهم في سورة
الشعراء على الهمز للاستفهام وحجة نافع وابن كثير على انهما ارادا همزة الاستفهام ، ولكنهما
حذفا ذلك من اللفظ وقد تحذف همزة الاستفهام من اللفظ ، وان كانت باقية في المعنى كقوله
تعالى ( وتلك نعمه تمنها على ) فانه يذهب كثير من الناس الى ان معناه او تلك بالاستفهام ،
وكما في قوله ( هذا ربي ) والتقدير : أهذا ربي . وقيل : أيضا المراد ان السحرة اثبتوا
لأنفسهم أجرا عظيما ، لأنهم قالوا : لا بد لنا من أجر ، والتنكير للتعظيم . كقول العرب : إن
له لإبلا ، وإن له لغنما ، يقصدون الكثرة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول: هلا قيل (وجاء السحرة فرعون فقالوا)
وجوابه : هو على تقدير : سائل سأل : ما قالوا إذ جاؤه .
فأجيب بقوله ( قالوا أئن لنا لأجرا) أى جعلا على الغلبة .
فان قيل : قوله ( وإنكم لمن المقربين ) معطوف، وما المعطوف عليه ؟
وجوابه : أنه معطوف على محذوف سد مسده حرف الايجاب ، كأنه قال ايجابا لقولهم :
إن لنا لأجرا ، نعم إن لكم لأجرا ، وإنكم لمن المقربين . أراد اني لا أقتصر بكم على الثواب .
بل ازيدكم عليه . وتلك الزيادة اني أجعلكم من المقربين عندى . قال المتكلمون : وهذا يدل
على ان الثواب إنما يعظم موقعه إذا كان مقرونا بالتعظيم والدليل عليه ان فرعون لما وعدهم
بالأجر قرن به ما يدل على التعظيم وهو حصول القربة .
﴿ المسألة الثالثة) الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا
مهينا عاجزا ، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام ، وتدل أيضا

٢١٠ قوله تعالى ((قالوا يا موسى أما ان تلقى واما)) الآية سورة الأعراف
قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ
ـمر
قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّ أَنْ تُلْقَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
سَخَرُواْ أَعْنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (٨) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَّق
أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٨) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُوْ صَغِرِينَ
يَعْمَلُونَ
على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان ، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من
فرعون ، لأنهم لو قدروا على قلب الاعيان ، فلم لم يقلبوا التراب ذهبا ، ولم لم ينقلوا ملك
فرعون الى أنفسهم ولم لم يجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا ، والمقصود من هذه
الآيات تنبيه الانسان لهذه الدقائق ، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب . والله
اعلم .
قوله تعالى ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين قال القوا فلما ألقوا
سحر واأعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فاذا هي
تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الفراء والكسائي: في باب ((أما. وإما)) إذا كنت آمرا أو ناهيا
أو مخبرا فهي مفتوحة ، وإذا كنت مشترطا أو شاكا أو مخيرا فهي مكسورة . تقول في المفتوحة
أما الله فاعبدوه . وأما الخمر فلا تشربوها . وأما زيد فقد خرج .
﴿ وأما النوع الثاني ﴾ فتقول : إذا كنت مشترطا إما تعطين زيدا فانه يشكرك ، قال الله
تعالى ( فاما تثقفنهم في الحرب فشرد ) وتقول في الشك لا أدرى من قام إما زيد وإما عمرو .
وتقول في التخيير ، لي بالكوفة دار فاما ان أسكنها ، وإما أن أبيعها والفرق بين ، إما إذا أتت
للشك وبين أو ، أنك إذا قلت جاءني زيد أو عمرو فقد يجوز أن تكون قد بنيت كلامك على
اليقين ثم أدركك الشك فقلت أو عمرو. فصار الشك فيهما جميعا. فأول الاسمين في ((أو))
يجوز أن يكون بحيث يحسن السكوت عليه ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر ، ألا
ترى أنك تقول : قام أخوك وتسكت ، ثم تشك فتقول : أو أبوك وإذا ذكرت إما فانما تبني

٢١١
قوله تعالى ((قالوا يا موسى إما أن تلقى واما)) الآية سورة الأعراف
كلامك من أول الأمر على الشك وليس يجوز أن تقول ضربت إما عبد الله وتسكت وأما دخول
( أن ) في قوله ( إما أن تلقى ) وسقوطها من قوله ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) فقال
الفراء : أدخل ( أن ) في ( إما ) في هذه الآية لأنها في موضع أمر بالاختيار وهي في موضع
نصب ، كقول القائل : اختر ذا أوذا ، کأنهم قالوا اختر أن تلقى أو نلقى وقوله ( إما يعذبهم
وإما يتوب عليهم ) ليس فيه أمر بالتخيير . ألا ترى أن الأمر لا يصلح ههنا ، فلذلك لم يكن
فيه ((أن)) والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( إما أن تلقى ) يريد عصاه (وإما أن نكون نحن الملقين ) أى
ما معنا من الحبال والعصي فمفعول الالقاء محذوف وفي الآية دقيقة أخرى وهي أن القوم راعوا
حسن الأدب حيث قدموا موسى عليه السلام في الذكر وقال أهل التصوف إنهم لما راعوا هذا
الأدب لا جرم رزقهم الله تعالى الايمان ببركة رعاية هذا الأدب ثم ذكروا ما يدل على رغبتهم في
أن يكون ابتداء الالقاء من جانبهم وهو قولهم ( وإما أن نكون نحن الملقين ) لأنهم ذكروا
الضمير المتصل وأكدوه بالضمير المنفصل وجعلوا الخبر معرفة لا نكرة .
واعلم أن القوم لما راعوا الأدب أولا وأظهروا ما يدل على رغبتهم في الابتداء بالالقاء
قال موسى عليه السلام ألقوا ما أنتم ملقون وفيه سؤال : وهو أن إلقاءهم حبالهم وعصيهم
معارضة للمعجزة بالسحر وذلك كفر . والأمر بالكفر كفر ، وحيث كان كذلك فكيف يجوز
لموسى عليه السلام أن يقول ألقوا ؟
والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بشرط ان يعلموا
في فعلهم ان يكون حقا . فاذا لم يكن كذلك فلا أمر هناك . كقول القائل منا لغيره اسقني الماء
من الجرة فهذا الكلام إنما يكون أمرا بشرط حصول الماء في الجرة ، فأما إذا لم يكن فيها ماء فلا
أمر البتة كذلك ههنا . الثاني : أن القوم إنما جاؤا لالقاء تلك الحبال والعصي ، وعلم موسى
عليه السلام أنهم لا بد وأن يفعلوا ذلك وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير ، فعند ذلك أذن
لهم في التقديم ازدراء لشأنهم ، وقلة مبالاة بهم ، وثقة بما وعده الله تعالى به من التأييد والقوة ،
وأن المعجزة لا يغلبها سحرا أبدا . الثالث : أنه عليه الصلاة والسلام كان يريد إبطال ما أتوا
به من السحر ، وإيطاله ما كان يمكن إلا باقدامهم على إظهاره ، فأذن لهم في الاتيان بذلك
السحر ليمكنه الاقدام على إبطاله . ومثاله أن من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب عنها ويكشف
عن ضعفها وسقوطها ، يقول له هات ، وفل ، واذكرها ، وبالغ في تقريرها ، ومراده منه أنه
إذا أجاب عنها بعد هذه المبالغة فانه يظهر لكل أحد ضعفها وسقوطها ، فكذا ههنا . والله
أعلم .

٢١٢
قوله تعالى ((فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم)) سورة الأعراف
ثم قال تعالى ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس ﴾ واحتج به القائلون بأن السحر محض
التمويه. قال القاضي : لو كان السحر حقا ، لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم ؟ فثبت أن
المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه . قال
الواحدى : بل المراد سحروا أعين الناس ، أى قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك
التمويهات . وقيل أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق ، وجعلوا الزئبق في
دواخل تلك العصي ، فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت
كثيرة جدا ، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوى باختيارها وقدرتها .
وأما قوله ﴿ واسترهبوهم ﴾ فالمعنى : أن العوام خافوا من حركات تلك الحبال
والعصي . قال المبرد ( استرهبوهم ) أرهبوهم ، والسين زائدة . قال الزجاج : استدعوا رهبة
الناس حتى رهبهم الناس ، وذلك بأن بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك : أيها الناس ،
إحذروا ، فهذا هو الاسترهاب . وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما : أنه خيل الى موسى
عليه السلام أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى ، فأوحى الله عز وجل اليه ( أن الق
عصاك ) قال المحققون : إن هذا غير جائز ، لأنه عليه السلام لما كان نبيا من عند الله تعالى كان
على ثقة ويقين من أن القوم لم يغالبوه ، وهو عالم بأن ما أتوا به على وجه المعارضة فهو من باب
السحر والباطل ، ومع هذا الجزم فانه يمتنع حصول الخوف .
فان قيل : أليس أنه تعالى قال ( فأوجس في نفسه خيفة موسى )
قلنا : ليس في الآية أن هذه الخيفة إنما حصلت لأجل هذا السبب ، بل لعله عليه السلام
خاف من وقوع التأخير في ظهور حجة موسى عليه السلام على سحرهم .
ثم إنه تعالى قال في صفة سحرهم ﴿ وجاؤا إبسحر عظيم ﴾ روى أن السحرة قالوا قد
علمنا سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا ان يكون أمرا من السماء ، فانه لا طاقة لنا به .
وروى أنهم كانوا ثمانين ألفا، وقيل : سبعين الفا . وقيل : بضعة وثلاثين ألفا . واختلفت
الروايات . فمن مقل ومن مكثر ، وليس في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد .
/ ثم قال تعالى ﴿وأوحينا إلى موسى ان الق عصاك﴾ يحتمل ان يكون المراد من هذا
الوحي حقيقة الوحي . وروى الواحدى عن ابن عباس : أنه قال : وألهمنا موسى أن ( ألق
عصاك )
ثم قال ﴿ فاذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ وفيه مسائل :
۔

٢١٣
قوله تعالى ((وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فاذا هي تلقف )» الآية سورة الأعراف
المسألة الألى﴾ فيه حذف وإضمار والتقدير (فالقاها فاذا هي تلقف)
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ حفص عن عاصم (تلقف) ساكنة اللام خفيفة القاف،
والباقون بتشديد القاف مفتوحة اللام . وروى عن ابن كثير ( تلقف) بتشديد القاف . وعلى
هذا الخلاف في طه والشعراء . أما من خفق فقال ابن السكيت : اللقف مصدر لقفت الشيء
ألقفه لقفا إذا أخذته ، فأكلته أو ابتلعته ، ورجل لقف سريع الاخذ ، وقال اللحياني : ومثله
ثقف يثقف ثقفا وثقيف كلقيف بينَ الثقافة واللقافة، وأما القراءة بالتشديد فهو من تلقف يتلقف،
وأما قراءة بن كثير فأصلها تتلقف أدغم إحدى التاءين في الأخرى .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى
سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا وابتلعت ما ألقوا من حبالهم
وعصيهم ، فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار
أصلا . واعلم أن هذا مما يدل على وجود الاله القادر المختار وعلى المعجز العظيم لموسى عليه
السلام، وذلك لان ذلك الثعبان العظيم لما ابتلعت تلك الحبال والعصي ، أو على انه تعالى
فرق بين تلك الأجزاء وجعلها ذرات غير محسوسة وأذهبها في الهواء بحيث لا يحس بذهابها
وتفرقها وعلى كلا التقديرين ، فلا يقدر على هذه الحالة أحد إلا الله سبحانه وتعالى .
المسألة الرابعة ﴾ قوله ( ما يأفكون) فيه وجهان : الأول : معنى الافك في اللغة
قلب الشيء عن وجهه . ومنه قیل للكذب إنك لأنه مقلوب عن وجهه ، قال ابن عباس رضى
الله عنهما ( ما يأفكون ) يريد يكذبون ، والمعنى : أن العصا تلقفما یأفكونه أی یقلبونه عن
الحق الى الباطل ويزورونه وعلى هذا التقدير فلفظة ( ما ) موصولة والثاني : أن يكون ( ما )
مصدرية ، والتقدير : فإذا هي تلقف إفكهم تسمية للمأفوك بالافك .
ثم قال تعالى ﴿ فوقع الحق ﴾ قال مجاهد والحسن: ظهر. وقال الفراء: فتبين الحق من
السحر . قال أهل المعاني : الوقوع . ظهور الشيء بوجوده نازلا الى مستقره ، وسبب هذا
الظهور ان السحرة قالوا لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد ، فلما
فقدت ، ثبت أن ذلك إنما حصل بخلق الله سبحانه وتعالى وتقديره ، لا لأجل السحر ، فهذا
هو الذى لأجله تميز المعجز عن السحر . قال القاضي قوله (فوقع الحق ) يفيد قوة الثبوت وظهور
بحيث لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعا .
فان قيل : قوله ﴿ فوقع الحق ﴾ يدل على قوة هذا الظهور ، فكان قوله ( وبطل ما كانوا
يعملون ) تكريرا من غير فائدة .

٢١٤
قوله تعالى ((وألقى السحرة ساجدين)) الآية سورة الأعراف
١٢٠
وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَتِجِدِينَ
قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
٠١٠٠٠٠٠٠
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
١٢٢
قلنا : المراد أن مع ثبوت هذا الحق زالت الاعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال
والعصي ، فعند ذلك ظهرت الغلبة ، فلهذا قال تعالى ( فغلبوا هنالك ) لأنه لا غلبة أظهر من
ذلك ( وانقلبوا صاغرين ) لأنه لا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله
وحجته ، على وجه لا يمكن فيه حيلة ولا شبهة أصلا قال الواحدى : لفظة (ما) في قوله
( وبطل ما كانوا يعملون) يجوز أن تكون بمعنى ((الذى)) فيكون المعنى بطل الحبال والعصي
الذى عملوا به السحر أى زال وذهب بفقدانها ويجوز أن تكون بمعنى المصدر . كأنه قيل بطل
عملهم ، والله اعلم .
قوله تعالى ﴿ وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال المفسرون: إن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير ،
فلما ابتلعها ثعبان موسى عليه السلام وصارت عصا كما كانت قال بعض السحرة لبعض هذا
خارج عن السحر ، بل هو أمر إلهي ، فاستدلوا به على أن موسى عليه السلام نبى صادق من
عند الله تعالى ، قال المتكلمون : وهذه الآية من أعظم الدلائل على فضيلة العلم ، وذلك لأن
أولئك الأقوام كانوا عالمين بحقيقة السحر واقفين على منتهاه ، فلما كانوا كذلك ووجدوا معجزة
موسى عليه السلام خارجة عن حد السحر ، علموا أنه من المعجزات الالهية . لا من جنس
التمويهات البشرية . ولو أنهم ما كانوا كاملين في علم السحر لما قدروا على ذلك الاستدلال ،
لأنهم كانوا يقولون : لعله أكمل منا في علم السحر ، فقدر على ما عجزنا عنه ، قثبت أنهم
كانوا كاملين في علم السحر . فلأجل كما لهم في ذلك العلم انتقلوا من الكفر الى الايمان . فإذا
كان حال علم السحر كذلك ، فما ظنك بكمال حال الانسان في علم التوحيد .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بقوله تعالى (وألقى السحرة ساجدين) قالوا: دلت
هذه الآية على أن غيرهم ألقاهم ساجدين . وما ذاك إلا الله رب العالمين . فهذا يدل على أن
فعل العبد خلق الله تعالى . قال مقاتل : ألقاهم الله تعالى ساجدين . وقالت المعتزلة :
الجواب عنه من وجوه : الأول : أنهم لما شاهدوا الآيات العظيمة والمعجزات القاهرة ، لم

قوله تعالى ((قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم)) الآية سورة الأعراف ٢١٥
قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَتُ بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَئِذَا لَمَكْرُ مَّكَرْتُهُوُهُ فِىِ الْمَدِينَة
يتمالكوا أن وقعوا ساجدين ، فصار كأن ملقيا ألقاهم . الثاني : قال الأخفش : من سرعة ما
سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين . الثالث : أنه ليس
في الآية أنه ألقاهم ملق الى السجود ، إلا أنا نقول : إن ذلك الملقى هو أنفسهم .
والجواب : أن خالق تلك الداعية في قلوبهم هو الله تعالى، وإلا لافتقروا في خلق تلك
الداعية الجازمة الى داعية أخرى ولزم التسلسل وهو محال . ثم أن أصل تلك القدرة مع تلك
الداعية الجازمة تصير موجبة للفعل . وخالق ذلك الموجب هو الله تعالى فكان ذلك الفعل والأثر
مسندا الى الله تعالى ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى ذكر أولا أنهم صاروا ساجدين . ثم ذكر بعده أنهم قالوا
( آمنا برب العالمين ) فما الفائدة فيه مع أن الايمان يجب أن يكون متقدما على السجود ؟ وجوابه
من وجوه : الأول : أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا الله تعالى في الحال ، وجعلوا ذلك السجود
شكرا لله تعالى على الفوز بالمعرفة والايمان ، وعلامة أيضا على انقلابهم من الكفر الى الايمان ،
وإظهار الخضوع والتذلل لله تعالى فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه الأمور
الثلاثة على سبيل الجمع .
﴿ الوجه الثاني﴾ لا يبعد أنهم عند الذهاب الى السجود قالوا ( آمنا برب العالمين)
وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والوجه الصحيح هو الأول .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ا احتج أهل التعليم بهذه الآية فقالوا: الدليل على أن معرفة الله لا
تحصل إلا بقول النبي إن أولئك السحرة لما قالوا ( آمنا برب العالمين) لم يتم إيمانهم فلما قالوا
( رب موسى وهرون ) تم إيمانهم وذلك يدل على قولنا .
وأجاب العلماء عنه : بأنهم لما قالوا ( آمنا برب العالمين ) قال لهم فرعون إياى تعنون فلما
قالوا ( رب موسى ) قال إياى تعنون لأني أنا الذى ربيت موسى فلما قالوا ( وهرون ) زالت
الشبهات وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا باله السماء ، وقيل إنما خصهما بالذكر بعد
دخولهما في جملة العالمين لأن التقدير آمنا برب العالمين ، وهو الذى دعا الى الايمان به موسى
وهرون . وقيل خصهما بالذكر تفضيلا وتشريفا كقوله ( وملائكته ورسله وجبريل وميكال )
/ قوله تعالى ﴿ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة

٢١٦ قوله تعالى ((لأقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف)) الآية سورة الأعراف
لِتُخْرِ جُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ () لَأَ قَطَعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَ كُمْ مِّنْ خِلَفٍ ثُمَ
لَأَصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (2) وَمَا تَنْقِمُ مِنََّ إِلَّا أَنْ
ءَامَنَّ ◌ِعَايَتِ رَبِنَا لَمَّا جَاءَ تْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفِّنَا مُسْلِيْنَ
١٢٦
لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين
قالوا إنا الى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا
وتوفنا مسلمین
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم في رواية حفص ( أمنتم ) بهمزة واحدة على لفظ الخبر
وكذلك في طه ( والشعراء ) وقرأ عاصم في رواية ابي بكر وحمزة والكسائي ( أ أمنتم ) بهمزتين
في جميع القرآن وقرأ الباقون بهمزة واحدة ممدودة في جميعه على الاستهام . قال الفراء : أما قراءة
حفص : ( أمنتم ) بلفظ الخبر من غير مد ، فالوجه فيها إنه يخبرهم بايمانهم على وجه التقريع
لهم والانكار عليهم ، وأما القراءة بالهمزتين فأصله ( أأمنتم ) على وزن افعلتم .
المسألة الثانية ﴾ اعلم ان فرعون لما رأى ان أعلم الناس بالسحر أقر بنبوة موسى عليه
السلام عند اجتماع الخلق العظيم ، خاف ان يصير ذلك حجة قوية عند قومه على صحة نبوة
موسى عليه السلام فألقى في الحال نوعين من الشبهة الى إسماع العوام ، لتصير تلك الشبهة
مانعة للقوم من اعتقاد صحة نبوة موسى عليه السلام .
فالشبهة الأولى ﴾ قوله (إن هذا المكر مكرتموه في المدينة﴾ والمعنى: أن إيمان هؤلاء
بموسى عليه السلام ليس لقوة الدليل ، بل لأجل انهم تواطؤا مع موسى أنه إذا كان كذا وكذا
فنحن نؤمن بك ونقر بنبوتك ، فهذا الايمان إنما حصل بهذا الطريق .
والشبهة الثانية ﴾ أن غرض موسى والسحرة فيما تواطؤا عليه إخراج القوم من المدينة

٢١٧
قوله تعالى ((لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف)) الآية سورة الأعراف
وإبطال ملكهم ، ومعلوم عند جميع العقلاء أن مفارقة الوطن والنعمة المألوفة من أصعب
الأمور فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين اللتين لا يوجد أقوى منهما في هذا الباب . وروى
محمد بن جرير عن السدى في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي
الله عنهم : أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال موسى عليه السلام : أرأيتك إن غلبتك أتؤمن
بي وتشهد أن ما جئت به الحق ؟ قال الساحر : لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر ، فوالله لئن
غلبتني لأومنن بك ، وفرعون ينظر اليهما ويسمع قولهما ، فهذا هو قول فرعون ( إن هذا لمكر
مكرتموه ) واعلم ان هذا يحتمل أنه كان قد حصل ، ويحتمل أيضا أن فرعون القى هذا الكلام
في البين ، ليصير صارفا للعوام عن التصديق بنبوة موسى عليه السلام . قال القاضي : وقوله
( قبل أن آذن لكم ) دليل على مناقضة فرعون في ادعاء الالهية ، لأنه لو كان إلها لما جاز أن يأذن
لهم في أن يؤمنوا به مع أنه يدعوهم إلى الهية غيره ، ثم قال: وذلك من خذلان الله تعالى الذى
يظهر على المبطلين ..
أما قوله ﴿ فسوف تعلمون﴾ لا شبهة في انه ابتدأ وعيد، ثم إنه لم يقتصر على هذا
الوعيد المجمل ، بل فسره فقال ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين )
وقطع اليد والرجل من خلاف معروف المعنى ، وهو أن يقطعهما من جهتين مختلفتين ، أما من
اليد اليمنى والرجل اليسرى ، أو من اليد اليسرى والرجل اليمنى ، وأما الصلب فمعروف .
فتوعدهم بهذين الأمرين العظيمين ، واختلفوا في أنه هل وقع ذلك منه ؟ وليس في الآية ما يدل
على أحد الأمرين ، واحتج بعضهم على وقوعه بوجوه : الأول : أنه تعالى حكى عن الملأ من
قوم فرعون انهم قالوا له ( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ) ولو أنه ترك أولئك السحرة
وقومه أحياء وما قتلهم ، لذكرهم ايضاولحذرهم عن الافساد الحاصل من جهتهم . ويمكن أن
يجاب عنه بانهم دخلوا تحت قومه فلا وجه لأفرادهم بالذكر . والثاني : ان قوله تعالى حكاية
عنهم ( ربنا أفرغ علينا صبرا ) يدل على أنه كان قد نزل بهم بلاء شديد عظيم ، حتى طلبوا
من الله تعالى أن يصبرهم عليه . ويمكن أن يجاب عنه بأنهم طلبوا من الله تعالى الصبر على
الايمان وعدم الالتفات الى وعيده . الثالث : ما نقل عن ابن عباس رضى الله عنه انه فعل ذلك
وقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف، وهذا هو الأظهر مبالغة منه في تحذير القوم عن قبول دين
موسى عليه السلام . وقال آخرون : إنه لم يقع من فرعون ذلك ، بل استجاب الله تعالى لهم
الدعاء في قولهم ( وتوفنا مسلمين ) لأنهم سألوه تعالى ان يكون توفيهم من جهته لا بهذا القتل
والقطع وهذا الاستدلال قريب .
ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز ان يقع من المؤمن عند هذا الوعيد أحسن منه ، وهو

٢١٨
,
قوله تعالى ((ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين)) الآية سورة الأعراف
قولهم لفرعون ( وما تنقم منا إلا أن آمنًا بآيات ربنا لما جاءتنا ) فبينوا أن الذى كان منهم لا
يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم ، بل يقتضى خلاف ذلك ، وهو أن يتأسى بهم في الاقرار
بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة والدليل . يقال: نقمت أنقم إذا بالغت في
كراهية الشيء، وقد مر عند قوله (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا) قال ابن عباس: یرید ما
اتينا بذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا والمراد: ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات
القاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى .
ثم قالوا﴿ربنا أفرغ علينا صبرا﴾ معنى الافراغ في اللغة الصب:يقال: درهم مفرغ إذا
كان مصبوبا في قالبه وبيس بمضروب وأصله من إفراغ الاناء وهو صب ما فيه حتى يخلو الاناء
وهو من الفراغ ، فاستعمل في الصبر على التشبيه بحال إفراغ الاناء . قال مجاهد : المعنى صب
علينا الصبر عند الصلب والقطع . وفي الآية فوائد :
الفائدة الأولى﴾ (أفرغ علينا صبرا) أكمل من قوله : أنزل علينا صبرا، لأنا
ذكرنا أن إفراغ الاناء هو صب ما فيه بالكلية ، فكأنهم طلبوا من الله كل الصبر لا بعضه .
والفائدة الثانية ﴾ أن قوله ( صبرا ) مذکور بصيغة التنکیر ، وذلك يدل على الكمال
والتمام ، أى صبرا كاملا تاما كقوله تعالى ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) أى على حياة
كاملة تامة .
والفائدة الثالثة ﴾ أن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ، ثم إنهم طلبوه من الله
تعالى ، وذلك يدل على ان فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه . قال القاضي : إنما
سألوه تعالى الالطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر ، وذلك معلوم في الأدعية .
والجواب : هذا عدول عن الظاهر ، ثم الدليل يأباه ، وذلك لأن الفعل لا يحصل إلا
عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل ، فيكون الكل من الله
تعالى .
وأما قوله ﴿وتوفنا مسلمين) فمعناه توفنا على الدين الحق الذى جاء به موسى عليه
السلام وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا على أن الايمان والاسلام لا يحصل إلا بخلق الله
تعالى ، ووجه الاستدلال به ظاهر . والمعتزلة يحملونه على فعل الالطاف والكلام عليه معلوم مما
سبق .

٢١٩
قوله تعالى ((وقال الملأ من قوم فرعون)) الآية سورة الأعراف
وَقَالَ الْمَلَأَّمِنِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ
وَالِتَكَ قَالَ سَنُقَتِلُ أَبْنَآءُ هُمْ وَنَسْتَحْيٍِ نِسَآءُ هُمْ وَ إِنَّا فَوَقَهُمْ قَدِرُونَ (5)
قَالَ تُمُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِلَّهِ وَأَصْبِرُواْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّه ◌ُوِشُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
١٢٨
المسألة الثانية ) احتج القاضي بهذه الآية على ان الايمان والاسلام واحد . فقال إنهم
قالوا أولا ( آمنا بآيات ربنا ) ثم قالوا ثانيا ( وتوفنا مسلمين ) فوجب ان يكون هذا الاسلام وهو
ذاك الايمان ، وذلك يدل على ان أحدهما هو الآخر . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك
وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا
بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ﴾
اعلم ان بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض فرعون لموسى ولا أخذه ولا حبسه ، بل خلی
سبيله فقال قومه له ( اتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض )
واعلم ان فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف فلهذا السبب لم يتعرض له إلا
أن قومه لم يعرفوا ذلك ، فحملوه على أخذه وحبسه . وقوله ( ليفسدوا في الأرض ) أى
يفسدوا على الناس دينهم الذى كانوا عليه ، وإذا أفسدوا عليهم أديانهم توسلوا بذلك الى أخذ
الملك .
أما قوله ﴿ويذرك﴾ فالقراءة المشهورة فيه (ويذرك ) بالنصب، وذكر صاحب
الكشاف: فيه ثلاثة اوجه : أحدها : أن يكون قوله ( ويذرك ) عطفا على قوله ( ليفسدوا )
لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم ، كان ذلك مؤديا الى تركه وترك آلهته ، فكأنه تركهم لذلك .
وثانيها : أنه جواب للاستفهام بالواو وكما يجاب بالفاء مثل قول الحطيئة :
وبينكم المودة والآخاء ؟
ألم أك جارکم ویکون بینی
والتقدير : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض فيذرك وآلهتك . قال الزجاج : والمعنى

٢٢٠
قوله تعالى ((أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض )) الآية سورة الأعراف
أيكون منك ان تذر موسى وأن يذرك موسى ؟ وثالثها : النصب باضمار ان تقديره : اتذر موسى
وقومه ليفسدوا وأن يذرك وآلهتك ؟ قال صاحب الكشاف: وقرىء ( ويذرك وآلهتك ) بالرفع
عطفا على ( اتذر ) بمعنى أتذره ويذرك ؟ أى انطلق له ، وذلك يكون مستأنفا أو حالا على
معنى أتذره وهو يذرك وآلهتك؟ وقرأ الحسن (ويذرك) بالجزم، وقرأ أنس (ونذرك) بالنون
والنصب، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها .
وأما قوله ﴿وآلهتك﴾ قال أبو بكر الأنبارى: كان ابن عمر ينكر قراءة العامة، ويقرأ
إلاهتك أى عبادتك ، ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد ، قال ابن عباس : أما قراءة
العامة ( وآلهتك ) فالمراد جمع اله ، وعلى هذا التقدير : فقد اختلفوا فيه . فقيل إن فرعون كان
قد وضع لقومه أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها . وقال ( أنا ربكم الأعلى ) ورب هذه
الأصنام ، فذلك قوله ( أنا ربكم الأعلى ) وقال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام .
وأقول : الذى يخطر ببالي إن فرعون إن قلنا : إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله
تعالى إرسال الرسول اليه ، وان كان عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالقا للسموات
والأرض ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فسا ده معلوم
بضرورة العقل . بل الأقرب أن يقال إنه كان دهريا ينكر وجود الصانع ، وكان يقول مدبر هذا
العالم السفلي هو الكواكب ، وأما المجدى في هذا العالم للخلق ، ولتلك الطائفة والمربى لهم
فهو نفسه ، فقوله ( أنا ربكم الأعلى ) أى مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم. وقوله ( ما
علمت لكم من إله غيرى ) أى لا أعلم لكم أحدا يجب عليكم عبادته إلا أنا . وإذا كان
مذهبه ذلك لم يبعد ان يقال إنه كان قد اتخذ أصناما على صور الكواكب ، ويعبدها ويتقرب
اليها على ما هو دين عبدة الكواكب وعلى هذا التقدير : فلا امتناع في حمل قوله تعالى ( ويذرك
وآلهتك ) على ظاهره فهذا ما عندى في هذا الباب . والله أعلم .
واعلم ان على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم ارادوا بذكر هذا الكلام حمل فرعون على
أخذ موسى عليه السلام ، وحبسه ، وانزال أنواع العذاب به ، فعند هذا لم يذكر فرعون ما
هو حقيقة الحال وهو كونه خائفا من موسى عليه السلام . ولكنه قال ( سنقتل أبناءهم ونستحبى.
نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير (سنقتل) بفتح النون والتخفيف، والباقون
بضم النون والتشديد على التكثير . يعنى أبناء إسرائيل ومن آمن بموسى عليه السلام .
المسألة الثانية ﴾ أن موسى عليه السلام إنما يمكنه الافساد بواسطة الرهط والشيعة