النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ قوله تعالى ((وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم)) الآية سورة الأعراف جائز ، فالأحوال التي حكاها صاحب الكشاف هي عندنا إرهاصات لموسى عليه السلام ، وعند المعتزلة معجزات لشعيب لما أن الارهاص عندهم غير جائز . والثالث : أنه قال ( فأوفوا الكيل والميزان ) واعلم أن عادة الأنبياء عليهم السلام إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد اقبالا أكثر من إقبالهم على سائر أنواع المفاسد بدأوا بمنعهم عن ذلك النوع . وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف، فلهذا السبب بدأ بذكر هذه الواقعة فقال ( فأوفوا الكيل والميزان ) وههنا سؤالان : السؤال الأول ﴾ الفاء في قوله ( فأوفوا) توجب أن تكون للامر بايفاء الكيل کالمعلول والنتيجة عما سبق ذكره وهو قوله ( قد جاءتكم بينة من ربكم ) فكيف الوجه فيه ؟ والجواب : كأنه يقول البخس والتطفيف عبارة عن الخيانة بالشيء القليل . وهو أمر مستقبح في العقول ، ومع ذلك قد جاءت البينة والشريعة الموجبة للحرمة ، فلم يبق لكم فيه عذر ( فأوفوا الكيل ) السؤال الثاني) كيف قال الكيل والميزان، ولم يقل المكيال والميزان كما في سورة هود ؟ والجواب : أراد بالكيل آلة الكيل ، وهو المكيال ، أو يسمى ما يكال به بالكيل ، كما يقال العيش لما يعاش به . والرابع: قوله ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) والمراد أنه لما منع قومه من البخس في الكيل والوزن منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه ، ويدخل فيه المنع من الغصب والسرقة ، وأخذ الرشوة ، وقطع الطريق . وانتزاع الأموال بطريق الحيل . والخامس : قوله ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) وذلك لأنه لما كان أخذ أموال الناس بغير رضاها يوجب المنازعة والخصومة ، وهما يوجبان الفساد ، لا جرم قال بعده ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وقد سبق تفسير هذه الكلمة ، وذكروا فيه وجوها فقيل ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) بأن تقدموا على البخس في الكيل والوزن، لأن ذلك يتبعه الفساد . وقيل: أراد به المنع من كل ما كان فسادا حملا للفظ على عمومه . وقيل: قوله (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) منع من مفاسد الدنيا وقوله (ولا تفسدوا في الأرض) منع من مفاسد الدين حتى تكون الآية جامعة للنهى عن مفاسد الدنيا والدين ، واختلفوا في معنى (بعد إصلاحها) قيل: بعد أن صلحت الأرض بمجىء النبي بعد ان كانت فاسدة بخلوها منه، فنهاهم عن الفساد، وقد صارت صالحة . وقيل: المراد أن لا تفسدوا بعد ان أصلحها الله ١٨٢ قوله تعالى ((ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون)) الآية سورة الأعراف وَلَا تَقْعُدُواْبِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَ عِوَجُا وَذْ كُوَاْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَتَكُمْ وَأَنْظُرُوْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ وَ إِن كَانَ ◌َآَبِفَةٌ مِّنْكُمْ ءَامَنُواْ بِالَِّىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَِفَةٌ لَمْيُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَّا وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِينَ ﴾ بتكثير النعم فيهم ، وحاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع الى أصلين التعظيم لأمر الله ، ويدخل فيه الاقرار بالتوحيد والنبوة ، والشفقة على خلق الله ، ويدخل فيه ترك البخس ، وترك الافساد ، وحاصلها يرجع إلى ترك الايذاء ، كأنه تعالى يقول : إيصال النفع إلى الكل متعذر . وأما كف الشرعن الكل فممكن، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الخمسة . قال (ذلكم) وهو إشارة إلى هذه الخمسة ، والمعنى : خير لكم في الآخرة إن كنتم مؤمنين بالآخرة ، والمراد : ترك البخس وترك الافساد خير لكم في طلب المال في المعنى لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة ، رغبوا في المعاملات معكم ، فكثرت أموالكم (إن كنتم مؤمنين) أي إن کنتم مصدقين لي في قولي . قوله تعالى ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ﴾ اعلم أن شعيبا عليه السلام ضم الى ما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة أشياء : فالأول : أنه منعهم من أن يقعدوا على طرق الدين ومناهج الحق ، لأجل أن يمنعوا الناس عن قبوله وفي قوله (ولا تقعدوا بكل صراط) قولان : الأول : يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس . روي أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من آمن بشعيب عليه السلام . والثاني : أن يحمل الصراط على مناهج الدين، قال صاحب الكشاف (ولا تقعدوا بكل صراط) أي ولا تقتدوا بالشيطان في قوله (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) قال والمراد بالصراط كل ما كان من مناهج الدين ، والدليل على أن المراد بالصراط ذلك قوله (وتصدون عن سبيل الله) وقوله (بكل صراط) يقال قعد له بمكان كذا وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، وهذه الحروف تتغاقب في هذه المواضع لتقارب معانيها ، فانك إذا قلت قعد بمكان كذا، فالباء للالصاق، وهو قد التصق بذلك المكان . ١٨٣ قوله تعالى ((واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم)) الآية سورة الأعراف وأما قوله ﴿ توعدون﴾ فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال ، والتقدير: ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله ولا أن تبغوا عوجا في سبيل الله ، والحاصل : أنه نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة . واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض . وجب حصول المغايرة بينها فقوله ( توعدون ) يحصل بذلك إنزال المضار بهم وأما الصد ، فقد يكون بالايعاد بالمضار ، وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو ترکه ، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب الى الرسول ليسمع كلامه . أما قوله ﴿وتبغونها عوجا﴾ فالمراد القاء الشكوك والشبهات والمراد من الآية أن شعيبا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة . وإذا تأملت علمت أن أحدا لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة . ثم قال ﴿ واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ﴾ والمقصود منه أنهم إذا تذكروا كثرة انعام الله عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية ، قال الزجاج : وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه ، كثر عددكم بعد القلة ، وكثركم بالغنى بعد الفقر ، وكثركم بالقدرة بعد الضعف، ووجه ذلك أنهم اذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل ، في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوکة . فأما تکثیر عددهم بعد القلة ، فهو أن مدین بن إبراهيم تزوج رئیا بنت لوط ، فولدت حتى كثر عددهم . ثم قال بعده ﴿ وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) والمعنى تذكر وا عاقبة المفسدين وما لحقهم من الخزى والنكال . ليصير ذلك زاجرا لكم عن العصيان والفساد ، فقوله ( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) المقصود منه أنهم إذا تذكروا نعم الله عليهم انقادوا وأطاعوا ، وقوله ( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزى والنكال ، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا ، فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولا والترهيب ثانيا . ثم قال ﴿ وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا ﴾ والمقصود منه تسلية قلوب المؤمنين وزجر من لم يؤمن ، لأن قوله ( فاصبروا ) تهديد ، وكذلك قوله ( حتى يحكم الله بيننا ) والمراد إعلاء درجات المؤمنين ، وإظهار هوان الكافرين ، وهذه الحالة قد تظهر في الدنيا فان لم تظهر في الدنيا فلا بد من ظهورها في الآخرة . ثم قال ﴿ وهو خير الحاكمين﴾ يعنى أنه حاكم منزه عن الجور والميل والحيف، فلا بد ١٨٤ قوله تعالى ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك)) الآية سورة الأعراف قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُ كَرِهِينَ (٨﴾ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِ مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ تَّنَا اللهُمِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآَ أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبْنَاكُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَلْنَا رَبَنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَ وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَتِحِينَ ! وأن يخص المؤمن التقي بالدرجات العالية ، والكافر الشقي بأنواع العقوبات ، ونظيره قوله ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ) قوله تعالى ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أولتعودن في ملتنا قال أولوكنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴾ اعلم أن شعيبا لما قرر تلك الكلمات قال ( الذين استكبروا ) وأنفوا من تصديقه وقبول قوله لا بد من أحد أمرين : إما أن نخرجك ونخرج أتباعك من هذه القرية . وإما أن تعود الى ملتنا ، والاشكال فيه أن يقال : إن قولهم ( أو لتعودن في ملتنا ) يدل على أنه عليه السلام كان على ملتهم التي هي الكفر ، فهذا يقتضي أنه عليه السلام كان كافرا قبل ذلك ، وذلك في غاية الفساد ، وقوله ( قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ) يدل أيضا على هذا المعنى . والجواب من وجوه : الأول : أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه كنمارا فخاطبوا شعيبا بخطاب أتباعه وأجروا عليه أحكامهم . الثاني : أن رؤساءهم قالوا ذلك على وجه التلبيس على العوام يوهمون أنه كان منهم ، وأن شعيبا ذكر جوابه على وفق ذلك الايهام . الثالث : أن شعيبا في أول أمره كان يخفي دينه ومذهبه ، فتوهموا أنه كان على دين قومه . الرابع : لا يبعد أن يقال : إن شعيبا كان على شريعتهم ، ثم إنه تعالى نسخ تلك الشريعة بالوحي الذى أوحاه اليه . الخامس : المراد من قوله ( أو لتعودن في ملتنا ) أى لتصيرن الى ملتنا ١٨٥ قوله تعالى ((قد افترينا على الله كذبا إن عدنا)) الآية سورة الأعراف فوقع العود بمعنى الابتداء . تقول العرب : قد عاد الى من فلان مكروه ، يريدون قد صار الى منه المكروه ابتداء . قال الشاعر : فان تكن الأيام أحسن مدة إلى فقد عادت لهن ذنوب أراد فقد صارت لهن ذنوب ، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الاحسان ، ثم انه تعالى بين أن القوم لما قالوا ذلك . أجاب شعيب عليه السلام عن كلامهم بوجهين : الأول : قوله ( ولو كنا كارهين ) الهمزة للاستفهام ، والواو واو الحال . تقديره : أُتعیدوننا في ملتکم في حال كراهتنا ، ومع كوننا كارهين . الثاني : قوله ( قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ) والجوابالأول يجرى مجرى الرمز في أنه لا يعود الى ملتهم ، وهذا الجواب الثاني تصريح بأنه لا يفعل ذلك فقال : إنه إن فعلنا ذلك فقد افترينا على الله . وأصل الباب في النبوة. والرسالة صدق اللهجة ، والبراءة عن الكذب ، فالعود في ملتكم يبطل النبوة ، ويزيل الرسالة . وقوله ( إذ نجانا الله منها ) فيه وجوه : الأول : معنى ( إذ نجانا الله منها ) علمنا قبحه وفساده ، ونصب الأدلة على أنه باطل . الثاني : أن المراد أن الله نجى قومه من تلك الملة ، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم ، وإن كان بريئا منه إجراء الكلام على حكم التغليب . والثالث : أن القوم أوهموا أنه كان على ملتهم ، أو اعتقدوا أنه کان کذلك . فقوله ( بعد إذ نجانا الله منها ) أى حسب معتقدكم وزعمكم ) أما قوله ﴿ وما يكون لنا أن تعود فيها إلا أن يشاء الله﴾ فاعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر ، والمعتزلة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يشاء إلا الخير والصلاح . أما وجه استدلال أصحابنا بهذه ، فمن وجهين : الأول : قوله (إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ) يدل على أن المنجى من الكفر هو الله تعالى ، ولو كان الايمان يحصل بخلق العبد ، لكانت النجاة من الكفر تحصل للانسان من نفسه ، لا من الله تعالى ، وذلك على خلاف مقتضى قوله ( بعد إذ نجانا الله منها ) الثاني : أن معنى الآية انه ليس لنا أن نعود الى ملتكم إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى تلك الملة ، ولما كانت تلك الملة كفرا ، كان هذا تجويزا من شعيب عليه السلام أن يعيدهم الى الكفر ، فكاد هذا يكون تصريحا من شعيب بأنه تعالى قد شاء رد المسلم الى الكفر ، وذلك غير مذهبنا ، قال الواحدى : ولم تزل الانبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر . ألا ترى الى قول الخليل عليه السلام ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) وكثيرا ما كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول (( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك )) وقال يوسف ١٨٦ قوله تعالى ((وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله)) الآية سورة الأعراف ( توفني مسلما ) أجابت المعتزلة عنه من وجوه : الأول : أن قوله ليس لنا أن نعود الى تلك الملة إلا أن يشاء الله أن يعيدنا اليها قضية شرطية ، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء . والثاني: أن هذا مذكور على طريق التبعيد، كما يقال: لا أفعل ذلك إلا إذا ابيض القار ، وشاب الغراب . فعلق شعيب عليه السلام عوده الى ملتهم على مشيئته . ومن المعلوم أنه لا يكون نفيا لذلك أصلا ، فهو على طريق التبعيد ، لا على وجه الشرط . الثالث : أن قوله ( إلا أن يشاء اللّه) ليس فيه بيان أن الذى شاءه الله ما هو، فنحن نحمله على أن المراد إلا أن يشاء الله ربنا بأن يظهر هفا الكفر من أنفسنا إذا أكرهتمونا عليه بالقتل ، وذلك لأن عند الاكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره ، وما كان جائزا كأن مرادا لله تعالى ، وكون الضمير أفضل من الاظهار ، لا يخرج ذلك الاظهار من أن يكون مراد الله تعالى ، كما أن المسح على الخفين مراد اللّه تعالى وإن كان غسل الرجلين أفضل . الرابع : أن قوله ( لنخرجنك يا شعيب ) المراد الاخراج عن القرية، فيحمل قوله (وما يكون لنا أن نعود فيها) أي القرية لأنه تعالى قد كان حرم عليه اذا أخرجوه عن القرية، أن يعود فيها إلا باذن الله ومشيئته. الخامس : أن نقول يجب حمل المشيئة ههنا على الأمر، لأن قوله (وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله) معناه: أنه إذا شاء كان لنا أن نعود فيها. وقوله (لنا أن نعود فيها) أي يكون ذلك العود جائزا، والمشيئة عند أهل السنة لا يوجب جواز الفعل، فانه تعالى يشاء الكفر من الكافر عندهم، ولا يجوز له فعله، إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر . فثبت أن المراد من المشيئة ههنا الأمر، فكان التقدير: إلا أن يأمر الله بعودنا في ملتكم فانا نعود إليها، والشريعة التي صارت منسوخة، لا يبعد أن يأمر الله بالعمل با مرة أخرى، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالتكم. ﴿ والوجه السادس ﴾ للقوم في الجواب ما ذكره الجبائي، فقال : المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف العبادة فيها بالأوقات ، كالصلاة والصيام وغيرهما ، فقال شعيب ( وما یکون لنا أن نعود في ملتکم ) ولما دخل في ذلك كل ما هم عليه ، وكان من الجائز ان يكون بعض تلك الاحكام والشرائع باقيا غير منسوخ ، لا جرم قال ( إلا أن يشاء الله) والمعنى : إلا أن يشاء الله إبقاء بعضها فيدلنا عليه ، فحينئذ نعود اليها . فهذا الاستثناء عائد الى الأحكام التي يجوز دخول النسخ والتغيير فيها ، وغير عائد الى ما لا يقبل التغير البتة . فهذه اسئلة القوم على هذه الطريقة وهي جيدة ، وفي الآيات الدالة على صحة مذهبنا كثرة ، ولا يلزم من ضعف استدلال أصحابنا بهذه الآية دخول الضعف في المذهل . وأما المعتزلة فقد تمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين : الوجه الأول ﴾ لما قالوا ظاهر قوله (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا) يقتضي أنه لوشاء اللّه عودنا اليها لكان لنا أن نعود اليها ، وذلك يقتضي أن كل ما شاء الله ١٨٧ قوله تعالى ((وسع ربنا كل شيء علما)) الآية سورة الأعراف وجوده ، كان فعله جائزا مأذونا فيه ، ولم يكن حراما . قالوا : وهذا عين مذهبنا ان كل ما أراد الله حصوله ، كان حسنا مأذونا فيه، وما كان حراما ممنوعا منه لم يكن مراد الله تعالى . الوجه الثاني﴾ لهم إن قالوا: إن قوله ( لنخرجنك أو لتعودن في ملتنا) لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم ، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم الى تلك الملة أيضا بخلق الله ، وإذا كان حصول القسمين بخلق الله، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة . واعلم أنه لما تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع الى سائر الآيات في هذا الباب . أما قوله ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تعلق هذا الكلام بالكلام الأول وجوه : قال القاضي : قد نقلنا عن أبي على الجبائي أن قول شعيب ( إلا أن يشاء الله ربنا) معناه : إلا أن يخلق المصلحة في تلك العبادات ، فحينئذ يكلفنا بها ، والعالم بالمصالح ليس إلا من وسع علمه كل شيء ، فلذلك أتبعه بهذا القول : وقال أصحابنا : وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، هو أن القوم لما قالوا لشعيب : إما أن تخرج من قريتنا وإما أن تعود الى ملتنا ، فقال شعيب ( وسع ربي كل شيء علما ) فربما كان في علمه حصول قسم ثالث ، وهو أن نبقى في هذه القرية من غير أن نعود الى ملتكم ، بل يجعلكم مقهورين تحت أمرنا ذليلين خاضعين تحت حكمنا ، وهذا الوجه أولى مما قاله القاضي ، لأن قوله ( على الله توكلنا ) لائق بهذا الوجه ، لا بما قاله القاضي . ﴿ المسألة الثانية) قوله (وسع ربنا كل شيء علما) يدل على انه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء لأن قوله ( وسع ) فعل ماض ، فيتناول كل ماض . وإذا ثبت انه كان في الأزل عالما بجميع المعلومات ، وثبت ان تغير معلومات الله تعالى محال ، لزم انه ثبتت الأحكام وجفت الاقلام والسعيد من سعد في علم الله ، والشقي من شقى في علم الله . المسألة الثالثة) قوله ( وسع ربنا كل شيء علما ) يدل على انه علم الماضي ، والحال والمستقبل وعلم المعدوم انه لو كان كيف كان يكون ، فهذه أقسام أربعة ، ثم كل واحد من هذه الأقسام الأربعة يقع على أربعة أوجه . أما الماضي : فانه علم انه لما كان ماضيا ، فانه کیف کان . وعلم انه لو لم یکن ماضیا ، بل كان حاضرا ، فانه کیف یکون وعلم انه لو كان مستقبلا كيف يكون. وعلم انه لو كان عدما محضا كيف يكون ، فهذه أقسام أربعة بحسب ١٨٨ قوله تعالى ((وقال الملأ الذين كفروا من قومه)) الآية سورة الأعراف وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا ◌َخَسِرُونَ الماضي ، واعتبر هذه الأقسام الأربعة بحسب الحال ، وبحسب المستقبل ، وبحسب المعدوم المحض ، فيكون المجموع ستة عشر، ثم اعتبر هذه الأقسام الستة عشر بحسب كل واحد من الذوات والالوان والطعوم والروائح ، وكذا القول في سائر المفردات من أنواع الاعراض وأجناسها ، فحينئذ يلوح لعقلك من قوله ( وسع ربنا كل شيء علما ) بحر لا ينتهي مجموع عقول العقلاء الى أول خطوة من خطوات ساحله . المسألة الرابعة ﴾ قال الواحدى: قوله ( وسع ربنا كل شيء علما ) منصوب على التمييز . واعلم انه عليه الصلاة والسلام ختم كلامه بأمرين : الأول : بالتوكل على الله . فقال ( على الله توكلنا) فهذا يفيد الحصر، أى عليه توكلنا لا على غيره ، وكأنه في هذا المقام عزل الاسباب ، وارتقى عنها الى مسبب الاسباب . والثاني : الدعاء . فقال ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) قال ابن عباس والحسن وقتادة ، والسدى : احكم واقض . وقال الفراء : أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح لأنه يفتح مواضع الحق ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال : ما كنت أدرى قوله ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) حتى سمعت ابنة ذى يزن تقول لزوجها تعال أفاتحك اى أحاكمك . قال الزجاج : وجائز ان يكون قوله ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) أى أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف، والمراد منه : ان ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين ، وعلى كون شعيب وقومه محقين ، وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتبيين . ثم قال ﴿ وأنت خير الفاتحين﴾ والمراد منه الثناء على الله، واحتج أصحابنا بهذا اللفظ على انه هو الذى يخلق الايمان في العبد ، وذلك لأن الايمان أشرف المحدثات ولو فسرنا الفتح بالكشف والتبيين ، فلا شك أن الايمان كذلك . إذا ثبت هذا فنقول : لو كان الموجد للايمان هو العبد ، لكان خير الفاتحين هو العبد ، وذلك ينفي كونه تعالى خير الفاتحين . قوله تعالى ﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذ لخاسرون ٠ قوله تعالى ((وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا)) الآية سورة الأعراف ١٨٩ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَدِثِينَ ﴾ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْاْ فِهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِ ينَ ﴿﴾ فَتَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَنْقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَلِفِرِينَ (®) قوله تعالى ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جائمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسی علی قوم کافرین﴾ اعلم انه تعالى بين عظم ضلالتهم بتكذيب شعيب . ثم بين انهم لم يقتصروا على ذلك ، حتى أضلوا غيرهم ، ولاموهم على متابعته فقالوا ( لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) واختلفوا فقال بعضهم : خاسرون في الدين . وقال آخرون : خاسرون في الدنيا ، لأنه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس ، وعند هذا المقال كمل حالهم في الضلال أولا وفي الاضلال ثانيا ، فاستحقوا الاهلاك فلهذا قال تعالى ( فأخذتهم الرجفة ) وهي الزلزلة الشديدة المهلكة ، فاذا انضاف اليها الجزاء الشديد المخوف على ما ذكره الله تعالى من قصة المظلمة ، كان الهلاك أعظم، لأنه أحاط بهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ( فأصبحوا في دارهم ) أى في مساكنهم (جاثمين ) أى خامدين ساكنين بلا حياة وقد سبق الاستقصاء في تفسير هذه الالفاظ . ثم قال تعالى ﴿ الذين كذبوا شعيبا﴾ كأن لم يغنوا فيها . وفيه بحثان: ﴿ البحث الأول﴾ في قوله ( كأن لم يغنوا فيها) قولان: أحدهما : يقال غنى القوم في دارهم إذ طال مقامهم فيها . والثاني : المنازل التي كان بها أهلوها واحدها مغنى . قال الشاعر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد أراد أقاموا فيها ، وعلى هذا الوجه كان قوله ( كأن لم يغنوا فيها ) كأن لم يقيموا بها ولم ١٩٠ قوله تعالى ((الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين)» الآية سورة الأعراف ينزلوا فيها . والقول الثاني ﴾ قال الزجاج : كأن لم يغنوا فيها ، كان لم يعيشوا فيها مستغنين ، يقال غنى الرجل يغنى إذا استغتى ، وهو من الغنى الذى هو ضد الفقر . وإذا عرفت هذا فنقول : على التفسيرين شبه الله حال هؤلاء المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار . قال الشاعر : أنیس ولم يسمر بمكة سامر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر البحث الثاني ﴾ قوله ( الذين كذبوا شعيبا) كأن لم يغنوا فيها الذين يدل على أن ذلك العذاب كان مختصا بأولئك المكذبين ، وذلك يدل على أشياء : أحدها : أن ذلك العذاب انما حدث بتخليق فاعل مختار ، وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة ، وإلا لحصل في أتباع شعيب ، كما حصل في حق الكفار . والثاني : يدل على أن ذلك الفاعل المختار ، عالم بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي . وثالثها : يدل على المعجز العظيم في حق شعيب ، لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلدة واحدة ، كان ذلك من أعظم المعجزات . ثم قال تعالى ﴿ الذین کذبوا شعیبا کانوا هم الخاسرين ﴾ وانما کرر قوله ( الذین کذبوا شعيبا ) لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم ، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم ، فيقول الرجل لغيره : أخوك الذى ظلمنا ، أخوك الذى أخذ أموالنا ، أخوك الذى هتك أعراضنا ، وأيضا ان القوم لما قالوا ( لئن أتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) بين تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون . ثم قال تعالى ( فتولى عنهم ) واختلفوا في انه تولى بعد نزول العذاب بهم أو قبل ذلك ، وقد سبق ذكر هذه المسألة . قال الكلبي : خرج من بين أظهرهم ، ولم يعذب قوم نبى حتى أخرج من بينهم . ثم قال ﴿ فكيف آسى على قوم كافرين ﴾ الأسى شدة الحزن . قال العجاج : ، ہے قوله تعالى ((وما أرسلنا في قرية من نبي إلا)) الآية سورة الأعراف ١٩١ الجُزءُ وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَِّيٍ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرْعُونَ (8) تُمَّبَدَّلْنَا مَكَانَ الَِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَقَواْ وَقَالُوا قَدْمَسَّ ◌َابَآءَنَا الضَّرَآءُ وَالََّآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وانحلبت عيناه من فرط الأسى إذا عرفت هذا فنقول : في الآية قولان : ﴿القول الأول﴾ أنه اشتد حزنه على قومه، لأنهم كانوا كثيرين ، وكان يتوقع منهم الاستجابة للايمان ، فلما أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم ، حصل في قلبه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الالفة ، ثم عزى نفسه وقال ( فكيف آسى على قوم كافرين ) لأنهم هم الذين اهلكوا أنفسهم بسبب اصرارهم على الكفر . ﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد لقد أعذرت اليكم في الابلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم ، فلم تسمعوا قولي ، ولم تقبلوا نصيحتي ( فكيف آسى عليكم ) يعنى انهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الانسان عليهم . قال صاحب الكشاف : وقرأ يحي بن وثاب ( فكيف إيسى ) بكسر الهمزة . قوله تعالى ﴿وما أرسلنا في قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباؤنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ اعلم أنه تعالى لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء ، وأحوال ما جرى على أممهم ، كان من الجائز أن يظن أنه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال إلا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط ، فبين في هذه الآية أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم ، وبين العلة التي بها يفعل ذلك : قال تعالى ( وما أرسلنا في قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء) وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين اليهم يبعث الرسل ، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة ، لأنها مجتمع الأقوام. وقوله ( من نبى ) فيه حذف واضمار ، والتقدير : من نبى فكذب أو كذبه أهلها إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء . قال الزجاج : البأساء كل ما نالهم من الشدة في أحوالهم ، والضراء ما قوله تعالى ((ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا )) الآية سورة الأعراف التابع ١٩٢ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىَ ءَ امَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٩٦ نالهم من الأمراض . وقيل على العكس ، ثم بين تعالى أنه يفعل ذلك لكي يضرعوا ، معناه : يتضرعوا ، والتضرع هو الخضوع والانقياد لله تعالى ولما علمت أن قوله ( لعلهم ) لا يمكن حمله على الشك في حق الله تعالى ، وجب حمله على أن المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا . قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الايمان والطاعة . وقال أصحابنا : لما ثبت بالدليل أن تعليل أفعال الله وأحكامه محال وجب حمل الآية على أنه تعالى فعل ، ما لو فعله غيره لكان ذلك شبيها بالعلة والغرض ، ثم بين تعالى أن تدبيره في أهل القرى لا يجرى على نمط واحد ، وانما يدبرهم بما يكون الى الايمان أقرب فقال ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء يدعو الى الانقياد والاشتغال بالشكر ، ومعنى الحسنة والسيئة ههنا الشدة والرخاء . وقال أهل اللغة ( السيئة ) كل ما يسوء صاحبه ، و( الحسنة ) ما يستحسنه الطبع والعقل . والمعنى : أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخاء أخرى . وقوله ( حتى عفوا) قال الكسائي ؛ يقال : قد عفا الشعر وغيره ، إذ كثر، يعفو فهو عاف، ومنه قوله تعالى (حتى عفوا) يعنى كثروا ومنه ما ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام ، أمر أن تحف الشوارب ، وتعفى اللحى يعني توفر وتكثر وقوله ( وقالوا قد مس آباؤنا الضراء والسراء ) فالمعنى : أنهم متى نالهم شدة قالوا ليس هذا بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل وتلك عادة الدهر ، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم الله عليه من رخاء بعد شدة ، وأمن بعد خوف، بل عدلوا الى أن هذه عادة الزمان في أهله ، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد ، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة ، فبين تعالى أنه أزال عذرهم وأزاح علتهم ، فلم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الامهال ، وقوله ( فأخذناهم بغتة ) والمعنى : أنهم لما تمردوا على التقديرين ، أخذهم الله بغتة ، أينما كانوا ، ليكون ذلك أعظم في الحسرة ، وقوله ( وهم لا يشعرون ) أى يرون العذاب والحكمة في حكاية هذا المعنى أن يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة وعرفها . وقوله تعالى ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون . ١٩٣ قوله تعالى ((أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا)) الآية سورة الأعراف ٠٤/٤/٤ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٩٧ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيْئًا وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴾ الْقُرَّ أَنْ يَأْنِيَهُمْ بَأْسُنَا تُحِى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ أَفَأْمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ اْلْخَسِرُونَ قوله تعالى ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ إعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتة ، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم ابواب الخيرات فقال ( ولو أن أهل القرى آمنوا ) أى آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ( واتقوا ) ما نهى الله عنه وحرمه ( لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) بركات السماء بالمطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار ، وكثرة المواشي والأنعام ، وحصول الأمن والسلامة ، وذلك لأن السماء تجرى مجرى الأب ، والأرض تجرى مجرى الأم ، ومنهما يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى وتدبيره . وقوله ( ولكن كذبوا) يعنى الرسل ( فأخذناهم) بالجدوبة والقحط ( بما كانوا يكسبون) من الكفر والمعصية . ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال ﴿ أفأمن أهل القرى ﴾ وهو استفهام بمعنى الانكار عليهم ، والمقصود أنه تعالى خوفهم بنزول ذلك العذاب عليهم في الوقت الذى يكونون فيه في غاية الغفلة . وهو حال النوم بالليل ، وحال الضحى بالنهار ، لأنه الوقت الذى يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه . وقوله ( وهم يلعبون ) يحتمل التشاغل بأمور الدنيا ، فهي لعب ولهو، ويحتمل خوضهم في كفرهم ، لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع . قرأ أكثر القراء ( أوأمن ) بفتح الواو ، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة الاستفهام ، كما دخل في قوله ( أثم إذا ما وقع ) وقوله ( أو كلما عاهدوا ) وهذه القراءة اشبه بما قبله وبعده ، لأن قبله ( أفأمن أهل القرى) وما بعده ( أفأمنوا مكر الله . أو لم يهد للذين يرثون الأرض ) وقرأ بين عامر ( أو أمن ) ساكنة الواو ، واستعمل على ضربين : أحدهما : أن تكون بمعنى أحد الشيئين ، كقوله : زيد أو عمرو جاء ، والمعنى أحدهما جاء . الفخر الرازي ج١٤ م١٣ ١٩٤ قوله تعالى ((او لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها)) الآية سورة الأعراف أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِ ثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَّوْنَشَاءُ أَصَبْنَُهُم بِذُنُوبِهِمْ وَتَطَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٨) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَمَا كَانُوْ لِيُؤْ مِنُواْ بِمَا كَذِّبُواْ مِنْ قَبْلُ كَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الْكَّفِرِ ينَ () والضرب الثاني﴾ أن تكون للاضراب عما قبلها، كقولك: أنا أخرج أو أقيم. أضربت عن الخروج ، وأثبت الاقامة ، كأنك قلت : لا بل أقيم . فوجه هذه القراءة أنه جعل ((أو)) للاضراب لا على أنه أبطل الأول ، وهو ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون ) فكان المعنى من هذه الآية استواء هذه الضروب من العذاب ، وإن شئت جعلت ((أو)) ههنا التي لأحد الشيئين ، ويكون المعنى : أفأمنوا إحدى هذه العقوبات ، وقوله ( ضحى ) الضحى صدر النهار ، وأصله الظهور من قولهم ضحا للشمس إذا ظهر لها . ثم قال تعالى ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ وقد سبق تفسير المكر في اللغة، ومعنى المكر في حق الله تعالى في سورة آل عمران عند قوله ( ومكروا ومكر الله) ويدل قوله ( أفأمنوا مكر الله ) أن المراد أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون . قاله على وجه التحذير ، وسمى هذا العذاب مكرا توسعا ، لأن الواحد منا إذا أراد المركز بصاحبه ، فانه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به ، فسمی العذاب مکرا لنزوله بهم من حیث لا يشعرون ، وبین أنه لا یأمن نزول عذاب الله على هذا الوجه ( إلا القوم الخاسرون ) وهم الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم ، فلا يخافونه ، ومن هذه سبيله ، فهو أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة ، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر ، وفي الآخرة في أشد العذاب . قوله تعالى ﴿ أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لونشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال مجملا ومفصلا أتبعه ببيان أن الغرض من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم ، وفي الآية مسائل : ١٩٥ قوله تعالى ((أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم)) الآية سورة الأعراف ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلف القراء فقرأ بعضهم (أولم يهد) الياء المعجمة من تحتها، وبعضهم بالنون ، قال الزجاج : إذا قرىء بالياء المعجمة من تحت كان قوله ( أن لو نشاء ) مرفوعا بانه فاعله بمعنی أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمین ویرثون أرضهم وديارهم ، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين ، إذا قرىء بالنون فهو منصوب كأنه قيل : أو لم نهد للوارثين هذا الشأن . بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشا أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ؟ ﴿ المسألة الثانية ﴾ المعنى أولم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم ؟ وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، أى عقاب ذنوبهم ، وقوله (ونطبع قلوبهم ) أى أن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم ( فهم لا يسمعون ) أى لا يقبلون ولا يتعظون ، ولا ينزجرون ، وإنما قلنا : إن المراد إما الاهلاك وأما الطبع على القلب . لأن الاهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب ، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الايمان بقوله ( ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة . قال الجبائي : المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها ان أصحابها لا يؤمنون ، وتلك العلامة غير مانعة من الايمان ، وقال الكعبي : إنما أضاف الطبع الى نفسه لأجل أن القوم انما صاروا الى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مرارا كثيرة فلا فائدة من الاعادة . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قوله (ونطبع) هل هو منقطع عما قبله او معطوف على ما قبله . فيه قولان : ﴿ القول الأول﴾ أنه منقطع عن الذى قبله. لأن قوله ( أصبنا) ماض وقوله ( ونطبع ) مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن ، بل هو منقطع عما قبله ، والتقدير: ونحن نطبع على قلوبهم . والقول الثاني ﴾ أنه معطوف على ما قبله . قال صاحب الكشاف: هو معطوف على ما دل عليه معنى ( أو لم يهد ) كأنه قيل يغفلون عن الهداية ، ونطبع على قلوبهم أو معطوف ١٩٦ قوله تعالى ((وما وجدنا لأكثرهم من عهد)) الآية اسورة الأعراف وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَهُمْ لَفَسِقِينَ على قوله ( يرثون الأرض) ثم قال ولا يجوز أن يكون معطوفا على ( أصبناهم ) لأنهم كانوا كفارا وكل كافر فهو مطبوع على قلبه ، فقوله بعد ذلك ( ونطبع على قلوبهم ) يجرى مجرى تحصيل الحاصل . وهو محال . هذا تقرير قول صاحب الكشاف على أقوى الوجوه وهو ضعيف لأن كونه مطبوعا عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه ، فهو يكفر أولا ، ثم يصير مطبوعا عليه في الكفر ، فلم يكن هذا منافيالصحة العطف . ثم قال تعالى ﴿ تلك القرى نقص عليك من أنبائها) قوله ( تلك ) مبتدأ (والقرى) صفة و( نقص عليك ) خبر ، والمراد بتلك القرى قرى الأقوام الخمسة الذين وصفهم فيما سبق ، وهم : قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، نقص عليك من أخبارها كيف أهلكت . وأما أخبار غير هؤلاء الأقوام ، فلم نقصها عليك ، وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الامهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها الله تعالى تنبيها لقوم محمد عليه الصلاة والسلام عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال . ثم عزاه الله تعالى بقوله ( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ) يريد الأنبياء الذين أرسلوا اليهم وقوله ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ) فيه قولان : الأول : قال ابن عباس والسدى : فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ، فآمنوا كرها ، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب ، الثاني : قال الزجاج ( فما كانوا ليؤمنوا) بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به قبل رؤية تلك المعجزات . الثالث : ما کانوا لو أحییناهم بعد إهلاكهم ورددناهم الى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم . ونظيره قوله ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) الرابع : قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر ، فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل أيضا . الخامس ؛ ليؤمنوا في الزمان المستقبل . ثم إنه تعالى بين السبب في عدم هذا القبول فقال ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾ قال الزجاج: والكاف في (كذلك) نصب. والمعنى: مثل ذلك الذى طبع على قلوب كفار الأمم الخالية ، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبدا . والله أعلم بحقائق الأمور . قوله تعالى ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم الفاسقين ﴾ قوله تعالى ((ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون)) الآية سورة الأعراف ١٩٧ ثُمَّبَعَثْنَمِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِعَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَِهِ، فَظَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس : يريد الوفاء بالعهد الذى عاهدهم الله وهم في صلب آدم ، حيث قال ( ألست بربكم قالوا بلى ) فلما أخذ الله منهم هذا العهد وأقروا به ، ثم خالفوا ذلك ، صار كأنه ما كان لهم عهد ، فلهذا قال (وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) والثاني : قال ابن مسعود : العهد هنا الايمان ، والدليل عليه قوله تعالى ( إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) يعنى آمن وقال لا إله إلا الله والثالث : أن العهد عبارة عن وضع الأدلة الدالة على صحة التوحيد والنبوة ، وعلى هذا التقدير فالمراد ما وجدنا لأكثرهم من الوفاء بالعهد . ثم قال ﴿ وإن وجدنا أكثرهم الفاسقين ﴾ أى وإن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة ، صارفين عن الدين . قوله تعالى ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا الى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ، وذكر في هذه القضية من الشرح والتفصيل ما لم يذكر في سائر القصص، لأجل أن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات سائر الأنبياء، وجهل قومه كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام . واعلم ان الكناية في قوله ( من بعدهم ) يجوز أن تعود الى الأنبياء الذين جرى ذكرهم ، ويجوز أن تعود الى الأمم الذين تقدم ذكرهم باهلاكهم وقوله ( بآياتنا ) فيه مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ هذه الآية تدل على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن غيره ، إذ لو لم يكن مختصا بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره . والبحث الثاني ﴾ هذه الآية تدل على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ، ومعجزات كثيرة . ﴿ والبحث الثالث﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما: أول آياته العصاثم اليد، ضرب العصا باب فرعون ، ففزع منها فشاب رأسه ، فاستحيا فخضب بالسواد ، فهو أول مِن ١٩٨ قوله تعالى ((وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين)) الآية سورة الأعراف وَقَالَ مُوسَى يَنْفِرْعَوْنُ إِى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلِنَ (٥) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لََّ أَقُولَ عَلَى الَّهِ إلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِنَةٍ مِنِ رَّبِّكُمْ فَأْسِلْ مَعِىَ بَنِّ إِسْرَِّيَلَ هَ قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِعَايَةٍ فَأْتِ بِهَآَ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ خضب . قال : وآخر الآيات الطمس . قال : وللعصا فوائد كثيرة منها ، ما هو مذكور في القرآن كقوله ( هي عصاى أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ) وذكر الله من تلك المآرب في القرآن قوله ( أضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه أثنتا عشرة عينا ) وذكر ابن عباس أشياء أخرى منها : أنه كان يضرب الأرض بها فتنبت ، ومنها : أنه كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه ، ومنها : أنها كانت تشتعل في الليل كاشتعال الشمعة ، ومنها : أنها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به الماء من البئر العميقة . واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة ، فأما الأمور التي هي غير مذكورة في القرآن فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول . وما لا فلا وقوله أنه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف لأن القرآن يدل على أن موسى عليه السلام ، كان يفزع الى العصا في الماء الخارج من الحجر . وما كان يفزع اليها في طلب الطعام . اما قوله ﴿ فظلموا﴾ أى فظلموا بالآيات التي جاءتهم، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة ، ثم إنهم كفروا بها فوضعوا الانكار في موضع الاقرار والكفر في موضع الايمان كان ذلك ظلما منهم على تلك الآيات . ثم قال ﴿ فانظر﴾ أى بعين عقلك ( كيف كان عاقبة المفسدين ) وكيف فعلنا بهم . قوله تعالى ﴿ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بنی إسرائیل قال إن کنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه كان يقال لملوك مصر: الفراعنة، كما يقال لملوك فارس: الأكاسرة ، فكأنه قال : يا ملك مصر، وكان اسمه قايوس ، وقيل : / الوليد بن مصعب بن الريان . ١٩٩ قولى ((حقيق على أن لا اقول على الله الا الحق)) الآية سورة الأعراف المسألة الثانية ﴾ قوله ( إني رسول من رب العالمين ) فيه إشارة الى ما يدل على وجود الاله تعالى . فان قوله ( رب العالمين) يدل على أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر الى رب يربيه ، وإله يوجده ويخلقه . ثم قال ﴿ حقيق على أن لا أقول على الله الا الحق ﴾ والمعنى أن الرسول لا يقول إلا الحق ، فصار نظم الكلام . كأنه قال : أنا رسول الله ، ورسول الله لا يقول إلا الحق ، ينتج اني لا أقول الا الحق ، ولما كانت المقدمة الأولى خفية ، وكانت المقدمة الثانية جلية ظاهرة ، ذكر ما يدل على صحة المقدمة الأولى ، وهو قوله ( قد جئتكم ببينة من ربكم ) وهي المعجزة الظاهرة القاهرة ، ولما قرر رسالة نفسه فرع عليه تبليغ الحكم . وهو قوله ( فأرسل معي بنى إسرائيل ) ولما سمع فرعون هذا الكلام قال ( إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ) اعلم أن دليل موسى عليه السلام كان مبنيا على مقدمات : إحداها : أن لهذا العالم إلها قادرا عالما حكيما . والثانية : أنه أرسله اليهم بدليل أنه أظهر المعجز على وفق دعواه ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون رسولا حقا . والثالثة : أنه متى كان الأمر كذلك كان كل ما . يبلغه من الله اليهم ، فهو حق وصدق . ثم إن فرعون ما نازعه في شيء من هذه المقدمات إلا في طلب المعجزة ، وهذا يوهم أنه كان مساعدا على صحة سائر المقدمات ، وقد ذكرنا في سورة طه أن العلماء اختلفوا في أن فرعون هل كان عارفا بربه أم لا؟ ولمجيب ان يجيب ، فيقول : إن ظهور المعجزة يدل أولا على وجود الاله القادر المختار ، وثانيا على أن الاله جعله قائما مقام تصديق ذلك الرسول ، فلعل فرعون كان جاهلا بوجود الاله القادر المختار ، وطلب منه إظهار تلك المبينة حتى أنه إن أظهرها وأتى بها كان ذلك دليلا على وجود الاله أولا ، وعلى صحة نبوته ثانيا ، وعلى هذا التقدير : لا يلزم من اقتصار فرعون على طلب البينة ، كونه مقرا بوجود الاله الفاعل المختار . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قرأ نافع ( حقيق على ) مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف. أما قراءة نافع ( فحقيق ) أن يكون بمعنى فاعل . قال الليث : حق الشيء معناه وجب ، ويحق عليك أن تفعل كذا وحقيق على أن أفعله ، بمعنى فاعل . والمعنى : واجب على ترك القول على الله إلا بالحق ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول ، وضع فعيل في موضع مفعول . تقول العرب : حق على أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيرا ، أى حق على ذلك بمعنى استحق . إذا عرفت هذا فنقول : حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلى . قال تعالى ( فحق علينا قول ربنا ) وقال ( فحق عليها القول ) فحقيق يجوز ان يكون موصولا بحرف على من هذا الوجه . وأيضا فان قوله ( حقيق ) بمعنى واجب ، فكما أن وجب يتعدى بعلى ، كذلك ٢٠٠ قوله تعالى ((فألقي عصاه فاذا هي ثعبان مبين)) الآية الأعراف فَأَلْقَ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ١٠٠٠٠٠٠ ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَِّظِرِينَ ١٠٨ حقيق إن أريد به وأب يتعدى بعلى . وأما قراءة العامة ( حقيق على ) بسكون الياء ، ففيه وجوه: الأول: أن العرب تجعل الباء في موضع ((على)) تقول : رميت على القوس وبالقوس ، وجئت على حال حسنة ، وبحال حسنة . قال الأخفش ؛ وهذا كما قال ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) فكما وقعت الباء في قوله ( بكل صراط) موضع ((على)) كذلك وقعت كلمة ((على)) موقع الباء في قوله ( حقيق على أن لا أقول ) يؤكد هذا الوجه قراءة عبد الله ( حقيق بأن لا أقول ) وعلى هذه القراءة فالتقدير : أنا حقيق بأن لا أقول ، وعلى قراءة نافع يرتفع الابتداء ، وخبره : ان لا أقول . الثاني : أن الحق هو الثابت الدائم ، والحقيق مبالغة فيه ، وكان المعنى : أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق . الثالث : الحقيق ههنا بمعنى المحقوق ، وهو من قولك : حققت الرجل اذا ما تحققته وعرفته على يقين ، ولفظة ( على ) ههنا هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية ، كقوله تعالى ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) وتقول جاءني فلان على هيئته وعادته ، وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات ، فمعنى الآية : أني لم أعرف ولم اتحقق إلا على قول الحق . والله أعلم . أما قوله ﴿ فأرسل معي بنى إسرائيل﴾ أى أطلق عنهم وخلهم ، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة ، مثل ضرب اللبن ونقل التراب فعند هذا الكلام قال فرعون ( إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقین ) وفيه بحثان : ﴿ البحث الأول ﴾ أن لقائل أن يقول: کیفقال له ( فأت بها) بعد قوله ( إن كنت جئت بآية ) وجوابه : إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأتني لها وأحضرها عندى ، ليصح دعواك ويثبت صدقك . والبحث الثاني ﴾ أن قوله ﴿ إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ جزاء وقع بين شرطين ، فكيف حكمه ؟ وجوابه أن نظيره قوله : إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا . وههنا المؤخر في اللفظ يكون متقدما في المعنى ، وقد سبق تقرير هذا المعنى فيما تقدم . قوله تعالى ﴿ فألقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين